قال مقاتل بن سليمان: ثم استأنف ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: اليهود ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: عن دين الله الإسلام ﴿وشاقُّوا الرَّسُولَ﴾ يعني: وعادوا نبي الله ﷺ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ﴾ في التوراة ﴿الهُدى﴾ بأنّه نبيٌّ رسول، يعني بالهُدى: أمر محمد ﷺ ﴿فلَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ يقول: فلن ينقصوا الله من مُلكه وقُدرته ﴿شَيْئًا﴾ حين شاقّوا الرسول، وصدّوا الناس عن الإسلام، إنما يضرّون أنفسهم، ﴿وسَيُحْبِطُ﴾ في الآخرة ﴿أعْمالَهُمْ﴾ التي عملوها في الدنيا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ﴾ عظّم نفسه بأنّه غنيٌّ عن عبادتهم والملائكة، وغيرهم عبيد وفي مُلكه؛ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا﴾ في الآخرة، الذين أساؤوا بما عملوا من الشّرك في الدنيا، وذلك أنه قال في الأنعام [١٢]، والنساء [٨٧]: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ يعني: لا شكّ في البعث أنّه كائِن. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا﴾ مِن الشّرك في الدنيا، ﴿ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ التوحيد في الدنيا ﴿بِالحُسْنى﴾ وهي الجنة
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ﴾ يعني: التطوع ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني: طيّبة بها أنفسكم تحتسبها ﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ يعني: القَرْض، ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالصّدقة، ﴿واللَّهُ شَكُورٌ﴾ لصدقاتكم حين يُضاعفها لكم، ﴿حَلِيمٌ﴾ عن عقوبة ذنوبكم حين غَفرها لكم، وعن مَن يَمُنُّ بصدقته ولم يحتسبها، ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ يعني: عالم كلّ غيب، يعني: غيب ما في قلبه مِن المنّ وقلّة الخشية، وشاهد كلّ نجوى، ﴿العَزِيزُ﴾ يعني: المنيع في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ في أمره
عن عائشة أُمّ المؤمنين: أنّ الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: «أحيانًا يأتيني مِثل صَلْصَلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيُفْصَم عني وقد وعيتُ عنه ما قال، وأحيانا يتَمثّل لي المَلك رجلًا، فيُكلّمني، فأَعِي ما يقول». قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيتُه ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيَفْصِم عنه وإنّ جَبِينه لَيَتَفَصّد عَرقًا
عن عبد الله بن عباس، قال: لما نزلت ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ جاءت امرأة أبي لهب، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو تَنَحَّيتَ عنها، فإنها امرأة بَذِيَّةٌ. قال: «سيُحالُ بيني وبينها». فلم تره، فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبُك. قال: واللهِ، ما ينطق بالشعر، ولا يقوله. فقالت: إنك لَمُصَدَّقٌ. فاندفعت راجعة، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما رأتك! قال: «كان بيني وبينها مَلَكٌ يستُرُني بجَناحِه حتى ذهبت»
ذكر ابن عطية (١/٣٠٥) أن الضمير في ﴿يعلمون﴾ عائد على بني إسرائيل باتفاق، ثم قال: «ومَن قال: إنّ الضمير في ﴿علموا﴾ عائد عليهم. خرج هذا الثاني على المجاز، أي: لما عملوا عمل من لا يعلم كانوا كأنهم لا يعلمون. ومَن قال: إنّ الضمير في ﴿علموا﴾ عائد على الشياطين أو على الملكين. قال: إنّ أولئك علموا أن لا خلاق لمن اشتراه، وهؤلاء لم يعلموا فهو على الحقيقة». ونقل أنّ مكيًّا قال بأن الضمير في ﴿علموا﴾ لعلماء أهل الكتاب، وفي قوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ للمتعلمين منهم
علّق ابنُ عطية (٢/٢٤٤) على ما جاء في هذا القول وفي غيره من أنّ سبب ترك النصارى الملاعنة علمهم بنبوة محمد ﷺ، فقال: «وفي ترك النصارى الملاعنة لعلمهم بنبوة محمد شاهدٌ عظيم على صحة نبوته ﷺ، وما روي من ذلك خير مما روى الشعبي من تقسيم ذلك الرجل العاقل فيهم أمر محمد بأنه إمّا نبي وإمّا ملِك؛ لأن هذا نظر دنياوي، وما روى الرواة من أنهم تركوا الملاعنة لعلمهم بنبوته أحج لنا على سائر الكفرة، وأليق بحال محمد ﷺ»
