سورة الإنشقاق — الآية ٧

قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿فَأَمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وهو عبد الله بن عبد الأسد، ويُكنى: أبا سلمة، ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ باليسير؛ بأنّ الله لا يُغيّر حسناته ولا يفضحه، وذلك أنّ الله عز وجل إذا جمع الخلائق يوم القيامة فإنهم يموج بعضُهم في بعض مقدارَ ثلاثمائة سنة، حتى إذا استوى الرّبُّ -جلّ وعزّ- على كرسيّه لِيُحاسب خَلْقه، فإذا جاء الرّبُّ -تبارك وتعالى- والملائكةُ صفًّا صفًّا، فينظرون إلى الجنة وإلى النار، ويُجاء بالنار من مسيرة خمسمائة عام، عليها تسعون ألف زمام، في كلّ زمام سبعون ألف ملك متعلّق، يحبسونها عن الخلائق، طول عنق أحدهم مسيرة سنة، وغِلظها مسيرة سنة، ما بين مَنكِبي أحدهم مسيرة خمسين سنة، وجوههم مثل الجمر، وأعينهم مثل البَرق، إذا تَكلّم أحدهم تناثرتْ مِن فِيه النار، بيد كلّ واحد منهم مرزبة، عليها ثلاثمائة وستون رأسًا كأمثال الجبال، هي أخفّ بيده مِن الريشة، فيجيئون بها، فيسوقونها حتى تقام عن يسار العرش، ويجاء بالجنة يزفونها كما تُزَفُّ العروس إلى زوجها حتى تقام عن يمين العرش، فإذا ما عاين الخلائقُ النارَ، وما أعدّ الله لأهلها، ونظروا إلى ربّهم، وسكتوا؛ فانقطعتْ عند ذلك أصواتهم، فلا يَتكلّم أحدٌ مِنهم مِن فَرَق الله وعظمته، ولما يرون مِن العجائب مِن الملائكة، ومن حملة العرش، ومن أهل السموات، ومن جهنم، ومن خزنتها، فانقطعتْ أصواتهم عند ذلك، وتَرتعد مفاصلهم، فإذا علم الله ما أصاب أولياءَه مِن الخوف، وبلغت القلوب الحناجر، فيقوم منادٍ عن يمين العرش، فينادي: ﴿يا عِبادِ، لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨]، فيرفع عند ذلك الإنس والجنّ كلُّهم رؤوسَهم والمؤمنون والكفار؛ لأنهم عباده كلّهم، ثم ينادي في الثانية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩]، فيَرفع المؤمنون رؤوسَهم، وينكس أهل الأديان كلّهم رؤوسهم، والناس سكوت مقدار أربعين عامًا، فذلك قوله: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، ولا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات:٣٥-٣٦]، وقوله: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ:٣٨]؛ وقال: لا إله إلا الله؛ فذلك الصواب، وقوله: ﴿وخَشَعَتِ الأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨]، فلا يجيبهم الله، ولا يُكلّمهم، ولا يتكلمون هم مقدار أربعين سنة، يقول بعد ذلك لمَلكٍ من الملائكة وهو جبريل عليه السلام: نادِ الرسل، وابدأ بالأُمِّي. قال: فيقوم المَلك، فينادي عند ذلك: أين النَّبِي الأُمِّي؟ فتقول الأنبياء عند ذلك: كلّنا نبيّون وأُمّيون؛ فبيِّن بيِّن. فيقول: النبي العربي الأُمّي الحرمي، فيقوم عند ذلك رسول الله ﷺ، فيرفع صوته بالدعاء، فيقول: كم مِن ذنب قد عملتموه ونسيتموه وقد أحصاه الله! ربِّ، لا تفضح أمتي. قال: فلا يزال يدنو مِن الله تعالى حتى يقوم بين يديه؛ أقرب خَلْقه إليه، فيحمد الله، ويثني عليه، ويذكر من الثناء على الله تعالى والحمد حتى تعجب الملائكة منه والخلائق، فيقول الله عز وجل: قد رضيتُ عنك، يا محمد، اذهب فنادِ أُمّتك. فينادي، وأول ما يدعو يدعو مِن أُمّته عبد الله بن عبد الأسد أبا سلمة، فلا يزال يدنو، فيقرّبه الله عز وجل منه، فيحاسبه حسابًا يسيرًا، واليسير الذي لا يأخذه بالذنب الذي عمله، ولا يغضب الله عز وجل عليه، فيجعل سيئاته داخل صحيفته، وحسناته ظاهر صحيفته، فيوضع على رأسه التاج مِن ذَهَبٍ عليه تسعون ألف ذؤابة، كلّ ذؤابة دُرّة تساوي مال المشرق والمغرب، ويلبس سبعين حُلّة مِن الإستبرق والسندس، فالذي يلي جسده حريرة بيضاء، فذلك قوله: ﴿ولِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣، فاطر:٣٣]، ويُسوَّر بثلاث أسْوِرة: سوار من فِضّة، وسوار من ذهب، وسوار من لؤلؤ، ويوضع إكليل مُكلّل بالدُّرّ والياقوت، وقد تلألأ في وجهه مِن نور ذلك، فيرجع إلى إخوانه من المؤمنين، فينظرون إليه وهو جاءٍ مِن عند الله، فتقول الملائكة والناس والجنّ: واللهِ، لقد أكرم الله هذا، لقد أعطى الله لهذا. فينظرون إلى كتابه، فإذا سيئاته باطن صحيفته، وإذا حسناته ظاهر كتابه، فتقول عند ذلك الملائكة: ما كان أذنب هذا الآدميُّ ذنبًا قط! واللهِ، لقد اتّقى اللهَ هذا العبدُ، فحُقّ أن يكرم مثل هذا العبد. وهم لا يشعرون أنّ سيئاته باطن كتابه، وذلك لمن أراد الله تعالى أن يُكرمه ولا يفضحه، قال: فيأتي إخوانَه من المسلمين، فلا يعرفونه، فيقول: أتعرفوني؟ فيقولون كلّهم: لا، واللهِ. فيقول: إنما برحتُ الساعة، وقد نسيتموني. فيقول: أنا أبو سلمة، أبشِروا بمثله، يا معشر الإخوان، لقد حاسَبني ربي حسابًا يسيرًا، وأكرمني. فذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ يقول إلى قومه: ﴿مَسْرُورًا﴾ فيُعطى كتابه بيمينه، ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩-٢٠] إلى آخر القصة

