سورة مريم — الآية ١٧

عن عبد الله بن عباس -من طريق جويبر، عن الضحاك- في قوله: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ يقول: قُصَّ ذكرَها على اليهود والنصارى ومشركي العرب ﴿إذا انتبذت﴾ يعني: خرجت ﴿من أهلها مكانا شرقيا﴾ قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق، ﴿فاتخذت من دونهم حجابا﴾ وذلك أنّ الله لَمّا أراد أن يبتدئها بالكرامة، ويُبَشِّرها بعيسى، وكانت قد اغتسلت من المحيض، فتَشَرَّفت، وجعلت بينها وبين قومها ﴿حجابا﴾ يعني: جبلًا، فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس، ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ يعني: جبريل، ﴿فتمثل لها بشرا﴾ في صورة الآدميين، ﴿سويا﴾ يعني: مُعْتَدِلًا، شابًّا، أبيض الوجه، جَعْدًا قَطَطًا، حين اخضرَّ شاربُه، فلما نظرت إليه قائمًا بين يديها ﴿قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾، وذلك أنها شبَّهته بشابٍّ كان يراها ونشأ معها، يُقال له: يوسف، من بني إسرائيل، وكان مِن خَدَمِ بيت المقدس، فخافت أن يكون الشيطان قد استَزَلَّه، فمِن ثَمَّ قالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾ يعني: إن كنتَ تخاف الله. ﴿قال﴾ جبريلُ وتَبَسَّم: ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ يعني: لله مطيعًا، من غير بشر. ﴿قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر﴾ يعني: زوجًا، ﴿ولم أك بغيا﴾ أي: مُومِسَة. ﴿قال﴾ جبريل: ﴿كذلك﴾ يعني: هكذا ﴿قال ربك هو علي هين﴾ يعني: خَلْقُه مِن غير بشر، ﴿ولنجعله آية للناس﴾ يعني: عِبرة، والناس هنا: للمؤمنين خاصة، ﴿ورحمة منا﴾ لِمَن صدَّق بأنه رسول الله، ﴿وكان أمرا مقضيا﴾ يعني: كائنًا أن يكون مِن غير بشر. فَدَنا جبريلُ، فنفخ في جيبها، فدخلت النفخةُ جَوْفَها، فاحتملت كما تحمل النساء في الرَّحِم والمشِيمَة، ووضعته كما تضع النساء، فأصابها العَطَش، فأجرى الله لها جدولًا من الأردن، فذلك قوله: ﴿قد جعل ربك من تحتك سريا﴾. والسَّرِيُّ: الجدول. وحمل الجذِعُ من ساعته ﴿رطبا جنيا﴾، ﴿فناداها من تحتها﴾ جبريل: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾. لم يكن على رأسها سعف، وكانت قد يبست منذ دهر طويل، فأحياها الله لها، وحملت، فذلك قوله: ﴿تساقط عليك رطبا جنيا﴾ يعني: طريًّا بغباره، ﴿فكلي﴾ مِن الرُّطَب، ﴿واشربي﴾ من الجدول، ﴿وقري عينا﴾ بولدك. فقالت: فكيف بي إذا سألوني: من أين هذا؟ قال لها جبريل: ﴿فإما ترين﴾ يعني: فإذا رأيت ﴿من البشر أحدا﴾ فأَعْنَتَكِ في أمرك؛ ﴿فقولي إني نذرت للرحمن صوما﴾ يعني: صمتًا في أمر عيسى، ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ في أمره، حتى يكون هو الذي يُعَبِّر عنِّي وعن نفسه. قال: ففقدوا مريم مِن محرابها، فسألوا يوسف، فقال: لا عِلْمَ لي بها، وإنّ مفتاح محرابها مع زكريا. فطلبوا زكريا، وفتحوا الباب وليست فيه، فاتهموه، فأخذوه، ووَبَّخوه، فقال رجل: إنِّي رأيتها في موضع كذا. فخرجوا في طلبها، فسمعوا صوت عقعق في رأس الجذع الذي مريم مِن تحته، فانطلقوا إليه، فذلك قول الله: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾. قال ابن عباس: لَمّا رأت بأنّ قومها قد أقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به، فذلك قوله: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾ أي: لا تخاف رِيبة ولا تُهمة، فلما نظروا إليها شقَّ أبوها مدرعته، وجعل التراب على رأسه، وإخوتها، وآل زكريا، فـ﴿قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا﴾ يعني: عظيمًا، ﴿يا أخت هرون﴾ كانت من آل هارون، ﴿ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا﴾ يعني: زانية، فأنّى أتيتِ هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح، والأب الصالح، والأم الصالحة؟! ﴿فأشارت إليه﴾ تقول لهم: أن كلِّموه، فإنه سيخبركم، فـ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾ أن لا أكلمكم في أمره، فإنّه سيُعَبِّر عَنِّي، ويكون لكم آية وعبرة. ﴿قالوا﴾: يا عجبنا، ﴿كيف نكلم من كان في المهد صبيا﴾؟! يعني: مَن هو في الخِرَقِ طفلًا لا ينطق! إذ أنطقه الله، فعبَّر عن أُمِّه، وكان عبرة لهم، فقال: ﴿إني عبد الله﴾. فلما أن قالها ابتدأ يحيى، وهو ابن ثلاث سنين، فكان أولَ مَن صدق به، فقال: إنِّي أشهد أنك عبد الله ورسوله. لتصديق قول الله: ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾ [آل عمران:٣٩]. فقال عيسى: ﴿آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾ إليكم، ﴿وجعلني مباركا أينما كنت﴾. قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: «البركة التي جعلها الله لعيسى أنّه كان مُعَلِّمًا مُؤَدِّبًا حيثما توجه». ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة﴾ يعني: وأمرني، ﴿وبرا بوالدتي﴾ فلا أعُقُّها. قال ابن عباس: حين قال: ﴿وبرا بوالدتي﴾ قال زكريا: الله أكبر. فأخذه، فضَمَّه إلى صدره، فعلموا أنّه خُلِق مِن غير بشر، ﴿ولم يجعلني جبارا شقيا﴾ يعني: مُتَعَظِّمًا سفّاكًا للدم، ﴿والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾. يقول الله: ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون﴾ يعني: يَشُكُّون. يقوله لليهود، ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس

سورة الكهف — الآية ٨٣

عن وهب بن منبه -وكان له علم بالأحاديث الأولى- أنه كان يقول: كان ذو القرنين رجلًا من الروم، ابن عجوز مِن عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه: الإسكندريس، وإنما سمي: ذا القرنين؛ أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ -وكان عبدًا صالحًا- قال الله له: يا ذا القرنين، إنِّي باعثك إلى أُمَم الأرض، منهم أمتان بينهما طول الأرض كلها، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلها، وأمم في وسط الأرض، منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج، فأما اللتان بينهما طول الأرض فأُمَّة عند مغرب الشمس يُقال لها: ناسك، وأما الأخرى فعند مطلعها يقال لها: منسك، وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأُمَّة في قُطْر الأرض الأيمن يُقال لها: هاويل، وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر فأُمَّة يقال لها: تاويل. فلما قال الله له ذلك قال له ذو القرنين: يا إلهي، أنت قد ندبتني لأمر عظيم، لا يَقْدُرُ قَدْرَه إلا أنت، فأخبِرني عن هذه الأمم التي تبعثني إليها بأيِّ قوة أكابرهم؟ وبأي جمع أكاثرهم؟ وبأي حيلة أكايدهم؟ وبأي صبر أقاسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أعِي قولهم؟ وبأيِّ بصر أنفذهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي قلب أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أُدَبِّر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمرهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رِجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أخْصِمُهم؟ وبأيِّ جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أستألفهم؟ فإنّه ليس عندي -يا إلهي- شيءٌ مما ذكرت يقرن لهم، ولا يقوى عليهم، ولا يُطِيقهم، وأنت الربُّ الرحيم الذي لا تُكَلِّف نفسًا إلا وسعها، ولا تُحَمِّلها إلا طاقتها، ولا تُعْنِتُها، ولا تَفْدَحُها، بل ترأفها وترحمها. فقال له الله عز وجل: إنِّي سأُطَوِّقك ما حَمَّلْتُك، أشرح لك صدرك فيَتَّسِعُ لكل شيء، وأشرح لك فهمك فتفقه كل شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكل شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كل شيء، وأمد لك بصرك فتنفذ كل شيء، وأُدَبِّر لك أمرك فتتقن كل شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأشد لك ظهرك فلا يَهُدُّك شيء، وأشد لك رُكْنَك فلا يغلِبك شيء، وأشدُّ لك قلبك فلا يَرُوعُك شيء، وأشد لك عقلك فلا يهولك شيء، وأبسط لك يديك فيسطوان فوقَ كلِّ شيء، وأشد لك وطْأَتَك فتَهُدُّ كل شيء، وأُلْبِسُك الهَيْبَة فلا يَرُومُك شيء، وأُسَخِّر لك النور والظُّلْمَة فأجعلهما جندًا من جنودك؛ يهديك النور مِن أمامك، وتحوطك الظُّلْمَة من ورائك. فلمّا قيل له ذلك انطَلَق يَؤُمُّ الأُمَّة التي عند مغرب الشمس، فلمّا بلغهم وجد جمعًا وعددًا لا يحصيه إلا الله، وقُوَّة وبأسًا لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة، وأمورًا مشتبهة، وأهواء مُتَشَتِّتة، وقلوبًا مُتَفَرِّقة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها، فأحاطت بهم مِن كل مكان، وحاشتهم حتى جمعتهم في مكان واحد، ثم دخل عليهم بالنور، فدعاهم إلى الله وعبادته، فمنهم مَن آمن له، ومنهم مَن صَدَّ عنه، فعمد إلى الذين تَوَلَّوا عنه، فأدخل عليهم الظُّلمة، فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودُورهم، وغَشِيَتْهم مِن فوقهم ومِن تحتهم ومِن كلِّ جانبٍ منهم، فماجوا فيها، وتَحَيَّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجُّوا إليه بصوتٍ واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عُنْوَة، فدخلوا في دعوته، فجَنَّدَ مِن أهل المغرب أممًا عظيمة، فجعلهم جندًا واحدًا، ثم انطلق بهم يقودهم، والظلمة تسوقهم من خلفهم، وتحوشهم من حولهم، والنور أمامه يقوده ويدُلُّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى، وهو يريد الأُمَّة التي في قُطر الأرض الأيمن التي يُقال لها: هاويل. وسخَّر الله له يده وقلبه ورأيه وعقله ونظره وائتِماره، فلا يخطئ إذا ائتمر، وإذا عمل عملًا أتقنه، فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مَخاضة بنى سُفُنًا مِن ألواح صغار أمثال النِّعالِ، فنظَمها في ساعة واحدة، ثم حمل فيها جميع مَن معه مِن تلك الأمم وتلك الجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فَتَقها، ثم دفع إلى كل إنسان لوحًا فلا يَكْرِثُه حملُه، فلم يزل ذلك دأبه حتى انتهى إلى هاويل، فعمل فيهم كعمله في ناسك، فلما فرغ منهم مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى، حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس، فعمل فيها، وجَنَّد منها جنودًا كفعله في الأُمَّتين اللتين قبلها، ثم كرَّ مُقبِلًا في ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل، وهي الأُمَّة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان، بينهما عَرْضُ الأرضِ كله، فلما بلغها عمل فيها، وجنَّد منها كفعله فيما قبلها، فلمّا فرغ منها عَطَف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض، من الجن وسائر الناس ويأجوج ومأجوج. فلما كان في بعض الطريق مِمّا يلي منقطع أرض الترك نحو المشرق قالت له أُمَّةٌ من الإنس صالحة: يا ذا القرنين، إنّ بين هذين الجبلين خَلْقًا مِن خلق الله كثيرًا، فيهم مشابهة مِن الإنس، وهم أشباه البهائم، وهم يأكلون العشب، ويفترسون الدواب والوحش كما يفترسها السباع، ويأكلون خشاش الأرض كلها مِن الحيّات والعقارب، وكل ذي روح مما خلق الله في الأرض، وليس لله خلقٌ يَنْمى نماءَهم في العام الواحد، ولا يزداد كزيادتهم، ولا يكثر ككثرتهم، فإن كانت لهم مدة على ما يرى من نمائهم وزيادتهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض، ويُجْلُون أهلَها، ويظهرون عليها، فيُفْسِدون فيها، وليست تَمُرُّ بنا سنةٌ منذ جاورناهم إلا ونحن نتوقعهم، وننتظر أن يطلع علينا أوائلهم من هذين الجبلين، ﴿فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا. قال: ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما﴾، اغدو إلى الصخور والحديد والنحاس حتى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم. ثم انطلق يؤمهم حتى دفع إليهم، وتَوَسَّط بلادهم، فإذا هم على مقدار واحد؛ أنثاهم وذكرهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع مِنّا، لهم مخاليب في مواضع الأظفار مِن أيدينا، ولهم أنياب وأضراس كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك كأحناك الإبل قُوَّة، يُسْمَع لها حركة إذا أكل كحركة الجرَّة من الإبل، أو كقضم البغل المُسِنّ، أو الفرس القوي، وهم هلب، عليهم من الشعَر في أجسادهم ما يُوارِيهم، وما يَتَّقون به مِن الحرِّ والبرد إذا أصابهم، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان، إحداهما وبِرَةٌ ظهرها وبطنها، والأخرى زَغِبَةٌ ظهرها وبطنها، تَسَعانِه إذا لبسهما، يلبس إحداهما، ويفترش الأخرى، ويَتَصَيَّف في إحداهما، ويشتو في الأخرى، وليس منهم ذكرٌ ولا أنثى إلا وقد عرف أجلَه الذي يموت فيه وينقطع عمره، وذلك أنّه لا يموت مَيِّتٌ مِن ذكورهم حتى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت الأنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد، فإذا كان ذلك أيقن بالموت، وتَهَيَّأ له، وهم يُرزقون التِّنِّينَ في زمان الربيع، ويستمطرونه إذا تَحَيَّنوه كما يستمطر الغيث لحينه، فيقذفون منه كل سنة بواحد، فيأكلونه عامَهم كله إلى مثلها مِن قابل، فيغنيهم على كثرتهم ونمائهم، فإذا أمطروا أخصبوا، وعاشوا وسمنوا، ورُئِي أثرُه عليهم، فَدَرَّتْ عليهم الإناث، وشَبِقَت منهم الذكور، وإذا أخطأهم هزلوا وأجدبوا، وجَفَرت منهم الذكور، وأحالَتِ الإناث، وتبيَّن أثر ذلك عليهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عَوِيَّ الذئاب، ويَتَسافَدون حيثما التقوا تَسافُد البهائم. ثم لَمّا عاين ذلك منهم ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصَّدَفَين، فقاس ما بينهما وهو في منقطع أرض الترك مما يلي الشمس، فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ في عمله حفر له أُسًّا حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخًا، وجعل حشوه الصخور، وطينه النحاس، يذاب ثم يُصَبُّ عليه، فصار كأنه عِرق مِن جبل تحت الأرض، ثم عَلاه وشَرَّفَه بزُبَرِ الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلاله عِرْقًا مِن نحاس أصفر، فصار كأنه بُرْدٌ مُحَبَّرٌ مِن صُفْرةِ النحاس وحُمرته وسواد الحديد، فلمّا فرغ منه وأحكمه انطلق عامِدًا إلى جماعة الإنس والجن، فبينما هو يسير إذ رفع إلى أمة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أُمَّة مقسطة يقتسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، ويتآسون، ويتراحمون، حالهم واحدة، وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة، وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم مُؤْتَلِفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، وليس فيهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يتفاوتون، ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يَسْتَبُّون، ولا يقتتلون، ولا يقحطون، ولا يُجْرَدون، ولا تصيبهم الآفات التي تصيب الناس، وهم أطول الناس أعمارًا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظٌّ ولا غليظ. فلمّا رأى ذلك ذو القرنين مِن أمرهم أعجب منهم، وقال لهم: أخبِروني -أيها القوم- خبرَكم، فإني قد أحصيت الأرض كلها، برها وبحرها، وشرقها وغربها، ونورها وظلمتها، فلم أجد فيها أحدًا مثلكم، فأخبِروني خبركم. قالوا: نعم، فسَلْنا عما تريد. قال: أخبِروني ما بالُ قبوركم على أبواب بيوتكم؟ قالوا: عمدًا فعلنا ذلك، لِئَلّا ننسى الموت، ولا يخرج ذِكْرُه مِن قلوبنا. قال: فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟ قالوا: ليس فينا مُتَّهم، وليس فينا إلا أمين مُؤْتَمَن. قال: فما بالكم ليس عليكم أمراء؟ قالوا: لا نَتَظالَم. قال: فما بالكم ليس بينكم حُكّام؟ قالوا: لا نختصم. قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟ قالوا: لا نتكاثر. قال: فما بالكم ليس فيكم ملوك؟ قالوا: لا نتكابر. قال: فما بالكم ليس فيكم أشراف؟ قالوا: لا نتنافس. قال: فما بالكم ولا تتفاضلون ولا تتفاوتون؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا مُتواصِلون مُتراحِمون. قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟ قالوا: مِن قِبَل أُلْفَة قلوبِنا، وصلاح ذاتِ بيننا. قال: فما بالكم لا تَسْتَبُّون ولا تقتتلون؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا غلبنا طبائعَنا بالعزم، وسُسْنا أنفسنا بالحِلم. قال: فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا لا نتكاذب، ولا نتخادع، فلا يغتاب بعضُنا بعضًا. قال: فأخبِروني مِن أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟ قالوا: صحَّت صدورُنا، فنزع الله بذلك الغِلَّ والحسد من قلوبنا. قال: فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا نقسم بالسَّوِيَّة. قال: فما بالكم ليس فيكم فظٌّ ولا غليظ؟ قالوا: مِن قِبَل الذل والتواضع. قال: فما بالكم جعلتم أطول الناس أعمارًا؟ قالوا: مِن قِبَل أنا نتعاطى الحق، ونحكم بالعدل. قال: فما بالكم لا تقحطون؟ قالوا: لا نغفل عن الاستغفار. قال: فما بالكم لا تُجْرَدون؟ قالوا: من قِبَلِ أنّا وطَّنّا أنفسنا للبلاء منذ كُنّا، وأحببناه وحرصنا عليه؛ فعُرِّينا منه. قال: فما بالكم لا تصيبكم الآفاتُ كما تصيب الناس؟ قالوا: لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل بأنواء النجوم. قال: حدِّثوني، أهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟ قالوا: نعم، وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمَّن ظلمهم، ويُحْسِنون إلى مَن أساء إليهم، ويحلمون عمَّن جهل عليهم، ويستغفرون لِمَن سبَّهم، ويَصِلون أرحامهم، ويَرُدُّون أماناتهم، ويحفظون وقتهم لصلاتهم، ويُوفُون بعهودهم، ويَصْدُقون في مواعيدهم، ولا يرغبون عن أكفائهم، ولا يستنكفون عن أقاربهم، فأصلح الله بذلك أمرَهم، وحفظهم به ما كانوا أحياء، وكان حقًّا عليه أن يخلفهم في تَرِكَتِهم. فقال لهم ذو القرنين: لو كنت مقيمًا لأقمت فيكم، ولكني لم أؤمر بالإقامة