لم يذكر ابنُ جرير (٩/١٦٣-١٦٤) غير هذا القول وما في معناه. وعلَّق ابنُ عطية (٣/٣١٨) على هذا القول بقوله: «ومما يُؤَيِّد هذا المعنى الحديث الوارد عن الرجلين اللذين صعدا على الجبل يوم بدر ليريا ما يكون في حرب النبي عليه السلام للمشركين، فسمعا حِسَّ الملائكة، وقائلًا يقول في السماء: أقدِم حيزوم. فمات أحدهما لهول ذلك، فكيف برؤية مَلَك في خِلْقَتِه، ولا يُعارَض هذا برؤية النبي عليه السلام لجبريل وغيره في صورهم؛ لأن النبي عليه السلام أعطي قوة غير هذه كلها ﷺ»
عن زيد بن أسلم -من طريق مَعْمَر-: أنّ أول جبار كان في الأرض نُمْروذ، وكان الناس يخرجون يمتارون مِن عنده الطعام، فخرج إبراهيم عليه السلام يمتار مع مَن يمتار، فإذا مرَّ به ناسٌ قال: مَن ربكم؟ قالوا: أنت. حتى مرَّ به إبراهيم، فقال: مَن ربك؟ قال: الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فبُهت الذي كفر﴾، فردَّه بغير طعام، فرجع إبراهيم إلى أهله، فمَرَّ على كَثِيبٍ من رَمْلٍ أعْفَرَ، فقال: ألا آخُذُ مِن هذا فآتي به أهلي، فتطيب أنفسُهم حين أدخُلُ عليهم! فأخذ منه، فأتى أهله، فوضع متاعَه، ثم نام، فقامت امرأتُه إلى متاعه، ففتَحَتْ، فإذا هو بأجودِ طعامٍ رآه أحد، فصنعت له منه، فقَرَّبَتْهُ إليه، وكان عهدُه بأهله أنّه ليس عندهم طعام. فقال: مِن أين هذا؟ قالت: مِن الطعام الذي جئتَ به. فعرف أنّ الله رزَقه، فحمد الله. ثُمَّ بعث الله إلى الجبّاِر مَلَكًا أنْ: آمِن بي، وأتركَك على مُلكِك. قال: فهل ربٌّ غيري؟! فأبى، فجاءه الثانية، فقال له ذلك، فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة، فأبى عليه، فقال له المَلَك: فاجمع جموعَك إلى ثلاثة أيام. فجمع الجبّارُ جموعَه، فأمر الله الملَكَ ففتح عليه بابًا من البَعُوض، فطلَعت الشمسُ فلم يَرَوْها من كثرتها، فبعثها الله عليهم، فأكلت شحومَهم، وشربت دماءَهم، فلم يبق إلا العظام، والملِكُ كما هو لم يُصِبْه من ذلك شيءٌ، فبعث الله عليه بعوضة، فدخلت في مَنخَرِه، فمكث أربعمائة سنة يُضْرَبُ رأسُه بالمطارق، وأرحمُ الناس به مَن جمع يديه ثم ضربَ بهما رأسه. وكان جَبّارًا أربعمائة سنة، فعَذَّبه الله أربعمائة سنة كمُلْكِه، ثُمَّ أماته الله. وهو الذي كان بنى صَرْحًا إلى السماء فأتى الله بُنْيانَه مِن القواعد
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة بن الفضل-: أنّ أبْرَهَة بنى كنيسة بصنعاء، وكان نصرانيًّا، فسماها: القُلَّيْس؛ لم يُر مثلها في زمانها بشيء من الأرض؛ وكتب إلى النجاشيّ ملِك الحبشة: إني قد بنيتُ لك -أيها الملِك- كنيسة لم يُبن مثلها لملِك كان قبلك، ولستُ بمنتهٍ حتى أصرف إليها حاجّ العرب. فلما تحدّثت العرب بكتاب أبْرَهَة ذلك للنجاشيّ غضِب رجلٌ من النّسَأة أحد بني فُقَيم، ثم أحد بني مالك، فخرج حتى أتى القُلَّيْس، فقعد فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأُخبر أبْرَهَة بذلك، فقال: مَن صنع هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكة؛ لما سمع من قولك: أصرف إليه حاجّ العرب، فغضب، فجاء فقعد فيها، أي: أنها ليستْ لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبْرَهَة، وحلف ليسيرنّ إلى البيت فيهدمه، وعند أبْرَهَة رجال من العرب قد قدموا عليه يلتمسون فضله، منهم محمد بن خُزاعيّ بن حزابة الذَّكواني، ثم السُّلمي، في نفر من قومه، معه أخ له يُقال له: قيس بن خُزاعيّ، فبينما هم عنده غشيهم عبد لأَبْرَهَة، فبعث إليهم فيه بغذائه، وكان يأكل الخُصى، فلما أتى القوم بغذائه قالوا: واللهِ، لئن أكلنا هذا لا تزال تسبّنا به العرب ما بقينا. فقام محمد بن خُزاعيّ، فجاء أبْرَهَة، فقال: أيها الملِك، إنّ هذا يوم عيد لنا، لا نأكل فيه إلا الجُنوب والأيدى. فقال له أبْرَهَة: فسنبعث إليكم ما أحببتم، فإنما أكرمتكم بغذائي لمنزلتكم عندي. ثم إن أبْرَهَة توّج محمد بن خزاعي، وأمّره على مُضر أن يسير في الناس، يدعوهم إلى حجّ القُلَّيْس، كنيسته التي بناها، فسار محمد بن خُزاعيّ، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة، وقد بلغ أهل تِهامة أمره، وما جاء له، بعثوا إليه رجلًا من هُذَيل يقال له: عروة بن حياض الملاصيّ، فرماه بسهم، فقتله، وكان مع محمد بن خُزاعيّ أخوه قيس بن خُزاعيّ، فهرب حين قُتل أخوه، فلحق بأَبْرَهَة، فأخبره