قال ابنُ عطية (٧/٩٠) في تفسير قوله تعالى: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآيةَ: رفع للحرج عمَّن وهِمَ ونسي وأخطأ، فجرى لسانه على العادة مِن نسبة زيد إلى محمد ﷺ وغير ذلك مما يشبهه، وأبقى الجناح في التعمد مع النهي المنصوص. ثم نقل عن فرقة أنها قالت: بأن خطأهم كان فيما سلف من قولهم ذلك. ثم انتقد (٧/٩١) مستندًا إلى الدلالة العقلية ذلك قائلًا: «وهذا ضعيف، ولا يوصف ذلك بالخطأ إلا بعد النهي، وإنما الخطأ هنا بمعنى: النسيان، وما يكون مقابل العمد»
ذكر ابنُ عطية (٦/٣٩٥-٣٩٦) في قوله: ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾ قولين: الأول: أنّ هذا الرجل المقدَّر في هذه الأحوال لم يرَ يده البتة. كما أفاده قول مقاتل. الثاني: أن هذا الرجل رأى يده بعد جهد وشدة. وقد بيّن ابنُ عطية أن وجْه القول الثاني عند القائلين به أنّ «(كاد) إذا صحبها حرف النفي وجب الفعل الذي بعدها، وإذا لم يصحبها انتفى الفعل». ثم علّق قائلًا: «وهذا لازم متى كان حرف النفي بعد»كاد«داخلًا على الفعل الذي بعدها، تقول: كاد زيد يقوم. فالقيام منفي، فإذا قلت: كاد زيد أن لا يقوم. فالقيام واجب واقع... فإذا كان حرف النفي مع»كاد«فالأمر محتمل؛ مرة يوجب الفعل، ومرة ينفيه، تقول: المفلوج لا يكاد يسكن. فهذا كلام صحيح تضمن نفي السكون، وتقول: رجل متكلم لا يكاد يسكن. فهذا كلام صحيح يتضمن إيجاب السكون بعد جهد ونادرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة:٧١] نفي مع»كاد«تضمن وجوب الذبح». ثم قال: «وقوله في هذه الآية: ﴿لم يكد يراها﴾ نفي مع»كاد«يتضمن في أحد التأويلين نفي الرؤية، ولهذا ونحوه قال سيبويه رحمه الله: إنّ أفعال المقاربة لها نحو آخر. بمعنى: أنها دقيقة التصرف». وذكر ابنُ جرير (١٧/٣٣٢) القولين، وعلّق على الأول بأنه: «أظهر معاني الكلمة من جهة ما تستعمل العرب أكاد في كلامها». وعلّق على الثاني بأنه: «أوضح من جهة التفسير، وهو أخفى معانيه»
ذكر ابنُ جرير (١/٣٩٧-٣٩٨) اختلاف المفسرين في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿من مثله﴾، هل هو عائد على القرآن، أو عائد على الرسول ﷺ؟. ثم رجَّح مستندًا إلى دلالة القرآن، والدلالة العقلية عودَ الضمير على القرآن بقوله: «والتأويل الذي قاله مجاهد وقتادة هو التأويل الصحيح؛ لأن الله -جَلَّ ثناؤه- قال في سورة أخرى: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله﴾ [يونس:٣٨]، ومعلومٌ أن السورة ليست لمحمد بنظير ولا شبيه، فيجوز أن يقال: فأتوا بسورة مثل محمد». ورجَّحه ابنُ كثير (١/٣١٤) مستندًا إلى أحوال النزول، ودلالة العقل، فقال بعد حكاية القول بعَوْدِه على القرآن: «وقال بعضهم: من مِثْل محمد ﷺ، يعني: من رَجُلٍّ أُمِّيٍّ مِثْلِه، والصحيح الأول؛ لأنّ التَّحَدِّي عامٌّ لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم، وقد تَحَدّاهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة، مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك». وزاد ابنُ عطية (١/١٤٧) عن طائفة: أن «الضمير في ﴿مثله﴾ عائد على الكتب القديمة: التوراة، والإنجيل، والزبور»
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ على أقوال: الأول: أن المعنى: ولقد علمت الجنة إنهم لمُشْهَدون الحساب. والثاني: أن المعنى: ولقد علمت الجنة أنّ قائلي هذا القول سيحضرون العذاب في النار. وعلَّقَ ابنُ عطية (٧/٣١٥) على القولين، فقال: «مَن جعل ﴿الجنة﴾: الشياطين؛ جعل العلامة في ﴿عَلِمَت﴾ لها، والضمير في ﴿إنهم﴾ عائد عليهم، أي: جعلوا الشياطين بنسب من الله، والشياطين تعلم ضد ذلك مِن أنها ستحضر أمر الله وثوابه وعقابه. ومَن جعل ﴿الجنة﴾: الملائكة؛ جعل الضمير في ﴿إنهم﴾ للقائلين هذه المقالة، أي: علمت الملائكة أن هؤلاء الكفرة سيحضرون ثواب الله وعقابه. وقد يتداخل هذان القولان». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٩/٦٤٦) القولَ الثانيَ -وهو قول السديّ- استنادًا إلى نظائرها في السورة، فقال: «أولى القولين في ذلك بالصواب قول مَن قال: إنهم لمحضرون العذاب. لأن سائر الآيات التي ذكر فيها الإحضار في هذه السورة إنما عني به: الإحضار في العذاب، فكذلك في هذا الموضع». وظاهر كلام ابن كثير (١٢/٦٢) أنه ذهب إلى هذا أيضًا
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قوله: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾، قال: فكان الرجل إذا مات وترك امرأتَه اعْتَدَّتْ سنةً في بيته، يُنفَقُ عليها مِن ماله، ثُمَّ أنزل الله -تعالى ذكره- بعدُ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]. فهذه عِدَّةُ المُتَوَفّى عنها زوجُها، إلا أن تكون حامِلًا، فعِدَّتُها أن تَضَع ما في بطنها. وقال في ميراثها: ﴿ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ ولَدٌ فَإنْ كانَ لَكُمْ ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ [النساء:١٢]. فبيَّن اللهُ ميراثَ المرأة، وتركَ الوصيةَ والنفقةَ
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: إنّ أول ما نُسِخ في القرآن القِبْلة، وذلك أنّ رسول الله ﷺ لَمّا هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود؛ أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يُحِبُّ قِبْلة إبراهيم، وكان يدعو الله وينظر إلى السماء؛ فأنزل الله: ﴿قد نرى تقلب وجهك﴾ إلى قوله: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾. يعني: نحوه، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولّاهم عن قبلتهم الني كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾. وقال: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة:١١٥]
عن أبي عثمان النهدي، قال: قلتُ: يا أبا هريرة، سمعتُ إخواني بالبصرة يزعُمون أنّك تقول: سمعتُ نبيَّ الله ﷺ يقول: «إنّ الله يجزِي بالحسنةِ ألفَ ألفِ حسنة». فقال أبو هريرة: بل سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنّ الله يجزِي بالحسنةِ ألفَي ألفِ حسنة». ثم تلا هذه الآية: ﴿فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾. فالدُّنْيا ما مضى منها إلى ما بقِيَ منها عندَ اللهِ قليلٌ، وقال الله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾ [البقرة:٢٤٥]. فكيف الكثيرُ عند الله تعالى إذا كانت الدنيا ما مضى منها وما بقِيَ عندَ الله قليلٌ؟!
عن عبد الله بن أبى مُليكة: أنّ عبد الله بن عباس قرأها عليه: ﴿وظنوا أنهم قد كُذِبُوا﴾ مخففة، يقول: أُخْلِفُوا. وقال ابن عباس: وكانوا بشرًا. وتلا: ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله﴾ [البقرة:٢١٤]. قال ابن أبي مُلَيْكَة: فذهب ابنُ عباس إلى أنّهم يَئِسوا وضَعُفُوا، فظَنُّوا أنهم قد أُخلِفُوا. قال ابن أبى مُليكة: وأخبرني عروة عن عائشة أنّها خالفت ذلك وأَبَتْه، وقالتْ: واللهِ، ما وعَدَ اللهُ رسولَه مِن شيء إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت، ولكنَّه لم يَزَلِ البلاءُ بالرُّسُلِ حتى ظَنُّوا أنّ مَن معهم مِن المؤمنين قد كَذَّبوهم، وكانت تقرؤها: ‹وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا› مُثَقَّلة للتكذيب
عن وهب بن مُنَبِّه، قال: لَمّا خلا يوسفُ وامرأةُ العزيز خرجت كَفٌّ بلا جَسَدٍ بينهما، مكتوب عليه بالعِبْرانِيَّة: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ [الرعد:٣٣]. ثم انصَرَفَت الكَفُّ، وقاما مقامهما، ثم رجعت الكَفُّ بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية: ﴿وإن عليكم لحافظين*كرامًا كاتبين*يعلمون ما تفعلون﴾ [الانفطار:١٠-١٢]. ثم انصرفت الكَفُّ، وقاما مقامهما، فعادت الكَفُّ الثالثة، مكتوب عليها: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ [الإسراء:٣٢]. وانصرفت الكفُّ، وقاما مقامهما، فعادت الكفُّ الرابعةَ، مكتوبٌ عليها بالعِبْرانِيَّة: ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ [البقرة:٢٨١]. فولّى يوسفُ عليه السلام هارِبًا
عن ابن عمر: أنّ عمر بن الخطاب خرج ذات يوم إلى الناس، فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن، وأعدلها، وأخوفها، وأرجاها؟ فسكت القوم، فقال ابن مسعود: على الخبير سقطت؛ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «أعظم آية في القرآن: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة:٢٥٥]، وأعدل آية في القرآن: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى آخرها، وأخوف آية في القرآن: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة:٧-٨]، وأرجى آية في القرآن: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر:٥٣]»