سورة الرعد — الآية ٢٩

عن وهْبِ بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن مَعْقِلٍ- قال: إنّ في الجنة شجرةً يُقال لها: طُوبى، يسيرُ الراكبُ في ظِلّها مائة عامٍ لا يقطعها؛ وزهرها رِياطٌ، وورقها بُرُودٌ، وقُضْبانها عَنبَرٌ، وبَطْحاؤُها ياقوتٌ، وتُرابها كافورٌ، ووَحْلُها مِسْكٌ، يخرج مِن أصلها أنهار الخَمْر واللَّبَن والعَسَل، وهي مجلِسٌ مِن مجالس أهل الجنة، ومُتَحَدَّثٌ بينهم، فبينما هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكةٌ مِن ربهم يقُودون نُجُبًا مَزْمُومةً بسلاسل مِن ذهبٍ، وُجُوهُها كالمصابيح مِن حُسْنِها، ووَبَرُها كخَزِّ المِرْعِزّى مِن لِينه، عليها رِحالٌ ألواحها مِن ياقوتٍ، ودُفوفها مِن ذهب، وثيابها مِن سُندُس وإستبرق، فيُنِيخُونها، ويقولون: ربُّنا أرْسَلَنا إليكم لِتَزُورُوه. فيركبونها، فهي أسرع مِن الطائر، وأَوْطَأ مِن الفِراش، نُجُبًا مِن غير مَهَنة، يسيرُ الرجل إلى جنب أخيه وهو يُكَلِّمه ويناجيه، لا تُصِيب أُذُنُ راحلةٍ منها أُذُنُ صاحبتها، ولا بَرْكُ راحلةٍ بَرْك صاحبتها، حتى إنّ الشجرة لَتَتَنحّى عن طُرُقهم؛ لِئَلّا تُفَرِّق بين الرجل وأخيه، فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيُسْفِر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهمَّ، أنت السلام، ومنك السلام، وحُقَّ لك الجلال والإكرام. ويقول عز وجل عند ذلك: أنا السلامُ، ومِنِّي السلامُ، وعليكم حَقَّتْ رحمتي ومَحَبَّتي، مرحبًا بعبادي الذين خَشَوْني بالغيب، وأطاعوا أمري. فيقولون: ربَّنا، إنّا لم نعبدك حقَّ عبادتك، ولم نقْدُرك حقَّ قدرك، فأْذَن لنا في السجود قُدّامك. فيقول الله عز وجل: إنّها ليست بدار نَصَب ولا عبادةٍ، ولكنها دارُ مُلْكٍ ونعيمٍ، وإنِّي قد رفعتُ عنكم نَصَب العبادة، فسلُوني ما شئتم، فإنّ لِكُلِّ رجلٍ منكم أُمنِيَّته. فيسألونه، حتى إنّ أقصرهم أُمْنِيَّة لَيقول: ربِّ، تنافسَ أهلُ الدنيا في دنياهم، فتَضايقوا فيها، ربِّ، فآتِني كلَّ شيءٍ كانوا فيه مِن يوم خلقتها إلى أن انتَهَتِ الدنيا. فيقول الله عز وجل: لقد قَصَرَتْ بك أُمْنيَّتُك، ولقد سألتَ دون منزلتك، هذا لك مِنِّي، وسأُتحِفُك بمنزلتي؛ لأنّه ليس في عطائي نَكَدٌ ولا تَصْرِيدٌ. ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم تَبْلُغ أمانيُّهم، ولم يخطر لهم على بال. فيعْرِضون عليهم حتى تَقْصُر بهم أمانيُّهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يَعْرضون عليهم براذينُ مُقرَّنةٌ، على كلِّ أربعةٍ منهم سريرٌ مِن ياقوتة واحدةٍ، على كلٍّ منها قُبّةٌ مِن ذهبٍ مُفَرَّغة، في كلّ قُبَّةٍ منها فُرشٌ مِن فُرُش الجنة مُظاهرةٌ، في كلِّ قبة منها جاريتان مِن الحور العين، على كلِّ جارية مِنهُنَّ ثوبان مِن ثياب الجنة، وليس في الجنة ألوانٌ إلا وهو فيهما، ولا ريحٌ طيبةٌ إلا وقد عَبِقتا به، يَنفُذ ضوءُ وجوههما غِلَظَ القُبَّة، حتى يَظُنَّ مَن يراهما أنّهما مِن دون القُبَّة، يرى مُخُّهما مِن فوق سُوقِهما كالسِّلك الأبيض مِن ياقوتة حمراء، يَرَيان له مِن الفضل على صحابته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك، ثم يدخل إليهما فيُحَيِّيانِه ويُقَبِّلانه ويُعانِقانِه، ويقولان له: واللهِ، ما ظننّا أنّ اللهَ يخلق مثلك. ثم يأمر الله الملائكةَ، فيسيرون بهم صفًّا في الجنة، حتى ينتهي كلُّ رجلٍ منهم إلى منزلته التي أُعِدَّت له

سورة البقرة — الآية ١٠٩

قال مقاتل بن سليمان:﴿ودَّ كثير من أهل الكتاب﴾، وذلك أن نفرًا من اليهود منهم فِنْحاصُ، وزيد بن قيس -بعد قتال أحد- دَعَوا حذيفة وعمارًا إلى دينهم، وقالوا لهما: إنّكما لن تُصِيبا خيرًا لِلَّذي أصابهم يوم أحد من البلاء. وقالوا لهما: ديننا أفضل من دينكم، ونحن أهدى منكم سبيلًا. قال لهم عمار: كيف نَقْضُ العهد فيكم؟ قالوا: شديد. قال عمار: فإني عاهدتُ ربي أن لا أكْفُر بمحمد أبدًا، ولا أتَّبع دينًا غير دينه. فقالت اليهود: أمّا عمار فقد ضلَّ وصبأ عن الهُدى بَعْدَ إذ بصره الله، فكيف أنت يا حذيفة، ألا تبايعنا؟ قال حذيفة: الله ربي، ومحمد نبيي، والقرآن إمامي، أطيع ربي، وأقتدي برسولي، وأعمل بكتاب الله ربي، حتى يأتيني اليقين على الإسلام، والله السلام، ومنه السلام. فقالوا: وإلهِ موسى، لقد أُشْرِبَت قلوبُكم حبَّ محمد. فقال عمار: ربي أحمده، وربي أكرم محمدًا، ومنه اشتق الجلالة، إن محمدًا أحمد هو محمد. ثم أتَيا النبيَّ ﷺ فأخبراه، فقال: «ما رددتُما عليهما». فقالا: قلنا: الله ربنا، ومحمد رسولنا، والقرآن إمامنا، الله نطيع، وبمحمد نقتدي، وبكتاب الله نعمل. فقال النبي ﷺ: «أصبتما أخا الخير، وأفلحتما». فأنزل الله عز وجل يُحَذِّر المؤمنين: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق﴾

سورة الأنعام — الآية ١٦٤

عن ابن أبي مُليكَة، قال: تُوُفِّيَت ابنةٌ لعثمان رضي الله عنه بمكة، وجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم، وإنِّي لَجالِس بينهما -أو قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي- فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لعمرو بن عثمان: ألا تَنهى عن البكاء؛ فإنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ المَيِّتَ لَيُعَذَّب ببكاء أهله عليه». فقال ابن عباس رضي الله عنهما: قد كان عمر رضي الله عنه يقول بعض ذلك، ثم حدث، قال: صدرت مع عمر رضي الله عنه من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سَمُرَة، فقال: اذهب، فانظر من هؤلاء الركب. قال: فنظرت، فإذا صهيب، فأخبرته فقال: ادعُه لي. فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتحِلْ، فالحَقْ أميرَ المؤمنين. فلمّا أُصيب عمر دخل صهيب يبكي، يقول: وا أخاه وا صاحباه. فقال عمر رضي الله عنه: يا صهيبُ، أتبكي عليَّ، وقد قال رسول الله ﷺ: «إنّ الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه». قال ابن عباس رضي الله عنهما: فلمّا مات عمر رضي الله عنه ذكرتُ ذلك لعائشة رضي الله عنها، فقالت: رحِم اللهُ عمر، واللهِ، ما حدَّث رسول الله ﷺ: «إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه». ولكن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه». وقالت: حسبكم القرآن: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾

سورة الأعراف — الآية ١٤٣

عن عبد الله بن مسعود، قال: لَمّا قُرِّبَ موسى نَجِيًّا أبصَر في ظلِّ العرش رجلًا، فغَبَطه بمكانه، فسَأَل عنه، فلم يُخبَرْ باسمه، وأُخبِرَ بعمله، فقال له: هذا رجلٌ كان لا يحسُدُ الناس على ما آتاهم الله مِن فضله، بَرٌّ بالوالدين، لا يمشي بالنميمة. قال: فقال الله: يا موسى، ما جئتَ تطلب؟ قال: جئتُ أطلبُ الهدى، يا ربِّ. قال: قد وجدتَ، يا موسى. قال: ربِّ، اغفِرْ لي ما مضى من ذنوبي، وما غبَر، وما غبَر، وما بين ذلك، وما أنت أعلمُ به مِنِّي، وأعوذ بك مِن وسوسة نفسي وسوءِ عملي. فقيل له: قد كُفِيتَ، يا موسى. قال: ربِّ، أيُّ العملِ أحَبُّ إليك أن أعملَه؟ قال: اذكُرْني، يا موسى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أتْقى؟ قال: الذي يذكُرُني ولا ينساني. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أغنى؟ قال: الذي يقنعُ بما يؤتى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أفضل؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبِعُ الهوى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أعلم؟ قال: الذي يطلبُ علم الناس إلى علمِه، لعله يسمعُ كلمةً تدُلُّه على هُدًى، أو تَرُدُّه عن رَدًى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أحبُّ إليك عملًا؟ قال: الذي لا يكذبُ لسانُه، ولا يزني فرجُه، ولا يَفجُرُ قلبُه. قال: ربِّ، ثم أيٌّ على أثرِ هذا؟ قال: قلبٌ مؤمن في خُلُق حَسَن. قال: ربِّ، أيُّ عبادِك أبغضُ إليك. قال: قلبٌ كافرٌ في خُلُقٍ سَيِّء. قال: ربِّ، ثم أيٌّ على أثرِ هذا؟ قال: جِيفةٌ بالليل بطّالٌ بالنهار

سورة النور — الآية ٥٤

عن وهب بن مُنَبِّه، قال: إنّ الله عز وجل أوحى إلى نبيٍّ مِن أنبياء بني إسرائيل -يُقال له: أشعيا-: أن قُم في قومك بني إسرائيل؛ فإنِّي مُطْلِقٌ لسانَك بوحيٍ. فقال: يا سماءُ، اسمعي، ويا أرضُ، أنصِتِي، فإنّ الله عز وجل يُرِيد أن يقص شأن بني إسرائيل، إنّ قومك يسألونَ عن غيبي الكُهّانَ والأسرار، وإنِّي أريد أن أُحْدِث حَدَثًا أنا مُنفِذُه، فليخبروني متى هو؟ وفي أيِّ زمان يكون؟ أريد أن أحول الريف إلى الفلاة، والآجام في الغيطان، والأنهار في الصحاري، والنعمة في الفقراء، والملك في الرعاة، وأبعث أعمى مِن عميان أبعثه ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا صخّاب في الأسواق، لو يَمُرُّ إلى جنب السِّراج لم يُطْفِئه مِن سكينته، ولو يمشي على القَصَب اليابس لم يسمع مَن تحت قدميه، أبعثه مُبَشِّرًا ونذيرًا، لا يقول الخنا، أفتح به أعينًا كُمًّا، وأذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا، أُسَدِّده لكل أمر جميل، وأَهَبُ له كلَّ خُلُق كريم، وأجعل السكينةَ لباسَه، والبِرَّ شِعارَه، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصِّدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خُلُقَه، والحقَّ شريعتَه، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأُعَلِّم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأُكَثِّر به بعد القِلَّة، وأُغنِي به بعد العَيْلَة، وأجمع به بعد الفُرْقة، وأُؤَلِّف به بين أُمَمٍ مُتَفَرِّقة، وقلوب مختلفة، وأهواء مُتَشَتِّتة، وأسْتَنقِذ به فِئامًا مِن الناس عظيمًا مِن الهَلَكَة، وأجعل أُمَّته خيرَ أُمَّة أُخرِجَت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، مُوَحِّدين مؤمنين مخلصين، مُصَدِّقين بما جاءت به رسلي

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح-: أنّ قريشًا بعثوا خمسة رهط -منهم عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث- إلى المدينة، يسألون اليهود عن رسول الله ﷺ، ووصفوا لهم صفته، فقالوا لهم: نجِد نعته وصفته ومبعثه في التوراة، فإن كان كما وصفتم لنا فهو نبيٌّ مُرسَل، وأمره حقٌّ، فاتَّبِعُوه، ولكن سلوه عن ثلاث خصال، فإنه يخبركم بخصلتين، ولا يخبركم بالثالثة إن كان نبيًّا، فإنا قد سألنا مسيلمة الكذاب عن هؤلاء الثلاث فلم يدر ما هي. فرجعت الرسل إلى قريش بهذا الخبر من اليهود، فأتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا محمد، أخبِرنا عن ذي القرنين الذي بلغ المشرق والمغرب، وأخبِرنا عن الروح، وأخبِرنا عن أصحاب الكهف. قال: «أخبركم بذلك غدًا». ولم يقل: إن شاء الله. فأبطأ عليه جبريل خمسة عشر يومًا، فلم يأته لترك الاستثناء، فشق ذلك على رسول الله ﷺ، ثم أتاه جبريل بما سألوه، فقال: «يا جبريل، أبطأتَ عَلَيَّ!». فقال: بتركك الاستثناء أن تقول: إن شاء الله. قال: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾. ثم أخبره بخبر ذي القرنين، وبخبر الروح، وأصحاب الكهف، ثم أرسل إلى قريش، فأتوه، فأخبرهم عن حديث ذي القرنين، وقال لهم:}الروح من أمر ربي}. يقول: من علم ربي، لا علم لي به. فلما وافق قول اليهود أنه لا يخبركم بالثالث قالوا:}سحران تظاهرا}: تعاونا. يعنون: التوراة والفرقان، ﴿وقالوا إنا بكل كافرون﴾ [القصص:٤٨]. وحدثهم بحديث أصحاب الكهف

سورة الكهف — الآية ٦٠

عن عبد الله بن عباس -من طريق هارون بن عنترة، عن أبيه- قال: سأل موسى ربَّه، فقال: ربِّ، أيُّ عبادِك أحبُّ إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأيُّ عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق، ولا يَتَّبع الهوى. قال: فأيُّ عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علمَ الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمةً تهديه إلى هدًى، أو تَرُدَّه عن ردًى. قال: وقد كان موسى حدَّث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه، فلمّا أن قيل له: الذي يبتغى علم الناس إلى علمه؛ قال: ربِّ، فهل في الأرض أحد أعلم مني؟ قال: نعم. قال: فأين هو؟ قيل له: عند الصخرة التي عندها العين. فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله، وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلَّم كلُّ واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: إني أريد أن تصحبني. قال: إنك لن تطيق صحبتي. قال: بلى. قال: فإن صحبتني ﴿فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا﴾. فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحور، وليس في البحر مكان أكثر ماء منه، قال: وبعث الله الخُطّافَ، فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخُطّافَ رَزَأَ بمنقاره من الماء؟ قال: ما أقل ما رَزَأ. قال: يا موسى، فإنّ علمي وعلمك في علم الله كقَدْر ما استقى هذا الخُطّاف من هذا الماء. -وذكر تمام الحديث في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإصلاح الجدار- فكان قول موسى في الجدار لنفسه يطلب شيئًا من الدنيا، وكان قوله في السفينة وفي الغلام لله عز وجل

سورة السجدة — الآية ١٣

قال يحيى بن سلّام: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا﴾ لأعطينا ﴿كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾، كقوله: ﴿أفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد:٣١] هداها، وكقوله: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩]، ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ سَبَقَ القولُ مِنِّي ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ يعني: المشركين مِن كلا الفريقين، وكقوله لإبليس: ﴿اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٨]. وحدثني يزيد بن إبراهيم والحسن بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: اختصمت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب، ما لي يدخلني الجبارون والمتكبرون؟ وقالت الجنة: يا رب، ما لي يدخلني ضعفاء الناس وسقطهم؟ فقال للنار: أنتِ عذابي أصيب بكِ مَن أشاء. وقال للجنة: أنت رحمتي أصيب بكِ مَن أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما الجنة فإنّ الله -تبارك وتعالى- لا يظلم الناس شيئًا، وينشئ لها ما يشاء مِن خلقه، وأما النار فيقذف فيها، وتقول: هل من مزيد. ويقذف فيها، وتقول: هل من مزيد. ويقذف فيها، وتقول: هل من مزيد. حتى يضع عليها قدمه، فحينئذ تمتلئ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قد، قد. وقال بعضهم: قد، قد ثلاث مرات. خداش عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله، غير أنه قال: «قط، قط، قط، قط، قط، قط»

