عن عبد الله بن عباس، قال:... ﴿قالت احداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾. قال لها أبوها: ما رأيتِ مِن قوته وأمانته؟ فأخبرته بالأمر الذي كان، قالت: أمّا قوَّتُه فإنّه قلب الحجر وحده، وكان لا يقلبه إلا النفرُ، وأَمّا أمانته قال: امشي خلفي، وأرشديني الطريقَ؛ لأني امرؤ مِن عنصر إبراهيم، لا يحلُّ لي مِنكِ ما حرَّم الله تعالى
قال ابنُ تيمية (١/٣٣٩) في معنى ﴿يتلونه﴾: «قيل: هو من التلاوة بمعنى الاتِّباع، كقوله: ﴿والقمر إذا تلاها﴾، وهذا يدخل فيه من لم يقرأ. وقيل: بل من تمام قراءته أن يفهم معناه ويعمل به، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾، يقول: أم أجمعوا أمرًا. وذلك أن نفرًا من قريش منهم: أبو جهل بن هشام، وعُتبة وشيبة ابنا ربيعة، وهشام بن عمرو، وأبو البَختري بن هشام، وأُمية بن أبي مُعيط، وعُيينة بن حصن الفزاري، والوليد بن المُغيرة، والنَّضر بن الحارث، وأُبَيّ بن خلف، -بعد موت أبي طالب- اجتمعوا في دار النَّدوة بمكة ليمكروا بالنبي ﷺ سرًّا عند انقضاء المدة، فأتاهم إبليس في صورة شيخ كبير، فجلس إليهم، فقالوا له: ما أدخلكَ في جماعتنا بغير إذننا؟ قال عدوّ الله: أنا رجل من أهل نَجد، وقدمتُ مكة، فرأيتكم حسنةً وجوهُكم، طيّبةً ريحُكم، فأردتُ أن أسمع حديثكم، وأشير عليكم، فإنْ كرهتم مجلسي خرجتُ من بينكم. فقال بعضهم لبعض: هذا رجل مِن أهل نَجد، ليس من أهل مكة، فلا بأس عليكم منه. فتكلّموا بالمكر بالنبي ﷺ، فقال أبو البختري بن هشام -من بني أسد بن عبد العُزّى-: أمّا أنا فأرى أن تأخذوا محمدًا ﷺ، فتجعلوه في بيت، وتسدّوا عليه بابه، وتجعلوا له كوّة لطعامه وشرابه حتى يموت. فقال إبليس: بئس الرأي رأيتم، تعمدون إلى رجل له فيكم صغو، قد سمع به مَن حولكم، تحبسونه في بيت، وتُطعمونه وتسقونه، فيوشك الصغو الذي له فيكم أنْ يقاتلكم عنه، ويفسد جماعتكم ويسفك دماءكم. قالوا: صدق -واللهِ- الشيخ. فقال هشام بن عمرو -من بني عامر بن لؤي-: أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير، فتُخرجوه من أرضكم، فيذهب حيث شاء، ويليه غيركم. فقال إبليس: بئس الرأي رأيتم، تعمدون إلى رجل قد أفسد عليكم جماعتكم، وتبعه طائفة منكم، فتُخرجونه إلى غيركم، فيُفسدهم كما أفسدكم، فيوشك -باللهِ- أنْ يميل بهم عليكم. فقال أبو جهل: صدق -واللهِ- الشيخ. فقال أبو جهل بن هشام: أمّا أنا فأرى أن تعمدوا إلى كلِّ بطنٍ من قريش، فتأخذوا من كل بطن منهم رجلًا، فتُعطون كلَّ رجل منهم سيفًا، فيضربونه جميعًا، فلا يدري قومُه مَن يأخذون به، وتؤدِّي قريش دِيَته. فقال إبليس: صدق -والله- الشاب. فتفرّقوا عن قول أبي جهل، فنزل جبريل عليه السلام، فأخبر النبي ﷺ بما ائتمروا به، وأمره بالخروج، فخرج النبي ﷺ من ليلته إلى الغار. وأنزل الله تعالى في شرّهم الذي أجمعوا عليه: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾
عن عبد الله بن عباس، قال: قال رجل للنبي ﷺ: يا خيرَ البشر. فقال: «ذاك يوسف صِدِّيق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله. إنّ الله كسا إبراهيم ثوبًا مِن الجنة، فكساه إبراهيم إسحاق، فكساه إسحاقُ يعقوبَ، فأخذه يعقوبُ فجعله في قَصَبَة حديد، وعلَّقه في عُنُق يوسف، ولو علم إخوتُه إذ ألقوه في الجُبِّ لأخذوه، فلمّا أراد الله أن يَرُدَّ يوسفَ على يعقوب -وكان بين رؤياه وتعبيرها أربعين سنة- أمر البشير أن يُبَشِّره مِن ثمان مراحل، فوجد يعقوبُ ريحه، فقال: ﴿إنى لأجد ريح يوسف لولا أن تُفَندُون﴾. فلمّا ألقاه على وجهه ارتدَّ بصيرًا، وليس يقع شيءٌ يقع مِن الجنة على عاهة من عاهات الدنيا إلا أبرأها بإذن الله تعالى»
