سورة الأحقاف — الآية ٢٦

قال مقاتل بن سليمان: ثم خوّف كفار مكة، فقال: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهُمْ﴾ يعني: عادًا ﴿فِيما إنْ مَكَّنّاكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿فيه﴾ يعني: في الذي أعطيناكم في الأرض مِن الخير والتمكّن في الدنيا، يعني: مكّنّاكم في الأرض، يا أهل مكة، ﴿وجَعَلْنا لَهُمْ﴾ في الخير والتمكين في الأرض ﴿سَمْعًا وأَبْصارًا وأَفْئِدَةً﴾ يعني: القلوب كما جعلنا لكم، يا أهل مكة، ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ من العذاب ﴿سَمْعُهُمْ ولا أبْصارُهُمْ ولا أفْئِدَتُهُمْ مِن شَيْءٍ﴾ يقول: لم تُغنِ عنهم ما جعلنا مِن العذاب ﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ يعني: عذاب الله تعالى، ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ يعني: ووجب لهم سوء العذاب ﴿ما كانُوا بِهِ﴾ يعني: العذاب ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هذا مَثَلٌ ضربه الله لقريش حين قالوا: إنّه غير كائن

سورة النساء — الآية ١٠٢

عن أبي العالية الرياحي: أن أبا موسى الأشعري كان بالدار من أصبهان، وما بهم يومئذ كبير خوف، ولكن أحب أن يعلمهم دينهم وسنة نبيهم ﷺ، فجعلهم صفَّين؛ طائفة معها السلاح مقبلة على عَدُوِّها، وطائفة وراءها، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم نكصوا على أدبارهم حتى قاموا مقام الآخرين، وجاء الآخرون يتخللونهم حتى قاموا وراءه، فصلى بهم ركعة أخرى، ثم سلَّم، فقام الذين يلونه والآخرون، فصلوا ركعة ركعة، فسلَّم بعضهم على بعض، فتمَّت للإمام ركعتان في جماعة، وللناس ركعة ركعة

سورة الأنبياء — الآية ٣٦

عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: مرَّ النبيُّ ﷺ على أبي سفيان وأبي جهل وهما يَتَحَدَّثان، فلمّا رآه أبو جهل ضَحِك، وقال لأبي سفيان: هذا نبيُّ بني عبد مناف! فغضب أبو سفيان، فقال: ما تُنكِرون أن يكون لبني عبد مناف نبيٌّ! فسمعها النبيُّ ﷺ، فرجع إلى أبي جهل، فوقع به، وخوَّفه، وقال: «ما أراك مُنتَهِيًا حتى يصيبك ما أصاب عمُّك». وقال لأبي سفيان: «أما إنّك لم تقل ما قلتَ إلا حَمِيَّةً». فنزلت هذه الآية: ﴿وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا﴾

سورة الأحزاب — الآية ١٢

قال يحيى بن سلّام: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهم المنافقون، وصفهم بالوجهين جميعًا، والنفاق أنهم نافقوا بقلوبهم عن ما أظهروا بألسنتهم، والمرض ما في قلوبهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ في ما يزعم أنّه رسوله ﴿إلّا غُرُورًا﴾، وذلك أنّه لَمّا أنزل الله في سورة البقرة: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] فوعد الله المؤمنين أن ينصرهم كما نصر مَن قبلهم بعد أن يُزَلْزَلوا، وهي الشدة، وأن يُحرَّكوا بالخوف كما قال النبيون حيث يقول الله: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾. قال الله: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. فقال المنافقون: وعدنا الله النصرَ، فلا نرانا نُنْصر، ونرانا نُقتل ونُهزم. ولم يكن في ما وعدهم الله ألا يُقتَل منهم أحد، وألّا يُهزَموا في بعض الأحايين، وقد قال في آية أخرى: ﴿وتِلْكَ الأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، وإنما وعدهم النصر في العاقبة

