سورة الكهف — الآية ٦٠

عن سعيد بن جبير، قال: جلستُ عند عبد الله بن عباس، وعنده نفرٌ مِن أهل الكتاب، فقال بعضهم: إنّ نوفًا يزعم عن كعب: أنّ موسى النبيَّ الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا. فقال ابن عباس: كذب نَوْفٌ، حدثني أبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ: «أنّ موسى بني إسرائيل سأل ربَّه، فقال: أي رب، إن كان في عبادك أحدٌ هو أعلم مِنِّي فدُلَّني عليه. فقال له: نعم، في عبادي مَن هو أعلم منك. ثم نعت له مكانه، وأذِن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه حوت مليح، قد قيل له: إذا حِيي هذا الحوتُ في مكان فصاحبك هنالك، وقد أدركت حاجتك. فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة، وأنّ ذلك الماء ماء الحياة، مَن شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومسَّ الحوتُ الماءَ حيي، ﴿فاتخذ سبيله في البحر سربا﴾، فانطلقا، فلما جاوزا قال موسى لفتاه: ﴿ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾. قال الفتى وذكر: ﴿أرءيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا﴾. قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حتى انتهى إليها، فإذا رجل مُلْتَفٌّ في كِساء له، فسلم موسى عليه، فرد عليه، ثم قال له: ما جاء بك؟ إن كان لك في قومك لَشغل. قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا. قال: ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا﴾. وكان رجلًا يعلم علم الغيب قد علم ذلك، فقال موسى: بلى. قال: ﴿وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا﴾. أي: أنما تعرف ظاهرًا ما ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم. قال: ستجدني إن شاء الله صابرًا، ولا أعصي لك أمرًا، وإن رأيتُ ما يخالفني. ﴿قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا﴾ يمشيان على ساحل البحر، يتعرَّضان الناس، يلتمسان من يحملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة، لم يمرَّ بهما من السفن شيءٌ أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها، فسألا أهلها أن يحملوهما، فحملوهما، فلمّا اطمأنا فيها، ولجَّجَتْ بهما مع أهلها؛ أخرج منقارًا له ومطرقة، ثم عمد إلى ناحية منها، فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحًا فطبقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها. فقال له موسى -ورأى أمرًا فظِع به-: ﴿أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا﴾، حملونا وآوونا إلى سفينتهم، وليس في البحر سفينة مثلها، فلم خرقتها؟! ﴿لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا. قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا. قال لا تؤاخذني بما نسيت﴾. أي: بما تركت مِن عهدك، ﴿ولا ترهقني من أمري عسرا﴾. ثم خرجا من السفينة، ﴿فانطلقا حتى﴾ أتيا قرية، فإذا غلمان يلعبون، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أوضأ منه، فأخذ بيده، وأخذ حجرًا، فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، فرأى موسى أمرًا فظيعًا لا صبر عليه، صبي صغير قتله لا ذنب له، ﴿قال أقتلت نفسا زكية﴾ أي: صغيرة ﴿بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا. قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا. قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا﴾ أي: قد عذرت في شأني، ﴿فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض﴾، فهدمه، ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف لما ليس عليه صبر، فقال: ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجرا﴾. أي: قد استطعمناهم فلم يطعمونا، وضِفْناهم فلم يُضَيِّفُونا، ثم قعدت تعمل في غير صنيعة؟ ولو شئت لأعطيت عليه أجرًا في عملك! ﴿قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾». في قراءة أبي بن كعب: (كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ). «وإنما عِبْتُها لأرُدَّهُ عنها، فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها، ﴿وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري﴾. أي: ما فعلته عن نفسي، ﴿ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا﴾». فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنزُ إلا عِلمًا

سورة الإسراء — الآية ٩٠

عن عبد الله بن عباس -من طريق محمد بن إسحاق، عن شيخ من أهل مصر-: أنّ عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلًا من بني عبد الدار، وأبا البختريَّ أخا بني أسدٍ، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلفٍ، والعاص بن وائلٍ، ونُبيهًا ومُنبهًا ابني الحجاج السهميَّين، اجتمعوا بعد غروبٍ الشمسِ عند ظهر الكعبة، فقال بعضُهم لبعضٍ: ابعثُوا إلى محمدٍ، فكلِّموه، وخاصِموه حتى تُعذِروا فيه. فبعثوا إليه: إنّ أشرافَ قومِك قد اجتمعوا إليك ليُكَلِّموك. فجاءهم رسولُ الله ﷺ سريعًا وهو يَظنُّ أنهم قد بدا لهم في أمره بداءٌ، وكان عليهم حريصًا؛ يُحِبُّ رشدَهم، ويَعِزُّ عليه عنتُهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمدُ، إنّا قد بعثْنا إليك لنُعذِرَك، وإنا –واللهِ- ما نعلمُ رجلًا من العرب أدخل على قومه ما أدخلْتَ على قومك؛ لقد شتمْتَ الآباءَ، وعِبْتَ الدِّين، وسفَّهْتَ الأحلام، وشتمْتَ الآلهةَ، وفرَّقتَ الجماعةَ، فما بقي من قبيح إلا وقد جئتَه فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلبُ مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلُبُ الشرف فينا سوَّدناك علينا، وإن كنت تريدُ مُلكًا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيًّا تَراه قد غلب عليك -وكانوا يسمُّون التابعَ من الجنِّ: الرَّئيَّ- فربما كان ذلك بذَلْنا أموالنا في طلب الطبِّ حتى نُبرِئَك منه أو نُعذِرَ فيك. فقال رسول الله ﷺ: «ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتُكم به أطلبُ أموالكم، ولا فيئكم، ولا الملك عليكم، ولكنَّ الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغتُكم رسالة ربِّي، ونصحتُ لكم، فإن تقبلوا مِنِّي ما جئتكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تَرُدُّوه عَلَيَّ أصبِرْ لأمر الله حتى يحكُمَ الله بيني وبينكم». فقالوا: يا محمدُ، فإن كنت غير قابلٍ مِنّا ما عرَضْنا عليك فقد عَلِمتَ أنه ليس أحدٌ من الناس أضيق بلادًا، ولا أقلَّ مالًا، ولا أشدَّ عيشًا مِنّا؛ فاسألْ ربَّك الذي بعثك بما بعثك به فلْيُسَيِّرْ عنّا هذه الجبالَ التي قد ضيَّقَتْ علينا، ولْيَبْسُطْ لنا بلادنا، وليُجْرِ فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، ولْيَبْعثْ لنا مَن قد مضى من آبائنا، ولْيكنْ في مَن يبعثُ لنا منهم قُصَيُّ بنُ كلابٍ؛ فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنسألهم عما تقولُ؛ حقٌّ هو أم باطلٌ؟ فإن صنعتَ ما سألْناك وصدَّقوك صدَّقناك، وعرفْنا به منزلتك من عند الله، وأنه بعَثك رسولًا. فقال رسولُ الله ﷺ: «ما بهذا بُعِثْتُ، إنما جئتُكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلَّغتُكم ما أُرسِلْتُ به إليكم، فإن تَقبلوه فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عَلَيَّ أصبرْ لأمر الله حتى يَحكمَ الله بيني وبينكم». قالوا: فإن لم تفعلْ لنا فخذْ لنفسك، فاسألْ ربَّك أن يبعَثَ مَلَكًا يصدِّقُك بما تقولُ ويراجعُنا عنك، وتسألُه أن يجعل لك جنانًا وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، ويُغْنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمسُ المعاش كما نلتمسُه، حتى نعرف منزلتك من ربِّك إن كنت رسولًا كما تزعُمُ. فقال رسول الله ﷺ: «ما أنا بفاعلٍ، ما أنا بالذي يسألُ ربَّه هذا، وما بُعِثتُ إليكم بهذا، ولكنَّ الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتُكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تَرُدُّوه عَلَيَّ أصبرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم». قالوا: فأسقِط السماء كما زعمت أنّ ربَّك إن شاء فعل، فإنّا لن نؤمنَ لك إلا أن تفعل. فقال رسول اللهﷺ: «ذلك إلى الله، إن شاء فعل بكم ذلك». قالوا: يا محمدُ، فما عَلِم ربُّك أنا سنجلِسُ معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلُب منك ما نطلُبُ، فيتقدَّم إليك، ويُعلِمَك ما تراجعُنا به، ويخبرَك بما هو صانعٌ في ذلك بنا إذا لم نقبلْ منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلِّمُك هذا رجلٌ باليمامة يُقال له: الرحمنُ، وإنّا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا، فقد أعذرنا إليك، يا محمدُ، أما -واللهِ- لا نتركُك وما فعلت بنا حتى نُهلِكَك أو تُهلِكَنا. وقال قائلُهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلًا. فلما قالوا ذلك قام رسولُ الله ﷺ عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية، فقال: يا محمدُ، عرَض عليك قومُك ما عرضوا فلم تقْبلْه منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليَعْرفوا بها منزلتك من الله فلم تفْعلْ ذلك، ثم سألوك أن تعُجِّلَ ما تُخَوِّفُهم به من العذاب، فواللهِ، ما أُؤمنُ لك أبدًا حتى تَتَّخِذَ إلى السماء سُلَّمًا، ثم تَرْقى فيه وأنا أنظُرُ، حتى تأتيها، وتأتي معك بنسخة منشورةٍ، معك أربعةٌ من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقولُ، وايمُ الله، لو فعلتَ ذلك لظننتُ أنِّي لا أُصدِّقُك. ثم انصرف عن رسول الله ﷺ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينًا أسِفًا لما فاته مِمّا كان طمع فيه من قومه حين دَعوه، ولما رأى من مباعدتِهم إيّاه، وأُنزل عليه فيما قال له عبدُ الله بن أبي أمية: ﴿وقالوا لَن نُّؤمن لك﴾ إلى قوله: ﴿بشرًا رسولًا﴾. وأُنزل عليه في قولهم: لن نؤمن بالرحمن: ﴿كذلكَ أرسناكَ في أمةٍ قدْ خلتْ﴾الآية [الرعد:٣٠]. وأُنزل عليه فيما سأله عنه قومه لأنفسِهم من تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وبَعثِ من مضى من آبائهم الموتى: ﴿ولو أنّ قرآنًا سيرتْ به الجبالُ﴾ الآية [الرعد:٣٠]

سورة الأنعام — الآية ١٥٨

عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «خلقَ الله عند المشرق حجابًا من الظُّلمة على البحر السابع على مِقْدار ليالي الدُّنيا كلِّها، فإذا كان غروب الشمس أقبَل ملَكٌ من الملائكة قد وُكِّلَ بالليل، فيقبِضُ قبضةً من ظُلمة ذلك الحجاب، ثم يستقبِلُ المغرب، فلا يزالُ يُرْسِلُ تلك الظُّلمة من خلال أصابعه قليلًا قليلًا، وهو يُراعي الشَّفَق، فإذا غاب الشَّفَقُ أرسَل الظُّلمة كلَّها، ثم ينشُرُ جناحيه، فيبلغان أقطار الأرض وأكناف السماء، فيُجاوِزان ما شاء الله أن يُجاوِزا في الهواء، فيشُقُّ ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيح والتقديس لله، حتى يبلُغَ المغرب على قدْرِ ساعات الليل، فإذا بلَغَ المغرب انفجَرَ الصُّبحُ من المشرق، ضمَّ جناحَه، وضمَّ الظُّلمة بعضَها إلى بعض بكفَّيه، حتى يقبِضَ عليها بكفٍّ واحدة مثل قبضتِه حين تناوَلَها من الحجاب بالمشرق، ثم يضعُها عند المغرب على البحر السابع، فمِن هناك تكون ظلمة الليل، فإذا حوَّلَ ذلك الحجاب من المشرق إلى المغرب نَفَخَ في الصُّور، فضوء النهار من قِبَلِ الشمس، وظُلمة الليل من قِبَلِ ذلك الحجاب، فلا تزال الشمس تجري من مَطْلِعِها إلى مَغْرِبِها حتى يأتي الوقت الذي جعلَ الله لتوبة عباده، فتستأذن الشمس من أين تطلُعُ، ويَستأذِنُ القمر من أين يطلُعُ، فلا يؤذَنُ لهما، فيُحبسان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر، فلا يَعْرِفُ مقدار حبسِهما إلا قليلٌ من الناس، وهم بقيةُ أهل الأرض، وحمَلةُ القرآن، يقرأُ كلُّ رجلٍ منهم وِرْدَهُ في تلك الليلة، حتى إذا فرَغَ منه نظَرَ فإذا ليلتُه على حالِها، فيعودُ، فيقرأُ وِرْدَه، فإذا فرَغَ منه نظَرَ فإذا الليلة على حالها، فيعودُ، فيقرأُ وِرْدَه، فإذا فرغَ منه نظر فإذا الليلة على حالها، فلا يعرِف طول تلك الليلة إلا حملة القرآن، فينادي بعضُهم بعضًا، فيجتمِعون في مساجدهم بالتضرُّع والبكاء والصُّراخ بقية تلك الليلة، ومقدار تلك الليلة مقدار ثلاث ليال، ثم يرسِلُ الله جبريل عليه السلام إلى الشمس والقمر، فيقول: إنّ الرب عز وجل أمَرَكما أن ترجعا إلى مغارِبِكما فتطلُعا منها، فإنّه لا ضوء لكما عندنا ولا نور. فتبكي الشمس والقمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت، فيرجِعُ الشمس والقمر فيطلُعان مِن مغارِبهما، فبينا الناس كذلك يبكون ويتضرعون إلى الله عز وجل، والغافلون في غَفَلاتِهم، إذْ نادى منادٍ: ألا إنّ باب التوبة قد أُغلِقَ، والشمس والقمر قد طلَعا من مغارِبِهما. فينظر الناس فإذا هما أسودان كالعِكْمين، لا ضوء لهما ولا نور، فذلك قوله: ﴿وجمع الشمس والقمر﴾ [القيامة:٩]. فيرتفعان مثل البعيرين المقرونين المعقورَين، يُنازِعُ كلُّ واحدٍ منهما صاحبه استباقًا، ويتصايحُ أهل الدنيا، وتذهَلُ الأُمهات، وتضعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملَها، فأمّا الصالحون والأبرار فإنه ينفَعُهم بكاؤُهم يومئذ، ويُكتَبُ لهم عبادة، وأمّا الفاسقون والفجّار فلا ينفعُهم بكاؤُهم يومئذ، ويُكتبُ عليهم حسرة، فإذا بلغتِ الشمس والقمر سُرَّةَ السماء -وهو مَنصِفُها- جاءَهما جبريل عليه السلام، فأخَذَ بقرونهما، فردَّهما إلى المغرب، فلا يُغرِبُهما في مغارِبِهما، ولكن يُغرِبُهما مغارِبِها التي في باب التوبة». فقال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ: وما بابُ التوبة؟ فقال: «يا عمر، خلَقَ الله بابًا للتوبة خلفَ المغرب، وهو من أبواب الجنة، له مِصْراعان من ذهب، مُكَلَّلان بالدُّرِّ والجوهر، ما بين المصراعِ إلى المصراعِ مسيرة أربعين عامًا للراكب المُسْرِع، فذلك الباب المفتوح منذ خلقَ الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طُلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يَتُبْ عبدٌ من عباد الله توبةً نصوحًا من لدُنْ آدم إلى ذلك اليوم إلا ولَجَتْ تلك التوبة في ذلك الباب، ثم تُرفعُ إلى الله». فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله، وما التَّوبة النَّصُوح؟ قال: «أن يندمَ العبدُ على الذنب الذي أصاب، فيهرُبَ إلى الله منه، ثم لا يعود إليه حتى يعود اللبن في الضَّرْع». قال: «فيُغرِبُهما جبريل في ذلك الباب، ثم يَرُدُّ المصراعين، فيلتئمُ ما بينهما، ويصيران كأنّهما لم يكن فيهما صَدْعٌ قطُّ ولا خَلَلٌ، فإذا أُغلِقَ باب التوبة لم تُقبَلْ لعبدٍ بعد ذلك توبة، ولم تنفعْهُ حسنةٌ يعمَلُها بعد ذلك إلا ما كان قبلَ ذلك، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري لهم قبل ذلك، فذلك قوله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾». فقال أُبَيُّ بن كعب: يا رسول الله، فِداكَ أبي وأمي، فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك؟ وكيف بالناس والدنيا؟ قال: «يا أُبَيُّ، إنّ الشمس والقمر يُكسَيانِ بعدَ ذلك ضوء النُّور، ثم يطلُعان على الناس ويَغرُبان كما كانا قبل ذلك، وأمّا الناس فإنهم حين رأَوْا ما رأَوْا من تلك الآية وعِظَمْها يُلِحُّونَ على الدنيا فيعمُرُونها، ويُجرُون فيها الأنهار، ويغرِسُون فيها الأشجار، ويبنُون فيها البنيان، فأمّا الدنيا فإنه لو نُتِجَ رجلٌ مُهرًا لم يُركَبْ حتى تقوم الساعة من لدُن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم يُنْفَخُ في الصُّور»

