عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لما نزلت هذه السورة: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ورَأَيْتَ النّاسَ﴾ قال: قرأها رسول الله ﷺ حتى خَتمها. وقال: «الناس حيِّز، وأنا وأصحابي حيِّز». وقال: «لا هجرة بعد الفتْح، ولكن جهاد ونية». فقال له مروان: كذبتَ. وعنده رافع بن خديج، وزيد بن ثابت، وهما قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدّثاك، ولكن هذا يخاف أن تَنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تَنزعه عن الصدقة؛ فسكتا. فرفع مروان عليه الدّرة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا: صدق
انتقد ابنُ عطية (٦/١٤٦) مستندًا إلى دلالة التاريخ أن يكون هذا الحديث سبب نزول الآية، فقال: «وهذا مُعتَرَضٌ أن يكون سببًا؛ لأن السورة مكية، والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي ﷺ؛ لأنّه مات ودرعه مرهونة بهذه القصة التي ذكرت». ثم رجَّح مستندًا إلى السياق تناسق الآية مع ما قبلها: «وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك أنّ الله تعالى وبَّخهم على ترك الاعتبار بالأمم السابقة، ثم تَوَعَّدهم بالعذاب المُؤَجَّل، ثم أمَرَ نبيَّه ﷺ بالاحتقار لشأنهم، والصبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم مِن الدنيا، إذ ذلك مُنصَرِمٌ عنهم، صائرٌ بهم إلى خِزْيٍ»
قال ابنُ عطية (٨/٥١٠): «قوله تعالى: ﴿كلوا وتمتعوا﴾ مخاطبة لقريش، على معنى: قل لهم، يا محمد. وهذه صيغة أمر معناها التهديد والوعيد، وقد بيّن ذلك قوله: ﴿قليلا﴾، ثم بيّن تعالى لهم الإجرام الموجب لتعذيبهم. وقال مَن جعل السورة كلّها مكّية: إنّ هذه الآية في كفار قريش، وقال مَن جعل هذه الآية منها مدنية:»إن هذه الآية نزلت في المنافقين«. وقال مقاتل:»نزلت في ثقيف؛ لأنهم قالوا للنبي ﷺ: حُطَّ عنّا الصلاة؛ فإنّا لا ننحَني؛ لأنها مَسَبَّة، فأبى رسول الله ﷺ، وقال: «لا خير في دين لا صلاة فيه»""
عن عروة بن الزبير -من طريق ابنه هشام- أنّه كتب إلى عبد الملك بن مروان: كتبتَ إلَيَّ في قول النبي ﷺ لرجل من الأنصار: «إنِّي أحْمَس». وإنِّي لا أدري أقالها النبي أم لا؟ غير أني سمعتُها تُحدَّثُ عنه. والحُمْس: مِلَّةُ قريش وهم مشركون، ومن ولَدَتْ قريش من خزاعة وبنو كِنانة، كانوا لا يدفعون من عرفة، إنما كانوا يدفعون من المزدلفة، وهو المشعر الحرام، وكانت بنو عامر حُمْسًا، وذلك أنّ قريشا ولَدَتْهُم، ولهم قيل: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾، وأنّ العرب كلها كانت تُفِيض من عرفة إلا الحُمْس، كانوا يدفعون إذا أصبحوا من المزدلفة
عن المغيرة بن عثمان -من طريق ابن جُرَيْج- قال: كان عثمان بن مظعون، وعليٌّ، وعبد الله بن مسعود، والمقدادُ، وعمارٌ؛ أرادوا الاختصِاءَ، وتحريمَ اللحم، ولُبسَ المسُوح، في أصحاب لهم، فأتى النبي ﷺ عثمان بن مظعون، فسأله عن ذلك، فقال: قد كان بعضُ ذلك. فقال رسول الله ﷺ: «أنكِحُ النساءَ، وآكُلُ اللحمَ، وأصومُ وأُفطِر، وأُصلِّي وأنام، وألبسُ الثياب، لم آتِ بالتَّبَتُّل ولا بالرهبانية، ولكن جئتُ بالحنيفية السَّمحة، ومَن رَغِب عن سُنَّتي فليس مِنِّي». قال عبد الملك ابن جُرَيْج: فنزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: أتى جبريلُ يوسفَ وهو في السجن، فسلَّم عليه، وجاءه في صورة رجل حسن الوجه، طيِّب الريح، نَقِي الثياب، فقال له يوسف: أيها الملك الحسن الوجه، الكريم على ربِّه، الطيِّب ريحُه، حدثني كيف يعقوب؟ قال: حَزِن عليك حزنًا شديدًا. قال: فما بلغ مِن حُزْنِه؟ قال: حُزْن سبعين مُثكَلَة. قال: فما بلغ مِن أجره؟ قال: أجر سبعين شهيدًا. قال يوسف: فإلى مَن أوى بعدى؟ قال: إلى أخيك بنيامين. قال: فتُراني ألقاه؟ قال: نعم. فبكى يوسفُ لِما لَقِي أبوه بعده، ثم قال: ما أُبالي بما لقيت إنِ اللهُ أرانِيهِ
عن الحسن البصري -من طريق المبارك بن فضالة- في قوله: ﴿قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث﴾ إلى قوله: ﴿توفني مسلما وألحقني بالصالحين﴾، قال: إنّ يوسف أُلْقِيَ في الجُبِّ وهو ابنُ سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ما لقي أباه وجمع الله له شملَه ورأى تأويل رؤياه ثلاثًا وعشرين سنة، ومات وهو ابنُ عشرين ومائة سنة، فلمّا جمع الله له شملَه ورأى تأويل رؤياه اشتاق إلى ربِّه، فقال: ﴿توفني مسلما وألحقني بالصالحين﴾. يعني بآبائه: إبراهيم، وإسحق، ويعقوب. قال الحسن البصري: وكذلك العبدُ الصالحُ يشتاق إلى ربه عز و جل
عن الحسن بن علي الحلواني، ثنا الشافعي، ثنا عمي، قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك، فقال له: يا سليمان، الذي تولى كبره مَن هو؟ قال: عبد الله بن أُبي. قال: كذبت، هو علِيٌّ. قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل الزهري، فقال: يا ابن شهاب، مَن الذي تولى كبره؟ فقال له: ابن أُبي. قال: كذبت، هو علي. قال: أنا أكذبُ لا أبا لَكَ؟! واللهِ، لو نادى منادٍ مِن السماء: أنّ الله أحل الكذب. ما كذبتُ، حدثني عروة، وسعيد، وعبيد الله، وعلقمة، عن عائشة: أن الذي تولى كبره عبد الله بن أُبي
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والرقيم﴾ كتابٌ كتبه رجلان قاضيان صالحان، أحدهما ماتوس، والآخر أسطوس، كانا يكتمان إيمانهما، وكانا في منزل دقيوس الجبار، وهو الملك الذي فرَّ منه الفتية، وكتبا أمر الفتية في لوح من رصاص، ثم جعلاه في تابوت من نحاس، ثم جعلاه في البناء الذي سدُّوا به باب الكهف، فقالا: لعل الله عز وجل أن يطلع على هؤلاء الفتية؛ ليعلموا إذا قرأوا الكتاب... ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم﴾، يعني بالرقيم: الكتاب الذي كتبه القاضيان. مثل قوله عز وجل: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين كتاب مرقوم﴾ [المطففين:٧-٩]، يعني: كتاب مكتوب
عن محمد بن شهاب الزُّهريّ وغيره -من طريق عبد الملك ابن جُرَيْج- قال: جلس رسولُ الله ﷺ في مجلسٍ فيه عبد الله بن رَواحة، وعبد الله بن أُبَيّ بن سلول، فلمّا ذهب رسول الله ﷺ قال عبد الله بن أُبَيّ بن سلول: لقد آذانا بَوْلُ حماره، وسدّ عنا الرَّوْح. وكان بينه وبين ابن رواحة شيء، حتى خرجوا بالسلاح، فأتى رسولُ الله ﷺ، فحجز بينهم، فلذلك يقول عبد الله بن أُبَيّ: متى ما يكن مولاك خصمك جاهدًا تُظَلَّم ويصرعْك الذي تُصارعُ قال: فأُنَزَلتْ فيهم هذه الآية: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