سورة المائدة — الآية ٧٢

عن محمد بن كعب القرظي، قال: لَمّا رَفَع اللهُ عيسى ابنَ مريم اجْتَمَع مِن علماءِ بني إسرائيل مائةُ رجل، فقال بعضُهم لبعض: أنتم كثيرٌ؛ نَتَخَوَّفُ الفُرْقةَ، أخْرِجوا عَشَرَةً. فأخرَجوا عَشَرَةً، ثم قالوا: أنتم كثيرٌ، أخرِجُوا عَشَرةً. فأخرَجوا عَشَرةً، ثم قالوا: أنتم كثيرٌ، أخرِجوا عَشَرةً. فأخرَجوا عَشَرةً، حتى بقِي عشرةٌ، فقالوا: أنتم كثيرٌ حتى الآن. فأخرَجوا ستةً، وبقِي أربعةٌ، فقال بعضُهم لبعضٍ: ما تقولون في عيسى؟ فقال رجلٌ منهم: أتَعْلَمون أنّ أحدًا يَعْلَمُ الغيبَ إلا الله؟ قالوا: لا. قال: أتَعْلَمون أن أحدًا يُحْيي الموتى إلا الله؟ قالوا: لا. قال: أتَعْلَمون أن أحدًا يُبْرِئُ الأكمهَ والأبرصَ إلا الله؟ قالوا: لا. فقال الرجل: هو الله، كان في الأرض ما بدا له، ثم صعِد إلى السماء حينَ بدا له. وقال الآخر: قد عرَفنا عيسى، وعرَفنا أُمَّه، هو ولدُه. وقال الآخر: لا أقولُ كما تقولان، أقولُ: بل جاءت به أمُّه مِن عمَلٍ غيرِ صالح. فقال الآخر: لا أقولُ كما تقولون، قد كان عيسى يُخْبِرُنا أنّه عبدُ اللهِ، ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، فنقولُ كما قال لنفسِه، لقد خَشِيتُ أن تكونوا قلتم قولًا عظيمًا. قال: فخرَجوا على الناس، فقالوا لرجلٍ منهم: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو الله، كان في الأرض ما بدا له، ثم صعِد إلى السماء حين بدا له. قال: فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، وهؤلاء على دين الملِك، وقالوا للآخر: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: بل جاءت به أمُّه مِن عمل غير صالح. فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، ثم خرَج الثالث، فقالوا: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو ولد الله. فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، وهؤلاء النَّسطوريةُ واليَعْقُوبيةُ، فخرج الرابعُ، فقالوا له: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو عبدُ الله، ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم. فاتَّبعَه عُنُقٌ مِن الناس. فقال محمد بن كعب: فكلٌّ قد ذكَر الله في القرآن: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ الآية. ثم قرأ: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ الآية [المائدة:٧٣]. ثم قرأ: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾ [النساء:١٥٦]. ثم قرأ: ﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا﴾ إلى قوله: ﴿منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون﴾ [المائدة:٦٥-٦٦]. قال محمد بن كعب: فهؤلاء أمةٌ مقتصدةٌ؛ الذين قالوا: عيسى عبدُ الله، وكلمتُه، ورُوحُه ألقاها إلى مريم

سورة الأعراف — الآية ٤٦

عن حذيفة بن اليمان -من طريق السدي- قال: إنّ أصحاب الأعراف قومٌ تكافأت أعمالهم، فقصرت بهم حسناتُهم عن الجنة، وقصرت بهم سيئاتُهم عن النار، فجُعِلوا على الأعراف، يعرفون الناسَ بسيماهم، فلمّا قُضِي بين العباد أُذن لهم في طلب الشفاعة، فأَتَوْا آدم، فقالوا: يا آدمُ، أنت أبونا، اشْفَع لنا عند ربِّك. فقال: هل تعلمون أحدًا خلقه الله بيده، ونفخ فيه من رُوحه، وسبقت رحمةُ الله إليه غضبه، وسجدت له الملائكة غيري؟ فيقولون: لا. فيقولُ: ما علمتُ كُنْه ما أستطيعُ أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني إبراهيم. فيأتون إبراهيم، فيسألونه أن يشفع لهم عند ربِّه، فيقولُ: هل تعلمون أحدًا اتَّخذه اللهُ خليلًا؟ هل تعلمون أحدًا أحرقه قومُه في النار في الله غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما علمتُ كُنه ما أستطيعُ أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني موسى. فيأتون موسى، فيقول: هل تعلمون من أحد كلَّمه الله تكليمًا وقرَّبه نجيًّا غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما علمت كُنه ما أستطيعُ أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى. فيأتونه، فيقولون: اشفع لنا عند ربِّك. فيقول: هل تعلمون أحدًا خلقه الله من غير أبٍ غيري؟ فيقولون: لا. فيقولُ: هل تعلمون من أحد كان يُبْرِئُ الأكمهَ والأبرصَ ويُحْيِي الموتى -بإذن الله- غيري؟ فيقولون: لا. فيقولُ: أنا حجيجُ نفسي، ما علِمتُ كُنْه ما أستطيعُ أن أشفع لكم، ولكن ائتوا محمدًا ﷺ. قال رسول الله ﷺ: «فيأتونني، فأضربُ بيدي على صدري، ثم أقولُ: أنا لها. ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرشِ، فأُثنِي على ربِّي، فيفتحُ لي من الثناء ما لم يسمعِ السامعون بمثله قطُّ، ثم أسجدُ، فيُقالُ لي: يا محمدُ، ارفع رأسك، سلْ تُعطه، واشفع تُشفَّع. فأرفعُ رأسي، ثم أُثنِي على ربِّي، ثم أخِرُّ ساجدًا، فيُقال لي: ارفع رأسك، سَلْ تُعْطَهْ، واشفع تُشَفَّع. فأرفع رأسي، فأقول: ربِّ، أُمَّتي. فيقولُ: هم لك. فلا يبقى نبيٌّ مُرْسَلٌ ولا مَلَكٌ مقربٌ إلا غبطني يومئذٍ بذلك المقام، وهو المقام المحمود، فآتي بهم بابَ الجنة، فأستفتحُ، فيُفْتَح لي ولهم، فيُذهب بهم إلى نهرٍ يقالُ له: نهرُ الحيوانِ، حافتاه قصبٌ من ذهبٍ، مُكلَّلٌ باللؤلؤ، ترابه المسكُ، وحصباؤُه الياقوتُ، فيغتسلون منه، فتعود إليهم ألوانُ أهل الجنة، وريحُ أهل الجنةِ، ويصيرون كأنّهم الكواكب الدُرِّيَّة، ويَبقى في صدورهم شاماتٌ بيض يُعرفون بها، يقال لهم: مساكينُ أهلِ الجنة»