سورة الإسراء — الآية ٩٠

عن عبد الله بن عباس -من طريق محمد بن إسحاق، عن شيخ من أهل مصر-: أنّ عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلًا من بني عبد الدار، وأبا البختريَّ أخا بني أسدٍ، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلفٍ، والعاص بن وائلٍ، ونُبيهًا ومُنبهًا ابني الحجاج السهميَّين، اجتمعوا بعد غروبٍ الشمسِ عند ظهر الكعبة، فقال بعضُهم لبعضٍ: ابعثُوا إلى محمدٍ، فكلِّموه، وخاصِموه حتى تُعذِروا فيه. فبعثوا إليه: إنّ أشرافَ قومِك قد اجتمعوا إليك ليُكَلِّموك. فجاءهم رسولُ الله ﷺ سريعًا وهو يَظنُّ أنهم قد بدا لهم في أمره بداءٌ، وكان عليهم حريصًا؛ يُحِبُّ رشدَهم، ويَعِزُّ عليه عنتُهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمدُ، إنّا قد بعثْنا إليك لنُعذِرَك، وإنا –واللهِ- ما نعلمُ رجلًا من العرب أدخل على قومه ما أدخلْتَ على قومك؛ لقد شتمْتَ الآباءَ، وعِبْتَ الدِّين، وسفَّهْتَ الأحلام، وشتمْتَ الآلهةَ، وفرَّقتَ الجماعةَ، فما بقي من قبيح إلا وقد جئتَه فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلبُ مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلُبُ الشرف فينا سوَّدناك علينا، وإن كنت تريدُ مُلكًا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيًّا تَراه قد غلب عليك -وكانوا يسمُّون التابعَ من الجنِّ: الرَّئيَّ- فربما كان ذلك بذَلْنا أموالنا في طلب الطبِّ حتى نُبرِئَك منه أو نُعذِرَ فيك. فقال رسول الله ﷺ: «ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتُكم به أطلبُ أموالكم، ولا فيئكم، ولا الملك عليكم، ولكنَّ الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغتُكم رسالة ربِّي، ونصحتُ لكم، فإن تقبلوا مِنِّي ما جئتكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تَرُدُّوه عَلَيَّ أصبِرْ لأمر الله حتى يحكُمَ الله بيني وبينكم». فقالوا: يا محمدُ، فإن كنت غير قابلٍ مِنّا ما عرَضْنا عليك فقد عَلِمتَ أنه ليس أحدٌ من الناس أضيق بلادًا، ولا أقلَّ مالًا، ولا أشدَّ عيشًا مِنّا؛ فاسألْ ربَّك الذي بعثك بما بعثك به فلْيُسَيِّرْ عنّا هذه الجبالَ التي قد ضيَّقَتْ علينا، ولْيَبْسُطْ لنا بلادنا، وليُجْرِ فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، ولْيَبْعثْ لنا مَن قد مضى من آبائنا، ولْيكنْ في مَن يبعثُ لنا منهم قُصَيُّ بنُ كلابٍ؛ فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنسألهم عما تقولُ؛ حقٌّ هو أم باطلٌ؟ فإن صنعتَ ما سألْناك وصدَّقوك صدَّقناك، وعرفْنا به منزلتك من عند الله، وأنه بعَثك رسولًا. فقال رسولُ الله ﷺ: «ما بهذا بُعِثْتُ، إنما جئتُكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلَّغتُكم ما أُرسِلْتُ به إليكم، فإن تَقبلوه فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عَلَيَّ أصبرْ لأمر الله حتى يَحكمَ الله بيني وبينكم». قالوا: فإن لم تفعلْ لنا فخذْ لنفسك، فاسألْ ربَّك أن يبعَثَ مَلَكًا يصدِّقُك بما تقولُ ويراجعُنا عنك، وتسألُه أن يجعل لك جنانًا وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، ويُغْنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمسُ المعاش كما نلتمسُه، حتى نعرف منزلتك من ربِّك إن كنت رسولًا كما تزعُمُ. فقال رسول الله ﷺ: «ما أنا بفاعلٍ، ما أنا بالذي يسألُ ربَّه هذا، وما بُعِثتُ إليكم بهذا، ولكنَّ الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتُكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تَرُدُّوه عَلَيَّ أصبرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم». قالوا: فأسقِط السماء كما زعمت أنّ ربَّك إن شاء فعل، فإنّا لن نؤمنَ لك إلا أن تفعل. فقال رسول اللهﷺ: «ذلك إلى الله، إن شاء فعل بكم ذلك». قالوا: يا محمدُ، فما عَلِم ربُّك أنا سنجلِسُ معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلُب منك ما نطلُبُ، فيتقدَّم إليك، ويُعلِمَك ما تراجعُنا به، ويخبرَك بما هو صانعٌ في ذلك بنا إذا لم نقبلْ منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلِّمُك هذا رجلٌ باليمامة يُقال له: الرحمنُ، وإنّا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا، فقد أعذرنا إليك، يا محمدُ، أما -واللهِ- لا نتركُك وما فعلت بنا حتى نُهلِكَك أو تُهلِكَنا. وقال قائلُهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلًا. فلما قالوا ذلك قام رسولُ الله ﷺ عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية، فقال: يا محمدُ، عرَض عليك قومُك ما عرضوا فلم تقْبلْه منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليَعْرفوا بها منزلتك من الله فلم تفْعلْ ذلك، ثم سألوك أن تعُجِّلَ ما تُخَوِّفُهم به من العذاب، فواللهِ، ما أُؤمنُ لك أبدًا حتى تَتَّخِذَ إلى السماء سُلَّمًا، ثم تَرْقى فيه وأنا أنظُرُ، حتى تأتيها، وتأتي معك بنسخة منشورةٍ، معك أربعةٌ من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقولُ، وايمُ الله، لو فعلتَ ذلك لظننتُ أنِّي لا أُصدِّقُك. ثم انصرف عن رسول الله ﷺ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينًا أسِفًا لما فاته مِمّا كان طمع فيه من قومه حين دَعوه، ولما رأى من مباعدتِهم إيّاه، وأُنزل عليه فيما قال له عبدُ الله بن أبي أمية: ﴿وقالوا لَن نُّؤمن لك﴾ إلى قوله: ﴿بشرًا رسولًا﴾. وأُنزل عليه في قولهم: لن نؤمن بالرحمن: ﴿كذلكَ أرسناكَ في أمةٍ قدْ خلتْ﴾الآية [الرعد:٣٠]. وأُنزل عليه فيما سأله عنه قومه لأنفسِهم من تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وبَعثِ من مضى من آبائهم الموتى: ﴿ولو أنّ قرآنًا سيرتْ به الجبالُ﴾ الآية [الرعد:٣٠]

سورة المائدة — الآية ٤١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الرسول لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ﴾ يعنى: صدقنا بألسنتهم، ﴿ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ في السر. نزلت في أبي لبابة، اسمه مروان بن عبد المنذر الأنصاري من بني عمرو بن عوف، وذلك أنه أشار إلى أهل قريظة إلى حَلْقِه: أنّ محمدًا جاء يحكم فيكم بالموت، فلا تنزِلوا على حكم سعد بن مُعاذ، وكان حليفًا لهم. ثم قال سبحانه: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أي: ولا يحزنك الذين هادوا، يعني: يهود المدينة، ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ يعني: قوّالون للكذب، منهم كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، وأبو لبابة، وسعيد بن مالك، وابن صوريا، وكنانة ابن أبي الحقيق، وشاس بن قيس، وأبو رافع بن حريملة، ويوسف بن عازر ابن أبي عازب، وسلول بن أبي سلول، والبخام بن عمرو، وهم ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ يعني: يهود خيبر، ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ يا محمد، ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ يعني: أمر الرجم ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ عن بيانه في التوراة، وذلك أنّ رجلًا من اليهود يُسَمّى: يهوذا، وامرأة تُسَمّى: بسرة، من أهل خيبر من أشراف اليهود؛ زَنَيا، وكانا قد أُحْصِنا، فكرهت اليهود رجمهما من أجل شرفهما وموضعهما، فقالت يهود خيبر: نبعث بهذين إلى محمد ﷺ، فإنّ في دينه الضرب، وليس في دينه الرَّجْم، ونوليه الحُكْم فيهما، فإن أمركم فيهما بالضرب فخذوه، وإن أمركم فيهما بالرجم فاحذروه. فكتب يهود خيبر إلى يهود المدينة؛ إلى كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، وأبي لبابة، وبعثوا نفرًا منهم، فقالوا: سلوا لنا محمدًا عليه السلام عن الزّانِيَيْن إذا أُحْصِنا ما عليهما؟ فإن أمركم بالجلد فخذوا به، والجلد: الضَّرب بحبل من لِيف مَطْلِيٍّ بالقار، وتُسَوَّد وجوههما، ويحملان على حمار، وتُجعل وجوههما مما يلي ذَنَب الحمار، فذلك التَّجْبِيهُ، ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: اليهود: ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾ أي: إن أمركم بالرجم فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه. قال: فجاء كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، وأبو لبابة إلى النبي ﷺ، فقالوا: أخبرنا عن الزانيين إذا أحصنا ما عليهما؟ فأتاه جبريل عليه السلام، فأخبره بالرجم، ثم قال جبريل عليه السلام: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، وسَلْهم عنه. فمشى رسول الله ﷺ حتى أتى أحبارَهم في بيت المِدْراس، فقال: «يا معشر اليهود، أخْرِجوا إلَيَّ علماءَكم». فأخرجوا إليه عبد الله بن صُوريا، وأبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا، فقالوا: هؤلاء علماؤنا. ثم حصر أمرهم إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا: هذا أعلم مَن بَقِي بالتوراة. فجاء به رسول الله ﷺ، وكان ابْن صوريا غلامًا شابًّا، ومع رسول الله ﷺ عبد الله بن سلام، فقال رسول الله ﷺ: «أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو إله بني إسرائيل، الذي أخرجكم من مصر، وفلق لكم البحر، وأنجاكم، وأغرق آل فرعون، وأنزل عليكم كتابه يبين لَكُمْ حلاله وحرامه، وظلَّل عليكم المنَّ والسلوى، هل وجدتم في كتابكم أنّ الرجم على مَن أُحْصِن؟». قال ابن صوريا: اللَّهُمَّ نعم، ولولا أنِّي خفت أن أحترق بالنار أو أهلك بالعذاب لكتمتك حين سألتني، ولَم أعترف لك. قال رسول الله ﷺ: «الله أكبر، فأنا أول مَن أحيا سُنَّةً مُن سنن الله عز وجل». ثم أمر بهما فرُجما عند باب مسجده في بني غنم بن مالك بن النجار، فقال عبد الله بن صوريا: واللهِ، يا محمد، إنّ اليهود لتعلم أنّك نبي حقٍّ، ولكنهم يحسدونك. ثم كفر ابن صوريا بعد ذلك؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رسولنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ [المائدة:١٥] يعني: مما في التوراة من أمر الرجم، ونعت محمد ﷺ. ثم قال: ﴿ويَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾ فلا يخبر به، فقال النبي ﷺ لليهود: «إن شئتم أخبرتكم بالكثير». قال ابن صوريا: أنشدك بالله أن تخبرنا بالكثير مما أُمِرْت أن تعفو عنه. ثم قال ابن صوريا للنبي ﷺ: أخبرني عن ثلاث خصال لا يعلمهن إلا نبي. فقال رسول الله ﷺ: «هات، سَلْ عما شئت». قال: أخبرني عن نومك. قال: «تنام عيني وقلبي يقظان». قال ابن صوريا: صدقت. قال: فأخبرني عن شبه الولد؛ مِن أين يشبه الأب أو الأم؟ قال: «أيهما سبقت الشهوة له كان الشبه له». قال: صدقت. قال: فأخبرني ما للرجل وما للمرأة من الولد؟ ومِن أيِّهما يكون؟ قال النبي ﷺ: «اللحم والدم والظفر والشعر للمرأة، والعظم والعصب والعروق للرجل». قال: صدقت. قال: فمَن وزيرك من الملائكة، ومن يجيئك بالوحي؟ قال: «جبريل عليه السلام». قال: صدقتَ، يا محمد. وأَسْلَم عند ذلك، ... ولَمّا أرادوا القيام قالت بنو قريظة؛ أبو لبابة، وشعبة بن عمرو، ورافع بن حريملة، وشاس بن عمرو للنبي ﷺ: إخواننا بني النضير، كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، وغيرهم، أبونا واحد، وديننا واحد، إذا قتل أهلُ النضير مِنّا قتيلًا أعطونا سبعين وسقًا من تمر، وإن قتلنا منهم قتيلًا أخذوا مِنّا مائة وأربعين وسقًا من تمر، وجراحاتنا على أنصاف جراحاتهم، فاقضِ بيننا وبينهم، يا محمد. فقال رسول الله ﷺ: «إنّ دم القُرَظِيِّ وفاءٌ مِن دم النَّضِيري، وليس للنَّضيري على القُرَظِيِّ فضل في الدم ولا في العقل». قال كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، وأصحابهم: لا نرضى بقضائك، ولا نطيع أمرك، ولَنَأْخُذَنَّ بالأمر الأول؛ فإنّك عدوُّنا، وما تَأْلُو أن تَضَعَنا وتَضُرَّنا. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ يعني: حكمهم الأول، ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ يقول: فلا أحد أحسن من الله حكمًا ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وعد الله عز وجل، ووعيده

