سورة القيامة — الآية ٢٣

عن زيد بن ثابت: أنّ رسول الله ﷺ علّمه دعاء، وأَمَره أن يَتعاهده، ويَتعاهد به أهله كلّ يوم، قال: «قُلْ حين تُصبح: لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك وسَعْدَيْك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، اللهم، ما قلتُ من قول أو حَلفتُ من حَلِف أو نَذرتُ من نَذْر فمشيئتك بين يدي ذلك، ما شئتَ كان وما لم تشأ لم يكن، لا حَوْل ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير، اللهم، ما صلَّيتُ من صلاة فعلى مَن صَلَّيتَ، وما لعنتُ من لعْنٍ فعلى مَن لَعنتَ، أنت وليّي في الدنيا والآخرة، تَوفّني مُسلمًا وأَلْحقني بالصالحين، أسألك -اللهم- الرضا بعد القضاء، وبَرْد العَيْش بعد الموت، ولذّة النّظر إلى وجهك، وشَوقًا إلى لقائك، من غير ضراءَ مُضِرّة، ولا فتنةٍ مُضِلّة، أعوذ بك أنْ أظلِم أو أُظلَم، أو أعتدي أو يُعتدى عليَّ، أو أكسِب خطيئة أو ذنبًا لا تَغفره، اللهم، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ذا الجلال والإكرام، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، وأُشهدك -وكفى بك شهيدًا- أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك المُلك ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أنّ محمدًا عبدك ورسولك، وأشهد أنّ وعدك حقٌّ، ولقاءك حقٌّ، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنتَ تَبعث مَن في القبور، وأشهد أنك إن تَكِلني إلى نفسي تَكِلني إلى وهنٍ وعوْرة وذنبٍ وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاغفر لي ذنبي كلّه، إنه لا يَغفر الذّنوب إلا أنت، وتُب عليّ إنك أنت التواب الرحيم»

اختُلِف في تأويل الدرجة؛ فقال بعضهم: هي الفضلُ الذي فَضَّل اللهُ به الرجالَ على النساء في الميراث والجهاد. وقال آخرون: هي الإمْرةُ والطاعة. وقال غيرهم: تلك الدرجة له عليها بما ساق لها من الصَّداق، وأنها إذا قذفته حُدَّت، وإذا قذفها لاعَنَ. وذكر آخرون أنها: اللحية. وذكر بعضهم أنها: إفضاله عليها، وأداء حقها إليها، وصفحه عن الواجب له عليها أو عن بعضه. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏١٢٣-١٢٤) القولَ الأخير الذي قال به ابن عباس مستندًا إلى القرآن، واللغة، فقال: «وذلك أنّ الله -تعالى ذكره- قال: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ عَقِيب قوله: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾، فأخبر -تعالى ذكره- أنّ على الرجل من تَرْكِ ضِرارها في مراجعته إيّاها في أقرائها الثلاثة، وفي غير ذلك من أمورها، وحقوقها مثل الذي له عليها من ترك ضراره في كتمانها إيّاه ما خلق الله في أرحامهن وغير ذلك من حقوقه. ثُمَّ ندب الرجالَ إلى الأخذ عليهنَّ بالفضل إذا تَرَكْنَ أداء بعض ما أوجب الله لهم عليهنَّ، فقال -تعالى ذكره-: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ بتفضلهم عليهِنَّ، وصفحهم لهُنَّ عن بعض الواجب لهم عليهنَّ، وهذا هو المعنى الذي قصده ابن عباس بقوله: ما أُحِبُّ أن أستنظف جميع حَقِّي عليها؛ لأنّ الله -تعالى ذكره- يقول: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾، ومعنى الدرجة: الرتبة، والمنزلة». وعلَّق ابنُ عطية (١‏/‏٥٦٠) على قول ابن عباس بقوله: «وهذا قول حسن بارع». ثم قال (١‏/‏٥٦٠): «وإذا تؤملت هذه الوجوه التي ذكر المفسرون فيجيء من مجموعها درجةٌ تقتضي التفضيل»