سورة السجدة — الآية ١٧

عن عبادة بن الصامت، قال: صلّى بنا رسولُ الله ﷺ، فتخَطّى إليه رجلان؛ رجل من الأنصار، ورجل من ثقيف، سبق الأنصاريُّ الثقفيَّ، فقال رسول الله ﷺ للثقفي: «إنّ الأنصاريَّ قد سبقك بالمسألة». فقال الأنصاري: لعله -يا رسول الله- أن يكون أعجل مِنِّي؛ فهو في حلٍّ. قال: فسأله الثقفي عن الصلاة، فأخبره، ثم قال رسول الله ﷺ للأنصاري: «إن شئتَ خبرتك بما جئت تسأل عنه، وإن شئت سألتني، فأخبر بذلك». فقال: يا رسول، الله تخبرني. فقال: «جئت تسألني: ما لَك مِن الأجر إذا أمَمْتَ البيت العتيق، وما لك من الأجر في وقوفك في عرفة، وما لك من الأجر في رميك الجمار، وما لك من الأجر في حلق رأسك، وما لك من الأجر إذا ودعت البيت». فقال الأنصاري: والذي بعثك بالحق، ما جئت أسألك عن غيره. قال: «فإنّ لك من الأجر إذا أمَمْتَ البيت العتيق ألا ترفع قدمًا أو تضعها أنت ودابتك إلا كتبت لك حسنة، ورفعت لك درجة، وأمّا وقوفك بعرفة فإن الله عز وجل يقول لملائكته: يا ملائكتي، ما جاء بعبادي؟ قالوا: جاؤوا يلتمسون رضوانك والجنة. فيقول الله عز وجل: فإنِّي أُشهِد نفسي وخلقي أنِّي قد غفرتُ لهم عدد أيام الدهر، وعدد القطر، وعدد رمل عالِج. وأما رميك الجمار فإنّ الله عز وجل يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وأما حلقك رأسك فإنه ليس من شعرك شعرةٌ تقع في الأرض إلا كانت لك نورًا يوم القيامة، وأما البيت إذا ودَّعت فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك»

سورة سبأ — الآية ٢٣

عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله عز وجل: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، قال: كان لكلِّ قَبيلٍ مِن الجن مقعد مِن السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحيُ سُمِع له صوت كإمرار السلسلة على الصفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صَعقوا، ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الحَقَّ وهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ وإن كان مما يكون في الأرض من أمر غيبٍ أو موت أو شيء مما يكون في الأرض تكلّموا به، فقالوا: يكون كذا، وكذا. فسمعته الشياطين، فنزلوا به على أوليائهم، يقولون: يكون العام كذا، ويكون كذا. فيسمعه الجن، فيخبرون الكهنة به، والكهنة تخبر به الناس: يكون كذا وكذا. فيجدونه كذلك، فلما بعث الله محمدًا ﷺ دُحِروا بالنجوم، فقالت العرب حين لم يخبرهم الجن بذلك: هلك مَن في السماء. فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرًا، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم شاة، حتى أسرعوا في أموالهم، فقالت ثقيف -وكانت أعقل العرب-: أيها الناس، أمسِكوا عليكم أموالكم؛ فإنه لم يمت مَن في السماء، وإنّ هذا ليس بانتشار، ألستم ترون معالمكم مِن النجوم كما هي، والشمس والقمر والليل والنهار؟! قال: فقال إبليس: لقد حدث اليومَ في الأرض حدث، فائتوني مِن تربة كل أرض. فأَتَوه بها، فجعل يشمها، فلما شمَّ تربة مكة قال: مِن هاهنا جاء الحدث. فنقبوا، فإذا رسول الله ﷺ قد بُعِث