سورة الإسراء — الآية ١

عن أنس -من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر- قال: ليلة أُسري برسول الله ﷺ مِن مسجد الكعبة جاءه ثلاثةُ نفرٍ قبل أن يُوحى إليه[[c=٣٧٨٦]] وهو نائمٌ في المسجد الحرام، فقال أوَّلُهم: أيُّهم هو؟ فقال أوسطُهم: هو خيرُهم. فقال أحدُهم: خُذوا خيرَهم. فكانت تلك الليلة[[قال ابن حجر في فتح الباري ١٣/٤٨٠: التقدير: فكانت القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا.]]، فلم يَرَهم حتى أتَوه ليلةً أخرى، فيما يَرى قلبُه، وتنام عيناه ولا ينامُ قلبُه، وكذلك الأنبياء تنامُ أعينُهم ولا تنامُ قلوبُهم، فلم يكلِّمُوه حتى احتمَلوه، فوضَعوه عند بئر زمزم، فتولّاه منهم جبريل، فشقَّ جبريل ما بين نحرِه إلى لَبَّتِه[[اللبة: هي موضع القلادة من الصدر. المصدر السابق.]]. حتى فرَغ مِن صدرِه وجوفِه، فغسَله مِن ماءِ زمزمَ بيده حتى أنقى جوفَه، ثم أتى بطَستٍ مِن ذهب تَورٌ[[التور: إناء يُشرب فيه. لسان العرب (تور).]] مِن ذهب مَحْشُوًّا[[قال ابن حجر في فتح الباري ١٣/٤٨١: كذا وقع بالنصب، وأعرب بأنه حال من الضمير الجار والمجرور، والتقدير: كائن من ذهب. فنقل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار والمجرور.]] إيمانًا وحكمة، فحشا به صدرَه ولغاديدَه -يعني: عروقَ حلقِه-، ثم أطبَقه، ثم عرَج به إلى السماء الدنيا، فضرَب بابًا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلًا. ووجَد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدمُ، فسلِّم عليه. فسلَّم عليه، وردَّ عليه آدم، وقال: مرحبًا وأهلًا بابني، نِعمَ الابن أنت. فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يَطَّرِدان، فقال: «ما هذان النهران، يا جبريل؟». قال: هذا النيل والفرات عُنصَرُهما[[العنصر -بضم العين وفتح الصاد، وقد تضم-: الأصل. النهاية (عنصر).]]. ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر مِن لؤلؤ وزَبَرجَدٍ، فضرَب بيدِه فإذا هو مِسْكٌ أذفَرُ[[مسك أذفر: طيب الرائحة. النهاية ٢/١٦١.]]، قال: «ما هذا، يا جبريل؟». قال: هذا الكوثر الذي خَبَأ لك ربُّك. ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثلَ ما قالت له الأولى: مَن هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلًا. ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى الخامسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كلُّ سماء فيها أنبياء قد سمّاهم؛ منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم أحفظِ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: ربِّ، لم أظنَّ أن ترفع عَلَيَّ أحدًا. ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمُه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربُّ العزَّةِ فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى[[c=٣٧٨٧]]، فأوحى الله فيما يُوحِي إليه خمسين صلاة على أمتِك كلَّ يومٍ وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد، ماذا عَهِد إليك ربُّك؟ قال: «عهِد إليَّ خمسين صلاة كل يوم وليلة». قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، ارجع فليخفف عنك ربُّك وعنهم. فالتفت النَّبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شِئت. فعلا به إلى الجبار -تبارك وتعالى-، فقال وهو مكانه: «يا ربِّ، خفِّف عنا، فإنّ أُمَّتي لا تستطيع هذا». فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجَع إلى موسى، فاحتبَسه، فلم يَزَل يُرَدِّدُه موسى إلى ربِّه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، واللهِ، لقد راودتُ بني إسرائيل على أدنى من هذا فضَعُفُوا وتركَوه، فأمتُك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجِع فليخفِّف عنك ربُّك. كلَّ ذلك يلتفت النَّبي ﷺ إلى جبريل ليُشير عليه ولا يَكرَهُ ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة، فقال: «يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادُهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم؛ فخفِّف عنا». فقال الجبار: يا محمد. قال: «لبيك وسعديك». قال: إنه لا يُبدَّلُ القول لديَّ؛ كما فرَضت عليك في أمِّ الكتاب، وكلُّ حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أمِّ الكتاب، وهي خمسٌ عليك. فرجَع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: «خفَّف عنا؛ أعطانا بكلِّ حسنة عشر أمثالها». فقال موسى: قد -واللهِ- راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفِّف عنك. فقال رسول الله ﷺ: «يا موسى، قد -واللهِ- استحييت من ربي مما اختلفت إليه». قال: فاهبط بسم الله. واستيقظ وهو في المسجد الحرام[[أخرجه البخاري ٤/١٩١ (٣٥٧٠) مختصرًا، ٩/١٤٩-١٥١ (٧٥١٧)، ومسلم ١/١٤٨ (١٦٢)، وابن جرير ١٤/٤١٦-٤٢٠. قال مسلم: «قدم فيه شيئًا وأخر، وزاد ونقص». وقال النووي في شرح مسلم ٢/٢٠٩: «وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء، وقد نبه مسلم على ذلك بقوله: فقدم وأخر وزاد ونقص منها... قال الحافظ عبد الحق رحمه الله في كتابه الجمع بين الصحيحين بعد ذكر هذه الرواية هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس: وقد زاد فيه زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين، كابن شهاب، وثابت البناني، وقتادة -يعني: عن أنس-، فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث. قال: والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المُعَوَّل عليها». وقال ابن كثير في تفسيره ٥/٧: «وهو كما قاله مسلم رحمه الله، فإنّ شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه». وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٢/٢٧٠: «هذا من غرائب الصحيح». وقال ابن حجر في الفتح ١٣/٤٨٤-٤٨٥: «قال -ابن حزم- لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئًا لا يحتمل مخرجًا إلا حديثين، ثم غلبه في تخريجه الوهم مع إتقانهما وصحة معرفتهما. فذكر هذا الحديث، وقال: فيه ألفاظ معجمة، والآفة من شريك». وقال ابن رجب في فتح الباري ٢/٣٢٠: «وهذه اللفظة مما تفرَّد بها شريك».]]

سورة الأحزاب — الآية ٩

عن عروة بن الزبير، وعبيد الله بن كعب بن مالك، ومحمد ابن شهاب الزهري، ومحمد بن كعب القرظي، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن غيرهم -من طريق محمد ابن إسحاق- ﴿إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾: أنه كان من حديث الخندق أنّ نفرًا مناليهود منهم: سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزَّبوا الأحزاب على رسول الله - ﷺ -؛ خرجوا حتى قدموا مكة على قريش، فدعوهم إلى حرب رسول الله - ﷺ -، وقالوا: إنّا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقال لهم قريش: يا معشر يهود، إنّكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. قال: فهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٥]. فلما قالوا ذلك لقريش سرَّهم ما قالوا، ونشطوا لما دعوهم له مِن حرب رسول الله - ﷺ -، فاجتمعوا لذلك، واتَّعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله - ﷺ -، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأنّ قريشًا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا فيه، فأجابوهم، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المُري في بني مُرة، ومشعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه مِن قومه من أشجع، فلما سمع بهم رسول الله - ﷺ - وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، فلما فرغ رسول الله - ﷺ - من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذَنَبِ نَقَمى إلى جانب أُحد، وخرج رسول الله - ﷺ - والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرُفعوا في الآطام، وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القُرظي صاحب عَقْد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادَعرسول الله - ﷺ - على قومه، وعاهَدَه على ذلك وعاقده، فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: يا كعب، افتح لي. قال: ويحك، يا حيي، إنك امرؤ مشئوم، إني قد عاهدت محمدًا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقًا. قال: ويحك، افتح لي أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: واللهِ، إن أغلقت دوني إلا تخوفت على جشيشتك أن آكل معك منها. فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: يا كعب، جئتك بعِزِّ الدهر، وببحر طِمٍّ؛ جئتك بقريش على قاداتها وساداتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قاداتها وساداتها حتى أنزلتهم بذنب نَقَمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدًا ومن معه. فقال له كعب بن أسد: جئتني -واللهِ- بذُلِّ الدهر، وبجهام قد هراق ماؤه يرعد ويبرق ليس فيه شيء، فدعني ومحمدًا وما أنا عليه، فلم أرَ من محمد إلا صدقًا ووفاءً. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاهم عهدًا من الله وميثاقًا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله - ﷺ -، فلما انتهى إلى رسول الله - ﷺ - الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله - ﷺ - سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني الأشهل، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن دليم أخي بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بلحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير أخو بني عمرو بن عوف، فقال: «انطلقوا حتى تنظروا أحقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًّا فالحَنوا لي لَحْنًا أعرفه، ولا تفتُّوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس». فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله - ﷺ -، وقالوا: لاعهد بيننا وبين محمد ولا عقد. فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلًا فيه حِدَّة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل سعد وسعد ومَن معهما إلى رسول الله - ﷺ -، فسلَّموا عليه، ثم قالوا: عُضَل والقارة، أي: كغدر عُضَل والقارة بأصحاب رسول الله - ﷺ - أصحاب الرجيع؛ خبيب بن عدي وأصحابه، فقال رسول الله - ﷺ -: «الله أكبر، أبشروا، يا معشر المسلمين». وعَظُم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوُّهم مِن فوقهم، ومِن أسفل منهم، حتى ظنُّ المسلمون كل ظنٍّ، ونجم النفاق مِن بعض المنافقين، حتى قال مُعَتِّب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعِدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدُنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله، إنّ بيوتنا لَعورة من العدو -وذلك عن مِلئٍ مِن رجال قومه-، فأذن لنا فلنرجع إلى دارنا، وإنها خارجة من المدينة. فأقام رسول الله - ﷺ - بضعًا وعشرين ليلة قريبًا مِن شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار

سورة المائدة — الآية ١١٥

عن سلمان الفارسي -من طريق أبي عثمان النهدي- قال: لما سأل الحَوارِيُّون عيسى ابنَ مريمَ المائدة كَرِه ذلك جِدًّا، وقال: اقنَعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آيةً مِن ربِّكم، وإنما هَلَكَت ثمودُ حِينَ سألوا نبيهم آيةً، فابتُلُوا بها حتى كان بَوارُهم فيها. فأَبَوا إلا أن يَأتِيَهم بها، فلذلك قالوا: ﴿نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين﴾. فلما رأى عيسى أن قد أبَوا إلا أن يَدعُوَ لهم بها، قام فألقى عنه الصُّوفَ، ولَبِسَ الشعَرَ الأسود، وجُبَّةً مِن شعَرٍ، وعَباءَةً مِن شعَرٍ، ثم تَوضَّأ واغتَسَل، ودخَل مُصَلّاه، فصَلّى ما شاء الله، فلمّا قضى صلاتَه قام قائِمًا مُستَقبِلَ القِبلة، وصَفَّ قَدَمَيه حتى استَوَيا، فألصَق الكعبَ بالكعب، وحاذى الأصابعَ بالأصابع، ووضَع يدَه اليُمنى على اليُسرى فوق صدرِه، وغضَّ بصرَه، وطَأْطَأْ رأسَه خُشوعًا، ثم أرسَل عَينَيه بالبكاء، فما زالت دموعُه تَسيلُ على خَدَّيه، وتَقطُرُ مِن أطرافِ لحيتِه، حتى ابتَلَّتِ الأرضُ حِيالَ وجهِه مِن خشوعِه، فلمّا رأى ذلك دعا الله، فقال: ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا﴾ تكونُ عظةً منك لنا، ﴿وآية منك﴾ أي: علامةً منك، تكونُ بينَنا وبينَك، وارزُقنا عليها طعامًا نَأكُلُه، ﴿وأنت خير الرازقين﴾. فأنزل الله عليهم سُفرَةً حَمراءَ بينَ غَمامَتَين؛ غَمامةٍ فوقَها، وغَمامةٍ تحتَها، وهم ينظرون إليها في الهواء مُنقَضَّةً مِن فَلَكِ السماء تَهوِي إليهم، وعيسى يبكي خوفًا للشُّروطِ التي اتخَذ الله عليهم فيها؛ أنه يُعَذِّبُ مَن يَكفُرُ بها منهم بعدَ نزولها عذابًا لم يُعَذِّبه أحدًا مِن العالَمين، وهو يدعو اللهَ في مكانِه، ويقول: إلهي، اجعَلها رحمةً، إلهي، لا تَجعَلها عذابًا، إلهي، كم مِن عَجيبةٍ سَألتُك فأعطَيتَني، إلهي، اجعَلنا لك شاكِرِين، إلهي، أعُوذُ بك أن تكونَ أنزَلتَها غضبًا ورِجزًا، إلهي، اجعَلها سلامةً وعافيةً، ولا تَجعَلها فتنةً ومُثلَةً. فما زال يدعو حتى استَقَرَّتِ السُّفرةُ بينَ يدي عيسى، والحَوارِيُّون وأصحابُه حولَه، يَجِدون رائحةً طيبةً، لم يجدوا فيما مضى رائحةً مِثلَها قَطُّ، وخَرَّ عيسى والحواريون لله سُجَّدًا؛ شُكرًا له بما رزقهم مِن حيث لم يَحتَسِبوا، وأراهم فيه آيةً عظيمةً ذاتَ عَجَبٍ وعِبرَةٍ، وأقبَلَتِ اليهود ينظُرُون، فرَأَوا أمرًا عجيبًا أورَثَهم كَمَدًا وغَمًّا، ثم انصرفوا بغيظٍ شديدٍ، وأقبَل عيسى والحَوارِيُّون وأصحابُه حتى جَلَسوا حولَ السُّفرة، فإذا عليها مِندِيلٌ مُغَطًّى، قال عيسى: مَن أجرَؤُنا على كشفِ المنديلِ عن هذه السُّفرة، وأوثَقُنا بنفسِه، وأحسَنُنا بلاءً عندَ ربِّه، فَليَكشِف عن هذه الآية حتى نراها، ونَحمَدَ ربَّنا، ونَذكُرَ باسمِه، ونَأكُلَ مِن رزقِه الذي رَزَقَنا؟ فقال الحَوارِيُّون: يا رُوحَ الله وكلمتَه، أنت أولانا بذلك، وأحَقُّنا بالكشف عنها. فقام عيسى، فاستَأنَف وُضُوءًا جديدًا، ثم دخَل مُصَلّاه، فصلّى بذلك رَكَعات، ثم بكى طويلًا، ودعا الله أن يأذَنَ له في الكشف عنها، ويَجعَلَ له ولقومِه فيها بركةً ورزقًا، ثم انصرف، وجلس إلى السُّفرة، وتناول المنديل، وقال: بسم الله خيرِ الرازقين. وكَشَف عن السفرة، وإذا هو عليها سمكةٌ ضخمةٌ مَشوِيَّةٌ، ليس عليها بَواسِير، وليس في جَوفِها شَوكٌ، يَسيلُ السمنُ منها سَيلًا، قد نُضِّد حولَها بقُولٌ مِن كلِّ صِنفٍ غيرَ الكُرّاث، وعندَ رأسِها خَلٌّ، وعندَ ذَنَبِها مِلحٌ، وحولَ البُقُولِ خمسةُ أرغِفَةٍ، على واحدٍ منها زيتونٌ، وعلى الآخَر ثَمَراتٌ، وعلى الآخر خمسُ رُمّاناتٍ، فقال شَمعون رأسُ الحَوارِيِّين لعيسى: يا رُوحَ الله وكلمتَه، أمِن طعامِ الدنيا هذا، أم مِن طعامِ الجنة؟ فقال: أما آن لكم أن تَعتَبروا بما تَرَون مِن الآيات، وتَنتَهوا عن تَنقِيرِ المسائل، ما أخوَفَني عليكم أن تُعاقَبوا في سبب هذه الآية. فقال شمعون: لا وإلهِ إسرائيلَ، ما أردتُ بها سُوءًا، يا ابنَ الصِّدِّيقة. فقال عيسى: ليس شيءٌ ممّا تَرَون عليها مِن طعامِ الجنة، ولا مِن طعام الدنيا، إنما هو شيءٌ ابتَدَعه اللهُ في الهواءِ بالقُدرةِ الغالِبَة القاهِرَة؛ فقال له: كُن. فكان أسرعَ مِن طرفةِ عين، فكُلُوا مما سَألتُم باسم الله، واحمدُوا عليه ربَّكم، يُمِدَّكم منه ويَزِدكم، فإنه بَديع قادر شاكر. فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنّا نحبُّ أن تُرِيَنا آيةً في هذه الآية. فقال عيسى: سبحان الله، أما اكتَفَيتُم بما رأَيتُم مِن هذه الآية حتى تَسأَلوا فيها آيةً أُخرى! ثم أقبَل عيسى على السمكة، فقال: يا سمكةُ، عُودي بإذنِ اللهِ حيَّةً كما كُنتِ. فأحياها اللهُ بقُدرتِه، فاضطَرَبَت وعادت بإذنِ الله حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَمَّظُ كما يَتَلَمَّظُ الأسد، تدُورُ عَيناها، لها بَصيصٌ، وعادت عليها بَواسِيرُها، ففَزِع القومُ منها وانحاسوا، فلمّا رأى عيسى ذلك منهم فقال: ما لكم تَسأَلون الآيةَ، فإذا أراكُمُوها ربُّكم كَرِهتُمُوها؟! ما أخوَفَني عليكم أن تُعاقَبوا بما تَصنعون، يا سمكةُ، عُودِي بإذن الله كما كُنتِ. فعادتْ بإذن الله مشويَّةً كما كانت في خَلقِها الأول، فقالوا لعيسى: كُن أنت يا رُوحَ اللهِ الذي تَبدَأُ بالأكلِ منها، ثم نحنُ بعدُ. فقال: مَعاذَ اللهِ مِن ذلك، يَبدَأُ بالأكلِ مَن طَلَبَها. فلَمّا رأى الحَوارِيُّون وأصحابُهم امتِناعَ نبيهم منها خافوا أن يكونَ نزولها سُخطَةً، وفي أكلِها مُثلَةً، فتحامَوها، فلمّا رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراءَ والزَّمنى، وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واحمَدوا اللهَ الذي أنزَلَها لكم؛ ليكون مَهناها لكم وعقوبتُها على غيرِكم، وافتَتِحوا أكلَكم باسم الله، واختِموه بحمدِ الله. ففعلوا، فأكل منها ألفٌ وثلاثُمائةِ إنسان، بين رجلٍ وامرأةٍ، يَصدُرون عنها كلُّ واحدٍ منهم شبعان يَتَجَشَّأُ، ونظَر عيسى والحَوارِيُّون فإذا ما عليها كهيئةِ إذ نَزَلَت مِن السماء، لم يُنتَقَص منه شيءٌ، ثم إنها رُفِعَت إلى السماء وهم يَنظُرون، فاستَغنى كلُّ فقيرٍ أكَل منها، وبَرِئ كلُّ زمنٍ منهم أكَل منها، فلم يزالوا أغنياءَ صِحاحًا حتى خرَجوا مِن الدنيا، ونَدِم الحَواريُّون وأصحابُهم الذين أبَوا أن يَأكُلوا منها نَدامةً سالت منها أشفارُهم، وبَقِيتْ حَسرتُها في قلوبِهم إلى يوم الممات. قال: فكانتِ المائدةُ إذا نَزَلَتْ بعدَ ذلك أقبَلَت بنو إسرائيلَ إليها مِن كلِّ مكانٍ يَسعَون، يُزاحِمُ بعضُهم بعضًا، الأغنياءُ والفقراء، والنساءُ والصِّغارُ والكِبار، والأصِحّاءُ والمرضى، يرَكَبُ بعضُهم بعضًا، فلما رأى عيسى ذلك جَعَلَها نُوَبًا بينَهم، فكانت تَنزِلُ يومًا ولا تَنزِلُ يومًا، فلَبِثوا في ذلك أربعين يومًا، تَنزِلُ عليهم غِبًّا عندَ ارتفاعِ الضُّحى، فلا تَزالُ موضوعةً يُؤكَلُ منها، حتى إذا قالوا ارتَفَعَت عنهم بإذن الله إلى جوِّ السماء، وهم يَنظُرُون إلى ظِلِّها في الأرضِ حتى تَوارى عنهم، فأوحى اللهُ إلى عيسى: أنِ اجعَل رزقي في المائدة لليَتامى والفقراءِ والزَّمنى، دُونَ الأغنياء مِن الناس. فلما فعَل اللهُ ذلك ارتاب بها الأغنياءُ، وغَمَصوا ذلك، حتى شَكُّوا فيها في أنفسِهم، وشَكَّكوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرِها القبيحَ والمنكرَ، وأدرَك الشيطانُ منهم حاجَتَه، وقذَف وسْواسَه في قلوبِ المرتابين، حتى قالوا لعيسى: أخبرنا عن المائدة ونزولها مِن السماء حقٌّ؛ فإنه ارتاب بها بشرٌ منّا كثيرٌ؟ قال عيسى: هلَكتُم، وإلهِ المسيح، طَلَبتُم المائدةَ إلى نبيكم أن يَطلُبَها لكم إلى ربِّكم، فلما أن فعل وأنزَلَها الله عليكم رحمةً ورزقًا، وأَراكم فيها الآياتِ والعِبَر؛ كَذَّبتم بها، وشَكَكتُم فيها! فأبشِروا بالعذاب، فإنه نازِلٌ بكم إلا أن يَرحَمَكم الله. وأوحى اللهُ إلى عيسى: إنِّي آخِذٌ المكذِّبين بشَرطي، فإنِّي مُعذِّبٌ منهم مَن كفَر بالمائدةِ بعدَ نزولها عذابًا لا أُعَذِّبُه أحدًا مِن العالمين. فلمّا أمسى المرتابون بها، وأخَذوا مَضاجِعَهم في أحسَن صورةٍ من نسائِهم آمِنِين، فلما كان مِن آخِرِ الليلِ مَسَخَهم اللهُ خنازير، وأصبَحوا يَتتبعون الأقذارَ في الكُناسات