بقتْله، فزاد ذلك أبْرَهَة غضبًا وحنقًا، وحلف ليغزونّ بني كنانة، وليهدمنّ البيت. ثم إن أبْرَهَة حين أجمع السير إلى البيت أمر الحُبْشان، فتهيّأتْ وتجهّزتْ، وخرج معه بالفيل، وسمعت العرب بذلك، فأعظموه، وفظعوا به، ورأوا جهاده حقًّا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدْم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج رجل كان مِن أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال: له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبْرَهَة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعرض له، وقاتله، فهُزم، وتفرّق أصحابه، وأُخذ له ذو نَفر أسيرًا، فأُتي به، فلما أراد قتله قال له ذو نَفْر: أيها الملِك، لا تقتلني، فإنّه عسى أن يكون بقائي معك خيرًا لك مِن قتْلي. فتركه من القتل، وحبسه عنده في وثاق، وكان أبْرَهَة رجلًا حليمًا. ثم مضى أبْرَهَة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نُفَيل بن حبيب الخثعميّ في قبيلي خثعم: شهران، وناهس، ومن معه من قبائل العرب، فقاتله، فهزمه أبْرَهَة، وأُخذ له أسيرًا، فأُتي به، فلما همّ بقتْله قال له نُفَيل: أيها الملِك، لا تقتلني، فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيتليّ خثعم؛ شهران، وناهس، بالسمع والطاعة. فأعفاه، وخلّى سبيله، وخرج به معه يدلّه على الطريق، حتى إذا مَرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعتِّب في رجال ثقيف، فقال: أيها الملِك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد -يعنون: اللّات-، إنما تريد البيت الذي بمكة -يعنون: الكعبة-، ونحن نبعث معك مَن يدلّك، فتجاوز عنهم، وبعثوا معه أبا رغال، فخرج أبْرَهَة ومعه أبو رِغال حتى أنزله المُغَمِّس، فلما أنزله به مات أبو رِغال هناك، فرَجمت العربُ قبره، فهو القبر الذي ترجم الناس بالمُغَمِّس. ولما نزل أبْرَهَة المُغَمِّس بعث رجلًا من الحبشة -يقال له: الأسود بن مقصود- على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم، وأصاب منها مائتي بعير لعبد المُطَّلِب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيّدها، وهمّتْ قريش وكنانة وهُذيل ومَن كان بالحَرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك، وبعث أبْرَهَة حُناطة الحِمْيريّ إلى مكة، وقال له: سل عن سيّد هذا البلد وشريفهم، ثم قُل له: إنّ الملك يقول لكم: إني لم آتِ لحربكم، إنما جئتُ لهدْم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم. فإن لم يُرد حربي فأْتني به. فلما دخل حُناطة مكة سأل عن سيّد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المُطَّلِب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَي، فجاءه، فقال له ما أمره به أبْرَهَة، فقال له عبد المُطَّلِب: واللهِ، ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام أو كما قال-، فإن يمنعه فهو بيته وحَرمه، وإن يُخلّ بينه وبينه -فواللهِ- ما عندنا له مِن دفْع عنه. أو كما قال له، فقال له حُناطة: فانطلِق إلى الملِك، فإنه قد أمرني أنْ آتيه بك. فانطلق معه عبد المُطَّلِب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نَفْر، وكان له صديقًا، فدُلّ عليه، فجاءه وهو في محبسه، فقال: يا ذا نَفْر، هل عندك غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نَفْر: وما غناء رجل أسير بيدي ملِك، ينتظر أن يقتله غدوًّا أو عشيًّا؟ ما عندي غناء في شيء مما نزل بك، إلا أنّ أُنَيْسًا سائس الفيل لي صديق، فسأرسل إليه، فأوصيه بك، وأُعظِّم عليه حقّك، وأسأله أن يستأذن لك على الملِك، فتكلّمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير، إن قدر على ذلك. قال: حسبي. فبعث ذو نَفْر إلى أُنَيْس، فجاء به، فقال: يا أُنَيْس، إنّ عبد المُطَّلِب سيد قريش، وصاحب عِير مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملِك له مائتي بعير، فاستأذِن له عليه، وانفعه عنده بما استطعتَ. فقال: أفعل. فكلّم أُنَيْس أبْرَهَة، فقال: أيها الملِك، هذا سيّد قريش ببابك، يستأذن عليك، وهو صاحب عِير مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، فأْذن له عليك، فليكلّمك بحاجته، وأحسِن إليه. قال: فأذن له أبْرَهَة، وكان عبد المُطَّلِب رجلًا عظيمًا وسيمًا جسيمًا؛ فلما رآه أبْرَهَة أجلّه وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يُجلسه معه على سرير مُلكه، فنزل أبْرَهَة عن سريره، فجلس على بساطه، فأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لتُرْجُمانه: قُل له: ما حاجتك إلى الملِك؟ فقال له ذلك التُّرجُمان، فقال له عبد المُطَّلِب: حاجتي إلى الملِك أن يردّ عليّ مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك قال أبْرَهَة لتُرْجُمانه: قُل له: قد كنتَ أعجبتني حين رأيتُك، ثم زهدتُ فيك حين كلّمتني، أتكلّمني في مائتي بعير أصبتُها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئتُ لهدْمه فلا تكلّمني فيه؟! قال له عبد المُطَّلِب: إني أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليُمنع مني. قال: أنتَ وذاك، اردد إليّ إبلي. وكان -فيما زعم بعض أهل العلم- قد ذهب مع عبد المُطَّلِب إلى أبْرَهَة، حين بعث إليه حُناطة، يعمُر بن نُفاثة بن عدي بن الدُّئل بن بكر بن عبد مَناة بن كنانة، وهو يومئذ سيّد بني كنانة، وخُوَيْلد بن واثلة الهُذلي وهو يومئذ سيّد هُذيل، فعرضوا على أبْرَهَة ثُلُث أموال تِهامة على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم، والله أعلم. وكان أبْرَهَة قد ردّ على عبد المُطَّلِب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المُطَّلِب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرُّز في شَعْف الجبال والشِّعاب، تخوّفًا عليهم من مَعرّة الجيش، ثم قام عبد المُطَّلِب، فأخذ بحلقة الباب باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبْرَهَة وجنده، فقال عبد المُطَّلِب وهو آخذ حلقة باب الكعبة: يا ربِّ لا أرجو لهم سِواكا يا ربِّ فامنع منهم حِماكا إن عدوَّ البيت مَن عاداكا امنعهم أن يُخْربوا قراكا لاهُمّ إن العبد يمـــ ــنع رحْله فامنع حِلالك لا يغلبنّ صليبُهم ومِحالهم غدوا مِحالك فلئن فعلتَ فربما أولى فأمرٌ ما بدا لك ولئن فعلتَ فإنه أمرٌ تُتم به فِعالك وكنتَ إذا أتى باغٍ بسَلْم نُرجِّي أن تكون لنا كذلك فولَّوا لم ينالوا غير خِزي وكان الحين يُهلكهم هنالك ولم أسمع بأرجسَ من رجال أرادوا العز فانتهكوا حَرامك جرُّوا جموع بلادهم والفيل كي يَسْبوا عيالك ثم أرسل عبد المُطَّلِب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومَن معه من قريش إلى شَعْف الجبال، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبْرَهَة فاعل بمكة إذا دخلها؛ فلما أصبح أبْرَهَة تهيّأ لدخول مكة، وهيّأ فيله، وعبّأ جيشه، وكان اسم الفيل: محمودًا، وأَبْرَهَة مُجمع لهدْم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجّهوا الفيل أقبل نُفَيل بن حبيب الخثعميّ، حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأُذنه، فقال: ابرُك محمود، وارجع راشدًا من حيث جئتَ؛ فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أُذنه، فبَرك الفيل، وخرج نُفَيل بن حبيب يشتدّ حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوا في رأسه بالطَّبَرْزين ليقوم، فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مَراقِّه، فبَزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجّهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجّهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكة فبَرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كلّ طير ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه مثل الحِمَّص والعَدَس، لا يصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلّهم أصابتْ، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤوا، ويسألون عن نُفَيل بن حبيب، ليدلّهم على الطريق إلى اليمن، فقال نُفَيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نِقمته: أين المفرّ والإله الطالب؟! والأشرمُ المغلوبُ غير الغالب فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، ويهلكون على كلّ منْهل، فأصيب أبْرَهَة في جسده، وخرجوا به معهم، تسقط أنامله أُنمُلة أُنمُلة، كلما سقطت أُنمُلة أتبعتها مِدّة تُمثُّ قيحًا ودمًا، حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون