اختُلف في معنى: ﴿وأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ على أقوال: الأول: عُنِيَ بذلك: الجن؛ أنهم كادوا يركبون رسول الله صلى الله ﷺ لَمّا سمعوا القرآن. الثاني: أنه من قول النَّفَر من الجنّ، لَمّا رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأَوا من طاعة أصحاب رسول الله ﷺ له، وائتمامهم به في الركوع والسجود. الثالث: أنّ ذلك من خبر الله الذي أوحى إلى نبيِّه ﷺ، لعلمِه أنّ الإنسَ والجنَّ تظاهروا عليه، ليُبْطِلوا الحق الذي جاءهم به، فأبى الله إلا إتمامه. ووجَّه ابنُ جرير (٢٣/٣٤٣) القول الأول بقوله: «ومَن قال هذا القول جعل قوله: ﴿وأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾ مما أُوحِيَ إلى النبي، فيكونُ معناه: قل أوحِيَ إليَّ أنه استمع نَفَرٌ من الجن، وأنه لَمّا قام عبد الله يدعوه». ووجَّه (٢٣/٣٤٤) القول الثاني بقوله: «ومَن قال هذا القول الذي ذكرناه... يفتَحُ الألف من قوله: ﴿وأَنَّهُ﴾ عطف بها على قوله: ﴿وأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ [الجن:٣] مفتوحةً، وجاز له كسْرُها على الابتداء». ووجَّه (٢٣/٣٤٥) القول الثالث بقوله: «ومَن قال هذا القول فتحَ الألف من قوله: ﴿وأَنَّهُ﴾». ورجَّح ابنُ جرير (٢٣/٣٤٥) -مستندًا إلى السياق، ودلالة العقل- القول الثالث، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير من طريق رجل، ومجاهد، وابن زيد، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن قوله: ﴿وأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾ عقيب قوله: ﴿وأَنَّ المَساجِدَ للهِ﴾ وذلك من الله -جلَّ وعزَّ- خبرٌ، فكذلك قوله: ﴿وأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾. وأخرى أنه -تعالى ذِكْرُه- أتْبَع بذلك قوله: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا﴾، فمعلومٌ أن الذي يَتْبَع ذلك الخبر عمّا لقيَ المأمورُ بأن لا يدعوَ مع الله أحدًا في ذلك، لا الخبرُ عن كثرة إجابة المدعُوِّين وسرعتهم إلى الإجابة». وكذا ابنُ كثير (١٤/١٥٦) مستندًا إلى السياق، فقال: «وهو الأظهر؛ لقوله بعده: ﴿قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا﴾، أي: قال لهم الرسول لَمّا آذَوه وخالفوه وكذّبوه وتَظاهروا عليه، ليُبطلوا ما جاء به من الحق، واجتمعوا على عداوته: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ أي: إنما أعبد ربي وحده لا شريك له، وأستجير به وأتوكل عليه، ﴿ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾». وذكر ابنُ عطية (٨/٤٣٦) أنه إن «قدّرنا الضمير -في لفظة ﴿كادُوا﴾- للجن فبتقصفهم عليه لاستماع الذكر. وهذا تأويل ابن عباس، والضحاك. وإن قدرناه للكفار فبتمالئهم عليه وإقبالهم على أمْره بالتكذيب والرد. وهذا تأويل الحسن، وقتادة». ونقل ابنُ عطية (٨/٤٣٥) عن قوم أنّ «العبد»: «هو نوح عليه السلام، والضمير في ﴿كادُوا﴾ لكفار قومه». ثم انتقده قائلًا: «ولا يتَّجه أن يكون العبدُ نوحًا عليه السلام إلا على تحاملٍ في تأويل نَسَق الآية»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ على قولين: الأول: أنّه لم يكن مِن ولده، بل مِن ولد غيره. الثاني: أنّ معنى الآية: ليس مِن أهلك الذين وعدتُك أن أنجيهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٢/٤٣٣) مستندًا إلى دلالة القرآن، والنظائر القولَ الثانيَ، فقال: «وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: إنّه ليس مِن أهلك الذين وعدتُك أن أنجيهم؛ لأنّه كان لدينك مخالفًا، وبي كافرًا. وكان ابنَه؛ لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد أخبر نبيَّه محمدًا ﷺ أنه ابنه، فقال: ﴿ونادى نوح ابنه﴾، وغيرُ جائِز أن يُخْبِر أنّه ابنه فيكون بخلاف ما أخبر. وليس في قوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ دلالة على أنّه ليس بابنه، إذ كان قوله: ﴿ليس من أهلك﴾ محتملًا مِن المعنى ما ذكرنا، ومحتملًا أنّه ليس مِن أهل دينك، ثم يحذف «الدين» فيُقال: إنّه ليس مِن أهلك، كما قيل: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾ [يوسف:٨٢]». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٣/٥٤١)، وبيَّن أنّ خيانة امرأة نوحٍ له إنّما كانت في الدِّين، وليست في العِرض، فإنها كانت تقول: إنه مجنون. وبنحوهما قال ابنُ كثير (٧/٤٤٤) مستندًا إلى أقوال السلف، ودلالة العقل، والسنّة، فقال: «وقال ابن عباس وغيرُ واحد من السَّلَف: ما زَنَتِ امرأة نبيٍّ قطُّ. قال: وقوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ أي: الذين وعدتك نجاتهم. وقول ابن عباس في هذا هو الحقُّ الذي لا مَحِيد عنه، فإنّ الله سبحانه أغيرُ مِن أن يمكن امرأة نبيٍّ مِن الفاحشة، ولهذا غضب الله على الذين رموا أُمَّ المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي ﷺ، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه». وبيّن ابنُ عطية (٣/٥٧٧-٥٧٨بتصرف) أنّ مَن قال: إنه لم يكن ابنه، عوَّل في ذلك على قوله تعالى: ﴿إنه ليس من أهلك﴾. ومَن قال: هو ابنه، عوّل على قوله: ﴿إن ابني من أهلي﴾. وعلى هذا رتّب ابنُ عطية الخلاف في قراءة قوله: ﴿إنه عمل غير صالح﴾؛ فمَن قال ليس ابنه استقام له على ذلك قراءة: ﴿إنه عملٌ غير صالح﴾ بالتنوين. ومن قال ليس ابنه، وقرأ هذه القراءة بتنوين ﴿عمل﴾ فإنهم خرّجوا ذلك عدة تخريجات، ذكرها ابنُ عطية، فقال: ""فمن قرأ مِن هذه الفرقة: ﴿إنه عملٌ غيرُ صالح﴾ جعله وصفًا له بالمصدر على جهة المبالغة، فوصفه بذلك كما قالت الخنساء تصف ناقة ذهب عنها ولدها:ترتع ما غفلت حتى إذا ادَّكَرَتْ فإنما هي إقبال وإدبارأي: ذات إقبال وإدبار. وقالت فرقة: الضمير في قوله: ﴿إنه عمل غير صالح﴾ على قراءة جمهور السبعة على سؤال الذي يتضمنه الكلام وقد فسره آخر الآية«. وعلّق على هذا القول، فقال: «ويقوي هذا التأويل أنّ في مصحف ابن مسعود: (إنَّه عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أن تَسْأَلَنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ». ثم قال: «وقالت فرقة: الضميرُ عائِد على رُكُوبِ ولد نوح معهم الذي يتضمنه سؤال نوح، المعنى: أنّ ركوب الكافر مع المؤمنين عمل غير صالح. وقال أبو علي: ويحتمل أن يكون التقدير: أنّ كونك مع الكافرين وتركك الركوب معنا عمل غير صالح». وانتقد مستندًا إلى دلالة الآية قول أبي علي بقوله: «وهذا تأويل لا يَتَّجِه مِن جهة المعنى». ثم علّق على هذه الأقوال بقوله: «وكل هذه الفرق قال: إنّ القول بأن الولد كان لغية وولد فراش خطأ محض، وقالوا: إنّه روي عن النبي ﷺ: «أنه ما زنت امرأة نبي قط». وقالوا في قوله عز وجل: ﴿فخانتاهما﴾: إنّ الواحدة كانت تقول للناس: هو مجنون، والأخرى كانت تنبه على الأضياف، وأما غير هذا فلا، وهذه مَنازِع ابنِ عباس وحُجَجُه، وهو قوله، وقول الجمهور من الناس""
عن أبي سعيد الخدريِّ، وعبد الله بن مسعود، مرفوعًا، قال: «إنّ عيسى ابن مريم أسْلَمَتْهُ أُمُّه إلى الكُتّاب ليُعَلّمَه، فقال له المُعَلِّم: اكتب: باسم الله. قال له عيسى: وما باسم الله؟ قال له المعلم: ما أدري. قال له عيسى: الباءُ بهاءُ الله، والسينُ سناؤُه، والميم مملكتُه. واللهُ: إلهُ الآلهة. والرحمنُ: رحمنُ الآخرة والدنيا. والرحيمُ: رحيمُ الآخرة. أبو جاد: الألفُ آلاءُ الله، والباءُ بهاءُ الله، جيمٌ جَلالُ الله، دالٌ اللهُ الدائم. هَوَّز: الهاءُ الهاويةُ، واوٌ ويلٌ لأهل النّارِ وادٍ في جهنّم، زاي زِيِّ أهل الدّنيا. حُطِّي: حاءٌ اللهُ الحليم، طاءٌ اللهُ الطالب لكل حقٍّ حتّى يَرُدَّه، [والياءُ] آيُ أهل النّارِ، وهو الوَجَعُ. كَلَمُن: الكافُ اللهُ الكافي، لامٌ اللهُ القائم، ميمٌ الله المالك، نونٌ نونُ البحر. صَعْفَص: صادٌ اللهُ الصادق، عينٌ الله العالم، فاءٌ اللهُ -ذكر كلمةً-، صادٌ اللهُ الصمد. قَرَسَت: قافٌ الجبلُ المحيطُ بالدّنيا الَّذي اخضرت منه السّماء، راءٌ رياءُ النّاس بها، سينٌ سترُ الله، تاءٌ تمّت أبدًا». (٣/٥٥١-٥٥٢)
عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- ﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾ إلى قوله: ﴿فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾: فدعاهم إلى النَّصَف، وقطع عنهم الحُجَّة، فلما أتى رسولَ الله ﷺ الخبرُ مِن الله عنه، والفصلُ مِن القضاء بينه وبينهم، وأمره بما أمره به من ملاعنتهم، إن ردوا عليه؛ دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه. فانصرفوا عنه، ثم خَلَوْا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبد المسيح، ما ترى؟ قال: واللهِ، يا معشر النصارى، لقد عرفتم أنّ محمدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَل، ولقد جاءكم بالفصل مِن خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قومٌ نبيًّا قط فبقي كبيرهم ولا نَبَت صغيرهم، وإنّه لَلاسْتِئْصالُ منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلْفَ دينِكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم؛ فوادِعُوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم حتى يريكم زمن رأيه. فأتوا رسول الله، فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلًا مِن أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها مِن أموالنا، فإنكم عندنا رُضاة
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير- قال: كان الذي أصاب سليمان بن داود في سبب أناس من أهل امرأة يقال لها: جرادة، وكانت من أكرم نسائه عليه، قال: فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحدًا. قال: وكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من شأنه؛ أعطى الجَرادة -وهي امرأته- خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي. فأخذه، فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس، فجاءها سليمان، فقال: هاتي خاتمي. فقالت: كذبتَ، لستَ سليمان. فعرف أنه بلاء ابْتُلِي به، فانطلقت الشياطين، فكَتَبَتْ في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها، فقرؤوها على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب. فبَرِئ الناسُ من سليمان، وأَكْفَرُوه، حتى بعث الله محمدًا ﷺ، وأنزل عليه: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ يعني: الذي كتب الشياطين من السحر والكفر، ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾. فأنزل الله عذره