سورة القصص — الآية ٤

عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾، قال: إنّ فرعون مَلَكَهم أربعمائة سنة، فقالت له الكهنة: إنّه يولد العامَ في مصر غلامٌ يُفْسِد عليك مُلكَك، ويكون هلاكُك على يديه. فبعث فرعون في مصر نساء قوابل ينظرْنَ، فإذا ولدت امرأةٌ غلامًا أُتِي به فرعون، فقتله، فكان يستحيي الجواري، فلمّا وُلِد موسى أوحى الله إلى أمه: ﴿أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم﴾، وهو البحر، فقيل لها: اتخذي تابوتًا، واجعليه فيه، ثم اقذفيه في البحر، ففعلت ذلك، وكان لفرعون قوم سيّارة يغوصون في البحر، فلما رأوا التابوت في البحر قالوا: هذه هديةٌ جاءت مِن السماء لربنا. يعنون: فرعون، فأخذوا التابوت، فانطلقوا به إلى فرعون، فنظر فرعون، فإذا هو غلام، فقال فرعون: إنِّي أراه من الأعداء. أي: من مولودي مصر، فأراد قتله، فقالت امرأة فرعون: ﴿قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا﴾. قال: وكان فرعونُ لا يولد له إلا البنات، فتركه، فقالت أمُّ موسى لأخته: ﴿قصيه﴾. يعني: قُصِّي الأثر، فقصَّت الأثر حتى رأته عند فرعون، ﴿فبصرت به عن جنب﴾ يعني: مُجانِبة، تخاف وتتقي، فدُعِي له المراضع، فلم يقبل ثَدْيَ امرأةٍ منهن، فذهبت أخت موسى، فأخبرت أمها، وقالت: اذهبي، فقولي لهم: ﴿هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون﴾. فانطلقت أخت موسى، فقالت لهم ذلك، فقالوا لها: نعم. فقبِل موسى ثديَها، فلم يزل عندهم ترضعه وهم لا يعلمون أنها أمُّه، حتى أتمت الرضاع، ثم ذهبت فتركته عندهم، فبينما موسى ذات يوم عند فرعون إذ لطم فرعون، فقال فرعون: قد قلتُ لكم: إنّه مِن الأعداء. وأراد قتله، فقالت امرأة فرعون: إنه صبيٌّ لا يعقِل، فجرِّبه إن شئتَ؛ اجعل في الطست ذهبًا وجمرة، فانظر على أيِّهما يقبض. ففعل فرعون ذلك، فأراد موسى أن يقبض على الذهب، فضرب الملَك الذي وُكِّل به يده، فصرفها إلى الجمرة، فقبض عليها موسى، فألقاها في فيه، فقالت امرأة فرعون: ألم أقل لك: إنه لا يعقل. قال: وكان إيمان امرأة فرعون من قِبَل امرأة خازن فرعون، وكان إيمان خازن فرعون مِن أثر يوسف، وإن امرأة خازن فرعون مشطت ابنة فرعون يومًا، فوقع منها المشط، فقالت: تعس مَن كفر بالله. فقالت لها بنتُ فرعون: ألكِ ربٌّ غير أبي؟ فقالت: ربِّي وربُّ أبيك وربُّكِ وربُّ كلِّ شيء اللهُ. فلطمتها ابنةُ فرعون، وضربتها، وأخبرت أباها، فأرسل إليها فرعون، فقال لها: أتعبدين ربًّا غيري؟ فقالت: ربي وربُّك وربُّ كل شيء اللهُ، وإيّاه أعبد. فكذبها فرعون، وأوتد لها أوتادًا، فشدَّ يديها ورجليها، وأرسل عليها الحيّات، وكانت كذلك، فأتى عليها يومًا، فقال لها: أما أنتِ مُنتَهِيَة؟ فقالت له: ربي وربك وربُّ كل شيء الله. فقال لها: فإنِّي ذابِحٌ ابنَك في فيك إن لم ترجعي. فقالت له: اقضِ ما أنت قاض. فذبح ابنَها في فيها، وإنّ روح ابنها بشَّرَها، فقال لها: اصبري، يا أُمَّه، فإنّ لكِ عند الله مِن الثواب كذا وكذا. فصبرت، ثم أتى عليها فرعونُ يومًا آخر، فقال لها مثل ذلك، فقالت له مثل ذلك، فذبح ابنها الأصغر في فيها، فبشرها روحه أيضًا، وقال لها: اصبري، يا أُمَّه، فإنّ لكِ عند الله من الثواب كذا وكذا. وذلك كله بعين امرأة فرعون، وسمعت كلام روح ابنها الأكبر ثم الأصغر، فآمَنَتْ امرأةُ فرعون، وقبض روح امرأة خازن فرعون، وكشف الغطاء عن ثوابها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأته، فازدادت إيمانًا ويقينًا وتصديقًا، واطَّلع فرعون على إيمانها، فخرج إلى الملأ، فقال لهم: ما تعلمون مِن آسية بنت مزاحم؟ فأثْنَوْا عليها، فقال لهم: فإنّها تعبد ربًّا غيري. فقالوا له: اقتلها. فأَوْتَد لها أوتادًا، وشدَّ يديها ورجليها، فدعت آسيةُ ربها، فقالت: ﴿رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين﴾. فكُشِف لها الغطاء، فنظرت إلى بيتها بيِّنًا في الجنة، ووافق ذلك أن حضرها فرعون، فضحكت حين رأت بيتها بيِّنًا في الجنة، فقال فرعون: ألا تعجبون مِن جنونها؟! إنّا نُعَذِّبها وهي تضحك! فقبض روحها. وإنّ مؤمنًا مِن آل فرعون كان يتعبَّد في جبل، فرآه رجلٌ، فأتى فرعون، فأخبره، فدعاه فرعون، فقال له: ما هذا الذي بلغني عنك؟ فقال لهم المؤمن: يا أيها الملأ، مَن ربكم؟ فقالوا: فرعون. قال: فإنِّي أشْهَد أنّ ربي وربكم واحد. فكذَّب فرعونُ الرجلَ الذي أتاه فأخبره عنه بإيمانه، فقتله

سورة الإسراء — الآية ١

عن أنس بن مالك، أنّ مالك بن صَعْصَعَة حدَّثه: أن رسول الله حدَّثهم عن ليلة أُسري به، قال: «بينما أنا في الحَطِيمِ -وربما قال قتادة: في الحِجر- مضطجعًا إذ أتاني آتٍ، فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة. فأتاني، فشقَّ ما بين هذه إلى هذه -يعني: مِن ثُغرة نحره إلى شِعرَتِه-، فاستخرج قلبي، فأُوتيت بطَست مِن ذهب مملوءةً إيمانًا وحكمة، فغُسل قلبي بماء زمزم، ثم حُشِي، ثم أُعيد مكانه. ثم أُوتيتُ بدابةٍ أبيض، دون البغل وفوق الحمار، يُقال له: البُراق، يقع خطوه عند أقصى طرفه، فحملتُ عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى بي السماء الدنيا، فاستفتح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولَنِعْم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلمّا خلَصت إذا فيها آدم، فقلت: يا جبريل، مَن هذا؟ قال: هذا أبوك آدم، فسلِّم عليه. فسلَّمت عليه، فردَّ عليَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعد حتى أتى إلى السماء الثانية، فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولَنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة، فقلت: يا جبريل، مَن هذان؟ قال: هذان يحيى وعيسى، فسلِّم عليهما. فسلَّمت عليهما، فردّا السلام، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى السماء الثالثة، فاستفتَح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولَنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا يوسف، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى إلى السماء الرابعة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا إدريس، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. فلما خلَصت إذا هارون، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى السماء السادسة، فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا أنا بموسى، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلمّا تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأنّ غلامًا بُعِِث بعدي يدخُلُ الجنة مِن أمته أكثرُ مما يدخُلُها من أمتي. ثم صَعِد حتى أتى السماء السابعة، فاستفتَح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا إبراهيم، قلت: من هذا، يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلِّم عليه. فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رُفِعْتُ إلى سدرة المنتهى، فإذا نَبقُها مثلُ قِلالِ هَجَر، وإذا ورقُها مثل آذان الفيلة، وإذا أربعة أنهار يخرُجن من أصلها؛ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ فقال: أمّا الباطنان؛ فنهران في الجنة، وأَمّا الظاهران؛ فالنيل والفرات. ثم رُفِع لي البيت المعمور، قلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور، يدخُلُه كل يوم سبعون ألف مَلَك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم. ثم أُتيتُ بإناءين؛ أحدُهما خمر، والآخر لبن، فعُرِضا عليَّ، فقيل: خُذ أيَّهما شئت. فأخَذتُ اللبن، فقيل لي: أصَبْتَ الفِطرة، أنت عليها وأمتك. ثم فُرِضت عليَّ الصلاة؛ خمسون صلاة كل يوم، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فرض ربُّك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة كل يوم. قال: إنّ أُمَّتك لا تستطيع ذلك، وإني قد خبَرتُ الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، فارجِع إلى ربِّك فاسأله التخفيف لأمَّتِك. فرجَعت إلى ربي، فحَطَّ عني خمسًا، فأقبلت حتى أتيت على موسى، فأنبأته بما حطَّ عني، فقال: ارجِع إلى ربك، فاسأله التخفيف لأمتك؛ فإن أمتك لا يطيقون ذلك. قال: فما زلت بين موسى وبين ربي يحُطُّ عني خمسًا خمسًا، حتى أقبَلتُ بخمس صلوات، فأتيت على موسى، فقال: بم أُمِرت؟ قلت: بخمس صلوات كل يوم. قال: إنّ أمتك لا يطيقون ذلك، إني بلَوت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، ارجِع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فقلت: لقد رجَعت إلى ربي حتى لقد استحيت، ولكني أرضى وأُسلِّم. فنوديت: أن يا محمد، إني قد أمضَيت فريضتي، وخفَّفتُ عن عبادي، الحسنة بعشر أمثالها»

سورة النور — الآية ١١

عن ابن عمر، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا أراد سفرًا أقْرَع بين نسائه ثلاثًا، فمَن أصابته القُرْعَة خرج بها معه، فلمّا غزا بني المُصْطَلِق أقرَعَ بينهنَّ، فأصابت عائشةَ وأمَّ سلمة، فخرج بهما معه، فلمّا كانوا في بعض الطريق مال رحل أمِّ سلمة، فأناخوا بعيرَها لِيُصْلِحوا رحلها، وكانت عائشة تريد قضاء حاجة، فلمّا أبركوا إبلهم قالت عائشة: فقلت في نفسي: إلى ما يصلح رحل أم سلمة أقضي حاجتي. قالت: فنزلت مِن الهَوْدَج، ولم يعلموا بنزولي، فأتيت جَوْبَةً، فانقطعت قلادتي، فاحتبست في جمعها ونِظامها، وبعث القومُ إبلهم، ومضوا، وظنوا أنِّي في الهودج، فخرجت ولم أرَ أحدًا، فاتبعتهم حتى أعييت، فقلت في نفسي: إنّ القوم سيفقدوني، فيرجعون في طلبي. فقُمتُ على بعض الطريق، فمر بي صفوان بن المُعَطِّل، وكان سأل النبيَّ ﷺ أن يجعله على السّاقَةِ، فجعله، وكان إذا رحل الناسُ قام يُصَلِّي، ثُمَّ اتَّبَعَهُم، فما سقط منهم مِن شيء حمله حتى يأتي به أصحابَه، قالت عائشة: فلمّا مَرَّ بي ظَنَّ أني رجل، فقال: يا نَوْمانُ، قُمْ؛ فإنّ الناس قد مضوا. فقلت: إني لست رجلًا، أنا عائشة. قال: إنّا لله وإنا اليه راجعون. ثم أناخ بعيرَه، فعقل يديه، ثم ولّى عَنِّي، فقال: يا أُمَّه، قومي فاركبي، فإذا ركبتُ فآذِنيني. قالت: فركبتُ، فجاء حتى حَلَّ العِقال، ثم بعث جمله، فأخذ بخِطام الجمل. قال ابن عمر: فما كلَّمها كلامًا حتى أتى بها رسولَ الله ﷺ، فقال عبد الله بن أبي بن سلول المنافق: فَجَرَ بِها، وربِّ الكعبة. وأعانه على ذلك حسّان بن ثابت، ومِسْطَح بن أثاثة، وحَمْنَةُ، وشاع ذلك في العسكر، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فكان في قلب النبي ﷺ مما قالوا حتى رجعوا إلى المدينة، وأشاع عبدُ الله بن أُبَيٍّ هذا الحديثَ في المدينة، واشْتَدَّ ذلك على رسول الله ﷺ. قالت عائشةُ: فدخلتْ ذاتَ يومٍ أمُّ مِسْطَح، فرأتني وأنا أريد المذهب، فحملت معي السَّطْلَ وفيه ماءٌ، فوقع السطل منها، فقالت: تَعِس مِسْطَح. قالت لها عائشة: سبحان الله! تَسُبِّين رجلًا مِن أهل بدر، وهو ابنُكِ؟ قالت لها أم مسطح: إنّه سال بكِ السَّيْلُ وأنتِ لا تدرين! وأخبَرَتْها بالخبر. قالت: فلمّا أخبرتني أخذتني الحُمّى، فتَقَلَّص ما كان، ولم أجد المذهب. قالت عائشة: وقد كنت أرى مِن النبي ﷺ قبل ذلك جفوةً، ولم أدرِ مِن أيِّ شيء هو، فلما حدثتني أمُّ مِسْطَحٍ علمتُ أنّ جفوةَ رسول الله ﷺ كانت لِما أخبرتني أمُّ مسطح، فقلتُ للنبيِّ ﷺ: أتأذن لي أن أذهب إلى أهلي؟ قال: «اذهبي». فخرجت عائشةُ حتى أتت أباها، فقال لها: ما لكِ؟ قلت: أخرجني رسول الله ﷺ مِن بيته. قال لها أبو بكر: فأخرجك رسول الله ﷺ من بيته وآويك أنا؟! واللهِ، لا آويك حتى يأمر رسول الله ﷺ. فأمره رسولُ الله ﷺ أن يؤويها، فقال لها أبو بكر: واللهِ، ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط، فكيف وقد أعزَّنا اللهُ بالإسلام؟ فبَكَتْ عائشةُ، وأمُّها أمُّ رَومان، وأبو بكر، وعبد الرحمن، وبكى معهم أهل الدار، وبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فصعد المنبر، فحَمِد الله، وأثنى عليه، فقال: «أيها الناسُ، مَن يعذرني مِمَّن يؤذيني؟». فقام إليه سعد بن معاذ، فسَلَّ سيفَه، وقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن يكن مِن الأوسِ أتيتُك برأسه، وإن يكن مِن الخزرج أمرتَنا بأمرك فيه. فقام سعدُ بن عبادة، فقال: كذبتَ، واللهِ، ما تقدر على قتله، إنّما طلبتنا بذُحُولٍ كانت بيننا وبينكم في الجاهلية. فقال هذا: قال الأوس. وقال هذا: قال الخزرج. فاضطربوا بالنِّعال والحجارة، وتلاطموا، فقام أسيد بن حُضَير، فقال: فيمَ الكلام؟ هذا رسول الله يأمرنا بأمره، فينفُذُ عن رغم أنف مَن رغِم. ونزل جبريلُ وهو على المنبر، فلمّا سُرِّي عنه تلا عليهم ما نزل به جبريل: ﴿وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات:٩] إلى آخر الآيات. فصاح الناس: رضينا بما أنزل الله. وقام بعضُهم إلى بعض، فتلازموا، وتصايحوا، فنزل النبيُّ ﷺ عن المنبر، وانتظر الوحيُ في عائشة، فبعث النبيُّ ﷺ إلى علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، وبريرة، وكان إذا أراد أن يستشير في أمر أهله لم يَعْدُ عَلِيًّا، وأسامةَ بعد موت أبيه زيد. فقال لعلي: «ما تقول في عائشة؟ فقد أهمني ما قال الناس». قال: يا رسول الله، قد قال الناس، وقد حلَّ لك طلاقُها. وقال لأسامة: «ما تقول أنت؟». قال: سبحان الله! ما يَحِلُّ لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم. فقال لبريرة: «ما تقولين، يا بريرة؟». قالت: واللهِ، يا رسول الله، ما علِمْتُ على أهلِكَ إلا خيرًا، إلا أنها امرأة نَؤُوم، تنام حتى تجيءَ الدّاجِنُ فتأكل عجينها، وإن كان شيءٌ مِن هذا ليخبرنك اللهُ. فخرج ﷺ حتى أتى منزلَ أبي بكر، فدخل عليها، فقال لها: «يا عائشة، إن كنتِ فعلتِ هذا الأمرَ فقولي لي حتى أستغفرَ اللهَ لكِ». فقالت: واللهِ، لا أستغفر الله منه أبدًا، إن كنتُ قد فعلتُه فلا غَفَرَ الله لي، وما أجد مَثَلي ومَثَلُكم إلا مَثَلَ أبي يوسف -وذهب اسم يعقوب مِن الأسف-، قال: ﴿انما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾ [يوسف:٨٦]. فبينا رسول الله ﷺ يُكَلِّمها إذ نزل جبريلُ بالوحي، فأخذتِ النبيَّ ﷺ نعسةٌ، فسُرِّي وهو يتبسم، فقال: «يا عائشةُ، إنّ الله قد أنزل عذركِ». فقالت: بحمد الله، لا بحمدك. فتلا عليها سورةَ النور إلى الموضع الذي انتهى خبرُها وعذرُها وبراءتُها، فقال رسول الله ﷺ: «قُومي إلى البيت». فقامت، وخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فدعا أبا عبيدة بن الجراح، فجمع الناس، ثم تلا عليهم ما أنزل الله من البراءة لعائشة، وبعث إلى عبد الله بن أُبَيٍّ، فجيء به، فضربه النبيُّ ﷺ حَدَّيْن، وبعث إلى حسان ومسطح وحمنة، فضُرِبوا ضربًا وجيعًا، ووَجَأَ في رقابهم. قال ابن عمر: إنّما ضرب رسولُ الله ﷺ عبد الله بن أُبَيٍّ حَدَّيْن؛ لأنّه مَن قذف أزواج النبي ﷺ فعليه حَدّان. فبعث أبو بكر إلى مِسْطَح: لا وصَلْتُك بدرهمٍ أبدًا، ولا عطفتُ عليك بخير أبدًا. ثم طرده أبو بكر، وأخرجه من منزله، فنزل القرآن: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم﴾ إلى آخر الآية. فقال أبو بكر: أما إذ نزل القرآن يأمرني فيك لأُضاعِفَنَّ لك. وكانت امرأة عبد الله بن أُبَيٍّ مُنافقة معه؛ فنزل القرآن: ﴿الخبيثات﴾ يعني: امرأة عبد الله ﴿للخبيثين﴾ يعني: عبد الله، ﴿والخبيثون للخبيثات﴾ يعني: عبد الله وامرأته، ﴿والطيبات﴾ يعني: عائشة وأزواج النبي ﷺ ﴿للطيبين﴾ يعني: النبي ﷺ

سورة النساء — الآية ١٥٩

عن أبي أمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فكان أكثر خطبته حديثًا حَدَّثَناهُ عن الدجال، وحذَّرَناهُ، فكان مِن قوله أن قال: «إنّه لم تكن فتنة في الأرض مُنذُ ذَرَأ الله ذُرِّيَّة آدم أعظمَ مِن فتنة الدجال، وإنّ الله لم يبعث نبيا إلا حذَّر مِن الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارِجٌ فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حَجِيجٌ لكل مسلم، وإن يخرج مِن بعدي فكُلٌّ حَجِيجُ نفسه، واللهُ خليفتي على كُلِّ مسلم. وإنّه يخرج مِن خَلَّةٍ بين الشام والعراق، فيَعِيث يمينًا، ويَعِيث شمالًا. يا عباد الله، فاثبتوا، وإنِّي سأصِفُه لكم صِفَةً لم يَصِفْها إيّاه نبي قَبْلِي، إنّه يبدأ فيقول: أنا نبي. ولا نبي بعدي، ثم يُثَنِّي فيقول: أنا ربُّكم. ولا ترون ربَّكم حتى تموتوا، وإنّه أعور، وإنّ ربكم عز وجل ليس بأعور، وإنّه مكتوب بين عينيه: كافر. يقرؤه كل مؤمن؛ كاتب وغير كاتب. وإنّ من فتنته أنّ معه جنة ونارًا، فناره جنة، وجنته نار، فمن ابتُلِي بناره فليستعن بالله، وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردًا وسلامًا كما كانت النار على إبراهيم. وإنّ مِن فتنته أن يقول لأعرابيٍّ: أرأيتَ إن بعثتُ لك أباك وأمك، أتشهدُ أنِّي ربُّك؟ فيقول له: نعم. فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني، اتبعه؛ فإنّه ربك. وإنّ مِن فتنته أن يُسَلَّط على نفسٍ واحدة، فيقتلها؛ ينشرها بالمنشار حتى يُلْقى شِقَّتَيْن، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا، فإنِّي أبعثه الآن. ثم يزعم أن له ربًّا غيري، فيبعثه الله، فيقول له الخبيث: مَن ربُّك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدوُّ اللهِ الدجالُ، واللهِ، ما كنتُ أشدَّ بصيرةً بِكَ مِنِّي اليوم. وإنّ مِن فتنته أن يأمر السماء أن تُمْطِر فتُمْطِر، ويأمر الأرض أن تُنبِت فتُنبِت. وإنّ مِن فتنته أن يَمُرَّ بالحيِّ فيُكَذِّبونه، فلا يبقى لهم سائمةٌ إلا هَلَكَتْ، وإنّ مِن فتنته أن يَمُرَّ بالحَيِّ فيُصَدِّقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تُنبِت فتُنبِت، حتى تروح مواشيهم مِن يومهم ذلك أسمنَ ما كانت، وأعظمَه، وأَمَدَّه خَواصِر، وأدَرَّه ضُروعًا. وإنّه لا يبقى من الأرض شيءٌ إلا وطِئَه وظَهَر عليه، إلا مكة والمدينة، فإنّه لا يأتيها مِن نقب مِن نقابها إلا لقيته الملائكةُ بالسيوف صلْتَةً، حتى ينزل عند الظُّرَيْب الأحمر، عند منقطع السَّبَخَة، فترجُفُ المدينةُ بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافقٌ ولا منافقةٌ إلا خرج إليه، فتنفي الخبثَ منها كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ، ويُدْعى ذلك اليوم يوم الخلاص». فقالت أم شَرِيكٍ بنتُ أبِي العَكَرِ: يا رسول الله، فأين العربُ يومئذ؟ قال: «هم قليل، وجُلُّهم ببيت المقدس، وإمامُهم رجل صالح، فبينما إمامُهم قد تقدَّم يُصَلِّي الصبحَ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمامُ يمشي القهقرى؛ ليتقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تَقَدَّمْ، فَصَلِّ؛ فإنّها لك أُقِيمَتْ. فيصلي بهم إمامُهم، فإذا انصرف قال عيسى: أقيموا الباب. فيُفْتَح، ووراءه الدجالُ، معه سبعون ألف يهودي، كلُّهم ذو سيف مُحَلًّى وساجٍ، فإذا نظر إليه الدجالُ ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هارِبًا، ويقول عيسى: إنّ لي فيك ضربةً لن تسبقني بها. فيدركه عند باب لُدٍّ الشرقي، فيقتله، فيهزم اللهُ اليهودَ، فلا يبقى شيءٌ مِمّا خلق اللهُ يتوارى به يهوديٌّ إلا أنطق اللهُ الشيءَ، لا حجر، ولا شجر، ولا دابة، ولا حائط -إلا الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق- إلا قال: يا عبدَ الله المسلم، هذا يهوديٌّ، فتعالَ، فاقتله». قال رسول الله ﷺ: «وإنّ أيامه أربعون سنة؛ السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشَّرَرَةِ، يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يُمسِي». فقيل له: يا رسول الله، كيف نُصَلِّي في تلك الأيام القِصار؟ قال: «تُقَدِّرون فيها للصلاة كما تُقَدِّرون في هذه الأيام الطوال، ثم صلُّوا». قال رسول الله ﷺ: «لَيَكُونَنَّ عيسى ابن مريم في أُمَّتي حكمًا عدلًا، وإمامًا مُقسِطًا، يدُقُّ الصليب، ويذبح الخنزير، ويَضَع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يُسْعى على شاة ولا بعير، وتُرفَع الشحناء والتباغض، وتُنزَع حُمَةُ كلِّ ذاتِ حُمَةٍ، حتى يُدخِلَ الوليدُ يدَه في فِي الحَيَّةِ فلا تَضُرُّه، ويُنَفِّر الوليدُ الأسدَ فلا يضره، ويكون الذئبُ في الغنم كأنه كلبها، وتُمْلَأُ الأرض من السِّلْم كما يُمْلَأُ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدةً، فلا يُعْبَد إلا الله، وتضع الحربُ أوزارَها، وتُسْلَب قريش مُلْكَها، وتكون الأرض كفاثُورٍ الفضة، تُنبِت نباتها كعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القِطْفِ مِن العِنَب يُشبِعهم، ويجتمع النفر على الرُّمانة فتُشْبِعُهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات». قيل: يا رسول الله، وما يُرخِص الفرس؟ قال: «لا يُرْكَب لحرب أبدًا». قيل له: فما يُغلِي الثور؟ قال: «لِحرث الأرض كُلِّها، وإنّ قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شِداد، يصيب الناس فيها جوعٌ شديد، يأمرُ اللهُ السماءَ أن تَحْبِس ثُلُثَ مطرِها، ويأمر الأرض أن تَحْبِس ثُلُثَ نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتَحْبِس ثُلُثَي مطرها، ويأمر الأرض فتَحْبِس ثُلُثَي نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتَحْبِس مطرَها كُلَّه فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرضَ فتَحْبِس نباتها كُلَّه فلا تُنبِت خضراء، فلا تَبْقى ذاتُ ظِلْفٍ إلا هلكت، إلا ما شاء الله». قيل: فما يُعِيشُ الناسَ في ذلك الزمان؟ قال: «التهليل، والتكبير، والتسبيح، والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام»