رجَّحَ ابن جرير (١/٥٩٠-٥٩١) مُسْتَدِلًّا بالسياقِ، وأقوالِ الحجّة من أهل التأويلِ أن يكون المقصود بقوله: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ أي: بيان من أمري وطاعتي، ورشادٌ إلى سبيلي وديني، فقال: «وقول أبي العالية في ذلك، وإن كان وجهًا من التأويل تحتمله الآية؛ فأقرب إلى الصواب منه عندي، وأشبه بظاهر التلاوة أن يكون تأويلها: فإما يأتينكم مني، يا معشر من أهبطتُه إلى الأرض من سمائي، وهو آدم وزوجته وإبليس، كما قد ذكرنا قبلُ في تأويل الآية التي قبلها: إما يأتينكم مني بيان من أمري وطاعتي، ورشاد إلى سبيلي وديني، فمن اتَّبعه منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إليَّ معصية، وخلاف لأمري وطاعتي. يعرِّفهم بذلك -جَلَّ ثناؤه- أنّه التائب على من تاب إليه من ذنوبه، والرحيم لمن أناب إليه، كما وصف نفسه بقوله: ﴿إنه هو التواب الرحيم﴾، وذلك أن ظاهر الخطاب بذلك إنما هو للذين قال لهم -جلَّ ثناؤه-: ﴿اهبطوا منها جميعا﴾، والذين خُوطِبوا به هم مَن سمَّينا في قول الحُجَّة من الصحابة والتابعين الذين قد قَدَّمنا الرواية عنهم. وذلك وإن كان خطابًا من الله -جلَّ ذِكْرُه- لِمَن أُهبِط حينئذ من السماء إلى الأرض، فهو سنة الله في جميع خلقه، وتعريف منه بذلك للذين أخبر عنهم في أول هذه السورة بما أخبر عنهم في قوله: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة:٦]، وفي قوله: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة:٨]، وأنّ حكمه فيهم إن تابوا إليه وأنابوا واتبعوا ما أتاهم من البيان من عند الله على لسان رسوله محمد ﷺ، أنّهم عنده في الآخرة مِمَّن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأنّهم إن هلكوا على كفرهم وضلالتهم قبل الإنابة والتوبة كانوا من أهل النار المُخَلَّدين فيها»

ذكر ابنُ عطيَّة (٢/٣٩٣) أنّ لفظة الهمِّ على هذا القول الذي قال به قتادة والربيع وابن إسحاق بمعنى: الغمِّ والحزن. ثم قال: «والمعنى: أنّ نفوسهم المريضةَ وظنونَهم السيئةَ قد جَلَبَتْ إليهم الهمَّ؛ خوفَ القتلِ وذهابِ الأموال، تقول العرب: أهمني الشيءُ إذا جلب الهَمَّ». وذكر أنّ بعض المفسرين ذهب إلى أنّ اللفظة مِن همَّ بالشيء إذا أراد فعلَه. ثم علّق بقوله: «أهمتهم أنفسهم المكاشفةَ ونبذَ الدين، وهذا قولُ مَن قال: قد قُتِل محمدٌ، فلنرجع إلى ديننا الأول. ونحو هذا من الأقوال»

سورة الحاقة — الآية ١٩

عن عبد الرحمن بن شُريح، أنه سمع أشياخًا يقولون: إنّ العبد يُعطى يوم القيامة كتابه، فيَنظر في بطنه، فإذا فيه مكتوب سيئاته، وفي ظهره حسناته، فهو يقرأ السيئات، فيَتغيّر لها وجهه، ويَشتدّ منها خوفه، ومَن قرأ ما في ظهر كتابه غَبطه على ما فيه مِن حسناته، فيقول: يا ربِّ، قد عملتُ حسناتٍ لم أجدها في هذا الكتاب. فيقال: اقْلب أو حوِّل. فإذا بالحسنات وبُدّلتْ تلك السيئات حسنات، فلما قرأها أسفَر وجهه، ومَن قرأ ما يحول إليهم من كتابه قرؤوها حسنات، فيغبطون عليها، ثم أُمر أن يَقلب أيضًا، فإذا تلك السيئات قد حُوّلتْ حسنات، فعند ذلك يقول الذي قال الله في كتابه: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾

سورة النور — الآية ٥٥

عن أبي العالية الرِّياحِيِّ، قال: كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه بمكة نحوًا مِن عشر سنين، يدعون إلى الله وحده، وعبادته وحده لا شريك له، سِرًّا وهم خائفون، لا يُؤمَرون بالقتال، حتى أُمِروا بالهجرة إلى المدينة، فقَدِموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال، وكانوا بها خائفين، يُمْسون في السلاح، ويُصْبِحون في السلاح، فَغَبَروا بذلك ما شاء الله، ثم إنّ رجلًا مِن أصحابه قال: يا رسول الله، أبَدَ الدهر نحن خائفون هكذا! أما يأتي علينا يومٌ نأمن فيه، ونضع فيه السلاح؟ فقال رسول الله ﷺ: «لن تغبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجلُ منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِيًا ليست فيهم حديدة». فأنزل الله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾ إلى آخر الآية، فأظهر الله نبيَّه على جزيرة العرب، فأمِنوا، ووضعوا السلاح، ثمَّ إنّ الله قبض نبيه، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، حتى وقعوا فيما وقعوا، وكفروا النِّعمة، فأدخل الله عليهم الخوفَ الذي كان رُفِع عنهم، واتخذوا الحُجَر والشُّرَط، وغيَّروا؛ فغُيِّر ما بهم

علّق ابنُ عطية (٦‏/‏٤٧٢) على القراءتين بقوله: «فقراءة الرفع هي إخبار مِن موسى بوقوع ضيق صدره وعدم انطلاق لسانه، وبهذا رجح أبو حاتم هذه القراءة، وقراءة النصب تقتضي أنّ ذلك داخل تحت خوفه، وهو عطف على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾». ثم قال مُرَجِّحًا قراءة الرفع فيهما لدلالة المعنى: «وقد يكون عدم انطلاق اللسان بالقول لغموض المعاني التي تطلب لها ألفاظ محررة، فإذا كان هذا في وقت ضيق صدر ولم ينطلق اللسان، وقد قال موسى عليه السلام: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه:٢٧]؛ فالراجح قراءة الرفع»

اختُلِف فيمن يستحق اسم الوليّ على ثلاثة أقوال: أولها: أنَّ الولِيَّ: مَن يُذْكَرُ الله لرؤيته، لما عليه مِن سيما الخير والإخبات. وثانيها: أنّ الأولياء قوم تحابُّوا في الله واجتمعوا في ذاتِه لم تجمعهم قرابة ولا مال يَتَعاطَوْنَه. وثالثها: أنّ الوليَّ هو المؤمن التقيّ، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وذَهَبَ ابنُ جرير (١٢‏/‏٢١٢-٢١٣) إلى ما ذهب إليه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ استنادًا إلى السياق، فقال: «الصوابُ مِن القول في ذلك أن يُقال: الولي -أعني: ولي الله- هو مَن كان بالصِّفة التي وصفه الله بها، وهو الذي آمن واتقى، كما قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾». وكذلك قال ابنُ تيمية (٣‏/‏٤٨٦-٤٨٧). وقال ابنُ القيم (٢‏/‏٤٠-٤١): «أولياء الرحمن لا خوف عليهم ولاهم يحزنون، هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم المذكورون في أول سورة البقرة إلى قوله: ﴿هم المفلحون﴾ [البقرة:١-٥]، وفي وسطها في قوله: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ [البقرة:١٧٧]، وفي أول الأنفال إلى قوله: ﴿لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ [الأنفال:١-٤]، وفي أول سورة المؤمنين إلى قوله: ﴿هم فيها خالدون﴾ [المؤمنون:١-١١]، وفي آخر سورة الفرقان، وفي قوله: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ إلى آخر الآية [الأحزاب:٣٥]، وفي قوله: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾، وفي قوله: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ [النور:٥٢]، وفي قوله: ﴿إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون﴾ إلى قوله: ﴿في جنات مكرمون﴾ [المعارج:٢٢-٣٥]، وفي قوله: ﴿التائبون العابدون الحامدون﴾ إلى آخر الآية [التوبة:١١٢]. فأولياء الرحمن هم المخلصون لربهم، المحكمون لرسوله في الحرم والحِلِّ، الذين يخالفون غيره لسُنَّته ولا يخالفون سُنَّته لغيرها، فلا يبتدعون ولا يدعون إلى بِدْعَة، ولا يَتَحَيَّزون إلى فئةٍ غير الله ورسوله وأصحابه، ولا يتخذون دينهم لهوًا ولعبًا، فأولياء الرحمن المتلبسون بما يحبه وليهم، الداعون إليه، المحاربون لِمَن خرج عنه»