أفاد قولُ ابن زيد تخصيص الآية بالمشركين إن آذوا المسلمين، وقد وجّهه ابنُ جرير (٢٠‏/‏٥٢٤) بقوله: «فعلى قول ابن زيد هذا تأويل الكلام: وجزاء سيئة من المشركين إليكم سيئة مثلها منكم إليهم، وإن عفوتم وأصلحتم في العفو فأجركم في عفوكم عنهم إلى الله، إنه لا يحب الظالمين. وهذا على قوله كقول الله عز وجل: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله﴾ [البقرة:١٩٤]، وللذي قال من ذلك وجه». ثم رجّح -مستندًا إلى دلالة العموم، وعدم الدليل على النسخ- أن الصواب: «أن تُحمل الآية على الظاهر، ما لم ينقله إلى الباطن ما يجب التسليم له، وأن لا يحكم لحكم في آية بالنسخ إلا بخبر يقطع العذر أو حجة يجب التسليم لها، ولم تثبت حجة في قوله: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ أنه مراد به المشركون دون المسلمين، ولا بأنّ هذه الآية منسوخة فنسلم لها بأن ذلك كذلك». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٥٢٤) أنّ الزجّاج قال: سمّى العقوبة باسم الذنب. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا إذا أخذنا السيئة في حق الله تعالى بمعنى المعصية، وذلك أن المجازاة من الله تعالى ليست سيئة، إلا بأن سُميّت باسم موجبتها، وأما إن أخذنا السيئة بمعنى المعصية في حقّ البشر، أي: يسوء هذا هذا ويسوؤه الآخر، فلسنا نحتاج إلى أن نقول: سمى العقوبة باسم الذنب، بل الفعل الأول والآخر سيئة»

سورة الرحمن — الآية ٧٠

عن أم سلمة، قالت: قلتُ: يا رسول الله، أخبِرني عن قول الله عز وجل: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة:٢٢]. قال: «حُور: بِيض، عِين: ضخام العيون، شَفر الحوراء بمنزلة جَناح النّسور». وفي لفظ ابن مردويه: «شَفر الجُفون بمنزلة جَناح النّسر». قلتُ: يا رسول الله، أخبِرني عن قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور:٢٤]. قال: «صفاؤهنّ صفاء الدُّر في الأصداف التي لم تمسّه الأيدي». قلت: يا رسول الله، أخبرِني عن قوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾. قال: «خَيْرات الأخلاق، حِسان الوجوه». قلت: يا رسول الله، أخبِرني عن قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩]. قال: «رِقّتهن كرقَّة الجِلدة التي في داخل البيضة مما يلي القشر». قلتُ: يا رسول الله، أخبِرني عن قوله: ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة:٣٧]. قال: «هُنّ اللواتي قُبِضن في دار الدنيا عجائز رُمْصًا شُمْطًا، خلقهنّ الله بعد الكِبر، فجعلهنّ عذارى، عُربًا متعشِّقات مُحبّبات، أترابًا على ميلاد واحد». قلتُ: يا رسول الله، أنساء الدنيا أفضل أم الحُور العين؟ قال: «بل نساء الدنيا أفضل من الحُور العين؛ كفضل الظِّهارَةِ على البِطانة». قلت: يا رسول الله، وبِمَ ذاك؟ قال: «بصلاتهنّ وصيامهنّ وعبادتهنّ الله، ألبس الله وجوههنّ النور، وأجسادهنّ الحرير، بِيض الألوان، خُضر الثياب، صُفر الحلي، مَجامرُهنّ الدُّرّ، وأمشاطهنّ الذهب. يقلن: ألا نحن الخالدات فلا نموت أبدًا، ألا ونحن الناعمات فلا نبأس أبدًا، ألا ونحن المُقيمات فلا نَظْعن أبدًا، ألا ونحن الراضيات فلا نَسخط أبدًا، طُوبى لمن كُنّا له وكان لنا». قلت: يا رسول الله، المرأة منا تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة، ثم تموت، فتدخل الجنة، ويدخلون معها، مَن يكون زوجها؟ قال: «يا أُمّ سلمة، إنها تُخيّر، فتختار أحسنهم خُلقًا، فتقول: أي ربّ، إنّ هذا كان أحسنهم معي خُلقًا في دار الدنيا، فزوّجنيه. يا أُمّ سلمة، ذهب حُسن الخُلق بخير الدنيا والآخرة»

سورة آل عمران — الآية ٦١

عن جابر بن عبد الله، قال: قدم على النبي ﷺ العاقِب والسَّيِّد، فدعاهما إلى الإسلام، فقالا: أسلَمنا، يا محمد. قال: «كذبتما، إن شئتما أخبرتُكما بما يمنعكما من الإسلام؟». قالا: فهات. قال: «حُبُّ الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير». قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على الغد، فغدا رسولُ الله ﷺ، وأخذ بيد عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيباه، وأقرّا له، فقال: «والذي بعثني بالحقِّ، لو فعلا لأمطر الوادي عليهما نارًا». قال جابر: فيهم نزلت: ﴿تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم﴾ الآية

سورة البقرة — الآية ١٠٢

عن عبد الله بن عباس -من طريق عمران بن الحارث- قال: إنّ الشياطين كانوا يَسْتَرِقُون السمعَ من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة حقٍّ كَذَب معها ألف كذبة، فَأُشْرِبَتْها قلوب الناس، واتخذوها دواوين، فأَطْلَع الله على ذلك سليمانَ بن داود، فأخذها، فدفنها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق، فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه المُمَنَّع! قالوا: نعم. فأخرجوه، فإذا هو سحر، فتناسختها الأمم، وأنزل الله عذر سليمان فيما قالوا من السحر، فقال: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ الآية

سورة النساء — الآية ٩٣

عن سعيد بن جبير: أنّ عبد الرحمن بن أبزى أمره أن يسأل عبد الله بن عباس عن هاتين الآيتين؛ التي في النساء: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾ إلى آخر الآية، والتي في الفرقان [٦٨]: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾ الآية. قال: فسألته، فقال: إذا دخل الرجل في الإسلام، وعلم شرائعه وأمره، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا؛ فجزاؤه جهنم لا توبة له. وأما التي في الفرقان فإنها لَمّا أنزلت قال المشركون من أهل مكة: فقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق، وأتينا الفواحش، فما نفعنا الإسلام؟ فنزلت: ﴿إلا من تاب﴾ الآية. فهي لأولئك

سورة البقرة — الآية ٢٦٧

عن باذان، عن ابن عباس، في هذه الآية، قال: قال رسول الله ﷺ لهم: «إنّ لله في أموالكم حقًّا، فإذا بلغ حقُّ الله في أموالكم فأعطوا منه». وكان الناس يأتون أهل الصدقة بصدقاتهم، ويضعونها في المسجد، فإذا اجتمعت قسَّمها رسولُ الله ﷺ بينهم، قال: فجاء رجل ذات يوم بعد ما رَقَّ أهلُ المسجد وتفرّق هامهم بعِذْقِ حَشَفٍ، فوضعه في الصدقة، فلما خرج رسول الله ﷺ أبصره، فقال: «مَن جاء بهذا العِذْق الحَشَف؟». قالوا: لا ندري، يا رسول الله. قال: «بئسما صنع صاحبُ هذا الحَشَف». فأنزل الله تعالى هذه الآية

سورة الأنفال — الآية ٣١

قال عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج-: قوله: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾، قال: كان النَّضْر بن الحارث يختلف تاجرًا إلى فارِس، فيمر بالعِباد وهم يقرءون الإنجيل، ويركعون ويسجدون، فجاء مكة، فوجد محمدًا ﷺ قد أُنزِل عليه، وهو يركع ويسجد، فقال النضر: قد سمعنا، لو نشاء لقلنا مثل هذا. لِلَّذِي سَمِع من العِبادِ. فنزلت: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾. قال: فَقَصَّ ربُّنا ما كانوا قالوا بمكة، وقصَّ قولَهم: ﴿إذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك﴾ الآية

سورة الأنفال — الآية ٤٢

عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير -من طريق يحيى بن عَبّاد- في قوله: ﴿ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد﴾، أي: ولو كان ذلك عن ميعادٍ منكم ومنهم ثم بلَغكم كثرةُ عددِهم وقِلَّة عددِكم ما لَقِيتُموهم، ﴿ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا﴾ أي: ليَقْضِيَ ما أراد بقُدْرتِه مِن إعزاز الإسلام وأهلِه، وإذلالِ الكفر وأهلِه مِن غير بلاء منكم، ففعل ما أراد مِن ذلك بلُطْفِه، فأخرَجه الله ومَن معه إلى العِير لا يريدُ غيرَها، وأَخْرَج قريشًا من مكة لا يريدون إلا الدَّفْعَ عن عِيرهم، ثم ألَّفَ بين القوم على الحرب، وكان لا يريد إلا العير، فقال في ذلك: ﴿ليقضي الله أمرا كان مفعولا﴾ لِيَفْصِلَ بينَ الحق والباطل