أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ على أقوال: الأول: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يعني: آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ ذرية آدم في أرحام النساء. وهو قول ابن عباس، والربيع، والسدي، وقتادة، والضحاك. الثاني: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ في أصلاب آبائكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ في بطون أمهاتكم. وهو قول عكرمة، والأعمش. الثالث: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يعني: آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ في ظهره. وهو قول مجاهد. الرابع: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ في بطون أمهاتكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ فيها. وهو قول الكلبي. ورجَّح ابن جرير (١٠‏/‏٨٠) مستندًا إلى السياق، ولغة العرب القولَ بأنّ المراد: خلقنا آدم، ثم صورنا آدم. وذلك قريب المعنى من القول الثالث، وبيَّن علَّة ذلك، فقال: «لأنّ الذي يتلو ذلك قوله: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾، ومعلوم أنّ الله -تبارك وتعالى- قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يُصَوِّر ذُرِّيَّته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم. و»ثم«في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، وذلك كقول القائل: قمتُ ثم قعدتُ. لا يكون القعود إذا عُطِف به بـ»ثم«على قوله: قمت، إلا بعد القيام، وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها، وذلك كقول القائل: قمتُ وقعدتُ... فلِما وصفنا قلنا: إنّ قوله: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ لا يصح تأويله إلا على ما ذكرناه». وانتَقَد ابن كثير (٦‏/‏٢٦٤) مستندًا إلى السياق القول الأول، فقال: «وهذا فيه نظر؛ لأنّه قال بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾. فدلَّ على أن المراد بذلك آدم، وإنّما قيل ذلك بالجمع لأنّه أبو البشر، كما قال الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن النبي ﷺ: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأَنزلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة:٥٧]، والمراد: آباؤهم الذين كانوا في زمن موسى، ولكن لَمّا كان ذلك مِنَّةً على الآباء الذين هم أصلٌ صار كأنه واقع على الأبناء». ووجَّه ابن عطية (٣‏/‏٥٢٠) قولَ مجاهد والقولَ الذي رجحه ابن جرير بأن تكون ﴿ثم﴾ على بابها في الترتيب والمهلة

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في المعنيِّ بهذين الخصمين على أقوال: الأول: أنهما فريق المسلمين وفريق المشركين الذين تبارزوا يوم بدر. الثاني: أنهما فريق الإيمان، والفريق الآخر هم أهل الكتاب. الثالث: أنهما فريق الإيمان وفريق الكفار كلهم من أي ملة كانوا. الرابع: أنهما الجنة والنار اختصمتا. ورجَّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٤٩٣) وابنُ عطية (٦‏/‏٢٢٨) استنادًا إلى السياق القول الثالث، وهو قول مجاهد، والحسن من طريق أبي قزعة، وعطاء، وابن جريج، وعلَّل ابنُ جرير ذلك بقوله: «لأنه -تعالى ذِكْرُه- ذَكَر قبل ذلك صنفين من خلقه: أحدهما: أهل طاعةٍ له بالسجود له. والآخر: أهل معصيةٍ له، قد حَقَّ عليه العذاب، فقال: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَواتِ ومَن فِي الأَرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾، ثم قال: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾، ثم أتْبَع ذلك صفة الصنفين كليهما وما هو فاعلٌ بهما، فقال: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِن نارٍ﴾، وقال الله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾، فكان بيِّنًا بذلك أنّ ما بين ذلك خبرٌ عنهما». ثم وجه قول أبي ذرٍّ بنزولها في الذين بارزوا يوم بدر بأن «ذلك -إن شاء الله- كما روي عنه، ولكن الآية قد تنزل بسبب من الأسباب ثم تكون عامَّةً في كل ما كان نظير ذلك السبب، وهذه مِن تلك، وذلك أن الذين تبارزوا إنما كان أحد الفريقين أهل شركٍ وكفرٍ بالله، والآخر أهل إيمان بالله وطاعة له، فكل كافر في حكم فريق الشرك منهما في أنه لأهل الإيمان خَصْمٌ، وكذلك كل مؤمن في حكم فريق الإيمان منهما في أنه لأهل الشرك خَصْمٌ». ووافقهما ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٠)، وعلَّق على القول الثالث بأنه «يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها؛ فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان، وخذلان الحق، وظهور الباطل». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٢٢٨) أن قوله تعالى: ﴿اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ «معناه: في شأن ربهم وصفاته وتوحيده». وذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يريد: في رضى ربهم، وفي ذاته»