سورة الأنعام — الآية ٩٣

عن عبد الله بن عباس، قال: بينا رسول الله ﷺ ذاتَ يوم قاعدًا، وتلا هذه الآية: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون﴾. ثم قال: «والَّذي نفسُ محمد بيده، ما من نفس تُفارِقُ الدنيا حتى تَرى مقعدَها من الجنة والنار». ثم قال: «إذا كان عندَ ذلك صَفَّ سِماطان من الملائكة نُظِموا ما بين الخافِقَين، كأنّ وجوههم الشمس، فينظُرُ إليهم ما يَرى غيرَهم، وإن كنتم ترَون أنّه ينظُرُ إليكم، مع كلِّ مَلَك منهم أكفان وحَنُوط، فإذا كان مؤمنًا بشَّرُوه بالجنة، وقالوا: اخْرُجي أيتها النفس الطيبة إلى رضوان الله وجنَّتِه، فقد أعدَّ الله لكِ من الكرامة ما هو خير لك من الدنيا وما فيها. فما يزالون يُبَشِّرُونه، ويحُفُّون به، فلَهم ألطفُ وأرأفُ من الوالدة بولدها، ويَسُلُّون رُوحَه من تحت كلِّ ظُفُر ومَفْصِل، ويموتُ الأولَ فالأول، ويبرُدُ كلُّ عضو الأول فالأول، ويُهَوَّنُ عليه، وإن كنتم ترَونه شديدًا، حتى تبلُغَ ذَقَنَه، فلَهو أشدُّ كراهةً للخروج حينئذ من الولد حينَ يخرُجُ من الرَّحِم، فيبتدِرُها كلُّ مَلَك منهم أيُّهم يقبِضُها، فيتولّى قبضَها ملك الموت». ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون﴾ [السجدة:١١]. قال: «فيتلقّاها بأكفان بيض، ثم يحتضِنُها إليه، فهو أشدُّ لها لزومًا من المرأة لولدِها، ثم يفوحُ لها فيهم ريحٌ أطيبُ من المسك، يتباشَرون بها، ويقولون: مرحبًا بالريح الطيبة، والروح الطيب، اللهم صلِّ عليه روحًا، وصلِّ عليه جسدًا خرَجَتْ منه. فيصعدون بها، ولله خلقٌ في الهواء لا يعلمُ عِدَّتَهم إلا هو، فيفوحُ لها فيهم ريحٌ أطيبُ من المسك، فيُصَلُّون عليها، ويتباشَرُون بها، وتُفتحُ لها أبواب السماء، ويُصَلِّي عليها كل مَلَك في كل سماء تمُرُّ به، حتى تُوقَفَ بينَ يدَي الملك الجبار، فيقول الجبار عز وجل: مرحبًا بالنفس الطيبة، وبجسدٍ خرَجتْ منه. وإذا قال الربُّ عز وجل للشيء: مرحبًا. رحُب له كلُّ شيء، وذهَب عنه كلُّ ضَيْق، ثم يقول: اذهبوا بهذه النفس الطيبة، فأدخِلوها الجنة، وأرُوها مقعدَها، واعرِضوا عليها ما أُعِدَّ لها من النعيم والكرامة، ثم اهبِطوا بها إلى الأرض، فإني قضيتُ أنِّي منها خلَقتُهم، وفيها أعيدُهم، ومنها أُخرجُهم تارةً أُخرى. فو الذي نفسُ محمد بيده، لَهِي أشدُّ كراهة للخروج منها حين كانت تخرُجُ من الجسد، وتقول: أين تَذهَبون بي؟ إلى ذلك الجسد الذي كنتُ فيه؟! فيقولون: إنّا مأمورون بهذا، فلا بدَّ لكِ منه. فيهبِطون به على قدر فراغِهم من غُسلِه وأكفانه، فيُدخِلون ذلك الروحَ بين الجسد وأكفانه، فما خلَق الله كلمةً تكلَّمها حميم ولا غير حميم إلا وهو يسمَعُها، إلا أنه لا يُؤذنُ له في المراجعة، فلو سمِع أشد الناس له حبًّا ومن أعزِّهم كان عليه يقول: على رِسْلِكم، ما يُعجِلُكم. وأُذن له في الكلام للَعَنه، وإنه لَيسمعُ خفقَ نِعالِهم ونفضَ أيديهم إذا ولَّوا عنه، ثم يأتيه عند ذلك مَلَكان فظّان غليظان، يُسميّان: منكرًا، ونكيرًا، ومعهما عصًا من حديد، لو اجتمَع عليها الجنُّ والإنس ما أقلُّوها، وهي عليهما يسير، فيقولان له: اقعُدْ بإذن الله. فإذا هو مستوٍ قاعدًا، فينظرُ عند ذلك إلى خلق ٍكريه فظيع يُنسيه ما كان رأى عندَ موته، فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: الله. فيقولان: فما دينُك؟ فيقول: الإسلام. ثم ينتهِرانِه عند ذلك انتهارةً شديدة، فيقولان: فمن نبيك؟ فيقول: محمد ﷺ. ويعرَقُ عند ذلك عرقًا يبتلُّ ما تحتَه من التراب، ويصير ذلك العرق أطيب من ريح المسك، وينادى عند ذلك من السماء نداءً خفيًّا: صدَق عبدي، فلينفعْه صدقُه. ثم يُفْسَحُ له في قبره مَدَّ بصره، ويُنبَذُ له فيه الريحان، ويُسترُ بالحرير، فإن كان معه من القرآن شيء كفاه نورُه، وإن لم يكن معه جُعِل له نورٌ مثلُ الشمس في قبره، ويُفتحُ له أبواب وكِوًى إلى الجنة، فينظرُ إلى مقعدِه منها مما كان عايَن حينَ صُعِد به، ثم يقال له: نمْ قريرَ العين. فما نومُه ذلك إلى يوم يقومُ إلا كنومةٍ ينامُها أحدُكم شهيةً لم يُرْوَ منها، يقوم وهو يمسحُ عينيه، فكذلك نومُه فيه إلى يوم القيامة، وإن كان غير ذلك إذا نزَل به ملك الموت صَفَّ له سِماطان من الملائكة نُظِموا ما بينَ الخافقين، فيُخطَفُ بصرُه إليهم ما يَرى غيرهم، وإن كنتم ترَون أنه ينظرُ إليكم، ويُشدَّدُ عليه، وإن كنتم ترَون أنه يهوَّنُ عليه، فيلعنونه، ويقولون: اخرُجي، أيَّتُها النفس الخبيثة، فقد أعدَّ الله لكِ من النكال والنِّقمة والعذاب كذا وكذا، وساء ما قدَّمتِ لنفسِك. ولا يزالون يسُلُّونها في تعَب وغِلَظ، وغضب وشدة، من كلِّ ظُفُرٍ وعُضْو، ويموتُ الأول فالأول، وتنشَطُ نفسُه كما يصنع السَّفُّودُ ذو الشُّعَبِ بالصوف، حتى تقعَ الروحُ في ذَقَنِه، فلَهِي أشدُّ كراهيةً للخروج من الولد حينَ يخرج من الرحم، مع ما يبشِّرونه بأنواع النَّكال والعذاب، حتى تبلُغَ ذَقَنَه، فليس منهم ملكٌ إلا وهو يتحاماه كراهيةً له، فيتولّى قبضَها ملك الموت الذي وُكِّل بها، فيتلقّاها -أحسبُه قال-: بقطعةٍ من بِجاد أنتنَ ما خلَق الله وأخشنَه، فتُلقى فيها، ويفوحُ لها ريحٌ أنتنُ ما خلَق الله، ويسُدُّ ملك الموت مَنخِريه، ويسُدُّون آنافَهم، ويقولون: اللَّهُمَّ، العَنْها من روح، والعَنْه جسدًا خرَجت منه. فإذا صُعِد بها غلِّقت أبوابُ السماء دونَها، فيرسلُها مَلَك الموت في الهواء، حتى إذا دنَت من الأرض انحدَر مسرعًا في أثرِها، فيقبضُها بحديدة معه، يفعلُ بها ذلك ثلاث مرات». ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ [الحج:٣١]. والسحيق: البعيد. «ثم يُنتَهى بها، فتُوقَفُ بين يدي الملك الجبار، فيقول: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، ولا بجسدٍ خرَجت منه. ثم يقول: انطلقوا بها إلى جهنم، فأرُوها مقعدَها منها، واعرِضوا عليها ما أعددتُ لها من العذاب والنِّقمة والنَّكال. ثم يقول الرب: اهبِطوا بها إلى الأرض، فإنِّي قضيتُ أنِّي منها خلقتُهم، وفيها أُعيدُهم، ومنها أُخرجُهم تارة أخرى. فيهبِطون بها على قدر فراغِهم منها، فيُدخِلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه، فما خلَق الله حميمًا ولا غيرَ حميم من كلمة يَتكلَّمُ بها إلا وهو يسمَعُها، إلا أنّه لا يؤذنُ له في المراجعة، فلو سمِع أحبَّ الناس إليه وأعزَّهم عليه يقول: اخرجوا به، وعجِّلوا. وأُذن له في المراجعة للعَنه، وودَّ أنه تُرِك كما هو لا يُبلَغُ به حفرتَه إلى يوم القيامة، فإذا دخَل قبرَه جاءه ملكان أسودان أزرقان فظّان غليظان، ومعهما مِرْزَبَةٌ من حديد، وسلاسل، وأغلال، ومقامعُ الحديد، فيقولان له: اقعُدْ بإذن الله. فإذا هو مستوٍ قاعدًا، قد سقَطت عنه أكفانُه، ويَرى عند ذلك خَلْقًا فظيعًا يَنسى به ما رأى قبل ذلك، فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: أنت. فيفزعان عندَ ذلك فزْعة، ويقبِضان، ويضربانِه ضربة بمطرقة الحديد، فلا يبقى منه عضو إلا وقَع على حِدَةٍ، فيصيحُ عند ذلك صيحة، فما خلَق الله من شيء مَلك أو غيره إلا يسمَعُها، إلا الجنَّ والإنس، فيلعَنونه عند ذلك لعنة واحدة، وهو قوله: ﴿أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ [البقرة:١٥٩]. والذي نفسُ محمد بيده، لو اجتمَع على مِطرقتِهما الجنُّ والإنسُ ما أقلُّوها، وهي عليهما يسير، ثم يقولان: عُدْ بإذن الله. فإذا هو مستوٍ قاعدًا، فيقولان: مَن ربُّك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: مَن نبيك؟ فيقول: سمعتُ الناس يقولون: محمد. فيقولان: فما تقولُ أنت؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: لا دَرَيتَ. ويعرَقُ عندَ ذلك عرقًا يبتلُّ ما تحتَه من التراب، فلَهو أنتنُ مِن الجيفة فيكم، ويضيقُ عليه قبرُه حتى تختلفَ أضلاعُه، فيقولان له: نَمْ نومةَ المُسْهَرِ. فلا يزالُ حيّات وعقارب أمثالُ أنياب البُخْت من النار ينهَشْنَه، ثم يُفتحُ له بابُه، فيَرى مقعدَه من النار، وتهُبُّ عليه أرواحُها وسَمومُها، وتلفَحُ وجهَه النار غُدُوًّا وعَشيًّا إلى يوم القيامة»