سورة الدخان — الآية ٣٧

عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قالوا: كان تُبّع الآخر -وهو أسعد أبو كرب بن مليك- جاء بكرب حين أقبل من المشرق، وجعل طريقه على المدينة، وقد كان حين مرّ بها خلَّف بين أظهرهم ابنًا له، فقُتِل غِيلةً، فقدمها وهو مُجمع لإخرابها واستئصال أهلها، فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا ذلك مِن أمره، فخرجوا لقتاله، وكان الأنصار يُقاتلونه بالنهار، ويُقْرُونه بالليل، فأعجبه ذلك، وقال: إنّ هؤلاء لَكرام. إذ جاءه حَبران -اسمهما: كعب وأسد، من أحبار بني قريظة، عالمان، وكانا ابني عم- حين سمِعا ما يريد مِن إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيّها الملك، لا تفعل، فإنّك إنْ أبيت إلا ما تريد حِيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجلَ العقوبة، فإنها مُهاجر نبي يخرج من هذا الحي مِن قريش اسمه: محمد، مولده مكة، وهذه دار هجرته، ومنزلك الذي أنت به يكون به مِن القتل والجراح أمرٌ كبير في أصحابه، وفي عدوّهم. قال تُبّع: مَن يقاتله وهو نبي؟ قالا: يسير إليه قومُه، فيقتلون ها هنا. فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ثم إنّهما دعَواه إلى دينهما، فأجابهما، واتّبعهما على دينهما، وأكرمهما، وانصرف عن المدينة، وخرج بهما، ونفر مِن اليهود عامدين إلى اليمن، فأتاه في الطريق نفرٌ مِن هُذَيل، وقالوا: إنّا نَدُلُّك على بيتٍ فيه كنز مِن لؤلؤ وزبرْجد وفِضّة، قال: أيّ بيت؟ قالوا: بيت بمكة. وإنما تريد هُذيل هلاكه؛ لأنهم عرفوا أنه لم يُرده أحدٌ قطُّ بسُوء إلا هَلك، فذكر ذلك للأحبار، فقالوا: ما نعلم لله في الأرض بيتًا غير هذا البيت، فاتخِذه مسجدًا، وانسك عنده، وانْحر، واحْلق رأسك، وما أراد القومُ إلا هلاكك؛ لأنه ما ناوأهم أحدٌ قطّ إلا هلك، فأكْرِمه، واصنع عنده ما يصنع أهله. فلما قالوا له ذلك أخذ النّفر مِن هُذيل، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَلَ أعينهم، ثم صَلَبهم، فلما قدم مكة نزل الشِّعب شِعب البطائح، وكسا البيت الوَصائِلَ، وهو أول مَن كسا البيت، ونحر بالشّعب ستة آلاف بدنة، وأقام به ستة أيام، وطاف به، وحَلق، وانصرف، فلما دنا من اليمن ليدخلها حالت حِمْيَر بين ذلك وبينه، قالوا: لا تدخل علينا وقد فارقتَ ديننا. فدعاهم إلى دينه، وقال: إنّه دينٌ خير من دينكم. قالوا: فحاكِمنا إلى النار. وكانت باليمن نارٌ في أسفل جبلٍ يتحاكمون إليها فيما يختلفون فيه، فتأكل الظالم ولا تضرّ المظلوم، فقال تُبّع: أنصَفْتم. فخرج القومُ بأوثانهم وما يتقربّون به في دينهم، وخرج الحَبران بمصاحفهما في أعناقهما، حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه، فخرجت النارُ، فأقبلتْ حتى غشِيَتهم، فأكلت الأوثان وما قرّبوا معها، ومَن حمل ذلك مِن رجال حِمْيَر، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما، يتلوان التوراة، تعرق جباههما لم تضرهما، ونكصت النار حتى رَجعتْ إلى مخرجها الذي خَرجتْ منه، فأصفقت عند ذلك حِمْيَر على دينهما، فمِن هُنالك كان أصل اليهودية في اليمن

أورد ابنُ القيم (٢‏/‏٢٦٧-٢٦٨) هذا الحديث من رواية الإمام مسلم، وفيها: أنّ هذا الرجل هو آخر رجل يخرج من النار، تحت القول بأنّ الله يبدل سيئاتهم التي عملوها إلى حسنات يوم القيامة، ثم ذكر في الاستدلال به على هذا القول وجهين، انتقد أحدهما، وصوّب الآخر، فأمّا الوجه الذي انتقده فهو أن يكون الحديث ساقه السلف مساق التفسير للآية، وأن يكون المراد به: أنّ التبديل حاصل بعد دخول النار، فقال: «فهذا حديث صحيح، لكن في الاستدلال به على صِحَّة هذا القول نظر؛ فإنّ هذا قد عُذِّب بسيئاته ودخل بها النار، ثم بعد ذلك أُخرِج منها، وأُعطِي مكان كل سيئة حسنة صدقة تصدق الله بها عليه ابتداءً بعدد ذنوبه، وليس في هذا تبديل تلك الذنوب بحسنات؛ إذ لو كان كذلك لَما عُوقِب عليها كما لم يُعاقَب التائب. والكلام إنّما هو في تائب أُثْبِت له مكان كل سيئة حسنة، فزادت حسناته، فأين في هذا الحديث ما يدل على ذلك؟». وأما الوجه الذي صوّبه فهو أن يكون مقصودُ السلف مِن إيراد الحديث تحت هذا القول: الاستدلال به على أنّ التبديل حاصِلٌ بالتوبة بطريق الأَوْلى؛ فإنّ الحديث أفاد أنّ هذا الرجل بعد دخوله النار وتطهره بها أعطي مكان كل سيئة حسنة، فالتبديل بالتوبة يكون أولى؛ إذ هي أقوى أسباب محو آثار الذنوب. ومَن ساق الحديث من السلف قصد الاستدلال بها على هذا النحو، ولم يَسُقْه مساقَ التفسير للآية، فإنّ الآية في التائب، يقول ابنُ القيم: «والناس استقبلوا هذا الحديث مُسْتَدِلِّين به في تفسير هذه الآية على هذا القول، وقد علمتَ ما فيه، لكن للسلف غَوْرٌ ودِقَّة فهم لا يُدركها كثيرٌ مِن المتأخرين. فالاستدلال به صحيح بعد تمهيد قاعدةٍ إذا عُرِفَت عُرِف لطفُ الاستدلال به ودِقَّتُه، وهي أنّ الذنب لا بُدَّ له مِن أثر، وأثره يرتفع بالتوبة تارة، وبالحسنات الماحية تارة، وبالمصائب المُكَفِّرة تارة، وبدخول النار ليتخلص مِن أثره تارة، وكذلك إذا اشتد أثره، ولم تقو تلك الأمور على محوه؛ فلا بد إذن مِن دخول النار؛ لأنّ الجنة لا يكون فيها ذَرَّةٌ مِن الخبيث، ولا يدخلها إلا مَن طاب مِن كل وجه، فإذا بقي عليه شيء مِن خُبْث الذنوب أدخل كِير الامتحان، ليخلص ذهب إيمانه من خبثه، فيصلح حينئذ لدار الملك. إذا علم هذا فزوال مُوجب الذنب وأثره تارة يكون بالتوبة النصوح، وهي أقوى الأسباب، وتارة يكون باستيفاء الحق منه وتطهيره في النار، فإذا تَطَهَّر بالنار، وزال أثر الوسخ والخبث عنه، أعطي مكان كل سيئة حسنة، فإذا تطَهَّر بالتوبة النصوح، وزال عنها بها أثر وسخ الذنوب وخبثها، كان أولى بأن يعطى مكان كل سيئة حسنة، لأن إزالة التوبة لهذا الوسخ والخبث أعظم من إزالة النار، وأحب إلى الله، وإزالة النار بدل منها، وهي الأصل، فهي أوْلى بالتبديل مما بعد الدخول»

اختُلِف في معنى الأُمَّة، وفي الناس الذين وصفهم الله بأنهم كانوا أمة واحدة؛ فقال قوم: هم الذين كانوا بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون. وقال آخرون: بل تأويل ذلك: كان آدم على الحق، فبعث الله النبيين في ولده. وقال غيرهم: كان الناس أمة واحدة ودين واحد يوم استخرج ذرية آدم من صلبه فعرضهم على آدم. وذهب قوم إلى أنّ المعنى: كان الناس أمة واحدة على الكفر، فبعث الله النبيين. ورَجَّح ابنُ القيم (١‏/‏١٧١ بتصرف) القولَ الأول الذي قاله ابن عباس من طريق عكرمة، وقتادة مستندًا إلى القراءات، والنظائر، فقال: «وهذا هو القول الصحيح في الآية؛ فإن قراءة أبى بن كعب: (فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ)، ويشهد لهذه القراءة: قوله تعالى في سورة يونس [١٩]: ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفوا﴾، والمقصود: أنّ العدوَّ كادَهُم، وتلاعب بهم، حتى انقسموا قسمين؛ كفارًا ومؤمنين، فكادهم بعبادة الأصنام، وإنكار البعث». وبنحوه قال ابنُ تيمية (١‏/‏٤٩٠)، وزاد الاستناد لقول جمهور الصحابة والتابعين. وكذلك رجَّحه ابنُ كثير (٢‏/‏٢٧٩)، فقال: «لأنّ الناس كانوا على ملة آدم عليه السلام، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض». ووجَّهَه ابنُ جرير (٣‏/‏٦٢١) بقوله: ""فتأويل الأُمَّة على هذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس: الدِّين، كما قال النابغة الذبياني:حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً وهل يَأْثَمَن ذو أُمَّةٍ وهو طائعيعني: ذا الدِّين. فكان تأويل الآية على معنى قول هؤلاء: كان الناس أمة مجتمعة على ملة واحدة ودين واحد، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. وأصل الأمة: الجماعة تجتمع على دين واحد، ثم يكتفى بالخبر عن الأمة من الخبر عن الدين لدلالتها عليه، كما قال -جل ثناؤه-: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ [المائدة: ٤٨]، يراد به: أهل دين واحد، ومِلَّة واحدة. فوَجَّه ابنُ عباس في تأويله قوله: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ إلى أنّ الناس كانوا أهل دين واحد حتى اختلفوا"". ورجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٦٢٥-٦٢٦ بتصرف) أنّ الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد فاختلفوا في دينهم، فبعث الله عند اختلافهم النبيين. ولم يرَ تخصيصَ ذلك المعنى بوقت دون وقت، مستندًا لعدم وجود دليل يقطع بصحة أيِّ وقت، فقال: «وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة من عهد آدم إلى عهد نوح عليهما السلام. وجائز أن يكون عنى الله بالأمة: آدم. وجائز أن يكون كان ذلك حين عرض على آدم خلقه. وجائز أن يكون كان ذلك في وقت غير ذلك. ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر يثبت به الحجة على أيِّ هذه الأوقات كان ذلك، فغيرُ جائزٍ أن نقول فيه إلا ما قال الله عز وجل فيه من أنّ الناس كانوا أمة واحدة، فبعث الله فيهم لما اختلفوا الأنبياء والرسل. ولا يضُرُّنا الجهلُ بوقت ذلك، كما لا ينفعنا العلمُ به إذا لم يكن العلم به لله طاعة». وذكر ابنُ عطية (١‏/‏٥١٢) أنّ الآية تحتمل احتمالًا آخر، وهو أن يخبر عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خُلُوِّهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق، لولا مَنُّ الله عليهم وتفضُّلُه بالرسل إليهم. وعلَّق عليه بقوله: «فــ﴿كان﴾ على هذا الثبوت لا تختص بالمضي فقط، وذلك كقوله تعالى: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ [النساء:٩٦]»

اختُلِف في المراد بـ«الذين ظلموا» في قوله تعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾، وهل الآية ثابتة، أم منسوخة؟ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ المراد بهم: الذين لم يؤدُّوا الجزية مِن أهل الكتاب، وحاربوا المسلمين، والمعنى: ولا تجادلوا أهل الكتاب مِن اليهود والنصارى إلا بالتي هي أحسن، إلا المحاربين الذين لم يؤدُّوا الجزية، فأولئك ينبغي جدالهم بالسيف حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية. وهذا قول مجاهد. والثاني: أنّ المراد بهم: المقيمون على كفرهم مِن أهل الكتاب، والمعنى: ولا تجادلوا مَن آمن مِن أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ثم استثنى مِن ذلك مَن بقي على كفره مِن أهل الكتاب بعد قيام الحجة عليهم. والآية على هذا محكمة غير منسوخة. وهذا قول ابن زيد. والثالث: أنّ المراد بهم: مَن ظَلَمَ المؤمنين بقول أو فِعْل، والمعنى: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ثم استثنى مِن المجادلة بالحسنى مَن ظَلَمَ المؤمنين بقول أو فِعْل، ثم نُسِخَ ذلك بآية القتال والجزية. وهذا قول قتادة. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٨‏/‏٤٢٠-٤٢١) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ القولَ الثانيَ استنادًا إلى الدلالة العقلية، وقال: «إنما قلنا: ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب؛ لأن الله -تعالى ذِكْرُه- أذِن للمؤمنين بجدال ظلمة أهل الكتاب بغير الذي هو أحسن بقوله: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾، فمعلوم -إذ كان قد أذن لهم في جدالهم- أنّ الذين لم يُؤذَن لهم في جدالهم إلا بالتي هي أحسن غيرُ الذين أذن لهم بذلك فيهم، وأنهم غير المؤمنين؛ لأن المؤمن منهم غير جائز جداله إلا في غير الحقّ؛ لأنه إذا جاء بغير الحق فقد صار في معنى الظَلَمة في الذي خالف فيه الحقّ، فإذ كان ذلك كذلك تبيَّن أن لا معنى لقول مَن قال: عنى بقوله: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ﴾ أهل الإيمان منهم». ورجَّحَ ابنُ عطية (٦‏/‏٦٥١) القولَ الثالثَ استنادًا إلى أحوال النُّزول، فقال: «الذي يَتَوَجَّه في معنى الآية إنما يتضح في معرفة الحال في وقت نزول الآية، وذلك أن السورة مكية من بعد الآيات العشر الأول، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض، ولا طلب جزية، ولا غير ذلك، وكانت اليهود بمكة وفيما جاورها، فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدال واحتجاج في أمر الدين وتكذيب، فأمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم بالمحاجّة إلا بالحسنى، دعاء إلى الله تعالى وملاينة، ثم استثنى مَن ظلم منهم المؤمنين إما بفعل، وإما بقول، وإما بإذاية محمد ﷺ، وإما بإعلان كُفْر فاحش كقول بعضهم: عزير ابن الله، ونحو هذا، فإن هذه الصفة استثني لأهل الإسلام معارضتها بالخروج معها عن التي هي أحسن، ثم نسخ هذا بَعْدُ بآية القتال والجزية». وانتَقَدَ ابنُ جرير (١٨‏/‏٤٢١) القول بالنسخ؛ لعدم ورود دليل به، فقال: «لا معنى لقول مَن قال: نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال. وزعم أنها منسوخة؛ لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر، ولا دلالة على صحته من فطرة عقل». ونحا ابنُ تيمية (٥‏/‏١١٠-١١٢) منحى ابن جرير في اختياره قول مجاهد، وانتقاده القولَ بالنسخ

سورة الأعراف — الآية ١٤٣

قال محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم الأول بأحاديث أهل الكتاب: أنّهم يجدون في تفسير ما عندهم من خبر موسى حين طلب ذلك إلى ربِّه؛ أنّه كان من كلامه إيّاه حين طمع في رؤيته، وطلب ذلك منه، ورَدَّ عليه ربُّه منه ما رَدَّ: أنّ موسى كان تَطَهَّر، وطَهَّر ثيابه، وصام للقاء ربه، فلمّا أتى طور سيناء ودنا اللهُ له في الغمام فكَلَّمه سَبَّحه، وحمده، وكبَّره، وقدَّسه، معَ تَضَرُّع وبكاء حزين، ثم أخذ في مدحته، فقال: ربِّ، ما أعظمك، وأعظم شأنك كله، من عظمتك أنّه لم يكن شيء قبلك، فأنت الواحدُ القهار، كأنّ عرشك تحت عظمتك نارًا توقد لك، وجعلت سُرادقًا من دونه سرادق من نور، فما أعظمك، ربِّ، وأعظم ملكك، جعلت بينك وبين ملائكتك مسيرة خمسمائة عام، فما أعظمك ربِّ، وأعظم ملكك وسلطانك، فإذا أردت شيئًا تقضيه في جنودك الذين في السماء، أو الذين في الأرض، وجنودك الذين في البحر؛ بعثت الريح من عندك لا يراها شيءٌ من خلقك إلا أنت إن شئت، فدَخَلَتْ في جوف مِن شئت من أنبيائك، فبَلغوا ما أردت من عبادك، وليس أحدٌ من ملائكتك يستطيع شيئًا من عظمتك، ولا من عرشك، ولا يسمع صوتك، فقد أنعمت عَلَيَّ، وأَعْظَمْتَ عَلَيَّ الفضل، وأحسنت إلَيَّ كُلَّ الإحسان، عَظَّمْتَنِي في أمم الأرض، وعَظَّمْتَني عند ملائكتك، وأَسْمَعْتَنِي صوتَك، وبَذَلْتَ لي كلامك، وآتيتني حِكْمَتك، فإنْ أعُدَّ نعماك لا أحصها، وإن أُرد شكرك لا أستطعه. دعوتك -ربِّ- على فرعون بالآيات العظام، والعقوبة الشديدة، فضربت بعصاي التي في يدي البحر، فانفلق لي ولِمَن معي، ودعوتُك حين أجزت البحر، فأغرقتَ عدوَّك وعدوي، وسألتُك الماء لي ولأُمَّتي، فضربتَ بعصاي التي في يدي الحَجَر، فمنه أرويتني وأُمَّتي، وسألتك لِأُمَّتي طعامًا لم يأكله أحدٌ كان قبلهم، فأمرتني أن أدعوك من قِبَل المشرق ومِن قِبَل المغرب، فناديتك من شرقي أمتي، فأعطيتني المَنَّ من مشرقي لنفسي، وآتيتهم السلوى من غَرْبِيِّهم مِن قِبَل البحر، واشتكيت الحرَّ، فناديتُك، فظَلَّلْتَ عليهم الغمام، فما أطيق نعماك عَلَيَّ أن أعدها ولا أحصيها، وإن أردت شكرها لا أستطيعها. فجِئْتُك اليومَ راغبًا طالبًا سائلًا مُتَضَرِّعًا؛ لِتُعْطيني ما مَنَعْتَ غيري، أطلب إليك وأسألك -يا ذا العظمة والعِزَّة والسلطان- أن تريني أنظر إليك، فإنِّي قد أحببتُ أن أرى وجهَك الذي لم يَرَهُ شيءٌ من خلقك. قال له ربُّ العِزَّة: ألا ترى -يا ابن عمران- ما تقول؟! تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق، لا يراني أحدٌ فيحيا، أليس في السموات معمري؟! فإنّهُنَّ قد ضعفن أن يحملن عظمتي، أوليس في الأرض معمري؟! فإنها قد ضعفت أن تسع لجندي، فلستُ في مكان واحدٍ فأتَجَلّى لعينٍ تنظر إلي. قال موسى: ربِّ، أن أراك فأموت أحبُّ إلَيَّ مِن أن لا أراك فأحيا. قال له ربُّ العِزَّة: يا ابن عمران، تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق، لا يراني أحد فيحيا. قال: ربِّ، تَمِّم عَلَيَّ نعماك، وتَمِّمْ عَلَيَّ فضلك، وتَمِّمْ عَلَيَّ إحسانك بهذا الذي سألتك، ليس لي أن أراك فأقبض، ولكن أحب أن أراك فيطمئن قلبي. قال له: يا ابن عمران، لن يراني أحدٌ فيحيا. قال موسى: ربِّ، تَمِّمْ عَلَيَّ نعماك وفضلك، وتَمِّمْ إلَيَّ إحسانك، بهذا الذي سألتُك، فأموت على إثر ذلك أحب إلَيَّ مِن الحياة. فقال الرحمنُ المُتَرَحِّم على خلقه: قد طلبتَ، يا موسى، وجئت لأُعطيتُك سُؤْلَك إن استطعت أن تنظر إلَيَّ، فاذهب فاتَّخِذْ لَوْحَيْن، ثم انظر إلى الحجر الأكبر في رأس الجبل، فإنّ ما وراءه وما دونه مضيق لا يسع إلا مجلسك، يا ابن عمران، ثم انظر فإنِّي أهْبِط إليك وجنودي من قليل وكثير. ففعل موسى كما أمره ربُّه، نَحَتَ لوحين، ثم صعد بهما إلى الجبل، فجلس على الحجر، فلمّا استوى عليه أمر الله جنودَه الذين في السماء الدنيا، فقال: ضعِي أكْنافَك حول الجبل. فسَمِعَت السماء ما قال الربُّ، ففعلت أمره، ثم أرسل الله الصواعق والظلمة والضباب على ما كان يلي الجبل الذي عليه موسى؛ أربعة فراسخ من كل ناحية، ثم أمر اللهُ ملائكةَ السماء الدنيا أن يمُرُّوا بموسى، فاعترضوا عليه، فمَرُّوا به كثيران البقر، تنبُع أفواههم بالتَّقْدِيس والتَّسبيح بأصوات عظيمة كصوت الرَّعد الشديد، فقال موسى بن عمران عليه السلام: ربِّ، إنِّي كنتُ عن هذا غَنِيًّا، ما ترى عيناي شيئًا، قد ذهب بصرُهما من شعاع النور المُتَضَعِّفِ على ملائكة ربي. ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية: أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه. فهبطوا أمثال الأُسْدِ، لهم لَجَبٌ بالتسبيح والتقديس، ففزع العبدُ الضعيفُ ابنُ عمران مِمّا رأى ومِمّا سَمِع، فاقْشَعَرَّت كلُّ شعرة في رأسه وفي جلده، ثم قال: ندِمْتُ على مسألتي إيّاك، فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له حبر الملائكة ورأسُهم: يا موسى، اصْبِر لِما سألتَ، فقليلٌ من كثير ما رأيتَ. ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة: أن اهبطوا على موسى، فاعْتَرِضُوا عليه. فأقبلوا أمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كجلب الجيش العظيم، أو كلهب النار، ففزِع موسى، وأَسِيَتْ نفسُه، وأساء ظنَّه، وأَيِس من الحياة، فقال له حبر الملائكة ورأسُهم: مكانَك، يا ابن عمران، حتى ترى ما لا تصبر عليه. ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة: أن اهبطوا، فاعْتَرِضُوا على موسى بن عمران. فأقبلوا، فهبطوا عليه، لا يشبههم شيء من الذين مرُّوا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس، لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مرُّوا به قبلهم، فاصْطَكَّت ركبتاه، وأَرْعَدَ قلبُه، واشتدَّ بكاؤه، فقال له حبر الملائكة ورأسُهم: يا ابن عمران، اصْبِر لِما سألتَ، فقليل من كثير ما رأيتَ. ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة: أنِ اهبطوا، فاعترِضوا على موسى، فهبطوا عليه سبعة ألوان، فلم يستطع موسى أن يُتْبِعَهم طَرْفَه، لم يرَ مثلهم، ولم يسمع مثل أصواتهم، وامتلأ جوفُه خوفًا، واشْتَدَّ حزنه، وكثر بكاؤه، فقال له حبر الملائكة ورأسُهم: يا ابن عمران، مكانَك حتى ترى ما لا تصبر عليه. ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة: أنِ اهبطوا على عبدي الذي طلب أن يراني موسى بن عمران، فاعترِضوا عليه. فهبطوا عليه، في يدِ كُلِّ مَلَك مثل النخلة الطويلة نارٌ، أشدّ ضوءًا من الشمس، ولباسهم كلَهَب النار، إذا سَبَّحوا وقدَّسُوا جاوبهم مَن كان قبلهم من ملائكة السموات، كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سُبُّوح قُدُّوسٌ ربُّ العِزَّة أبدًا لا يموت. في رأس كل مَلَك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يُسَبِّح معهم حين سَبَّحوا، وهو يبكي، ويقول: ربِّ، اذكرني، ولا تنس عبدك، لا أدري أأنفَلِتُ مِمّا أنا فيه أم لا؟ إن خرجتُ احترقتُ، وإن مَكَثْتُ مِتُّ. فقال له كبيرُ الملائكة ورئيسُهم: قد أوشكتَ -يا ابن عمران- أن يمتلئ جوفك، وينخلع قلبك، ويشتد بكاؤك؛ فاصبر للذي جلست لتنظر إليه يا ابن عمران. وكان جبلُ موسى جبلًا عظيمًا، فأمر الله أن يحمل عرشه، ثم قال: مُرُّوا بي على عبدي ليراني، فقليل من كثير ما رأى. فانفرج الجبلُ مِن عَظَمة الرب، وغشي ضوء عرش الرحمن جبلَ موسى، ورفعت ملائكة السموات أصواتهم جميعًا، فارتجُّ الجبلُ، فاندَكَّ وكلُّ شجرة كانت فيه، وخرَّ العبدُ الضعيف موسى بن عمران صَعِقًا على وجهه، ليس معه روحه، فأرسل الله الحياة برحمته، فتَغَشّاه الروح برحمته، وقلب الحجر الذي كان عليه وجعله كالمَعِدَةِ، كهيئة القُبَّة؛ لِئَلّا يحترق موسى، فأقامه الروح مثل الأم أقامت جنينها حين يصرع، قال: فقام موسى يُسَبِّح الله، ويقول: آمنتُ أنّك ربي، وصدَّقْتُ أنّه لا يراك أحدٌ فيحيا، ومَن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبُه، فما أعظمك ربِّ وأعظم ملائكتك، أنت رب الأرباب، وإله الآلهة، وملك الملوك، تأمر الجنود الذين هم عبيدك فيطيعونك، وتأمر السماء وما فيها فتطيعك، لا تستنكف من ذلك، ولا يعدلك شيء، ولا يقوم لك شيء، ربِّ تُبْتُ إليك، الحمد لله الذي لا شريك لك، ما أعظمك وأجلَّك، ربَّ العالمين

سورة الأعراف — الآية ١٥٧

عن وهبِ بن منبَّهٍ -من طريق إدريس بن سنان- قال: أوحى الله تعالى إلى أشْعِياءَ: إنِّي باعثٌ نبيًّا أُمِّيًّا، أفتحُ به آذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا، وأعينًا عُميًا، مولدُه بمكة، ومُهاجَرُه بطَيْبةَ، وملكُه بالشامِ، عبديَ المتوكِّلُ، المصطَفى، المرفوعُ، الحبيبُ، المُتَحبِّبُ، المختار، لا يَجزِي بالسيئةِ السيئةَ، ولكن يعفُو ويصفحُ ويغفرُ، رحيمًا بالمؤمنين، يبكِي للبهيمةِ المُثْقَلَةِ، ويبكي لليتيم في حِجْر الأرملة، ليس بفظٍّ، ولا غليظٍ، ولا صخّابٍ في الأسواق، ولا مُتَزَيِّنٍ بالفُحْشِ، ولا قوّالٍ لِلْخَنا، لو يَمُرُّ إلى جَنبِ السِّراج لم يُطْفِئْه مِن سكينتِه، ولو يمشي على القَصَبِ الرَّعراعِ -يعني: اليابسَ- لم يُسمَعْ من تحتِ قدميه، أبعَثُه مُبَشِّرًا ونذيرًا، أُسَدِّدُه لِكُلِّ جميل، وأهَبُ له كُلَّ خُلُقٍ كريمٍ، أجعلُ السكينةَ لِباسَه، والبِرَّ شِعارَه، والتقوى ضميرَه، والحِكْمةَ معقولَه، والصدقَ والوفاءَ طبيعتَه، والعفوَ والمغفرةَ والمعروفَ خُلُقَه، والعدلَ سيرتَه، والحقَّ شريعتَه، والهُدى إمامَه، والإسلام مِلَّتَه، وأحمد اسمه، أهدِي به من بعد الضلالةِ، وأُعَلِّمُ به بعد الجهالة، وأرفَعُ به بعدَ الخَمالَةِ، وأُسَمِّي به بعد النَّكَرَةِ، وأُكَثِّرُ به بعد القِلَّةِ، وأُغنِي به بعد العَيْلَةِ، وأَجمَعُ به بعد الفُرقَةِ، وأؤلِّفُ به بين قلوبٍ وأهواءٍ مُتَشَتِّتةٍ وأُمَمٍ مختلفةٍ، وأجعَلُ أُمَّتَه خير أُمَّةٍ أخرِجَتْ للناسِ؛ أمرًا بالمعروفِ، ونهيًا عن المنكرِ، وتوحيدًا لي، وإيمانًا بي، وإخلاصًا لي، وتصديقًا لما جاءت به رسلي، وهم رُعاُة الشمسِ، طوبى لتلك القلوبِ والوجوهِ والأرواحِ التي أخلَصَتْ لي، ألهمتُهم التسبيحَ، والتكبيرَ، والتحميدَ، والتوحيدَ؛ في مساجدِهم، ومجالسِهم، ومضاجِعِهم، ومُنقَلَبِهم، ومثواهم، ويَصُفُّون في مساجدِهم كما تَصُفُّ الملائكةُ حولَ عرشي، هم أوليائي وأنصاري، أنتقِمُ بهم مِن أعدائي عَبَدَة الأوثانِ، يُصَلُّون لي قيامًا وقعودًا ورُكَّعًا وسُجودًا، ويخرُجون من ديارِهم وأموالِهم ابتغاءَ مرضاتي أُلُوفًا، ويُقاتِلون في سبيلي صُفوفًا وزُحُوفًا، أختِمُ بكتابِهم الكتبَ، وبشريعتِهم الشرائعَ، وبديِنهم الأديانَ، فمَن أدرَكَهم فلم يؤمِن بكتابِهم ويَدخُلْ في دينِهم وشريعتِهم فليس مِنِّي، وهو مِنِّي بريءٌ، وأجعلُهم أفضلَ الأُمَم، وأجعلُهم أُمَّةً وسطًا شهداء على الناس، إذا غضِبُوا هلَّلوني، وإذا قُبِضوا كبَّروني، وإذا تنازَعوا سبَّحوني، يُطَهِّرُون الوجوه والأطراف، ويَشُدُّون الثيابَ إلى الأنصاف، ويُهَلِّلون على التِّلال والأشْراف، قُربانُهم دماؤُهم، وأناجيلُهم صدورُهم، رهبانٌ بالليل لُيوثٌ بالنهار، ينادى مناديِهم في جوٍّ السماء، لهم دويٌّ كدويِّ النحل، طوبى لمن كان معهم وعلى ديِنهم ومناهجِهم وشريعتِهم، ذلك فضلي أوتِيه مَن أشاُء، وأنا ذو الفضلِ العظيمِ

سورة الأعراف — الآية ١٨٠

عن محمد بن جعفر، قال: سألتُ أبي جعفر بن محمد الصّادق عن الأسماء التِّسعة والتسعين التي مَن أحصاها دخل الجنة، فقال: هي في القرآن؛ ففي الفاتحة خمسةُ أسماء: يا الله، يا رب، يا رحمن، يا رحيم، يا مالك. وفي البقرة ثلاثةٌ وثلاثون اسمًا: يا محيط، يا قدير، يا عليم، يا حكيم، يا عليُّ، يا عظيم، يا تواب، يا بصير، يا ولي، يا واسع، يا كافي، يا رءوف، يا بديع، يا شاكر، يا واحد، يا سميع، يا قابض، يا باسط، يا حي، يا قيوم، يا غني، يا حميد، يا غفور، يا حليم، يا إله، يا قريب، يا مجيب، يا عزيز، يا نصير، يا قوي، يا شديد، يا سريع، يا خبير. وفي آل عمران: يا وهّاب، يا قائم، يا صادق، يا باعث، يا مُنعِم، يا مُتَفَضِّل. وفي النساء: يا رقيب، يا حسيب، يا شهيد، يا مقيت، يا وكيل، يا علي، يا كبير. وفي الأنعام: يا فاطر، يا قاهر، يا لطيف، يا برهان. وفي الأعراف: يا مُحْيِي، يا مُمِيت. وفي الأنفال: يا نِعْمَ المولى، يا نِعْمَ النَّصير. وفي هود: يا حفيظ، يا مجيد، يا ودود، يا فعّالُ لما يريد. وفي الرعد: يا كبير، يا متعال. وفي إبراهيم: يا منّان، يا وارث. وفي الحِجْر: يا خَلّاق. وفي مريم: يا فَرْد. وفي طه: يا غفّار. وفي قد أفلح: يا كريم. وفي النور: يا حقُّ، يا مبين. وفي الفرقان: يا هادي. وفي سبأ: يا فتّاح. وفي الزمر: يا عالم. وفي غافر: يا غافر، يا قابِلَ التَّوْبِ، يا ذا الطَّولِ، يا رفيع. وفي الذاريات: يا رزّاق، يا ذا القُوَّة، يا متين. وفي الطور: يا بَرُّ. وفي اقتربت: يا مليك، يا مقتدر. وفي الرحمن: يا ذا الجلال والإكرام، يا ربَّ المَشْرِقَيْن، يا ربَّ المَغْرِبَيْن، يا باقي، يا مهيمن. وفي الحديد: يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن. وفي الحشر: يا ملك، يا قُدُّوس، يا سلام، يا مؤمن، يا مهيمن، يا عزيز، يا جبّار، يا متكبِّر، يا خالق، يا بارئُ، يا مصوِّر. وفي البروج: يا مُبْدِئُ، يا معيد. وفي الفجر: يا وِتر. وفي الإخلاص: يا أحد، يا صمد