اختلف في المأمور بأخذ الأسلحة؛ فقال قوم: هم الطائفة المصلية. وقال آخرون: الحارسة. ورجَّح ابنُ عطية (٣‏/‏١٠) العموم، فقال: «ولفظ الآية يتناول الكل». واختُلف في المشار إليه بقوله: ﴿فليكونوا﴾؛ فقيل: هم الطائفة التي لم تصل. وقيل: إنهم المصلون معه أُمروا إذا سجدوا أن ينصرفوا إلى الحراسة. واختلف العلماء كيف ينصرفون بعد السجود؛ فقال قوم: إذا أتموا مع الإمام ركعةً أتموا لأنفسهم ركعةً، ثم سلموا، وانصرفوا، وقد تمت صلاتهم. وقال آخرون: ينصرفون عن ركعةٍ. واختلف هؤلاء؛ فقال بعضهم: إذا صلوا مع الإمام ركعة وسلموا، فهي تجزئهم. وقال آخرون: بل ينصرفون عن تلك الركعة إلى الحراسة وهم على صلاتهم، فيكونون في وجه العدو مكان الطائفة الأخرى التي لم تصل، وتأتي تلك الطائفة. واختلفوا في الطائفة الأخرى؛ فقال قوم: إذا صلى بهم الإمام أطال التشهد حتى يقضوا الركعة الفائِتة، ثم يسلّم بهم. وقال آخرون: بل يسلم هو عند فراغه من الصلاة بهم، فإذا سلم قضوا ما فاتهم. وقال آخرون: بل يصلي بالطائفة الثانية ركعة، ويسلم هو، ولا تسلم هي، بل ترجع إلى وجه العدو، ثم تجيء الأولى، فتقضي ما بقي من صلاتها وتسلم، وتمضي وتجيء الأخرى، فتتم صلاتها. ورجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٤٤٢) أن تقوم مع الإمام طائفة تصلى ركعتها، ثم تُتِمُّ لنفسها وتنصرف، ثم تأتي الطائفة الأخرى لتصلي مع الإمام الركعة التي بقيت. مستندًا في ذلك إلى السنة، وقال: «وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ: أنّه فعله يوم ذات الرقاع. والخبر الذي روى سهل بن أبي حثْمة». وانتَقَدَ (٧‏/‏٤٤٢-٤٤٤) القول بأن الطائفة الأولى إذا سجدت مع الإمام فقد انقضت صلاتها استنادًا لِما رجَّحه قبل من أن القصر في قوله: ﴿إن خفتم... ﴾ قصر كيفية لا كمية. وانتقد من قال بالتقدم والتأخر مستندًا لمخالفته ظاهر الآية، ودلالة العقل، فقال: «وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- يقول: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾. وكلتا الطائفتين قد كانت صلَّت مع النبي ﷺ ركعته الأولى في صلاته بعسفان، ومحالٌ أن تكون التي صلَّت مع النبي ﷺ هي التي لم تصلِّ معه، وإذْ كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية أمر من الله -تعالى ذكرهُ- للطائفة الأولى بتأخير قضاء ما بقي عليها من صلاتها إلى فراغ الإمام من بقية صلاته، ولا على المسلمين الذين بإزاء العدوّ في اشتغالها بقضاء ذلك ضرر؛ لم يكن لأمرها بتأخير ذلك وانصرافها قبل قضاء باقي صلاتها عن موضعها معنى». ثم قال: «غير أن الأمر وإن كان كذلك فإنّا نرى أنّ مَن صلاها من الأئمة، فوافقت صلاتُه بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله ﷺ أنّه صلاها؛ فصلاته مجزئة عنه تامة لصحّة الأخبار بكل ذلك عن رسول الله ﷺ»

اختُلف في معنى: ﴿وأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ على أقوال: الأول: عُنِيَ بذلك: الجن؛ أنهم كادوا يركبون رسول الله صلى الله ﷺ لَمّا سمعوا القرآن. الثاني: أنه من قول النَّفَر من الجنّ، لَمّا رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأَوا من طاعة أصحاب رسول الله ﷺ له، وائتمامهم به في الركوع والسجود. الثالث: أنّ ذلك من خبر الله الذي أوحى إلى نبيِّه ﷺ، لعلمِه أنّ الإنسَ والجنَّ تظاهروا عليه، ليُبْطِلوا الحق الذي جاءهم به، فأبى الله إلا إتمامه. ووجَّه ابنُ جرير (٢٣‏/‏٣٤٣) القول الأول بقوله: «ومَن قال هذا القول جعل قوله: ﴿وأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾ مما أُوحِيَ إلى النبي، فيكونُ معناه: قل أوحِيَ إليَّ أنه استمع نَفَرٌ من الجن، وأنه لَمّا قام عبد الله يدعوه». ووجَّه (٢٣‏/‏٣٤٤) القول الثاني بقوله: «ومَن قال هذا القول الذي ذكرناه... يفتَحُ الألف من قوله: ﴿وأَنَّهُ﴾ عطف بها على قوله: ﴿وأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ [الجن:٣] مفتوحةً، وجاز له كسْرُها على الابتداء». ووجَّه (٢٣‏/‏٣٤٥) القول الثالث بقوله: «ومَن قال هذا القول فتحَ الألف من قوله: ﴿وأَنَّهُ﴾». ورجَّح ابنُ جرير (٢٣‏/‏٣٤٥) -مستندًا إلى السياق، ودلالة العقل- القول الثالث، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير من طريق رجل، ومجاهد، وابن زيد، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن قوله: ﴿وأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾ عقيب قوله: ﴿وأَنَّ المَساجِدَ للهِ﴾ وذلك من الله -جلَّ وعزَّ- خبرٌ، فكذلك قوله: ﴿وأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾. وأخرى أنه -تعالى ذِكْرُه- أتْبَع بذلك قوله: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا﴾، فمعلومٌ أن الذي يَتْبَع ذلك الخبر عمّا لقيَ المأمورُ بأن لا يدعوَ مع الله أحدًا في ذلك، لا الخبرُ عن كثرة إجابة المدعُوِّين وسرعتهم إلى الإجابة». وكذا ابنُ كثير (١٤‏/‏١٥٦) مستندًا إلى السياق، فقال: «وهو الأظهر؛ لقوله بعده: ﴿قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا﴾، أي: قال لهم الرسول لَمّا آذَوه وخالفوه وكذّبوه وتَظاهروا عليه، ليُبطلوا ما جاء به من الحق، واجتمعوا على عداوته: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ أي: إنما أعبد ربي وحده لا شريك له، وأستجير به وأتوكل عليه، ﴿ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٣٦) أنه إن «قدّرنا الضمير -في لفظة ﴿كادُوا﴾- للجن فبتقصفهم عليه لاستماع الذكر. وهذا تأويل ابن عباس، والضحاك. وإن قدرناه للكفار فبتمالئهم عليه وإقبالهم على أمْره بالتكذيب والرد. وهذا تأويل الحسن، وقتادة». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏٤٣٥) عن قوم أنّ «العبد»: «هو نوح عليه السلام، والضمير في ﴿كادُوا﴾ لكفار قومه». ثم انتقده قائلًا: «ولا يتَّجه أن يكون العبدُ نوحًا عليه السلام إلا على تحاملٍ في تأويل نَسَق الآية»

سورة ص — الآية ٢٢

عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق بعض أهل العلم-: أن داود حين دخل محرابه ذلك اليوم قال: لا يَدْخُلَنَّ عَلَيَّ محرابي اليومَ أحدٌ حتى الليل، ولا يشغلني شيء عما خلوتُ له حتى أمسي. ودخل محرابه، ونشر زبوره يقرؤه، وفي المحراب كُوَّة تُطْلِعه على تلك الجُنينة، فبينا هو جالس يقرأ زبوره إذ أقبلت حمامة من ذهب، حتى وقعت في الكُوَّة، فرفع رأسه، فرآها، فأعجبته، ثم ذكر ما كان قال: لا يشغله شيء عما دخل له، فنكَّس رأسه، وأقبل على زبوره، فتصوَّبت الحمامة للبلاء والاختبار مِن الكُوَّة، فوقعت بين يديه، فتناولها بيده، فاستأخرت غير بعيد، فاتبعها، فنهضت إلى الكُوَّة، فتناولها في الكُوَّة، فتصوّبت إلى الجنينة، فأتبعها بصرَه أين تقع، فإذا المرأة جالسة تغتسل بهيئة اللهُ أعلم بها في الجمال والحُسن والخلْق، فيزعمون أنها لما رأته نقضت رأسها، فوارتْ به جسدها منه، واختطفت قلبه، ورجع إلى زبوره ومجلسه، وهي مِن شأنه، لا يفارق قلبُه ذِكرها، وتمادى به البلاء حتى أغزى زوجَها، ثم أمر صاحب جيشه -فيما يزعم أهلُ الكتاب- أن يُقدِّم زوجها للمهالك، حتى أصابه بعضُ ما أراد به مِن الهلاك، ولداود تسع وتسعون امرأة، فلما أصيب زوجُها خطبها داود، فنكحها، فبعث اللهُ إليه وهو في محرابه مَلَكين يختصمان إليه، مثلًا يضربه له ولصاحبه، فلم يُرَعْ داود إلا بهما واقفين على رأسه في محرابه، فقال: ما أدخلكما عَلَيَّ؟ قالا: لا تخف، لم ندخل لبأس ولا لريبة، ﴿خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ فجئناك لتقضي بيننا، ﴿فاحْكُمْ بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ أي: احملنا على الحق، ولا تخالف بنا إلى غيره. قال الملَك الذي يتكلم عن أوريا بن حنانيا زوج المرأة: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ أي: على ديني، ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أي: احملني عليها، ثم ﴿وعَزَّنِي فِي الخِطابِ﴾ أي: قهرني في الخطاب، وكان أقوى مِنِّي هو وأَعَزّ، فحاز نعجتي إلى نعاجه، وتركني لا شيء لي. فغضب داود، فنظر إلى خصمه الذي لم يتكلم، فقال: لئن كان صدقني ما يقول لأضربنَّ بين عينيك بالفأس. ثم ارعوى داود، فعرف أنه هو الذي يُراد بما صنع في امرأة أوريا، فوقع ساجدًا تائبًا مُنيبًا باكيًا، فسجد أربعين صباحًا صائمًا لا يأكل فيها ولا يشرب، حتى أنبت دمعُه الخَضِر تحت وجهه، وحتى أندب السجودُ في لحم وجهه، فتاب الله عليه، وقَبِل منه. ويزعمون أنّه قال: أي رب، هذا غفرتَ ما جنيتُ في شأن المرأة، فكيف بدم القتيل المظلوم؟ قيل له: يا داود -فيما زعم أهل الكتاب-، أما إنّ ربك لم يظلمه بدمه، ولكنه سيسأله إيّاك فيعطيه، فيضعه عنك. فلما فُرِّج عن داود ما كان فيه رسم خطيئته في كفه اليمنى؛ بطن راحته، فما رفع إلى فيه طعامًا ولا شرابًا قطُّ إلا بكى إذا رآها، وما قام خطيبًا في الناس قطُّ إلا نشر راحته، فاستقبل بها الناسَ ليروا رسم خطيئته في يده

سورة القلم — الآية ٤٢

عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: «يَجمع الله الناس يوم القيامة، ويَنزل الله في ظُلل من الغمام، فيُنادي منادٍ: يا أيها الناس، ألم تَرضَوا من ربكم الذي خَلَقكم وصوَّركم ورزقكم أن يُولِيّ كلّ إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويَتولّى، أليس ذلك مِن ربكم عَدلًا؟ قالوا: بلى. قال: فليَنطلِق كلُّ إنسان منكم إلى ما كان يَتولّى في الدنيا. ويَتمثّل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا، ويُمثَّل لِمَن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويُمثَّل لِمَن كان يعبد عُزَيرًا شيطان عُزَير، حتى يُمثَّل لهم الشجرة والعُود والحَجر، ويَبقى أهل الإسلام جُثومًا، فيَتمثَّل لهم الرّبّ عز وجل، فيقول لهم: ما لكم لم تَنطلِقوا كما انطَلق الناس؟ فيقولون: إنّ لنا ربًّا ما رأيناه بعد. فيقول: فبِم تَعرفون ربَّكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة؛ إن رأيناه عَرفناه. قال: وما هي؟ قالوا: يَكشف عن ساق. فيَكشف عند ذلك عن ساقٍ، فيَخرّ كلُّ مَن كان يَسجد طائعًا ساجدًا، ويَبقى قومٌ ظهورُهم كصَياصِيّ البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون، ثم يؤمرون، فيَرفعون رؤوسهم، فيُعطَون نورهم على قدْر أعمالهم، فمنهم مَن يُعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم مَن يُعطى نوره فوق ذلك، ومنهم مَن يُعطى نوره مثل النّخلة بيمينه، ومنهم مَن يُعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر ذلك مَن يُعطى نوره على إبهام قَدميه، يضيء مرة ويُطفِئ مرة، فإذا أضاء قَدّم قدمه، وإذا طُفئ قام فيَمُرّ، ويَمُرُّون على الصراط، والصراط كحدّ السيف دَحْض مَزَلَّة، فيقال لهم: انجُوا على قدْر نوركم. فمنهم مَن يَمُرّ كانقضاض الكوكب، ومنهم مَن يَمُرّ كالطّرف، ومنهم مَن يَمُرّ كالريح، ومنهم مَن يَمُرّ كشدّ الرَّحل ويَرمُل رَمَلًا، يَمُرّون على قدْر أعمالهم، حتى يَمُرّ الذي نوره على إبهام قدمه؛ يَجُرّ يدًا ويُعلّق يدًا، ويَجُرّ رِجلًا ويُعلّق رِجلًا، وتُصيب جوانبه النار، فيَخلُصُون، فإذا خَلَصُوا قالوا: الحمد لله الذي نجّانا منك بعد الذي أراناك، لقد أعطانا الله ما لم يُعط أحدًا. فيَنطلِقون إلى ضَحْضاح عند باب الجنة، فيَغتسِلون، فيعود إليهم ريحُ أهل الجنة وألوانهم، ويَرون من خَلَلِ باب الجنة وهو مُصْفَقٌ منزلًا في أدنى الجنة، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول لهم: أتسألون الجنة وقد نَجّيتكم من النار؟! فيقولون: ربّنا، أعطِنا، اجعل بيننا وبين النار هذا الباب، لا نَسمع حَسيسها. فيقول لهم: لعلّكم إنْ أُعطيتموه أن تسألوا غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه؟! قال: فيَدخلون الجنة، ويُرفع لهم منزلٌ أمام ذلك كأن الذي رَأوا قبل ذلك حُلْمٌ عنده، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول: لعلّكم إنْ أعطيتكموه أن تسألوني غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسأل غيره، وأي منزل أحسن منه؟! فيُعطَونه، ثم يُرفع لهم أمام ذلك منزل آخر كأن الذي أُعطوه قبل ذلك حُلْمٌ عند الذي رَأوا، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول: لعلّكم إنْ أُعطيتموه أن تسألوني غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسألك غيره، وأي منزل أحسن منه؟! ثم يَسكتون، فيقال لهم: ما لكم لا تَسألون؟ فيقولون: ربّنا، قد سألناك حتى استحيينا. فيقال لهم: ألم تَرضَوا أنْ أُعطيكم مثل الدنيا منذ يوم خَلَقتُها إلى يوم أفنيتُها وعشرة أضعافها؟ فيقولون: أتستهزئ بنا وأنت ربّ العالمين؟!». قال مسروق: فلمّا بلغ عبد الله هذا المكان من الحديث ضحك، وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يُحدّثه مرارًا، فما بلغ هذا المكان من الحديث إلا ضحك حتى تَبدوَ لهَواتُه، ويَبدوَ آخر ضِرس مِن أضراسه لقول الإنسان، قال: «فيقول: لا، ولكني على ذلك قادر فسلوني. قالوا: ربّنا، ألحِقنا بالناس. فيقال لهم: الحقُوا الناس. فينطَلِقون يَرْمُلون في الجنة، حتى يَبدوُ للرجل منهم في الجنة قصر؛ دُرّة مُجَوّفة، فيَخِرّ ساجدًا، فيقال له: ارفع رأسك. فيَرفع رأسه، فيقول: رأيتُ ربي! فيقال له: إنما ذلك منزل من منازلك. فيَنطلِق، فيستقبله رجل، فيَتهيّأ للسجود، فيُقال له: ما لك؟ فيقول: رأيتُ مَلكًا! فيقال له: إنما ذلك قَهْرمان من قهارمتكَ، عبد من عبيدك. فيأتيه، فيقول: إنما أنا قَهْرمان من قهارمتكَ على هذا القصر، تحت يدي ألف قَهْرمان، كلّهم على ما أنا عليه. فيَنطلِق به عند ذلك حتى يفتح له القصر، وهي درة مجوفة، سقائفها وأغلاقها وأبوابها ومفاتيحها منها. قال: فيفتح له القصر، فتستقبله جوهرة خضراء مُبطّنة بحمراء سبعون ذراعًا فيها ستون بابًا، كلّ باب يُفضي إلى جوهرة على غير لون صاحبتها، في كلّ جوهرة سُررٌ وأزواج ونصائف، أو قال: ووصائف. فيَدخل فيه، فإذا هو بحَوْراء عَيناء عليها سبعون حُلّة، يُرى مخ ساقها من وراء حُلَلها، كبدها مرآته، وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفًا عما كانت قبل ذلك، وإذا أعرضتْ عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفًا عما كان قبل ذلك، فتقول: لقد ازددتَ في عيني سبعين ضعفًا. ويقول لها مثل ذلك. قال: فيُشرف على مُلكه مَدّ بصره، مسيرة مائة عام». قال: فقال عمر بن الخطاب عند ذلك: ألا تسمع -يا كعب- ما يُحدّثنا به ابن أُمّ عبد عن أدنى أهل الجنة ماله، فكيف بأعلاهم؟! فقال: يا أمير المؤمنين، ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ، إنّ الله كان فوق العرش والماء، فخَلَق لنفسه دارًا بيده، فزيَّنها بما شاء، وجَعل فيها ما شاء من الثمرات والشراب، ثم أطبقَها، فلم يَرها أحد من خَلْقه منذ خَلَقها، لا جبريل ولا غيره من الملائكة. ثم قرأ كعب: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ الآية [السجدة:١٧]. وخَلَق دون ذلك جَنّتين، فزيّنهما بما شاء، وجعل فيهما ما ذَكر من الحرير والسُّندس والإسْتَبرق، وأراهما مَن شاء من خَلْقه من الملائكة، فمَن كان كتابه في عِلّيّين نَزل تلك الدار، فإذا ركب الرجل من أهل عِلّيّين في مُلكه لم يَبق خَيمة من خِيام الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه، حتى إنهم ليَستنشِقون ريحه، ويقولون: واهًا لهذه الريح الطّيّبة. ويقولون: لقد أشرف علينا اليوم رجل من أهل عِلّيّين. فقال عمر: ويحك -يا كعب- إنّ هذه القلوب قد استَرسلتْ، فاقْبضها. فقال كعب: يا أمير المؤمنين، إنّ لِجهنم زَفرةً ما من مَلك ولا نبي إلا يَخرّ لرُكْبته، حتى يقول إبراهيم خليل الله: ربّ، نفسي نفسي. وحتى لو كان لك عمل سبعين نبيًّا إلى عملك لَظننتَ أن لن تَنجو منها

سورة الرعد — الآية ٢٩

عن وهْبِ بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن مَعْقِلٍ- قال: إنّ في الجنة شجرةً يُقال لها: طُوبى، يسيرُ الراكبُ في ظِلّها مائة عامٍ لا يقطعها؛ وزهرها رِياطٌ، وورقها بُرُودٌ، وقُضْبانها عَنبَرٌ، وبَطْحاؤُها ياقوتٌ، وتُرابها كافورٌ، ووَحْلُها مِسْكٌ، يخرج مِن أصلها أنهار الخَمْر واللَّبَن والعَسَل، وهي مجلِسٌ مِن مجالس أهل الجنة، ومُتَحَدَّثٌ بينهم، فبينما هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكةٌ مِن ربهم يقُودون نُجُبًا مَزْمُومةً بسلاسل مِن ذهبٍ، وُجُوهُها كالمصابيح مِن حُسْنِها، ووَبَرُها كخَزِّ المِرْعِزّى مِن لِينه، عليها رِحالٌ ألواحها مِن ياقوتٍ، ودُفوفها مِن ذهب، وثيابها مِن سُندُس وإستبرق، فيُنِيخُونها، ويقولون: ربُّنا أرْسَلَنا إليكم لِتَزُورُوه. فيركبونها، فهي أسرع مِن الطائر، وأَوْطَأ مِن الفِراش، نُجُبًا مِن غير مَهَنة، يسيرُ الرجل إلى جنب أخيه وهو يُكَلِّمه ويناجيه، لا تُصِيب أُذُنُ راحلةٍ منها أُذُنُ صاحبتها، ولا بَرْكُ راحلةٍ بَرْك صاحبتها، حتى إنّ الشجرة لَتَتَنحّى عن طُرُقهم؛ لِئَلّا تُفَرِّق بين الرجل وأخيه، فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيُسْفِر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهمَّ، أنت السلام، ومنك السلام، وحُقَّ لك الجلال والإكرام. ويقول عز وجل عند ذلك: أنا السلامُ، ومِنِّي السلامُ، وعليكم حَقَّتْ رحمتي ومَحَبَّتي، مرحبًا بعبادي الذين خَشَوْني بالغيب، وأطاعوا أمري. فيقولون: ربَّنا، إنّا لم نعبدك حقَّ عبادتك، ولم نقْدُرك حقَّ قدرك، فأْذَن لنا في السجود قُدّامك. فيقول الله عز وجل: إنّها ليست بدار نَصَب ولا عبادةٍ، ولكنها دارُ مُلْكٍ ونعيمٍ، وإنِّي قد رفعتُ عنكم نَصَب العبادة، فسلُوني ما شئتم، فإنّ لِكُلِّ رجلٍ منكم أُمنِيَّته. فيسألونه، حتى إنّ أقصرهم أُمْنِيَّة لَيقول: ربِّ، تنافسَ أهلُ الدنيا في دنياهم، فتَضايقوا فيها، ربِّ، فآتِني كلَّ شيءٍ كانوا فيه مِن يوم خلقتها إلى أن انتَهَتِ الدنيا. فيقول الله عز وجل: لقد قَصَرَتْ بك أُمْنيَّتُك، ولقد سألتَ دون منزلتك، هذا لك مِنِّي، وسأُتحِفُك بمنزلتي؛ لأنّه ليس في عطائي نَكَدٌ ولا تَصْرِيدٌ. ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم تَبْلُغ أمانيُّهم، ولم يخطر لهم على بال. فيعْرِضون عليهم حتى تَقْصُر بهم أمانيُّهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يَعْرضون عليهم براذينُ مُقرَّنةٌ، على كلِّ أربعةٍ منهم سريرٌ مِن ياقوتة واحدةٍ، على كلٍّ منها قُبّةٌ مِن ذهبٍ مُفَرَّغة، في كلّ قُبَّةٍ منها فُرشٌ مِن فُرُش الجنة مُظاهرةٌ، في كلِّ قبة منها جاريتان مِن الحور العين، على كلِّ جارية مِنهُنَّ ثوبان مِن ثياب الجنة، وليس في الجنة ألوانٌ إلا وهو فيهما، ولا ريحٌ طيبةٌ إلا وقد عَبِقتا به، يَنفُذ ضوءُ وجوههما غِلَظَ القُبَّة، حتى يَظُنَّ مَن يراهما أنّهما مِن دون القُبَّة، يرى مُخُّهما مِن فوق سُوقِهما كالسِّلك الأبيض مِن ياقوتة حمراء، يَرَيان له مِن الفضل على صحابته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك، ثم يدخل إليهما فيُحَيِّيانِه ويُقَبِّلانه ويُعانِقانِه، ويقولان له: واللهِ، ما ظننّا أنّ اللهَ يخلق مثلك. ثم يأمر الله الملائكةَ، فيسيرون بهم صفًّا في الجنة، حتى ينتهي كلُّ رجلٍ منهم إلى منزلته التي أُعِدَّت له

سورة البقرة — الآية ٣٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وذلك أن اللَّه عز وجل خلق الملائكة والجن قبل خلق الشياطين والإنس، وهو آدم عليه السلام، فجعلهم سُكّانَ الأرض، وجعل الملائكة سُكّانَ السماوات، فوقع في الجن الفتنُ والحسدُ؛ فاقتتلوا، فبعث الله جُندًا من أهل سماء الدنيا -يُقال لهم: الجن، إبليس عدو الله منهم، خُلِقوا جميعًا من نار، وهم خُزّان الجنة، رأسهم إبليس-، فهبطوا إلى الأرض، فلم يُكَلَّفوا من العبادة في الأرض ما كُلِّفوا في السماء، فأحبوا القيام في الأرض، فأوحى الله عز وجل إليهم: ﴿إني جاعل فِي الأرض خليفة﴾ سواكم، ورافعكم إلَيَّ. فكَرِهوا ذلك؛ لأنهم كانوا أهون الملائكة أعمالًا. ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ يقول: أتجعل في الأرض ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ يعني: مَن يعمل فيها بالمعاصي، ﴿ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ بغير حق كفعل الجن، ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ يقول: نحن نذكرك بأمرك. كقوله سبحانه: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:١٣] يعني: يذكره بأمره. ﴿ونقدس لك﴾ ونُصَلِّي لك، ونُعَظِّم أمرك. قال الله سبحانه: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إنّ فِي علمي أنّكم سكان السماء، ويكون آدم وذريته سكان الأرض، ويكون منهم من يسبح بحمدي ويعبدني. فخلق آدم عليه السلام من طين أحمر وأبيض، من السَّبَخَةِ والعَذْبَةِ؛ فَمِن ثَمَّ نسلُه أبيض وأحمر وأسود، مؤمن وكافر. فحَسَد إبليسُ تلك الصورة، فقال للملائكة الذين هم معه: أرأيتم هذا الذي لم تَرَوْا شيئًا من الخلق على خِلْقَته، إن فُضِّل عَلَيَّ ماذا تصنعون؟ قالوا: نسمع ونطيع لأمر الله. وأَسَرَّ عدوُّ الله إبليسُ في نفسه: لَئِن فُضِّل آدمُ عليه لا يطيعه، ولَيَسْتَفِزَّنَّه. فتُرِك آدمُ طينًا أربعين سنة مُصَوَّرًا، فجعل إبليس يدخل من دُبُرِه ويخرج من فِيهِ، ويقول: أنا نار وهذا طين أجوف، والنار تغلب الطين، ولأَغْلِبَنَّه. فذلك قوله عز وجل: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠]، يعني: قوله يومئذ: لأغلبنه. وقوله: ﴿لأحتنكن﴾ يعني: لأَحْتَوِيَنَّ على ﴿ذريته إلّا قليلا﴾ [الإسراء:٦٢]. فقال للرُّوح: ادخلي هذا الجَسَد. فقالت: أيْ ربِّ، أين تُدْخِلُنِي هذا الجسد المظلم؟! فقال الله -تبارك وتعالى-: ادخُلِيه كُرْهًا. فدخلته كُرْهًا، وهي لا تخرج منه إلّا كُرْهًا. ثُمَّ نُفِخ فيه الروحُ من قِبَل رأسه، فترددت الرُّوحُ فيه حتّى بَلَغَت نِصْفَ جسده موضع السُّرَّة، فعَجَّل للقعود، فذلك قوله تعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١١]. فجَعَلَت الرُّوحُ تَتَرَدَّدُ فيه، حتّى بلغت أصابع الرِّجْلَيْن، فأرادت أن تخرج منها فلم تَجِد منفذًا، فرجعت إلى الرأس، فخرجت من المِنخَرَيْنِ، فعطس عند ذلك لخروجها من مِنخَرَيْهِ، فقال: الحمد لله. فكان أول كلامه، فرد ربُّه عز وجل: يرحمك الله، لهذا خلقتك، تُسَبِّح بحمدي، وتُقَدِّس لي. فسبقت رحمتُه لآدم عليه السلام. ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها﴾ ثُمّ إن اللَّه تبارك وتعالى حشر الطير، والدوابَّ، وهوام الأرض كلها، فعلم آدم عليه السلام أسماءَها، فقال: يا آدم، هذا فرس، وهذا بغل، وهذا حمار. حتى سَمّى له كلَّ دابة، وكل طير باسمه، ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلى المَلائِكَةِ﴾ ثُمَّ عرض أهل تلك الأسماء على الملائكة الذين هم في الأرض، ﴿فَقالَ أنْبِئُونِي﴾ يعني: أخبِروني ﴿بِأَسْماءِ هؤُلاءِ﴾ يعني: دواب الأرض كلها، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بأنِّي جاعلٌ في الأرض مَن يُفسِد فيها ويَسْفِك الدماء. ﴿قالُوا﴾ قالت الملائكة: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾. قال الله عز وجل لهم: كيف تَدَّعُون العلمَ فيما لَمْ يُخْلق بعدُ، ولَم تَرَوْه، وأنتم لا تعلمون مَن تَرَوْن. قال الله عز وجل لآدم: يا آدم، ﴿أنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ﴾. يقول: أخبر الملائكة بأسماء دواب الأرض والطير كلها. ففعل، قال الله عز وجل: ﴿فَلَمّا أنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ﴾ ما يكون في ﴿السَّماواتِ والأَرْضِ وأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ يعني: ما أظهرت الملائكةُ لإبليس من السمع والطاعة للرَّبِّ، ﴿و﴾ أعلم ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يعني: إبليس وحده؛ ما كان أسَرَّ إبليسُ في نفسه من المعصية لله عز وجل في السجود لآدم

