للسلف في تفسير قوله: ﴿وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل﴾ قولان: الأول: أن ذلك خبر معناه: اعتراف من موسى عليه السلام بما لفرعون عليه مِن يد؛ إذ استعبد بني إسرائيل، وربّاه في بيته. الثاني: أنّ ذلك استفهام غرضه الإنكار أن تكون هذه نعمة، كما في قول قتادة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧/٥٥٩-٥٦٠) القول الأول مستندًا للغة، والسياق، فقال: «يعني بقوله: ﴿وتلك نعمة تمنها علي﴾: وتلك تربية فرعون إيّاه، يقول: وتربيتك إيّاي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمةٌ منك تَمُنُّها عَلَيَّ بحق. وفي الكلام محذوف استغنى بدلالة ما ذكر عليه عنه، وهو: وتلك نعمة تمنها عَلَيَّ أن عبدت بني إسرائيل وتركتني، فلم تستعبدني، فترك ذكر: وتركتني؛ لدلالة قوله: ﴿أن عبدت بني إسرائيل﴾ عليه، والعرب تفعل ذلك اختصارًا للكلام». وعلّق ابنُ عطية (٦/٤٧٧) على القولين، فقال: «ولكل وجه ناحيةٌ مِن الاحتجاج؛ فالأول ماضٍ في طريق المخالفة لفرعون ونقض كلامه كله، والثاني مُبْدٍ مِن موسى عليه السلام أنّه مُنصِف مِن نفسه، مُعْتَرِف بالحق، ومتى حصل أحد المجادلين في هذه الرتبة، وكان خصمه في ضدها؛ غلب المتصف بذلك، وصار قوله أوقع في النفوس»
في معنى الشهداء ثلاثة أقوال: الأول: أنهم الذين يشهدون للأنبياء بالبلاغ. الثاني: أنهم الذين استُشهدوا في سبيل الله. الثالث: أنهم الحفظة. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠/٢٦٢-٢٦٣) -مستندًا إلى النظائر- القول الأول، فقال: «والشهداء: جمع شهيد، وهذا نظير قول الله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة:١٤٣]». وانتقد الثاني الذي قاله قتادة، والسدي -مستندًا إلى السياق، وأقوال السلف- فقال: «وقيل: عني بقوله: ﴿الشهداء﴾: الذين قُتلوا في سبيل الله؛ وليس لما قالوا من ذلك في هذا الموضع كبير معنى؛ لأن عقيب قوله: ﴿وجيء بالنبيين والشهداء﴾: ﴿وقضي بينهم بالحق﴾، وفي ذلك دليل واضح على صحة ما قلنا مِن أنّه إنما دعى بالنبيين والشهداء للقضاء بين الأنبياء وأممها، وأنّ الشهداء إنما هي جمع شهيد، الذين يشهدون للأنبياء على أممهم كما ذكرنا، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». وبنحوه ابنُ عطية (٧/٤١٣ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «وهذا أيضًا يزول عنه معنى التوعد، وهو مقصد الآية». وزاد ابنُ عطية قولًا رابعًا في معنى الآية، فقال: «ويُحتمل أن يريد بقوله: ﴿والشُّهَداءِ﴾: الأنبياء أنفسهم، فيكون من عطف الصفة على الصفة بالواو، كما تقول: جاء زيد الكريمُ والعاقل»
اختُلف في قوله: ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ على أقوال: الأول: أُلحِق كلّ إنسان بشكله، وقُرِن بين الضرباء والأمثال. الثاني: عني بذلك: أنّ الأرواح رُدَّتْ إلى الأجساد، فزُوِّجتْ بها، أي: جُعلتْ لها زوجًا. الثالث: زُوِّجتْ أنفس المؤمنين الحُور العين، وأنفس المشركين الشياطين. وعلّق ابنُ عطية (٨/٥٤٧) على القول الأول بقوله: «وفي الآية على هذا حضٌّ على دليل الخير، فقد قال عليه السلام: «المرء مع من أحب». وقال: «فلينظر أحدكم مَن يُخالِل». وقال الله تعالى: ﴿الأَخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]». ورجّح ابنُ جرير (٢٤/١٤٤) -مستندًا إلى النظائر- القول الأول، وهو قول عمر وغيره، فقال: «وأولى التأويلين في ذلك بالصحة: الذي تأوله عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ للعلّة التي اعتل بها، وذلك قول الله -تعالى ذِكره-: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧]، وقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢]، وذلك لا شك الأمثال والأشكال في الخير والشر، وكذلك قوله: ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ بالقرناء والأمثال في الخير والشر». ولم يذكر ابنُ القيم (٣/٢٥٦-٢٥٧) غير القول الأول والثالث، ورجّح الأول مستندًا إلى قول النبي ﷺ: «لا يحب المرء قومًا إلا حُشِر معهم». ثم علّق على القول الثالث بقوله: «وهو راجع إلى القول الأول»
عن محمد بن يحيى بن حبان، قال: جاء رسول الله ﷺ بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد إنما يقال له: زيد بن محمد، فربما فقده رسول الله ﷺ الساعة، فيقول: «أين زيد؟». فجاء منزله يطلبه، فلم يجده، وتقوم إليه زينب بنت جحش فُضُلًا، فأعرض رسول الله ﷺ عنها، فقالت: ليس هو هاهنا، يا رسول الله، فادخل. فأبى أن يدخل، فأعجبتْ رسولَ الله ﷺ، فولّى وهو يُهَمْهِم بشيء لا يكاد يُفهم منه إلا ربما أعلن: «سبحان الله العظيم، سبحان مصرِّف القلوب». فجاء زيد إلى منزله، فأخبرته امرأته أن رسول الله ﷺ أتى منزله، فقال زيد: ألا قلتِ له أن يدخل! قالت: قد عرضتُ ذلك عليه، فأبى. قال: فسمعتِ شيئًا؟ قالت: سمعتُه حين ولّى تكلَّم بكلام ولا أفهمه، وسمعتُه يقول: «سبحان الله العظيم، سبحان مصرِّف القلوب». فجاء زيد حتى أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، بلغني أنك جئت منزلي، فهلّا دخلتَ يا رسول الله! لعل زينب أعجبتكَ، فأفارقها؟ فيقول رسول الله ﷺ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾. فما استطاع زيد إليها سبيلًا بعد ذلك اليوم، فيأتي لرسول الله ﷺ، فيخبره، فيقول: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾. ففارقها زيد واعتزلها، وانقضت عدتها، فبينا رسول الله ﷺ جالس يتحدث مع عائشة إذ أخذته غَشْيَة، فسُرِّي عنه، وهو يبتسم، ويقول: «مَن يذهب إلى زينب يبشرها أنّ الله زوَّجَنِيها مِن السماء؟». وتلا رسول الله ﷺ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ القصة كلها. قالت عائشة: فأخذني ما قَرُب وما بَعُد لِما يبلغنا مِن جمالها، وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها؛ زوّجها الله من السماء. وقلتُ: هي تفخر علينا بهذا
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: إنّ داود قد قسَّم الدهر ثلاثة أيام؛ يومًا يقضي فيه بين الناس، ويومًا يخلو فيه لعبادة ربه، ويومًا يخلو فيه بنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب أنّه كان يجد فيه فضلَ إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فلمّا وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب، قال: يا رب، أرى أنّ الخير كلَّه قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأعطِني مثلَ ما أعطيتَهم، وافعل بي مثلَ ما فعلتَ بهم. فأوحى الله إليه: إنّ آباءك ابتُلوا ببلايا لم تُبتلى بها؛ ابتُلي إبراهيم بذبْح ابنه، وابتُلي إسحاق بذهاب بصره، وابتُلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تُبتلى بشيء مِن ذلك. قال: يا ربِّ، ابْتلني بمثل ما ابْتليتَهم به، وأعطِني مثل ما أعطيتَهم. فأوحى الله إليه: إنك مُبتلًى، فاحتَرِس. فمكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، إذ جاءه الشيطان قد تمثّل في صورة حمامة من ذهب، حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي، فمد يده ليأخذه، فتنحّى، فتبعه، فتباعد، حتى وقع في كُوَّة، فذهب ليأخذه فطار مِن الكُوَّة، فنظر أين يقع؛ فيَبعث في أثره، فأبصر امرأةً تغتسل على سطح لها، فرأى امرأةً مِن أجمل الناس خَلْقًا، فحانت منها التفاتةٌ، فأبصرتْه، فألقتْ شعرها، فاستترت به، فزاده ذلك فيها رغبة، فسأل عنها، فأُخبِر أنّ لها زوجًا، وأنّ زوجها غائب بمسْلَحَة كذا وكذا. فبعث إلى صاحب المسْلَحة يأمره: أن يبعث أُهْريّا إلى عدو كذا وكذا. فبعثه، ففُتح له، وكتب إليه بذلك، فكتب إليه أيضًا: أنِ ابعثه إلى عدو كذا وكذا. أشد منه بأسًا، فبعثه، ففتح له أيضًا، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. أشد منه بأسًا، فبعثه، فقُتل في المرة الثالثة، وتزوج امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيرًا حتى بعث الله ملَكين في صورة إنسيين، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسوَّرا عليه المحراب، فما شعر وهو يصلي إذ هما بين يديه جالسين، ففزع منهما، فقالا: ﴿لا تَخَفْ﴾ إنما نحن ﴿خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فاحْكُمْ بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ يقول: لا تَحِف، ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ إلى عدل القضاء. فقال: قُصّا عَلَيَّ قصتكما. فقال أحدهما: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾، فهو يريد أن يأخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة. فقال للآخر: ماتقول؟ فقال: إنّ لي تسعًا وتسعين نعجة، ولأخي هذا نعجة واحدة، فأنا أريد أن آخذها منه فأُكمل بها نعاجي مائة. قال: وهو كارِهٌ؟! قال: وهو كارِه. قال: إذًا، لا ندعك وذاك. قال: ما أنتَ على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبتَ ترومُ ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا. يعني: طرف الأنف، وأصل الأنف، والجبهة. قال: يا داود، أنت أحقُّ أن يُضرَب منك هذا وهذا؛ حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأُهْريّا إلا امرأة واحدة، فلم تزل تُعرِّضه للقتل حتى قتلته وتزوَّجتَ امرأته. فنظر فلم يرَ شيئًا، فعرف ما قد وقع فيه، وما قد ابتُلي به، فخرَّ ساجدًا، فبكى، فمكث يبكي ساجدًا أربعين يومًا، لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجدًا يبكي، ثم يدعو، حتى نبت العشب مِن دموع عينيه، فأوحى الله إليه بعد أربعين يومًا: يا داود، ارفع رأسك، قد غفرتُ لك. قال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرتَ لي، وأنت حَكَمٌ عدل لا تحيف في القضاء؟ إذا جاء أُهريّا يوم القيامة آخذًا رأسه بيمينه أو بشماله، تشْخُب أوداجُه دمًا في قِبل عرشك، يقول: يا رب، سلْ هذا فيمَ قتلني؟ فأوحى الله إليه: إذا كان ذلك دعوتُ أُهريّا، فأستوهبك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: ربِّ، الآن علمتُ أنك غفرتَ لي. فما استطاع أن يملأ عينيه مِن السماء حياءً مِن ربه، حتى قُبض ﷺ
اختلف في معنى الكتاب الموروث، وفي المراد بالمصطَفَين من عباد الله، وفي المراد بالظالم لنفسه، على أقوال: الأول: أن الكتاب: ما أنزله الله من الكتب قبل الفرقان. والمصطَفَيْن من عباده: أمة محمد ﷺ. والظالم لنفسه: أهل الإجرام منهم. الثاني: أن الكتاب: هو شهادة أن لا إله إلا الله. والمصطَفَيْن: هم أمة محمد ﷺ. والظالم لنفسه منهم: هو المنافق، وهو في النار؛ والمقتصد والسابق بالخيرات في الجنة. ورجَّح ابنُ جرير (١٩/٣٧٣-٣٧٤) مستندًا إلى دلالة السياق واللغة والعقل والسنة القول الأول، وهو قول ابن مسعود من طريق شقيق، وابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله -جلَّ ثناؤه- قال لنبيِّه محمد ﷺ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، ثم أتْبَع ذلك قوله: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا﴾، فكان معلومًا -إذ كان معنى الميراث إنما هو انتقال معنًى من قومٍ إلى آخرين، ولم تكن أمَّةٌ على عهد نبيِّنا ﷺ انتقل إليهم كتابٌ من قومٍ كانوا قبلهم غير أمَّته- أن ذلك معناه. وإذ كان ذلك كذلك فبيِّنٌ أن المصطَفَيْن من عباده هم مؤمنو أمَّته؛ وأما الظالم لنفسه فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والمعاصي -التي هي دون النفاق والشرك عندي- أشْبَهُ بمعنى الآية مِن أن يكون المنافق أو الكافر، وذلك أن الله -تعالى ذِكْره- أتْبَع هذه الآية قوله: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾، فعَمَّ بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة». ثم قال (١٩/٣٧٥): «وقد روي عن رسول الله ﷺ بنحو الذي قلنا مِن ذلك أخبار، وإن كان في أسانيدها نظر، مع دليل الكتاب على صحته، على النحو الذي بيَّنتُ». وذكر حديث أبي الدرداء، وأبي سعيد الخدري. ورجَّح ابنُ تيمية (٥/٣١١-٣١٢) وكذا ابنُ كثير (١١/٣٢٣)، وابن القيم (٢/٣٥٢-٣٥٤) استنادًا إلى دلالة ظاهر الآية، والسنة، والسياق، والعقل أنّ الظالم لنفسه من هذه الأمة، فقال ابنُ كثير: «والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ من طُرُق يشد بعضها بعضًا...»، ثم أورد حديث أبي الدرداء، وأبي سعيد الخدري، وما في معناهما من الأحاديث والآثار، ثم علَّق بقوله: «فهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام، وإذا تقرر هذا فإنّ الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة من هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة». وقال ابنُ القيم بعد أن ذكر الأحاديث والآثار الدالة على هذا المعنى: «فهذه الآثار يشد بعضُها بعضًا، وأنها قد تعددت طرقها واختلفت مخارجها، وسياق الآية يشهد لها بالصحة فلا تعدل عنها». وذكر ابنُ تيمية أن القول الجامع «أن الظالم لنفسه: هو المفرط بترك مأمور أو فعل محظور. والمقتصد: القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات، والسابق بالخيرات: بمنزلة المقرب الذي يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق». ثم ذكر أنواعًا تدخل تحت كلٍّ منها
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾، وذلك أنّ كفارَ مكة أخذوا عمارًا وبلالًا وخَبّابًا وصُهَيْبًا، فعذبوهم لإسلامهم، حتى يشتموا النبي ﷺ، فأمّا صُهَيْب بن سِنان مَوْلى عبد الله بن جَدْعان القُرَشِيّ -وكان شخصًا ضعيفًا- فقال لأهل مكة: لا تُعَذِّبوني، هل لكم إلى خير؟ قالوا: وما هو؟ قال: أنا شيخ كبير، لا يَضُرُّكم إن كنت معكم أو مع غيركم، لَئِن كنتُ معكم لا أنفعكم، ولَئِن كنتُ مع غيركم لا أضُرُّكم، وإنّ لي عليكم لَحَقًّا لِخدمتي وجواري إيّاكم، فقد علمتُ أنّكم إنَّما تريدون مالي، وما تريدون نفسي، فخذوا مالي، واتركوني وديني، غَيْرَ راحلةٍ، فإنْ أردتُ أن ألحق بالمدينة فلا تمنعوني. فقال بعضهم لبعض: صَدَقَ، خذوا ماله؛ فتَعاوَنُوا به على عدوِّكم. ففعلوا ذلك، فاشترى نفسه بماله كله غَيْرَ راحلة، واشترط ألا يُمْنَع عن صلاة ولا هجرة، فأقام بين أظهرهم ما شاء الله، ثُمَّ ركب راحلته نهارًا حَتّى أتى المدينة مهاجرًا، فلقيه أبو بكر الصديق، فقال: رَبِح البيعُ، يا صُهَيْب. فقال: وبيعك لا يخسر. فقال أبو بكر: قد أنزل الله فيك: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ واللَّهُ رَؤُفٌ بِالعِبادِ﴾. يعني: للفعل؛ فعل الروميِّ صُهَيْب بن سنان، مولى عبد الله بن جدعان...
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾، نزلت في أبي مَرْثَدٍ الغَنَويِّ، واسمه أيمن، وفي عَناق القُرَشِيَّة، وذلك أنّ أبا مَرْثَد كان رجلًا صالحًا، وكان المشركون أسروا أُناسًا بمكة، وكان أبو مَرْثَد ينطلق إلى مكة مُسْتَخْفِيًا، فإذا كان الليلُ أخَذَ الطريق، وإذا كان النهارُ تَعَسَّفَ الجبال لِئَلّا يراه أحد، حتى يقدم مكة، فيَرْصُدُ المسلمين ليلًا، فإذا أخرجهم المشركون للبُراز تركوهم عند البُراز والغائِط، فينطلق أبو مَرْثَد، فيجعل الرجل منهم على عنقه، حتى إذا أخرجه من مكة كَسَرَ قَيْدَه بفِهْرٍ، ويُلْحِقه بالمدينة، كان ذلك دَأْبه. فانطلق يومًا حتى انتهى إلى مكة، فلَقِيَتْهُ عَناق، وكان يُصِيب منها في الجاهِلِيَّة، فقالت: أبا مَرْثَد، ما لَك فِيَّ حاجة؟ فقال: إنّ الله عز وجل قد حَرَّم الزِّنا. فلَمّا أيِسَتْ منه أنذَرَتْ به كُفّارَ مكة، فخرجوا يطلبونه، فاسْتَتَرَ منهم بالشجر، فلم يَقْدِرُوا عليه، فلَمّا رجعوا احتمل بعضَ المسلمين حتى أخرجه من مكة، فكَسَر قيدَه. ورَجَع إلى المدينة، فأَتى النبيَّ ﷺ، فأخبره بالخبر. فقال: والذي بعثك بالحقِّ، لو شئتُ أن آخذهم وأنا مُسْتَتِرٌ بالشجرة لفعلتُ. فقال له النبي ﷺ: «اشكر ربَّك، أبا مَرْثَد؛ إنّ الله عز وجل حَجَزَهم عنك». فقال أبو مَرْثَد: يا رسول الله، إنّ عَناق أُحِبُّها، وكان بيني وبينها في الجاهِلِيَّة، أفَتَأْذَنُ لي في تزويجها؛ فإنّها لَتُعْجِبُني. فأنزل اللهُ عز وجل: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَ﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾، قال: إنّ المؤمنين كانوا على عهد رسول الله ﷺ على ثلاثِ منازل؛ منهم المؤمنُ المهاجر المُباينُ لقومِه في الهجرة، خرَج إلى قومٍ مؤمنين في ديارهم وعقارِهم وأموالِهم. وفي قوله: ﴿والذين ءاووا ونصروا﴾ قال: آوَوْا ونصَروا، وأعلَنوا ما أعلَن أهلُ الهجرة، وشَهَروا السيوف على مَن كذَّب وجحَد، فهذان مؤمنان، جعَل الله بعضَهم أولياء بعض. وفي قوله: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا﴾ قال: كانوا يَتوارثون بينَهم إذا تُوفِّيَ المؤمنُ المهاجر بالولاية في الدين، وكان الذي آمَن ولم يهاجِرْ لا يَرِثُ مِن أجلِ أنه لم يُهاجرْ ولم يَنْصُرْ، فبَرَّأ الله المؤمنين المهاجرين مِن ميراثِهم، وهي الولاية التي قال الله: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾، وكان حقًّا على المؤمنين الذين آوَوْا ونصَروا إذا اسْتَنْصَروهم في الدين أن ينصُرُوهم إن قوتِلوا، إلا أن يَسْتَنْصِروا على قومٍ بينَهم وبينَ النبي ﷺ ميثاقٌ، ولا نصرَ لهم عليهم إلا على العدوِّ الذي لا ميثاقَ لهم، ثم أنزَل الله تعالى بعدَ ذلك أن ألحِقْ كلَّ ذي رحمٍ برحِمِه مِن المؤمنين الذين آمنوا ولم يُهاجِروا، فجعَل لكلِّ إنسانٍ مِن المؤمنين نصيبًا مفروضًا، لقوله: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: اسْتَوْدَع رجلٌ من الأنصار طُعْمَة بن أُبَيْرِق مَشْرُبة له فيها درع، فغاب، فلمّا قَدِم الأنصاريُّ فتح مَشْرُبَته، فلم يجد الدرع، فسأل عنها طعمة بن أبيرق، فرمى بها رجلًا من اليهود يُقال له: زيد بن السمين، فتعلق صاحب الدِّرع بطعمة في درعه، فلما رأى ذلك قومُه أتَوا النبي ﷺ، فكلَّموه لِيَدْرَأ عنه، فهَمَّ بذلك؛ فأنزل الله: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس﴾ إلى قوله: ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ يعني: طعمة بن أبيرق وقومه، ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم﴾ إلى قوله: ﴿يكون عليهم وكيلا﴾ محمد ﷺ وقوم طعمة، ﴿ثم يرم به بريئا﴾ يعني: زيد بن السمين ﴿فقد احتمل بهتانا﴾ طعمة بن أبيرق، ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته﴾ لمحمد ﷺ، ﴿لهمت طائفة﴾ قوم طعمة، ﴿لا خير في كثير﴾ الآية، للناس عامة، ﴿ومن يشاقق الرسول﴾. قال: لَمّا أنزل القرآن في طعمة بن أبيرق لحق بقريش، ورجع في دينه، ثم عدا على مشربة للحجاج بن عِلاطٍ البَهْزِيِّ، فنقبها، فسقط عليه حجر، فَلَحِجَ، فلما أصبح أخرجوه من مكة، فخرج، فلقي رَكْبًا مِن قُضاعَة، فعرض لهم، فقال: ابن سبيل منقطع به. فحملوه، حتى إذا جَنَّ عليه الليل عدا عليهم، فسرقهم، ثم انطلق، فرجعوا في طلبه، فأدركوه، فقذفوه بالحجارة حتى مات. فهذه الآيات كلها فيه نزلت إلى قوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