عن نوف البِكاليّ -من طريق أبي عمران الجَوْنِيِّ- قال: كانت مريم عليها السلام فتاة بتولًا، وكان زكريا زوج أختها كفلها، فكانت معه، فكان يدخل عليها يُسَلِّمُ عليها، فتُقَرِّبُ إليه فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فدخل عليها زكريا مرَّة، فقرَّبت إليه بعض ما كانت تُقَرِّب، ﴿قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه﴾ إلى قوله: ﴿آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا زمرا﴾ [آل عمران:٣٧-٤١]. قال: يُخْتَمُ على لسانك فلا تكلِّمُ الناس ﴿ثلاث ليال سويا﴾: صحيحًا. ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم﴾ كتب لهم ﴿أن سبحوا بكرة وعشيا﴾. قال: فبينما هي جالسة في منزلها إذا رجل قائم بين يديها قد هَتَكَ الحُجُبَ، فلمّا رأته قالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾. قال: فلما ذكرت الرحمن فزع جبريل عليه السلام، قال: ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ إلى قوله: ﴿وكان أمر مقضيا﴾. فنفخ في جيبها جبريلُ، فحملت، حتى إذا أثْقَلَتْ وجِعَتْ ما توجع النساء، وكانت في بيت النبوة، فاستحيت، وهربت حياءً مِن قومها، فأخذت نحو المشرق، وخرج قومها في طلبها، فجعلوا يسألون: رأيتم فتاة كذا وكذا؟ فلا يخبرهم أحد، وأخذها ﴿المخاض إلى جذع النخلة﴾ فتساندت إلى النخلة، قالت: ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا﴾ قال: حيضة من حيضة، ﴿فناداها من تحتها﴾ قال: جبريل مِن أقصى الوادي: ﴿أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا﴾ قال: جدولًا، ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا﴾. فلمّا قال لها جبريلُ اشتدَّ ظهرها، وطابت نفسها، فقطعت سَرَرَه، ولفَّته في خِرْقَة، وحملته، فلقي قومها راعي بقر وهم في طلبها، قالوا: يا راعي، هل رأيت فتاة كذا وكذا؟ قال: لا، ولكن رأيت الليلة مِن بقري شيئًا لم أره منها قطُّ فيما خلا. قال: وما رأيتها منها؟ قال: رأيتها باتت سُجَّدًا نحو هذا الوادي. فانطلقوا حيث وصف لهم، فلما رأتهم مريم جلست، وجعلت تُرضِع عيسى، فجاؤوا حتى وقفوا عليها، فقالوا: ﴿يا مريم لقد جئت شيئا فريا﴾ قال: أمرًا عظيمًا، ﴿فأشارت إليه﴾ أن كلِّموه، فعجبوا منها، ﴿قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبي﴾؟! والمهد: حِجْرُها. فلما قالوا ذلك ترك عيسى ثديَها، واتَّكأ على يساره، ثم تكلم، ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾. قال: واختلف الناس فيه
أفادت الآثار الاختلاف في المراد بالمحصنات في الآية على قولين: أحدهما: الحرائر دون الإماء. والآخر: العفيفات وإن كنّ إماءً. واختلفوا في قوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ أهو عامّ، أو خاصّ؟ على ثلاثة أقوال: أولها: هو عامّ يشمل كل نساء أهل الكتاب. ثانيها: هو خاصّ بالذِّمِّيّات دون الحربيات. ثالثها: هو خاص بنساء بني إسرائيل دون غيرهن من نساء أهل الكتاب. ورجَّحَ ابن جرير (٨/١٤٦-١٤٧) قولَ مجاهد وغيرِه: أنّ المراد بهن حرائر المؤمنين، وأهل الكتاب عامة، بدلالة القرآن والإجماع، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب: قولُ من قال: عنى بقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾: حرائرَ المؤمنين وأهل الكتاب؛ لأن الله -جل ثناؤه- لم يأذن بنكاح الإماءِ الأحرارَ في الحال التي أباحهنَّ لهم، إلا أن يَكُنَّ مؤمنات، فقال -عزَّ ذِكْرُه-: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء:٢٥]، فلم يُبِح منهنَّ إلا المؤمنات. فلو كان مرادًا بقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾: العفائف؛ لدخل