سورة الأعراف — الآية ١٤٥

عن عبد الله بن عباس، قال: فيما ناجى موسى ربَّه فيما وهَب اللهُ لمحمدٍ وأُمَّتَه حيثُ قرأ التوراة، وأصاب فيها نعتَ النبيِّ وأمته، قال: يا ربِّ، مَن هذا النبيُّ الذي جعلته وأُمَّته أولًا وآخِرًا؟ قال: هذا محمدٌ النبيُّ الأُمِّيُّ العربيُّ الحرميُّ التِّهاميُّ، من ولد قاذَرَ بن إسماعيل، جعلته أولًا في المحشر، وجعلته آخِرًا ختمت به الرُّسل، يا موسى، ختمتُ بشريعته الشرائع، وبكتابه الكتب، وبسننه السُّنن، وبدينه الأديان. قال: يا ربِّ، إنّك اصطفيتني وكلَّمتني! قال: يا موسى، إنّك صَفِيٌّ، وهو حبيبي، أبعثه يوم القيامة على كَوْمٍ، أجعل حوضَه أعرض الحياض، وأكثرهم وارِدًا، وأكثرهم تبعًا. قال: ربِّ، لقد كَرَّمتَه وشَرَّفتَه. قال: يا موسى، حُقَّ لي أن أُكَرِّمه وأُفَضِّله وأُفَضِّل أُمَّته؛ لأنهم يؤمنون بي، وبرسلي كلِّهم، وبكُتبي كلِّها، وبغَيبي كله، ما كان فيهم شاهدًا -يعني: النبيَّ ﷺ-، ومن بعد موته إلى يوم القيامة. قال: يا ربِّ، هذا نعتُهم؟ قال: نعم. قال: يا ربِّ، وهبتَ لهم الجمعة أو لأُمَّتي؟ قال: بل لهم الجمعةُ دونَ أُمَّتك. قال: ربِّ، إنِّي نظرتُ في التوراة إلى نعتِ قومٍ غُرٍّ مُحَجَّلين، فمَن هم؟ أمِن بني إسرائيل هم أم من غيرهم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد، الغُرُّ المُحَجَّلون من آثار الوضوء. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا يمرُّون على الصِّراط كالبرق والريح، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا يُصَلُّون الصلوات الخمس، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراةِ قومًا يتَّزِرُون إلى أنصافهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ قومًا يُراعون الشمس، مناديهم في جوِّ السماءِ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة يذكرونك على كلِّ شَرَفٍ ووادٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة قومًا الحسنة منهم بعشرةٍ، والسيئة بواحدةٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قوم شاهرين سيوفهم، لا تُردُّ لهم حاجةٌ. قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا إذا أرادوا أمرًا استخاروك ثم ركبوه، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قومٍ يُشَفَّعُ مُحْسِنُهم في مُسيئِهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قومٍ يحجُّون البيت الحرام لا يَنْأَوْنَ عنه أبدًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمدَ، لا يقضُون منه وطرًا أبدًا. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ قُربانهم دماؤهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قوم يقاتلون في سبيلك صفوفًا زحوفًا، يُفْرَغ عليهم الصبرُ إفراغًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم يُذْنِبُ أحدُهم الذَّنب فيتوضأُ فيُغْفَر له، ويصلِّي فتجعل الصلاة له نافلةً بلا ذنب، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قومٍ يشهدون لِرُسُلك بما بلَّغوا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم يجعلون الصدقة في بطونهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ الغنائمُ لهم حلالٌ، وهي مُحَرَّمةٌ على الأمم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم جُعِلَت الأرضُ لهم طهورًا ومسجدًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت نعتَ قوم الرجلُ منهم خيرٌ من ثلاثين ممَّن كان قبلهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد، يا موسى، الرجلُ من الأمم السالفةِ أعبَدُ من الرجل مِن أمة محمدٍ ﷺ بثلاثين ضعفًا، وهم خيرٌ بثلاثين ضعفًا؛ بإيمانه بالكتب كلِّها. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت نعت قوم يأوُون إلى ذِكْرِك، ويَتَحابُّون عليه، كما تأوي النُّسور إلى وكورها، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ إذا غضبوا هلَّلوك، وإذا تنازعوا سبَّحوك، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قوم يغضبون لك كما يغضب النَّمِرُ الحَرِبُ لنفسه، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم تفتح أبواب السماء لأعمالهم وأرواحهم، وتباشرُ بهم الملائكة، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم تتباشرُ بهم الأشجار والجبال بمَمَرِّهم عليها؛ لتسبيحهم لك، وتقديسهم لك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم وهبت لهم الاسترجاع عند المصيبة، ووهبت لهم عند المصيبة الصلاة والرحمة والهدى، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم تصلي عليهم أنت وملائكتُك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم يدخل محسنهم الجنة بغير حساب، ومقتصدهم يُحاسَب حسابًا يسيرًا، وظالمهم يغفر له، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، فاجعلني منهم. قال: يا موسى، أنت منهم وهم منك؛ لأنّك على ديني وهم على ديني، ولكن قد فضَّلتك برسالاتي وبكلامي، فكن من الشاكرين. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم يبعثون يوم القيامة قد ملأت صفوفهم ما بين المشرق والمغرب صفوفًا، يُهَوَّن عليهم الموقفُ، لا يُدْرِكُ فضلَهم أحدٌ من الأمم، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم تقبضهم على فرشهم وهم شهداء عندك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم لا يخافون فيك لومة لائمٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم أذِلَّة على المؤمنين أعِزَّة على الكافرين، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قوم صدِّيقُهم أفضلُ الصديقين، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، لقد كرَّمته وفضَّلته. قال: يا موسى، هو كذلك نبيِّي وصفِيِّي وحبيبي، وأُمَّته خيرُ أمةٍ. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم محرَّمة على الأمم الجنة أن يدخلوها حتى يدخلها نبيُّهم وأمتُه، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، لبني إسرائيل ما بالهُم؟ قال: يا موسى، إنّ قومك من بني إسرائيل يبدِّلون دينك من بعدك، ويغيرون كتابك الذي أنزلت عليك، وإن أمة محمدٍ لا يغيِّرون سنته، ولا يُبطِلون الكتاب الذي أنزَلتُ عليه إلى أن تقوم الساعة؛ فلذلك بلَّغتُهم سَنامَ كرامَتي، وفضَّلتهم على الأمم، وجعلت نبيَّهم أفضل الأنبياء؛ أولهم في الحشر، وأوَّلهم في انشقاق الأرض، وأولهم شافعًا، وأولهم مشفَّعًا. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم حلماء علماءَ، كادوا أن يبلغوا بفقههم حتى يكونوا أنبياء، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد، يا موسى، أُعْطُوا العِلمَ الأولَ الآخر. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة قومًا توضع المائدة بين أيديهم، فما يرفعونها حتى يغفر لهم، فمن هم؟ قال: أولئك أمة أحمدَ. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قومٍ يَلْبِسُ أحدهم الثوب فما ينفُضُه حتى يغفر له، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني أجد في التوراة نعت قومٍ إذا استووا على ظهور دوابهم حمدوك فيغفر لهم، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد، أوليائي -يا موسى- الذين أنتقم بهم مِن عَبَدَةِ النيران والأوثان

سورة النور — الآية ١١

عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا أقْرَع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمُها خرج بها رسول الله ﷺ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسول الله ﷺ بعد ما نزل الحجاب، فأنا أُحْمَل في هَوْدَجِي، وأنزل فيه، فسِرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقَفَلَ ودَنَوْنا من المدينة قافِلين آذَنَ ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيشَ، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى رَحْلي، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْع ظَفارٍ قد انقطع، فالتمست عِقْدي، وحَبَسَني ابتغاؤه، وأقبل الرَّهْطُ الذين كانوا يُرَحِّلُون لي، فاحتملوا هَوْدَجي، فرَحَّلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ، وهم يحسبون أنِّي فيه، وكان النساء إذ ذاك خِفافًا لم يثقلهن اللحمُ، إنما تأكل المرأة العُلْقَةَ من الطعام، فلم يستنكر القومُ خِفَّةَ الهَوْدَج حين رفعوه، وكنت جاريةً حديثةَ السِّنِّ، فبعثوا الجمل، فساروا، فوجدت عِقْدي بعد ما اسْتَمَرَّ الجيشُ، فجئت منازلَهم، وليس بها داعٍ ولا مُجِيب، فأَمَمْتُ منزلي الذي كنتُ به، فظننتُ أنّهم سيفقدوني، فيرجعون إلَيَّ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غَلَبَتْني عيني، فنِمْتُ، وكان صفوان بن المُعَطِّل السُّلَمي ثم الذَّكْوانِي مِن وراء الجيش، فأَدْلَجَ، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرْتُ وجهي بجلبابي، واللهِ، ما كَلَّمَنِي كلمةً، ولا سمعت منه كلمةً غيرَ استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوَطِىء على يدَيْها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعد ما نزلوا مُوغِرين في نَحْرِ الظَّهِيرَة، فهلك فِيَّ مَن هلك. وكان الذي تَوَلّى الإفكَ عبدُ الله بن أُبَيّ بن سَلُول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والناسُ يُفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يَرِيبُني في وجعي أنِّي لا أعرف مِن رسول الله ﷺ اللُّطْفَ الذي كنت أرى منه حين أشتكى، إنّما يدخل عَلَيَّ، فيُسَلِّم، ثم يقول: «كيف تيكم؟». ثم ينصرف، فذاك الذي يَرِيبُني، ولا أشعر بالشرِّ حتى خرجت بعدما نَقَهْتُ، وخرجت معي أمُّ مِسْطَح قِبَل المناصِع، وهي مُتَبَرَّزُنا، وكُنّا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتَّخِذ الكُنُف قريبًا مِن بيوتنا، وأَمْرُنا أمْرُ العربِ الأول في التَّبَرُّز قبل الغائط؛ فكُنّا نتأذى بالكُنُف أن نتَّخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأمُّ مِسْطَح، فأقبلتُ أنا وأمُّ مسطح قِبَل بيتي قد فرغنا مِن شأننا، فعَثَرَت أمُّ مِسْطَح في مِرْطها، فقالت: تَعِس مِسْطَحُ. فقلتُ لها: بِئْسَ ما قلتِ، أتسبين رجلًا شهد بدرًا؟! قالت: أيْ هَنَتاهُ، أوَلَمْ تسمعي ما قال؟ قلتُ: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددتُ مرضًا على مرضي، فلمّا رجعتُ إلى بيتي دَخَل عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ، فسَلَّم، ثم قال: «كيف تيكم؟». فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبَوَيَّ؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر مِن قِبَلِهما. قالت: فأذِنَ لي رسولُ الله ﷺ، فجئتُ أبَوَيَّ، فقلتُ لأمي: يا أُمَّتاهُ، ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بُنَيَّةُ، هَوِّني عليكِ، فواللهِ، لقَلَّما كانتِ امرأةٌ قَطُّ وضيئة عند رجل يحبها ولها ضَرائِرُ إلّا أكْثَرْن عليها. فقلت: سبحان الله، ولقد تحدث الناسُ بهذا؟! فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحتُ أبكي. ودعا رسولُ الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب وأسامةَ بن زيد حين اسْتَلْبَثَ الوحيُ، يَسْتَأْمِرُهما في فراق أهله، فأمّا أسامةُ فأشار على رسول الله ﷺ بالَّذي يعلم مِن براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه مِن الوُدِّ، فقال: يا رسول الله، أهلُك، ولا نعلم إلا خيرًا. وأما عليُّ بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يُضَيِّق اللهُ عليك، والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسأل الجاريةَ تصدُقْكَ. فدعا رسولُ الله ﷺ بَرِيرَةَ، فقال: «أيْ بريرةُ، هل رأيتِ شيئًا يَريبُكِ؟». قالت بريرةُ: لا، والذي بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمرًا أغْمِصُه أكثرَ مِن أنّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ، تنامُ عن عجين أهلها، فتأتي الدِّاجِنُ فتأكله. فقام رسول الله ﷺ، فاسْتَعْذَرَ يومئذٍ مِن عبد الله بن أُبَيٍّ، فقال وهو على المنبر: «يا معشرَ المسلمين، مَن يعذرني مِن رجل بلغني أذاهُ في أهل بيتي؟ فواللهِ، ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي». فقام سعدُ بن معاذ الأنصاريُّ، فقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن كان مِن الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا مِن الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرَك. فقام سعد بن عبادة -وهو سيِّدُ الخزرج، وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحَمِيَّةُ- فقال لسعد: كذبتَ، لَعَمْرُ اللهِ، ما تقتلُه، ولا تقدر على قتله. فقام أُسَيْد بن حُضَيْر، وهو ابنُ عمِّ سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبتَ، لَعَمْرُ الله، لنَقْتُلَنَّه، فإنّك مُنافِق تُجادِل عن المنافقين. فتَثاوَر الحيّانِ الأوسُ والخزرج، حتى همُّوا أن يقتتلوا، ورسولُ الله ﷺ قائِم على المنبر، فلم يزل رسولُ الله ﷺ يُخَفِّضهم حتى سكتوا وسَكَت. فمكثتُ يومي ذلك فلا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع، وأبواي يظُنّانِ أنّ البكاءَ فالِقٌ كَبِدِي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذَنَتْ عَلَيَّ امرأةٌ مِن الأنصار، فأذِنتُ لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ الله ﷺ، ثم جلس، ولم يجلس عندي مُنذ قيل فِيَّ ما قيل قبلها، وقد لَبِث شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيء، فتَشَهَّد حين جلس، ثم قال: «أمّا بعدُ، يا عائشة، فإنّه بلغني عنكِ كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وإن كنتِ ألْممتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب اللهُ عليه». فلمّا قضى رسولُ الله ﷺ مقالتَه قَلَصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي: أجِبْ عَنِّي رسولَ الله ﷺ. قال: واللهِ، ما أدري ما أقولُ لرسول الله ﷺ! فقلتُ لأمي: أجيبي عَنِّي رسولَ الله ﷺ. قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ! فقلتُ وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرأ كثيرًا مِن القرآن: إني -واللهِ- لقد علمتُ أنّكم سمعتُم هذا الحديثَ حتى اسْتَقَرَّ في أنفسكم، وصدَّقْتُم به، فلَئِن قلتُ لكم: إني بريئة. واللهُ يعلم أنِّي بريئة، لا تُصَدِّقوني، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ، واللهُ يعلم أنِّي منه بريئة، لتُصَدِّقُنِّي، واللهِ، لا أجد لي ولكم مَثَلًا إلا قول أبي يوسف: ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾ [يوسف:١٨]. ثم تَحَوَّلتُ، فاضطجعتُ على فراشي، وأنا حينئذ أعلمُ أنِّي بريئة، وأنّ الله مُبَرِّئي ببراءتي، ولكن -واللهِ- ما كنتُ أظُنَّ أنّ الله مُنزِلٌ في شأني وحيًا يُتْلى، ولَشأني في نفسي كان أحقرَ مِن أن يتكلم اللهُ فِيَّ بأمر يُتْلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسولُ الله ﷺ في النوم رؤيا يُبَرِّئني الله بها. قالت: فواللهِ، ما رام رسول الله ﷺ مجلسَه ولا خرج أحدٌ مِن أهل البيت حتى أُنزِل عليه، فأخذه ما كان يأخذه مِن البُرَحاء عند الوحي، حتى إنّه لَيَتَحَدَّر مِنه مِثْلُ الجُمانِ مِن العَرَق وهو في يوم شاتٍ، مِن ثِقَل القول الذي أُنزِل عليه، فلمّا سُرِّي عن رسول الله ﷺ سُرِّي عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: «أبشري، يا عائشة، أمّا اللهُ فقد برأك». فقالت أمي: قومي إليه. فقلت: واللهِ، لا أقوم إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ الذي أنزل براءتي. وأنزل الله: ﴿ان الذين جاءوا بالافك عصبة منكم﴾ العشرَ الآياتِ كلَّها. فلمّا أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر -وكان يُنفِق على مِسْطَح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-: واللهِ، لا أُنفِق على مِسْطَح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربي والمساكين﴾ إلى قوله: ﴿رحيم﴾. قال أبو بكر: بلى، واللهِ، إنِّي أُحِبُّ أن يغفر الله لي. فرَجَع إلى مِسْطَحٍ النفقة التي كان يُنفِق عليه، وقال: واللهِ، لا أنزعها منه أبدًا. قالت عائشة: فكان رسول الله ﷺ يسأل زينبَ ابنةَ جحش عن أمري، فقال: «يا زينبُ، ماذا علمتِ أو رأيتِ؟». فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرًا. قالت: وهي التي كانت تُسامِينِي مِن أزواج النبيِّ ﷺ، فعصمها اللهُ بالوَرَع، وطَفِقَتْ أختُها حَمْنَةُ تُحارِب لها؛ فهلكت فيمن هلك مِن أصحاب الإفك