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾: وإنما قالوا: هو ابن الله؛ مِن أجل أنّ عزيرًا كان في أهل الكتاب، وكانت التوراة عندهم، فعَمِلوا بها ما شاء الله أن يَعمَلوا، ثم أضاعوها، وعمِلوا بغير الحقِّ، وكان التابوتُ فيهم، فلمّا رأى اللهُ أنهم قد أضاعوا التوراة، وعمِلوا بالأهواء؛ رفع اللهُ عنهم التابوت، وأنساهم التوراة، ونسَخَها من صدورهم، وأرسَل عليهم مرضًا، فاستطلَقَتْ بُطونُهم منه، حتى جعل الرجلُ يمشي كبِدُه، حتى نسُوا التوراة، ونُسِخَت من صدورهم، وفيهم عُزَيْرٌ، فمكثوا ما شاء الله أن يَمكُثوا بعدما نُسِخت التوراةُ من صدورهم، وكان عُزَيرٌ قَبْلُ من علمائهم، فدعا عزيرٌ اللهَ وابتهل إليه أن يَرُدَّ إليه الذي نُسِخ من صدره، فبينما هو يُصَلِّي مبتهِلًا إلى الله نزل نورٌ من الله فدخَل جوفَه، فعاد إليه الذي كان ذهب مِن جوفِه من التوراة، فأذَّن في قومه، فقال: يا قومِ، قد آتانِيَ اللهُ التوراةَ، وردَّها إلَيَّ. فعَلِق يُعلِّمُهم، فمكَثوا ما شاء الله أن يَمْكُثوا وهو يُعلِّمُهم، ثم إنّ التابوت نزَل عليهم بعد ذلك وبعد ذهابه منهم، فلمّا رأوُا التابوت عرَضُوا ما كان فيه على الذي كان عُزَيرٌ يعلِّمهم، فوجدوه مثله، فقالوا: واللهِ، ما أُوتِيَ عزيرٌ هذا إلّا أنّه ابنُ الله
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: إنّ نفرًا من الأنصار غَزَوْا مع النبي ﷺ في بعض غزواته، فسُرِقَت درع لأحدهم، فأَظَنَّ بها رجلًا من الأنصار، فأتى صاحب الدِّرع رسول الله ﷺ، فقال: إنّ طُعْمَة بن أبيرق سرق درعي. فلما رأى السارق ذلك عمد إليها، فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إنِّي غيبت الدرع، وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى النبي ﷺ، فقالوا: يا نبي الله، إنّ صاحبنا بريء، وإنّ سارق الدرع فلان، وقد أحَطْنا بذلك علمًا، فاعْذِرْ صاحبنا على رؤوس الناس، وجادِل عنه، فإنّه إلا يعصمه الله بك يهلك. فقام رسول الله ﷺ، فبرأه، وعذره على رؤوس الناس؛ فأنزل الله: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾. يقول: بما أنزل الله إليك، إلى قوله: ﴿خوانا أثيما﴾. ثم قال للذين أتوا رسول الله ﷺ ليلًا: ﴿يستخفون من الناس﴾ إلى قوله: ﴿وكيلا﴾. يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين يجادلون عن الخائنين. ثم قال: ﴿ومن يكسب خطيئة﴾ الآية، يعني: السارق، والذين جادلوا عن السارق
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في الآية، قال: كان رجل سرق درعًا من حديد في زمان النبي ﷺ، طرحه على يهودي، فقال اليهودي: واللهِ، ما سرقتُها، يا أبا القاسم، ولكن طُرِحَتْ عَلَيَّ. وكان الرجل الذي سَرَق له جيران يُبَرِّئونه، ويطرحونه على اليهودي، ويقولون: يا رسول الله، إنّ هذا اليهوديَّ خبيث، يكفر بالله وبما جئت به. حتى مال عليه النبي ﷺ ببعض القول؛ فعاتبه الله في ذلك، فقال: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله﴾ بما قلت لهذا اليهودي، ﴿إن الله كان غفورا رحيما﴾. ثم أقبل على جيرانه، فقال: ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم﴾ إلى قوله: ﴿وكيلا﴾. ثم عرض التوبة، فقال: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه﴾ فما أدخلكم أنتم أيها الناس على خطيئة هذا تكلمون دونه، ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا﴾ وإن كان مشركًا ﴿فقد احتمل بهتانا﴾ إلى قوله: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾. قال: أبى أن يقبل التوبة التي عرض الله له، وخرج إلى المشركين بمكة، فنقب بيتًا يسرقه، فهدمه الله عليه، فقتله
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: كانت هُبَلُ أعظمَ أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يُجْمَع فيها ما يُهْدى للكعبة، وكانت عند هُبَل سبعةُ أقْدُحٍ، كل قِدْح منها فيه كتاب، قِدح فيه العَقل، إذا اختلفوا في الَعْقل من يحمله منهم ضربوا بالقِداح السبعة، وقِدح فيه: نعم، للأمر إذا أرادوه يضرب به، فإن خرج قدح نَعَم عَمِلوا به، وقدح فيه: لا، فإذا أرادوا أمرًا ضربوا به في القِداح، فإذا خرج ذلك القِدح لم يفعلوا ذلك الأمر. وقدح فيه: منكم. وقدح فيه: مُلْصَق. وقدح فيه: من غيركم. وقدح فيه: المياه، إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقِداح وفيها ذلك القِدح، فحيثما خرج عَمِلوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يَخْتِنوا غلامًا، أو أن يُنكِحُوا مَنكَحًا، أو أن يدفنوا ميِّتًا، ويَشُكُّوا في نسب واحد منهم؛ ذهبوا به إلى هُبَل، وبمائة درهم وبجَزُور، فأعطوها صاحب القِداح الذي يضربها، ثم قَرَّبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا فلان ابن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأَخْرِج الحَقَّ فيه. ثم يقولون لصاحب القِداح: اضرب. فيضرب، فإن خرج عليه: منكم؛ كان وسيطًا، وإن خرج عليه: من غيركم؛ كان حليفًا، وإن خرج: ملصق؛ كان على منزلته منهم، لا نسب له ولا حِلْف، وإن خرج فيه شيء سوى هذا مما يعملون به: نعم؛ عَمِلوا به، وإن خرج: لا؛ أخَّروه عامهم ذلك، حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القِداح
عن عقبة بن عامر، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إذا جَمَع اللهُ الأوَّلين والآخرين، وقضى بينهم، وفرغ مِن القضاء؛ يقول المؤمنون: قد قضى بيننا ربُّنا، وفرغ مِن القضاء، فمن يشفعُ لنا إلى ربِّنا؟ فيقولون: آدم، خلقه الله بيدِه، وكلَّمه. فيأتونه، فيقولون: قد قضى ربُّنا، وفرغ من القضاء، قُمْ أنت فاشفع إلى ربِّنا. فيقول: ائتوا نوحًا. فيأتون نوحًا عليه السلام، فيدلهم على إبراهيم عليه السلام، فيأتون إبراهيم عليه السلام، فيدلهم على موسى عليه السلام، فيأتون موسى عليه السلام، فيدلهم على عيسى عليه السلام، فيأتون عيسى عليه السلام، فيقولُ: أدلُّكم على العربيِّ الأُمِّيِّ. فيأتوني، فيأذنُ اللهُ لي أن أقوم إليه، فيثور مجلسي مِن أطيب ريحٍ شَمَّها أحدٌ قطُّ، حتى آتي ربِّي، فيُشفِّعَني، ويجعل لي نورًا مِن شعر رأسي إلى ظُفْر قَدَمَيَّ. ويقول الكافرون عند ذلك: قد وجد المؤمنون مَن يشفع لهم، ما هو إلا إبليسُ، فهو الذي أضلَّنا. فيأتون إبليس، فيقولون: قد وجد المؤمنون مَن يشفع لهم، قُمْ أنت فاشفع لنا، فإنّك أنت أضللتنا. فيقوم إبليس، فيثور مجلسه مِن أنتن ريحٍ شَمَّها أحدٌ قطُّ، ثم يُعَظَّمُ لجهنم، ويقولُ عند ذلك: ﴿إنّ اللهَ وعدكُم وعْد الحقِّ ووعدتُّكم فأخلفتُكم﴾» الآية