عن عبد الله بن الزبير -من طريق ابن أبي مليكة- قال: قدِم رَكْبٌ مِن بني تميم على النبيّ ﷺ، فقال أبو بكر: أمِّر القعقاع بن مَعْبَد. وقال عمر: بل أمِّر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردتَ إلا خلافي. فقال عمر: ما أردتُ خلافك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ حتى انقضت الآية
عن مجاهد، عن عبد الله بن الزبير أنّه كان يقوم للصلاة كأنه عُود، وكان أبو بكر يفعل ذلك، وقال مجاهد بن جبر: هو الخشوع في الصلاة
عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا خرج رسولُ الله ﷺ من الليل، فلحِقَ بغار ثور، قال: وتَبِعه أبو بكر، فلمّا سمع رسولُ الله ﷺ حِسَّه خلفه خاف أن يكون الطَّلَبَ، فلمّا رأى ذلك أبو بكر تنحنح، فلمّا سمع ذلك رسولُ الله ﷺ عرفه، فقام له حتى تَبِعه، فأتيا الغار، فأصبحت قريشٌ في طلبه، فبعثوا إلى رجلٍ من قافَة بني مُدْلِجٍ، فتَبِع الأثرَ حتى انتهى إلى الغار وعلى بابه شجرةٌ، فبال في أصلها القائِفُ، ثم قال: ما جازَ صاحبُكم الذي تطلبون هذا المكان. قال: فعند ذلك حزِن أبو بكر، فقال له رسول الله ﷺ: «لا تحزن؛ إنّ الله معنا». قال: فمكث هو وأبو بكر في الغار ثلاثةَ أيام، يختلِفُ إليهم بالطعام عامِرُ بن فُهَيرة، وعَلِيٌّ يُجَهِّزُهم، فاشتروا ثلاثةَ أباعرَ مِن إبل البحرين، واستأجر لهم دليلًا، فلمّا كان في بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم عليٌّ بالإبل والدليل، فركب رسولُ الله ﷺ راحلةً، وركب أبو بكرٍ أخرى، وركب الدليلُ أخرى، فتوجَّهوا نحوَ المدينة وقد بعَثَت قريشٌ في طلبه
عن ابن عباس، قال: خطَب أبو بكرٍ الناسَ، فقال: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم﴾. قال: وطعامُه: ما قذَف به
عن زيد بن ثابت -من طريق ابن السَّبّاقِ- قال: أرسل إلَيَّ أبو بكر مَقتلَ أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني، فقال: إنّ القتل قدِ اسْتَحَرَّ يومَ اليمامة بالناس، وإنِّي أخشى أن يَسْتَحِرَّ القتلُ بالقُرّاءِ في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني أرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلتُ لعمر: كيف أفعلُ شيئًا لم يفعله رسولُ الله ﷺ؟! فقال عمر: هو -واللهِ- خيرٌ. فلَمْ يزل عمرُ يُراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيتُ الذى رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر جالسٌ عنده لا يتكلم. فقال أبو بكر: إنّك رجلٌ شابٌّ عاقِلٌ ولا نَتَّهمك، كنت تكتب الوحيَ لرسول الله ﷺ؛ فتَتَبَّعِ القرآنَ فاجْمَعْهُ. فواللهِ، لو كلَّفونى نقل جَبَل مِن الجبال ما كان أثقل عَلَيَّ مما أمرانى به مِن جمع القرآن، قلتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟! فقال أبو بكر: هو -واللهِ- خير. فلم أزل أُراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فقمتُ، فتَتَبَّعْتُ القرآنَ أجمعه مِن الرِّقاع، والأكتاف، والعُسُب، وصدور الرجال، حتى وجدتُ مِن سورة التوبة آيتين معَ خزيمة بن ثابت الأنصارى، لم أجدهما معَ أحدٍ غيره: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ إلى آخرهما، وكانت الصحف التى جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حتى توفّاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر
عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: لم أعْقِلْ أبوَيَّ قَطُّ إلا وهما يَدينان الدينَ، ولم يمرَّ علينا يومٌ إلا يأتينا فيه رسولُ الله ﷺ طرفَي النهار؛ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، ولَمّا ابْتُلِي المسلمون خرج أبو بكر مُهاجِرًا قِبَلَ أرضِ الحبشة، حتى إذا بلَغ بَرْكَ الغِمادِ لَقِيَه ابن الدَّغِنَةِ، وهو سَيِّدُ القارَةِ، فقال ابن الدَّغِنَةِ: أين تريدُ، يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأُريدُ أن أسيحَ في الأرضِ أعبُدُ ربِّي. قال ابن الدَّغِنَةِ: فإنّ مثلَك -يا أبا بكرٍ- لا يَخْرُجُ ولا يُخْرَجُ؛ إنّك تَكْسِبُ المعدومَ، وتَصِلُ الرحمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضيفَ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ، فأنا لك جارٌ، فارْجِعْ فاعبُدْ ربّك ببلدك. فارْتَحَل ابن الدَّغِنَةِ، فرجع مع أبي بكر، فطاف ابن الدَّغِنَةِ في كفار قريش، فقال: لا يَخْرُجُ مثلُه ولا يُخْرَجُ، أتُخْرِجون رجلًا يَكسِبُ المعدومَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَحْمِلُ الكَلَّ، ويَقْرِي الضيفَ، ويُعينُ على نَوائبِ الحقِّ؟! فأنْفَذَت قريشٌ جوارَ ابن الدَّغِنَةِ، وأمَّنوا أبا بكرٍ، وقالوا لابن الدَّغِنَةِ: مُرْ أبا بكرٍ فلْيَعْبُدْ ربَّه في داره، ولْيُصَلِّ فيها ما شاء، ولْيَقْرَأ ما شاء، ولا يُؤْذِينا، ولا يَسْتَعلِن بالصلاة والقراءة في غير داره. ففعل، ثم بدا لأبي بكر فابْتَنى مسجدًا بفناء داره، فكان يُصَلِّي فيه ويَقْرَأُ، فَيَتَقَصَّفُ عليه نساءُ المشركين وأبناؤهم يَعْجَبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكّاءً لا يَمْلِكُ دمعَه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشرافَ قريش، فأرسلوا إلى ابن الدَّغِنَةِ، فقدِم عليهم، فقالوا: إنما أجَرنا أبا بكر على أن يَعْبُدَ ربَّه في داره، وإنّه جاوز ذلك، فابْتَنى مسجدًا بفناء داره، وأعْلَن الصلاةَ والقراءةَ، وإنّا خشِينا أن يَفْتِنَ نساءَنا وأبناءَنا، فإن أحبَّ أن يَقْتَصِرَ على أن يعبُدَ ربَّه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يُعْلِنَ ذلك فسَلْهُ أن يَرُدَّ إليك ذِمَّتَك، فإنّا قد كرِهنا أن نُخْفِرَك، ولسنا مُقِرِّين لأبي بكر الاسْتِعلانَ. فأتى ابنُ الدَّغِنَة أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، قد علمِتَ الذي عَقَدْتُ لك عليه، فإمّا أن تقتصِر على ذلك، وإما أن تَرُدَّ إلَيَّ ذِمَّتي، فإنِّي لا أُحِبُّ أن تَسْمَعَ العربُ أنِّي أُخْفِرتُ في عقدِ رجلٍ عقَدتُ له. فقال أبو بكر: فإنِّي أرُدُّ إليك جِوارَك، وأرْضى بجوار الله ورسوله. ورسولُ الله ﷺ يومئذٍ بمكة، قال رسول لله ﷺ للمسلمين: «قد أُريتُ دارَ هِجْرَتِكم، أُرِيتُ سبَخةً ذاتَ نخلٍ بين لابَتَين، وهما حَرَّتان». فهاجر مَن هاجر قِبَلَ المدينة حين ذَكَر ذلك رسولُ الله ﷺ، ورجع إلى المدينة بعضُ مَن كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين، وتجهَّز أبو بكر مُهاجِرًا، فقال له رسول الله ﷺ: «على رِسْلِك؛ فإنِّي أرْجُو أن يُؤذَنَ لي». فقال أبو بكر: وترجو ذلك، بأبي أنت؟! قال: «نعم». فحَبَس أبو بكر نفسَه على رسول الله ﷺ لصحبته، وعلَف راحلتين كانتا عنده ورقَ السَّمُرِ أربعةَ أشهر، فبينما نحن جلوسٌ في بيتنا في نَحْرِ الظهيرة قال قائِلٌ لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ مُقْبِلًا في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فِداه أبي وأمي، إن جاء به في هذه الساعة إلّا أمرٌ. فجاء رسولُ الله ﷺ، فاستأذن، فأُذِن له، فدخل، فقال رسول الله ﷺ حين دخل لأبي بكر: «أخرِجْ مَن عندَك». فقال