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الناس يَمُرُّون يوم القيامة على الصِّراط، والصِّراط دحضٌ مَزَلَّةٌ يَتَكَفَّأُ بأهله، والنار تأخذ منهم، وإن جهنم لتَنطِف عليهم مثل الثلج إذا وقع لها زفيرٌ وشهيقٌ، فبينما هم كذلك إذا جاءهم نداءٌ مِن الرحمن: عبادي، مَن كنتم تعبدون في دار الدنيا؟ فيقولون: ربَّنا، أنت أعلم أنّا إيّاك كنا نعبد. فيجيبهم بصوت لم يسمع الخلائق مثله قط: عبادي، حقٌّ عَلَيَّ ألا أكِلَكم اليومَ إلى أحد غيري، فقد عفوتُ عنكم، ورضيتُ عنكم. فتقوم الملائكة عند ذلك بالشفاعة، فينجون من ذلك المكان، فيقول الذين تحتهم في النار: ﴿فما لنا من شافعين* ولا صديق حميم* فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين﴾. قال الله: ﴿فكبكبوا فيها هم والغاوون﴾، قال ابن عباس: أُدهِروا فيها إلى آخر الدهر
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قول الله: ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ قال: لو أخذوا بقرةً ما كانت لأجزأت عنهم، ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر﴾ قال: لو أخذوا بقرة من هذا الوصف لأجزأت عنهم، ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾ قال: لو أخذوا بقرة صفراء لأجزأت عنهم
عن محمد بن كعب القرظي، وغيره -من طريق أبي معشر- قالوا: بعث رسولُ الله ﷺ أبا بكر أميرًا على الموسم سنة تسع، وبعث عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه بثلاثين أو أربعين آيةً مِن براءة، فقرأها على الناسِ، يُؤَجِّلُ المشركين أربعةَ أشهر يسيحون في الأرض، فقرأ عليهم براءة يوم عرفة، أجَّل المشركين عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرًا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم، وقال: لا يَحُجَّنَّ بعد عامنا هذا مشركٌ، ولا يَطُوفَنَّ بالبيت عريان
عن معدان بن أبي طلحة: أنّ عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة، فذكر نبي الله ﷺ، وذكر أبا بكر، ثم قال: إنِّي لا أدَعُ بعدي شيئًا أهمُّ عندي مِن الكلالة، ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: «يا عمرُ، ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟!». وإنِّي إن أعِشْ أقْضِ فيها بقضيةٍ يَقْضِي بها مَن يقرأ القرآن، ومَن لا يقرأ القرآن
عن كعب الأحبار -من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن- قال: قال موسى: يا ربِّ، دُلَّني على عمل إذا عملتُه كان شكرًا لك فيما اصطنعتَ إلَيَّ. قال: يا موسى، قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ. قال: فكان موسى أراد مِن العمل ما هو أنْهَكُ لجسمه مِمّا أُمِرَ به، فقال له: يا موسى، لو أنّ السموات السبع والأرضين السبع وُضِعت في كفَّة، ووضعت لا إله إلا الله في كفَّة؛ لَرَجَحَتْ بِهِنَّ
قال عطاء، وقتادة بن دعامة، والثُّمالي، والمسيَّب [بن شَرِيك]: صارت أوثانُ قومِ نوح إلى العرب، فكان ودّ لكَلْب بدُومة الجَندَل، وكان سُواع برهاط لهُذيل، وكان يَغُوث لبني غُطَيف مِن مُراد بالجوف، وكان يَعُوق لهَمْدان، وكان نَسر لآل ذي الكَلاع من حِمْيَر، وأمّا اللّات فلثَقيف، وأما العُزّى فلسُليم وغَطَفان وجُشَم ونصر وسعد بن بكر، وأمّا مَناة فكانت بقُدَيْد، وأمّا إساف ونائِلَة وهُبل فلأهل مكة، وكان إساف حِيال الحَجر الأسود، وكانت نائلة حِيال الرُّكن اليَماني، وكان هُبَل في جوف الكعبة ثمانية عشر ذراعًا