سورة المائدة — الآية ١٠٩

عن عطاء بن أبي رباح، قال: جاء نافعُ بن الأزرق إلى ابن عباس، فقال: والذي نفسي بيده، لتُفَسِّرَنَّ لي آيًا مِن كتاب الله عز وجل، أو لأَكفُرَنَّ به. فقال ابن عباس: ويحك! أنا لها اليوم، أيُّ آيٍ؟ قال: أخبِرني عن قول الله: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا﴾، وقال في آيةٍ أُخرى: ﴿ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله﴾ [القصص:٧٥]. فكيف عَلِموا وقد قالوا: ﴿لا علم لنا﴾؟ وأخبرني عن قول الله: ﴿ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾ [الزمر:٣١]، وقال في آيةٍ أُخرى: ﴿لا تختصموا لدي﴾ [ق:٢٨]. فكيف يَختَصِمون وقد قال: ﴿لا تختصموا لدي﴾؟ وأخبِرني عن قول الله: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم﴾ [يس:٦٥]، فكيف شَهِدوا وقد ختَم على الأفواه؟ فقال ابن عباس: ثَكِلتك أُمُّك، يا ابن الأزرق! إنّ للقيامةِ أحوالًا وأهوالًا وفظائعَ وزلازل، فإذا تشَقَّقَتِ السماواتُ، وتناثَرَتِ النجوم، وذَهَب ضَوء الشمس والقمر، وذهَلَت الأمهاتُ عن الأولاد، وقَذَفَت الحواملُ ما في البطون، وسُجِّرتِ البحار، ودُكدِكَتِ الجبال، ولم يَلتَفِت والدٌ إلى ولد، ولا ولدٌ إلى والد، وجِيءَ بالجنةِ تَلُوحُ فيها قِبابُ الدُّرِّ والياقوت، حتى تُنصَبَ على يمين العرش، ثم جِيءَ بجهنمَ تُقادُ بسبعينَ ألفَ زِمامٍ مِن حديد، مُمسِكٌ بكلِّ زِمامٍ سبعون ألفَ مَلَكٍ، لها عَينانِ زَرقاوانِ، تُجَرُّ الشَّفَةُ السفلى أربعين عامًا، تَخطِرُ كما يخطِرُ الفَحْل، لو تُرِكَت لَأَتَت على كلِّ مؤمنٍ وكافر، ثم يُؤتى بها حتى تُنصَبَ عن يسار العرش، فتَستَأذِنُ ربَّها في السجود، فيَأذَنُ لها، فتَحمَدُه بمحامدَ لم يَسمَعِ الخلائقُ بمثلِها؛ تقولُ: لك الحمدُ إلهي إذ جَعَلتني أنتقِمُ من أعدائك، ولم تَجعَل لي شيئًا مما خَلَقتَ تَنتَقِمُ به منِّي، إلَيَّ أهلي. فلَهِيَ أعرَفُ بأهلِها مِن الطيرِ بالحَبِّ على وجه الأرض، حتى إذا كانت مِن الموقفِ على مسيرةِ مائةِ عامٍ -وهو قولُ الله تعالى: ﴿إذا رأتهم من مكان بعيد﴾ [الفرقان:١٢] زَفَرت زفرةً، فلا يَبقى مَلَكٌ مقرَّبٌ، ولا نبي مرسَلٌ، ولا صِدِّيق منتخَبٌ، ولا شهيدٌ مما هُنالِك إلا خَرَّ جاثيًا على ركبتَيه، ثم تَزفِرُ الثانيةَ زفرةً، فلا يَبقى قطرةٌ من الدموعِ إلا بَدَرَت، فلو كان لكلِّ آدميٍّ يومئذٍ عملُ اثنين وسبعين نبيا لَظَنَّ أنه سيُواقِعُها، ثم تَزفِرُ الثالثةَ زفرةً، فتنقَلِعُ القلوبُ من أماكنِها، فتَصيرُ بينَ اللَّهَواتِ والحناجِر، ويَعلو سوادُ العيون بياضَها، يُنادي كلُّ آدميٍّ يومئذٍ: يا ربِّ، نفسي نفسي، لا أسألُك غيرها. حتى إنّ إبراهيمَ لَيَتعَلَّقُ بساق العرش يُنادي: يا ربِّ، نفسي نفسي، لا أسألُك غيرها. ونبيكم ﷺ يقول: «يا ربِّ، أُمَّتي أُمَّتي». لا هِمَّةَ له غيرُكم، فعندَ ذلك يُدعى بالأنبياء والرسل، فيُقالُ لهم: ماذا أُجِبتم؟ قالوا: لا علمَ لنا. طاشَتِ الأحلام، وذَهَلَتِ العقول، فإذا رَجَعتِ القلوب إلى أماكنها ﴿نزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله﴾. وأما قوله تعالى: ﴿ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾ فهذا وهُم بالموقفِ يَختصِمون، فيُؤخَذُ للمظلوم مِن الظالم، وللمملوك مِن المالك، وللضعيف مِن الشديد، وللجَمّاءِ مِن القَرناء، حتى يُؤدّى إلى كلِّ ذي حقٍّ حقُّه، فإذا أُدِّيَ إلى كلِّ ذي حقٍّ حقُّه أُمِر بأهلِ الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، فلما أُمِرَ بأهل النار إلى النار اختَصَموا، فقالوا: ﴿ربنا هؤلاء أضلونا﴾ [الأعراف:٣٨]، و﴿ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار﴾ [ص:٦١]. فيقول الله تعالى: ﴿لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد﴾ [ق:٢٨]، إنما الخصومةُ بالموقف، وقد قَضَيتُ بينَكم بالموقف، فلا تَختصِموا لديَّ. وأَمّا قوله: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم﴾ فهذا يومَ القيامة، حيثُ يَرى الكفارُ ما يُعطِي اللهُ أهلَ التوحيد مِن الفضائل والخير، يقولون: تَعالَوا حتى نَحلِفَ بالله ما كُنّا مشركين. فتتكَلَّمُ الأيدي بخلافِ ما قالتِ الألسن، وتَشهدُ الأرجلُ تصديقًا للأيدي، ثم يَأذنُ الله للأفواهِ فتَنطِقُ، فقالوا لجُلُودِهم: لمَ شَهِدتُم علينا؟ قالوا: أنطَقَنا الله الذي أنطَق كلَّ شيءٍ

سورة القلم — الآية ٤٢

عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الزّعراء- أنه ذُكر عنده الدَّجّال، فقال: يفترق الناس ثلاث فِرق؛ فرقة تَتْبعه، وفرقة تَلحق بأرض آبائها؛ مَنابتَ الشّيح، وفرقة تأخذ شَطّ الفُرات، فيُقاتلهم ويقاتلونه، حتى يجتمع المؤمنون بقُرى الشام، فيَبعثون إليه طليعة فيهم فارس على فَرسٍ أشقر أو أبْلق، فيُقتلون لا يرجع إليهم شيء، ثم إنّ المسيح ينزل فيَقتله، ثم يَخرج يأجوج ومأجوج، فيمُوجون في الأرض، فيُفسدون فيها. ثم قرأ عبد الله: ﴿وهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]. ثم يَبعث الله عليهم دابة مثل هذه النَّغَفَة، فتَدخل في أسماعهم ومناخرهم، فيَموتون منها، فتُنتِن الأرض منهم، فيَجْأر أهلُ الأرض إلى الله، فيُرسل الله ماءً، فيُطهّر الأرض منهم، ثم يَبعث ريحًا فيها زمهرير باردة، فلا تَدعُ على وجه الأرض مؤمنًا إلا كُفِئتْ بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على شرار الناس، ثم يقوم مَلك الصور بين السماء والأرض فيَنفخ فيه، فلا يَبقى خَلْقٌ لله في السماوات والأرض إلا مات إلا مَن شاء ربّك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من ابن آدم خَلْقٌ إلا وفي الأرض منه شيء، ثم يُرسل الله ماءً مِن تحت العرش، مَنيًّا كمنيّ الرجال، فتَنبُتُ جسمانهم ولحمانهم مِن ذلك الماء كما تَنبُتُ الأرض من الثَّرى. ثم قرأ عبد الله: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩]. ثم يقوم مَلَك بالصور بين السماء والأرض، فيَنفخ فيه، فتَنطلِق كلُّ نفسٍ إلى جسدها حتى تَدخل فيه، فيَقومون، فيَجيئون مجيئة رجل واحد قيامًا لربّ العالمين، ثم يَتمَثَّل اللهُ للخَلْق، فيَلقاهم، فليس أحدٌ مِن الخَلْق يعبد من دون الله شيئًا إلا هو مُرتفع له يَتَّبعه، فيَلقى اليهود، فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد عُزَيْرًا. فيقول: هل يَسُرّكم الماء؟ قالوا: نعم، فيُريهم جهنم كهيئة السّراب. ثم قرأ عبد الله: ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف:١٠٠]. ثم يَلقى النصارى، فيقول: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: المسيح. فيقول: هل يَسُرُّكم الماء؟ قالوا: نعم. فيُريهم جهنم كهيئة السّراب، وكذلك لِمَن كان يعبد من دون الله شيئًا. ثم قرأ عبد الله: ﴿وقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]. حتى يَمُرّ المسلمون، فيَلقاهم، فيقول: مَن تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله ولا نُشرك به شيئًا. فيَنتهِرهم مرة أو مرتين: مَن تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله ولا نُشرك به شيئًا. فيقول: هل تَعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحان الله، إذا اعترف لنا عَرفناه. فعند ذلك ﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، فلا يَبقى مؤمن إلا خَرّ لله ساجدًا، ويَبقى المنافقون ظهورهم طَبقٌ واحد كأنما فيها السَّفافِيدُ، فيقولون: ربّنا. فيقول: قد كنتم تُدعَون إلى السجود وأنتم سالمون. ثم يُؤمر بالصراط، فيُضرب على جهنم، فتَمُرّ الناس بأعمالهم زُمَرًا؛ أوائلهم كلمْح البصر، أو كلمْح البَرْق، ثم كمَرّ الريح، ثم كمَرّ الطير، ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك، حتى يجيء الرجل سَعيًا، حتى يجيء الرجل مشيًا، حتى يجيء آخرهم رجل يَتكفّأ على بطنه، فيقول: يا ربّ، أبطأتَ بي. فيقول: إنما أبطأ بك عملُك. ثم يأذن الله في الشفاعة، فيكون أول شافع جبريل، ثم إبراهيم خليل الله، ثم موسى -أو قال: عيسى- ثم يقوم نبيّكم ﷺ رابعًا لا يَشفع أحد بعده فيما يَشفع فيه، وهو المقام المحمود الذي وعده الله: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]. فليس من نفسٍ إلا تَنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسْرة، فيَرى أهلُ النار البيت الذي في الجنة، فيقال: لو عَمِلتم. ويَرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن منّ الله عليكم. ثم يَشفع الملائكة والنّبيّون والشهداء والصالحون والمؤمنون، فيُشَفّعهم الله، ثم يقول: أنا أرحم الراحمين. فيُخرج من النار أكثر مما أخرَج من جميع الخَلْق برحمته، حتى ما يَترك فيها أحدًا فيه خير. ثم قرأ عبد الله: قل يا أيها الكفار: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٢-٤٦]. قال: تَرون في هؤلاء أحدًا فيه خير؟ لا، وما يَترك فيها أحدًا فيه خير، فإذا أراد الله أن لا يُخرج منها أحدًا غَيّر وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل مِن المؤمنين، فيَشفع، فيقال له: مَن عرف أحدًا فليُخرجه. فيجيء الرجل، فينظر، فلا يَعرف أحدًا، فيقول الرجل للرجل: يا فلان، أنا فلان. فيقول: ما أعرفك. فيقولون: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾. فيقول: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٧، ١٠٨]. فإذا قال ذلك أُطبقتْ عليهم، فلم يَخرج منهم بشر