العفائف من إمائهم في الإباحة، وخرج منها غير العفائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيمان. وقد أحل الله لنا حرائر المؤمنات، وإن كُنَّ قد أتين بفاحشة بقوله: ﴿وأَنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ والصّالِحِينَ مِن عِبادِكُمْ وإمائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]. فنكاح حرائر المسلمين وأهل الكتاب حلال للمؤمنين، كُنَّ قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة، ذِمِّيَّةً كانت أو حَرْبِيَّةً، بعد أن تكون بموضع لا يَخافُ الناكحُ فيه على ولده أن يُجْبر على الكفر، بظاهر قول الله -جل وعز-: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾. فأمّا قول الذي قال: عنى بذلك: نساء بني إسرائيل؛ الكتابيّات منهن خاصة، فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه؛ لشذوذه، والخروج عما عليه علماء الأمة من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى». وذَهَبَ ابن كثير (٥/٨٢) إلى أنّ المراد بالمحصنات: العفيفات، مستندًا إلى النظائر، والدلالة العقلية، وقال تعليقًا على ما حكاه ابن جرير عن مجاهد من أنهن الحرائر: «إنما قال مجاهد: المحصنات: الحرائر. فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة: العفيفة، كما قاله مجاهد في الرواية الأخرى عنه. وهو قول الجمهور هاهنا، وهو الأشبه؛ لِئَلّا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: حَشَفًا وسوء كيلة. والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ [النساء:٢٥]»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ نزلت في بديل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي، كان خرج مسافرًا في البحر إلى أرض النجاشي، ومعه رجلان نصرانيان، أحدهما يسمى: تميم بن أوس الداري وكان من لخم، وعدي بن [بَدّاء]، فمات بديل وهم في البحر، فرمي به في البحر، قال: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ وذلك أنه كتب وصيته ثم جعلها في متاعه، ثم دفعه إلى تميم وصاحبه، وقال لهما: أبلغا هذا المتاع إلى أهلي. فجاءا ببعض المتاع، وحبسا جامًا من فضة مُمَوَّهًا بالذهب؛ فنزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ يقول: عند الوصية يشهدون وصيته ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ من المسلمين في دينهما، ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ يعني: من غير أهل دينكم؛ النصرانيين تميم الداري، وعدي بن [بَدّاء]، ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ يا معشر المسلمين للتجارة، ﴿فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ يعني: بديل ابن أبي مارية حين انطلق تاجرًا في البحر، وانطلق معه تميم وعدي صاحباه، فحضره الموت، فكتب وصيته، ثم جعلها في المتاع، فقال: أبلغا هذا المتاع إلى أهلي. فلما مات بديل قبضا المتاع، فأخذا منه ما أعجبهما، وكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوش مُمَوَّه بالذهب، فلمّا رجعا من تجارتهما دفعا بقية المال إلى ورثته، ففقدوا بعض متاعه، فنظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيه تامًّا لم يبع منه ولم يهب، فكلموا تميمًا وصاحبه، فسألوهما: هل باع صاحبنا شيئًا؟ أو اشترى شيئًا فخسر فيه؟ أو طال مرضه فأنفق على نفسه؟ فقالا: لا. قالوا: فإنّا قد فقدنا بعض ما أبدى به صاحبُنا. فقالا: ما لنا بما أبدى، ولا بما كان في وصيته علم، ولكنه دفع إلينا هذا المال فبلغناكم إياه. فرفعوا أمرهم إلى النبي ﷺ؛ فنزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ الآيات، فحلَّفهما النبي ﷺ عند المنبر بعد صلاة العصر، فحلفا أنهما لم يخونا شيئًا من المال، فخلّى سبيلهما، فلما كان بعد ذلك وجدوا الإناء الذي فقدوه عند تميم الداري، قالوا: هذا من آنية صاحبنا الذي كان أبدى بها، وقد زعمتما أنه لم يبِع، ولم يشترِ، ولم ينفق على نفسه. فقالا: قد كُنّا اشتريناه منه، فنسينا أن نخبركم به. فرفعوهما إلى النبي ﷺ الثانية، فقالوا: يا رسول الله، إنا وجدنا مع هذين إناء من فضة من متاع صاحبنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ﴾ من أولياء الميت، يعني: عبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي وداعة السهميان، ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ يعني: مقام النصرانيين ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ يعني: فيحلفان بالله في دُبُر صلاة العصر أنّ الذي في وصية صاحبنا حقٌّ، وأنّ المال كان أكثر مما أتيتمانا به، وأنّ هذا الإناء لَمِن متاع صاحبنا الذي خرج به معه، وكتبه فِي وصيته، وأنكما خنتما. فذلك قوله سبحانه: ﴿لَشَهادَتُنا﴾ يعني: عبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب، ﴿أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ فحلف عبد الله والمطلب كلاهما أنّ الذي في وصية الميت حقٌّ، وأنّ هذا الإناء من متاع صاحبنا. فأخذوا تميم بن أوس الداري وعدى بن [بَدّاء] النصرانيين بتمام ما وجدا في وصية الميت حين اطلع الله عز وجل على خيانتهما في الإناء، ... وأن تميم بن أوْس الداري اعترف بالخيانة، فقال له النبي ﷺ: «ويحك، يا تميم، أسلم يتجاوز الله عنك ما كان فِي شركك». فأسلم تميم الداري، وحسُن إسلامه، ومات عَدِيُّ بن [بَدّاء] نصرانيًّا
عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: بعث إليّ عمر بن الخطاب في الهاجرة، فجئتُه، فدخلتُ عليه، فإذا هو جالسٌ على سرير، ليس بينه وبين رَمْل السرير فراش، مُتّكِئ على وسادة مِن أدَم، فقال: يا مالك، إنه قدم علينا أهلُ أبيات من قومك، وإني قد أمرتُ فيهم بِرَضْخ، فخُذه، فاقسِمه بينهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنهم قومي، وأنا أكره أن أدخل بهذا عليهم، فمُرْ به غيري. فإني لأراجعه في ذلك إذ جاءه يَرْفَأ غلامه، فقال: هذا عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف. فأذِن لهم، فدَخلوا، ثم جاءه يَرْفَأ، فقال: هذا عليٌّ، وعباس. قال: ائذن لهما. فدخلا. فقال عباس: ألا تعدِيني على هذا؟ فقال القوم: يا أمير المؤمنين، اقضِ بين هذين، وأَرِح كلَّ واحد منهما مِن صاحبه؛ فإنّ في ذلك راحةً لك ولهما. فجلس عمر، ثم قال: اتَّئِدُوا. وحَسر عن ذراعيه، ثم قال: أنشُدُكم بالله -أيها الرّهط-، هل سمعتم رسول الله ﷺ قال: «إنّا لا نُورَث، ما تَركنا صدقة، إنّ الأنبياء لا تُورَث»؟ فقال القوم: نعم، قد سمعنا ذاك. ثم أقبل على علي، وعباس، فقال: أنشُدُكما بالله، هل سمعتما رسول الله ﷺ قال ذاك؟ قالا: نعم. فقال عمر: ألا أُحدّثكم عن هذا الأمر، إنّ الله خصّ نبيّه مِن هذا الفيء بشيء، لم يُعطه غيره -يريد: أموال بني النَّضِير، كانت نَفلًا لرسول الله ﷺ ليس لأحد فيها حقٌّ معه-، فواللهِ، ما احتواها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد قَسّمها فيكم حتى أمسك منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ يُدخل منه قُنْيَة أهله لسَنَتهم، ويجعل ما بقي في سُبل المال، حتى تَوفّى الله نبيّه ﷺ، فقام أبو بكر، فقال: أنا وليّ رسول الله ﷺ، أعمل بما كان يعمل، وأسير بسِيرته في حياته. فكان يُدخل من هذا المال قُنية أهل رسول الله ﷺ لسَنَتهم، ويجعل ما بقي في سُبل المال، كما كان يصنع رسول الله ﷺ، فَوَلِيها أبو بكر حياته حتى تُوفّي، فلمّا تُوفّي أبو بكر قلتُ: أنا وليّ رسول الله ﷺ، ووليّ أبي بكر، أعمل بما كانا يعملان به في هذا المال. فقبضتُها، فلما أقبلتما عليّ، وأدبرتما، وبدا لي أنْ أدفعها إليكما، أخذتُ عليكما عهد الله وميثاقه لتَعمَلان فيها بما كان رسول الله ﷺ يعمَل به فيها، وأبو بكر، وأنا، حتى دفعتُها إليكما، أنشُدُكم بالله -أيّها الرّهط- هل دفعتُها إليهما بذلك؟ قالوا: اللهم، نعم. ثم أقبلَ عليهما، فقال: أنشُدُكما بالله هل دفعتُها إليكما بذلك؟ قالا: نعم. قال: فقضاءً غير ذلك تلتمسان مِنِّي؟! فلا، واللهِ، لا أقضي فيها قضاء حتى تقوم الساعة غير ذلك، فإن كنتما عَجَزتما عنها، فأدِّياها إلَيّ. ثم قال عمر: إنّ الله قال: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فكانت لرسول الله ﷺ، ثم قال: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ إلى آخر الآية: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ثم -واللهِ- ما أعطاها هؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾، ثم -واللهِ- ما جعلها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ إلى ﴿المُفْلِحُونَ﴾، ثم -واللهِ- ما أعطاها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾، فقَسَمها هذا القَسْم على هؤلاء الذين ذَكر. قال عمر: لَئِن بَقيتُ لَيَأتينّ الرُّوَيْعيَّ بصنعاء حقُّه ودمُه في وجهه
اختُلف في معنى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ على أقوال: الأول: عاملة في النار ناصبة فيها. الثاني: عاملة في الدنيا ناصبة فيها، والآية في القِسِّيسين، وعباد الأوثان، وكلّ مَن اجتهد في كُفر. الثالث: عاملة في الدنيا ناصبة يوم القيامة. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٥٩٦) القول الثالث بقوله: «فالعمل -على هذا- هو مساعي الدنيا». ورجَّح ابنُ تيمية (٧/٥) -مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية، والنظائر- القول الأول، فقال: «هذا هو الحق لوجوه: أحدها: أنه على هذا التقدير يتعلق الظرف بما يليه، أي: وجوه يوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة صالية، وعلى الأولى لا يتعلق إلا بقوله: ﴿تصلى﴾، ويكون قوله: ﴿خاشعة﴾ صفة للوجوه، قد فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي متعلّق بصفة أخرى متأخرة، والتقدير: وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذٍ تصلى نارًا حامية، والتقديم والتأخير على خلاف الأصل؛ فالأصل إقرار الكلام على نظْمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه، ثم إنما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة، أما مع اللبس فلا يجوز؛ لأنه يلتبس على المخاطب، ومعلوم أنه ليس هنا قرينة تدل على التقديم والتأخير، بل القرينة تدل على خلاف ذلك، فإرادة التقديم والتأخير بمثل هذا الخطاب خلاف البيان، وأمْر المخاطب بفهمه تكليف لما لا يطاق. الوجه الثاني: أنّ الله قد ذكر وجوه الأشقياء ووجوه السعداء في السورة، فقال بعد ذلك: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾، ومعلوم أنه إنما وصفها بالنعمة يوم القيامة لا في الدنيا؛ إذ هذا ليس بمدح، فالواجب تشابه الكلام وتناظر القسمين، لا اختلافهما، وحينئذ فيكون الأشقياء وُصفتْ وجوههم بحالها في الآخرة. الثالث: أنّ نظير هذا التقسيم قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٥]، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس:٣٨-٤٢]، وهذا كله وصفٌ للوجوه لحالها في الآخرة لا في الدنيا. الرابع: أنّ وصف الوجوه بالأعمال ليس في القرآن، وإنما في القرآن ذِكْر العلامة، كقوله: ﴿سِيمِاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وقوله: ﴿ولَوْ نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ [محمد:٣٠]، وقوله: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج:٧٢]، وذلك لأنّ العمل والنَّصَب ليس قائمًا بالوجوه فقط؛ بخلاف السيما والعلامة. الخامس: أنّ قوله: ﴿خاشِعَةً عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ لو جُعل صفة لهم في الدنيا لم يكن في هذا اللفظ ذم، فإنّ هذا إلى المدح أقرب، وغايته أنه وصفٌ مشترك بين عُبّاد المؤمنين وعُبّاد الكفار، والذم لا يكون بالوصف المشترك، ولو أُريد المختص لقيل: خاشعة للأوثان -مثلًا-، عاملة لغير الله، ناصبة في طاعة الشيطان. وليس في الكلام ما يقتضي كون هذا الوصف مختصًّا بالكفار، ولا كونه مذمومًا، وليس في القرآن ذمٌّ لهذا الوصف مطلقًا، ولا وعيد عليه، فحمْله على هذا المعنى خروج عن الخطاب المعروف في القرآن. السادس: أنّ هذا الوصف مختص ببعض الكفار، ولا موجب للتخصيص، فإنّ الذين لا يتعبّدون من الكفار أكثر، وعقوبة فُسّاقهم في دينهم أشد في الدنيا والآخرة، فإنّ مَن كفَّ منهم عن المحرمات المتفق عليها، وأدّى الواجبات المتفق عليها لم تكن عقوبته كعقوبة الذين يدعون مع الله إلهًا آخر، ويقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ويَزْنُون. فإذا كان الكفر والعذاب على هذا التقدير في القسم المتروك أكثر وأكبر؛ كان هذا التخصيص عكس الواجب. السابع: أنّ هذا الخطاب فيه تنفير عن العبادة والنُّسك ابتداء، ثم إذا قُيِّد ذلك بعبادة الكفار والمبتدعة -وليس في الخطاب تقييد- كان هذا سعيًا في إصلاح الخطاب بما لم يُذكر فيه»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ يَتَأَلَّفهم بالصدقة يعطيهم منها، منهم أبو سفيان، وعيينة بن حصن، وسهل ابن عمرو، وقد انقطع [حقُّ] المُؤَلَّفَةِ اليومَ، إلا أن ينزل قوم منزلة أولئك، فإن أسلموا أُعْطُوا مِن الصدقات تتَأَلَّفهم بذلك؛ ليكونوا دعاةً إلى الدين، ... وكان المؤلفة قلوبهم ثلاثة عشر رجلًا، منهم: أبو سفيان بن حرب بن أمية، والأقرَع بن حابِس المجاشعي، وعُيَيْنة بن حصن الفزاريّ، وحُوَيْطِب بن عبد العُزّى القرشي من بني عامر بن لؤي، والحارث بن هشام المخزومي، وحكيم بن حزام من بني أسد بن عبد العزى، ومالك بن عوف النصري، وصفوان بن أُمَيَّة القرشي، وعبد الرحمن بن يَرْبُوع، وقيس بن عَدِيٍّ السهمي، وعمرو بن مِرْداس، والعلاء بن الحارث الثقفي، أعطى كلَّ رجل منهم مائةً من الإبل لِيُرَغِّبهم في الإسلام، ويُناصِحون اللهَ ورسولَه، غير أنّه أعطى عبد الرحمن بن يربوع خمسين من الإبل، وأعطى حُوَيْطِب بن عبد العُزّى القرشي خمسين من الإبل، وكان أعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل، فقال: يا نبيَّ الله، ما كنتُ أرى أنّ أحدًا مِن المسلمين أحقّ بعطائِك مِنِّي. فزاده النبيُّ ﷺ، فكَرِه، ثم زاده عشرةً، فكَرِه، فأتمَّها له مائةً مِن الإبل، فقال حكيم: يا رسول الله، عَطِيَّتُك الأولى التي رَغِبْتُ عنها أهي خيْرٌ أم التي قَنِعْتُ بها؟ فقال النبيُّ ﷺ: «الإبل التي رغبتَ عنها». فقال: واللهِ، لا آخُذُ غيرها. فأخذ السبعين، فمات وهو أكثر قريش مالًا، فشقَّ النبيُّ ﷺ تلك العطايا، فقال النبي ﷺ: «إنِّي لَأُعطي رجلًا وأترك آخرَ، وإنّ الذي أتركُ أحَبَّ إلَيَّ مِن الذي أُعْطِي، ولكن أتَأَلَّفُ هؤلاء بالعَطِيَّة، وأُوكِلُ المؤمنَ إلى إيمانه»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ يعني: بني إسرائيل في الدنيا: ﴿اتَّخِذُونِي وأُمِّي﴾ مريم ﴿إلهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ﴾ فنَزَّه الرب عز وجل أن يكون أمرهم بذلك، فقال: ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ يعني: ما ينبغي لي ﴿أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ يعني: بعدل أن يعبدوا غيرك، ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ﴾ لهم ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي﴾ يعني: ما كان مني وما يكون، ﴿ولا أعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ يقول: ولا أطلع على غيبك. وقال أيضًا: ﴿ولا أعْلَمُ﴾ ما في علمك، ما كان منك وما يكون، ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ يعني: غيب ما كان، وغيب ما يكون، ... وإنما قال الله عز وجل: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ولم يقل: وإذ يقول يا عيسى ابن مريم. لأنّه قال سبحانه قبل ذكر عيسى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾. قالوا يومئذ -وهو يوم القيامة- حين يفرغ من مخاصمة الرسل، فينادي: أين عيسى ابن مريم؟ فيقوم عيسى ﷺ شَفِقٌ فَرِقٌ، يَرْعُد رِعْدةً حتى يقف بين يدي الله عز وجل: يا عيسى ﴿أأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إلهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]، فلما دخلوا الجنة قال: ﴿ونادى أصحابُ النّارِ﴾ [الأعراف:٤٤]، فنسق بالماضي على الماضي والمعنى مستقبل، ولو لم يذكر الجنة قبل بدئهم بالكلام الأول لقال في الكلام الأول: وينادي أصحاب الجنة أصحاب النّار. وكل شيء في القرآن على هذا النحو. ثم قال عيسى ﷺ لربه عز وجل في الآخرة: يا ربِّ، غبتُ عنهم، وتركتهم على الحق الذي أمرتني به، فلم أدرِ ما أحدثوا بعدي
عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، قال: لَمّا أمر النبي ﷺ بحَفر الخندق عَرَضَت لهم صخرةٌ حالَت بينهم وبين الحفر، فقام النبي ﷺ، وأخذ المِعْوَل، ووضع رداءه ناحية الخندق، وضرب، وقال: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾. فنَدَرَ ثُلُثُ الحجر، وسلمان الفارسي قائمٌ ينظر، فبرق مع ضربة رسول الله ﷺ برقة، ثم ضرب الثانية، وقال: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾. فندر الثُّلُث الآخر، فبرق برقةً يراها سلمان، ثم ضرب الثالثة، وقال: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾. فندر الثُّلُث الباقي، وبرق برقة، وخرج رسول الله ﷺ، وأخذ رداءه، وجلس، قال سلمان: يا رسول الله، رأيتك حين ضربتَ لا تضرب ضربةً إلا كانت معها برقة. قال له رسول الله ﷺ: «يا سلمانُ، رأيتَ ذلك؟». قال: إي، والذي بعثك بالحقِّ، يا رسول الله. قال: «فإنِّي حين ضربتُ الأولى رُفِعَتْ لي مدائنُ كسرى وما حولها، ومدائن كثيرة، حتى رأيتها بعيني». فقال له مَن حضره مِن أصحابه: يا رسول الله، ادعُ اللهَ أن يفتحها علينا، ويُغْنِمَنا ذراريَهم، ويخرب بأيدينا بلادهم. قال: فدعا رسول الله ﷺ بذلك. «ثم ضربتُ الضربة الثانية، فرُفِعَت إلَيَّ مدائن قيصر وما حولها، حتى رأيتها بعيني». قال: يا رسول الله، ادعُ الله يفتحها علينا، ويُغْنِمنا ذراريَهم. فدعا رسول الله ﷺ. «ثم ضربتُ الثالثة، فرُفِعَت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى، حتى رأيتها بعيني». فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «دَعوا الحبشة ما ودَعُوكم، واتركوا التُرْك ما تركوكم»
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: لَمّا أهلك الله عادًا وتَقَضّى أمرُها عَمِرَتْ ثمود بعدها، واستُخْلِفوا في الأرض، فنزلوا فيها، وانتشروا، ثم عَتَوْا على الله، فلمّا ظهر فسادهم وعبدوا غير الله بعث إليهم صالحًا، وكانوا قومًا عربًا، وهو من أوسطهم نسبًا، وأفضلهم موضعًا رسولًا. وكانت منازلهم الحِجر إلى قُرْحٍ، وهو وادي القُرى، وبين ذلك ثمانية عشر ميلًا فيما بين الحجاز والشام، فبعث الله إليهم غلامًا شابًّا، فدعاهم إلى الله، حتى شَمِطَ وكَبِرَ، لا يتبعه منهم إلا قليلٌ مستضعفون، فلما ألَحَّ عليهم صالح بالدعاء، وأكثر لهم التحذير، وخوَّفهم من الله العذاب والنقمة؛ سألوه أن يريَهم آيةً تكون مِصْداقًا لِما يقول فيما يدعوهم إليه، فقال لهم: أيَّ آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا هذا -وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم وما يعبدون من دون الله، في يوم معلوم من السنة-، فتدعو إلهك، وندعو آلهتنا، فإن استُجِيب لك اتَّبَعْناك، وإن استُجِيب لنا اتَّبَعْتنا. فقال لهم صالح: نعم. فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك، وخرج صالح معهم إلى الله، فدعوا أوثانهم، وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به، ثم قال له جُندَعُ بن عمرو بن جَوّاسِ بن عمرو بن الدُّمَيْلِ -وكان يومئذ سيِّدَ ثمود وعظيمَهم-: يا صالح، أخرج لنا من هذه الصخرة -لِصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها: الكاثِبةُ- ناقةً مُخْتَرَجَةً جَوْفاءَ وبْراء -والمُخترجَةُ: ما شاكَلَت البُخْتَ من الإبل. وقالت ثمودُ لصالح مثل ما قال جُنْدَعُ بن عمرو-، فإن فَعَلْتَ آمنّا بك، وصدَّقْناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقٌّ. وأخذ عليهم صالحٌ مواثيقهم: لَئِن فعلتُ وفَعل اللهُ لَتُصَدِّقُنِّي، ولَتُؤْمِنُنَّ بي؟ قالوا: نعم. فأَعْطَوه على ذلك عهودَهم، فدعا صالحٌ ربَّه بأن يخرجها لهم من تلك الهَضْبةِ كما وصَفوا
عن أبي سعيد الخدري، أنّ رسول الله ﷺ قال: «يُؤتى بالجسر، فيجعل بين ظهري جهنم». قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عُقَيْفاءُ، تكون بنجد، يقال لها: السَّعدان، المؤمن عليها كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب، فناجٍ مُسَلَّم، وناجٍ مَخْدُوش، ومَكْدُوس في نار جهنم، حتى يَمُرَّ آخرُهم يسحب سَحْبًا، فما أنتم بأشدَّ لي مناشدة في الحق، قد تبين لكم مَن المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنّهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربَّنا، إخواننا، كانوا يُصَلُّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا. فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمَن وجدتم في قلبه مثقالَ دينار من إيمان فأخرجوه. ويُحَرِّم اللهُ صُورَهم على النار، فيأتونهم وبعضُهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيُخْرِجون مَن عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمَن وجدتم في قلبه مثقالَ نصف دينار فأخرِجوه. فيُخْرِجون مَن عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمَن وجدتم في قلبه مثقالَ ذرَّةٍ مِن إيمان فأخرِجوه. فيُخْرِجون مَن عرفوا -قال أبو سعيد: فإن لم تُصَدِّقوني فاقرءوا: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾ [النساء:٤٠]-، فيَشْفَعُ النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي. فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقوامًا قد امتُحِشوا، فيُلْقَون في نهرٍ بأفواه الجنة يُقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبَّة في حَمِيل السَّيْل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظِّلِّ كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنةَ بغير عمل عملوه، ولا خيرٍ قدَّموه. فيُقال لهم: لكم ما رأيتم ومثلُه معه»