أبو بكر: إنّما هم أهلُك، بأبي أنتَ يا رسولَ الله. فقال رسول الله ﷺ: «فإنّه قد أُذِن لي بالخروج». فقال أبو بكر: فالصَّحابةَ بأبي أنت يا رسولَ الله. فقال رسول الله ﷺ: «نعم». فقال أبو بكر: فخُذْ -بأبي أنت يا رسولَ الله- إحدى راحِلَتَيَّ هاتين. فقال رسول اللهﷺ: «بالثمَن». قالت عائشة: فجهَّزْناهما أحَثَّ الجهاز، فصنعنا لهما سُفْرةً في جرابٍ، فقطَعَتْ أسماءُ بنت أبي بكر من نِطاقِها، فأوكَتْ به الجرابَ؛ فلذلك كانت تسمّى: ذاتَ النِّطاق، ولحق رسولُ الله ﷺ وأبو بكر بغارٍ في جبلٍ يُقال له: ثَوْرٌ. فمكثا فيه ثلاثَ ليالٍ، يبيتُ عندهما عبدُ الله بن أبي بكر وهو غلامٌ شابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ، فيخرُجُ من عندهما سَحَرًا، فيصبحُ مع قريشٍ بمكة كبائتٍ، فلا يَسمَعُ أمرًا يُكادانِ به إلا وعاه، حتى يأتيَهما بخبر ذلك حين يختلطُ الظلامُ، ويرعى عليهما عامرُ بن فُهَيرةَ -مولًى لأبي بكر- مَنِيحةً مِن غنمٍ، فيُريحُها عليهما حين يذهبُ بغَلَسٍ ساعةً من الليل، فيبيتان في رِسلِهما حتى يَنعِقَ بها عامرُ بن فهيرة بغلَسٍ، يفعلُ ذلك كلَّ ليلةٍ من تلك الليالي الثلاث، واستأجَر رسولُ الله ﷺ رجلًا من بني الدِّيل ثم مِن بني عبد بن عديٍّ هاديًا خِرِّيتًا -والِخرِّيتُ: الماهرُ بالهداية-، قد غَمَس يمين حِلْفٍ في آل العاصي بن وائل، وهو على دين كفار قريش، فأمِناه، فدفعا إليه راحِلَتَيْهما، وواعَداه غارَ ثورٍ بعدَ ثلاثِ ليالٍ، فأتاهما براحلتيهما صبيحةَ ثلاثِ ليالٍ، فارتحَلا، فانطلق معهما عامرُ بن فُهيرةَ مولى أبي بكر، والدليلُ الدِّيليُّ، فأخذ بهم طريقَ أذاخِرَ، وهو طريقُ الساحل
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾، وذلك أنّ فارس غلبت الروم، ففرح بذلك كفار مكة، فقالوا: إنّ فارس ليس لهم كتاب، ونحن منهم، وقد غلبوا أهل الروم، وهم أهل كتاب قبلكم، فنحن أيضًا نغلبكم كما غلبت فارسُ الروم. فخاطرهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه على أن يُظهِر الله عز وجل الروم على فارس، فلما كان يوم بدر غلب المسلمون كفار مكة، وأتى المسلمين الخبرُ بعد ذلك، والنبي ﷺ والمؤمنون بالحديبية: أنّ الروم قد غلبوا أهل فارس. ففرح المسلمون بذلك، فذلك قوله -تبارك وتعالى-: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- قال: يريد: أبا بكر، وذلك أنه حين أسلم أتاه عبدُ الرحمن بن عوف، وسعدُ بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، فقالوا لأبي بكر رضي الله عنه: آمنتَ وصدّقتَ محمدًا عليه الصلاة والسلام؟ فقال أبو بكر: نعم. فأتوا رسول الله ﷺ، فآمنوا وصدّقوا؛ فأنزل الله تعالى يقول لسعد: ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾، يعني: أبا بكر رضي الله عنه
عن عمرو بن ميمون الأوْدي، قال: كلّ مؤمن صِدّيقٌ وشهيد. ثم قرأ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، قال: هم صِدِّيقون وشهداء
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي سلمة- أنّ أبا بكر خرج وعمرُ يُكَلِّمُ الناسَ، فقال: اجلس، يا عمر. فأبى عمرُ أن يجلس، فأقبل الناسُ إليه، وتركوا عمر، وقال أبو بكر: أما بعد، مَن كان يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإنّ الله حي لا يموت، قال الله: ﴿وما محمد إلا رسول﴾ إلى قوله: ﴿الشاكرين﴾. قال: فواللهِ، لكأنّ الناسَ لم يعلموا أنّ الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلاها منه الناسُ كلُّهم، فما أسمع بشرًا مِن الناس إلا يتلوها