سورة طه — الآية ٤٠

عن سعيد بن جبير، قال: سألتُ عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿وفتناك فتونا﴾، فسألت عن الفتون ما هو؟ فقال: استأنف النهارَ، يا ابن جبير؛ فإنّ لها حديثًا طويلًا. فلمّا أصبحتُ غَدَوْتُ على ابن عباس لأتَنَجَّز ما وعدني مِن حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعونُ وجلساؤه ما كان اللهُ وعَدَ إبراهيم مِن أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكًا؛ فقال بعضهم: إنّ بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يَشُكُّون فيه، ولقد كانوا يظنون أنّه يوسف بن يعقوب، فلمّا هلك قالوا: ليس هذا كان وعدُ اللهِ إبراهيمَ. قال فرعون: فكيف ترون؟ فائْتَمَرُوا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالًا معهم الشِّفار، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا إلا ذبحوه، ففعلوا، فلمّا رأوا أنّ الكبار يموتون بآجالهم، وأنّ الصغار يُذْبَحون؛ قالوا: يُوشِك أن يفنى بنو إسرائيل؛ فتصيروا أن تُباشِروا الأعمال والخِدْمَة التي كانوا يَكْفُونَكم، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، فتَقِلُّ أبناؤهم، ودعوا عامًا لا تقتلوا منهم أحدًا، فيَشِبُّ الصِّغارُ مكان مَن يموت مِن الكبار؛ فإنهم لن يكثروا فتخافون مكاثرتهم إيّاكم، ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم. فأجمعوا أمرهم على ذلك، فحملت أمُّ موسى بهارون في العام الذي لا يُذبَح فيه الغلمان، فوَلَدَتْ علانِيَةً آمِنَةً، حتى إذا كان في قابِلٍ حملت بموسى، فوقع في قلبها الهمُّ والحُزن -فذلك مِن الفتون، يا ابن جبير؛ ما دخل عليه في بطن أمه ما يُراد به-، فأوحى الله إليها أن: ﴿لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ [القصص:٧]. وأَمَرَها إذا ولَدَتْه أن تجعله في تابوت، ثم تُلقيه في اليمِّ، فلما ولَدْت فَعَلَتْ ما أُمِرَت به، حتى إذا توارى عنها ابنُها أتاها الشيطان، وقالت في نفسها: ما فعلتُ بابني؟! لو ذُبِح عندي فوارَيْتُه وكَفَّنتُه كان أحبَّ إلَيَّ مِن أن ألقيه إلى دوابِّ البحر وحيتانه. فانطلق به الماءُ حتى أوْفى به عند فُرْضَة مُسْتَقى جواري امرأة فرعون، فرَأَيْنَه، فأخَذْنَه، فهَمَمْنَ أن يَفْتَحْنَ الباب، فقال بعضُهُنَّ لبعض: إنّ في هذا لَمالًا، وإنّا إن فتحناه لم تُصَدِّقنا امرأةُ الملك بما وجدنا فيه. فحَمَلْنه بهيئته، لم يُحَرِّكْنَ منه شيئًا حتى دَفَعْنَه إليها، فلمّا فتحته رأت فيه الغلامَ، فألقي عليها محبةٌ لم تلْقَ منها على أحد مِن البشر قطُّ، ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا﴾ [القصص:١٠] مِن ذِكْرِ كلِّ شيء إلا مِن ذكر موسى. فلمّا سمع الذبّاحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشِفارِهم، يريدون أن يذبحوه -وذلك مِن الفتون، يا ابن جبير-. فقالت للذبّاحين: آمروني، فإنّ هذا الواحدُ لا يزيد في بني إسرائيل، فإني آتي فرعون فأسْتَوْهِبُه إيّاه، فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألُمْكُم. فلمّا أتت به فرعونَ قالت: ﴿قرة عين لي ولك لا تقتلوه﴾ [القصص:٩]. قال فرعون: يكون لكِ، وأما لي فلا حاجة لي فيه. قال رسول الله ﷺ: «والذي يحلف به، لو أقرَّ فرعون بأن يكون قُرَّة عين له كما قالت امرأتُه لهداه الله به كما هدى به امرأته، ولكن الله عز وجل حرمه ذلك». فأرسلت إلى مَن حولها مِن كل امرأة لها لبنٌ لِتختار له ظِئْرًا، فكلَّما أخذته امرأةٌ مِنهُنَّ لترضعه لم يقبل ثديها، حتى أشفقت امرأةُ فرعون أن يمتنع مِن اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به، فأُخْرِج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظِئْرًا يأخذ منها، فلم يفعل. وأصبحتْ أمُّ موسى والِهًا، فقالت لأخته: قُصِّي أثره، واطلبيه، هل تسمعين له ذِكْرًا؟ أحيٌّ أم قد أكلته الدوابُّ؟ ونَسِيَتِ الذي كان وعَدَ اللهُ. فبصرت به أختُه عن جنب وهم لا يشعرون -والجنب: أن يَسْمُوَ بصرُ الإنسانِ إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه، وهو لا يشعر به-، فقالت مِن الفرح حين أعياهم الظُّئُورات: أنا أدلُّكم على أهل بيتٍ يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها، فقالوا: وما يدريك ما نصحهم له؟ هل يعرفونه؟! حتى شكُّوا في ذلك -وذلك من الفتون، يا ابن جبير-، فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في صِهر الملك رجاءَ منفعته. فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فأخبرتها الخبر، فجاءت، فلما وضعته في حِجرها نزا إلى ثديها، فمصَّه حتى امتلأ جنباه ريًّا، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يُبَشِّرونها: إنّا قد وجدنا لابنك ظِئْرًا. فأرسلت إليها، فأُتِيَت بها وبه، فلمّا رأت ما يصنع بها قالت لها: امكثي عندي، أرضعي ابني هذا؛ فإني لم أُحِبَّ حُبَّه شيئًا قط. قالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسُك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرًا فعلتُ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي. فذكرت أمُّ موسى ما كان الله عز وجل وعَدَها، فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك، وأيقنت أن الله عز وجل مُنجِزٌ وعدَه، فرجعت بابنها من يومها، فأنبته الله نباتًا حسنًا، وحفظه لِما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم يجتمعون في ناحية القرية يمتنعون به مِن الظُّلم والسُّخْرَةِ منذ كان فيهم. فلمّا ترعرع قالت امرأةُ فرعون لأم موسى: أزيريني ابني. فوعدتها يومًا تزورها فيه به، فقالت لخُزّانِها وظُئُورِها وقَهارِمَتِها: لا يبقى منكم اليوم واحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامةٍ أرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أمينًا يُحْصِي ما صنع كلُّ إنسان منكم. فلم تزل الهدايا والنِحَل والكرامة تستقبله مِن حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عليها، فلما دخل عليها أكرمته ونَحَلته، وفرحت به وأعجبها، ونَحَلَتْ أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت: لأنطلِقَنَّ به إلى فرعون فلَيُنْحِلَنَّه وليُكْرِمَنَّه. فلما دخلت به عليه، وجعلته في حجره، فتناول موسى لحية فرعون، فمدَّها إلى الأرض، فقالت له الغواةُ مِن أعداء الله: ألا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم! إنّه يَرِثُك ويصرعك ويعلوك. فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه -وذلك مِن الفتون يا بن جبير، يَعُدُّ كلَّ بلاء ابتلي به وأريد به فتونًا-، فجاءت امرأةُ فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي؟ قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني! ؟ قالت له: اجعل بيني وبينك أمرًا تعرف فيه الحق؛ ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقَرِّبْهُنَّ إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمتَ أنه يعقل، وإن هو تناول الجمرتين ولم يُرِد اللؤلؤتين فاعلم أنّ [أحدًا] لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل! فقُرِّب ذلك إليه، فتناول الجمرتين، فانتزعوهما منه مخافة أن يحرقا بدنه، فقالت المرأة: ألا ترى؟! وصرفه الله عنه بعد أن كان همَّ به، وكان اللهُ بالغَ أمره فيه. فلمّا بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد مِن آل فرعون يخلص إلى أحد مِن بني إسرائيل معه بظُلْم ولا بسُخْرَة، حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان؛ أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيليُّ على الفرعوني، فغضب موسى، واشتد غضبه؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى مِن بني إسرائيل وحفظه لهم -لا يعلم إلا أنّ ذلك مِن الرضاع من أم موسى، إلا أن يكون اللهُ تعالى أطلع موسى مِن ذلك على ما لم يُطْلِع غيره عليه-، فوكز موسى الفرعونيَّ، فقتله، وليس يراهما أحدٌ إلا الله والإسرائيليُّ. فقال موسى حين قتل الرجل: ﴿هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين﴾ [القصص:١٥]. ثم قال: ﴿ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له﴾ [القصص:١٦]. وأصبح في المدينة خائفًا يترقب الأخبار، فأتى فرعونُ، فقيل له: إنّ بني إسرائيل قتلوا رجلًا مِن آل فرعون، فخُذ لنا بحَقِّنا، ولا ترخص لهم. فقال: ائتوني قاتلَه ومَن شهد عليه؛ فإن الملك -وإن كان صَفْوُه مع قومه- لا يستقيم له أن يقِيدَ بغير بيِّنة ولا ثبت، فاطلبوا علمَ ذلك آخذْ لكم بحقِّكم. فبينما هم يطوفون فلا يجدون بيِّنة ولا ثبتًا، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يقاتل فرعونيًّا آخر، فاستغاثه الإسرائيليُّ على الفرعوني، فصادف موسى قد ندِم على ما كان، وكَرِه الذي رأى، فغضب من الإسرائيلي، وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم وقال: ﴿إنك لغوي مبين﴾ [القصص:١٨]. فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى حين قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس، فخاف بعدما قال له: ﴿إنك لغوي مبين﴾، أن يكون إياه أراد -وإنما أراد الفرعوني-، فقال: ﴿يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس﴾ [القصص:١٩]. وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إيّاه أراد موسى ليقتله، فتَتاركا، فانطلق الفرعونيُّ إلى قومه، فأخبرهم بما سمع مِن الإسرائيلي حين يقول: ﴿أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس﴾. فأرسل فرعونُ الذبّاحين ليقتلوا موسى، فأخذ رُسُلُ فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هيئتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، وجاء رجل مِن شيعة موسى مِن أقصى المدينة، فاختصر طريقًا قريبًا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر -وذلك من الفتون، يا ابن جبير-. فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحو مَدْين، لم يلق بلاءً مثل ذلك، وليس له بالطريق عِلْمٌ إلا حُسْنُ ظنِّه بربه، فإنه قال: ﴿عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان﴾ [القصص:٢٢-٢٣] يعني: حابِسَتَيْ غنمَهما. ﴿قال: ما خطبكما﴾ مُعْتَزِلَتَيْن لا تسقِيانِ مع الناس؟ قالتا: ليست لنا قُوَّة نُزاحِم القوم، وإنما ننتظر فضول حِياضِهم. فسقى لهما؛ فجعل يغرِف في الدلو ماءً كثيرًا حتى كانتا أول الرعاة فراغًا، فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما، وانصرف موسى إلى شجرة فاسْتَظَلَّ بها، وقال: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ [القصص:٢٤]. فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطانًا، وقال: إن لكما اليوم لَشأنًا. فحدَّثتاهُ بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه له، فأتته فدعته، فلما كلَّمه قال: ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾ [القصص:٢٥]، ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطانًا، ولسنا في مملكته. قالت ابنتُه: ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص:٢٦]. فحملته الغيرة أن قال: وما يدريك ما قُوَّتُه وما أمانته؟ قالت: أمّا قوته فما رأيتُ منه حين سقى لنا، لم أر رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السقي منه حين سقى لنا، وأما أمانته فإنّه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له، فلمّا علم أني امرأة صوَّب رأسه ولم يرفعه، ولم ينظر إلَيَّ حين أقبلت إليه، حتى بلَّغتُه رسالتك، فقال لي: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق. فلم يقل هذا إلا وهو أمين. فسُرِّي عن أبيها، وصدَّقها، وظَنَّ به الذي قالت، فقال: هل لك ﴿أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك﴾ [القصص:٢٧]. ففعل، فكانت على موسى ثماني حجج واجبة، وكانت سنتان عِدَةً منه، فقضى اللهُ عِدَتَه، فأتمها عشرًا. -قال سعيد: فسألني رجلٌ مِن أهل النصرانية مِن علمائهم: هل تدري أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا. وأنا يومئذ لا أعلم، فلقيت ابنَ عباس، فذكرت له الذي قال النصرانيُّ، فقال: أما كنت تعلم أنّ ثمانيًا واجبة لم يكن موسى لينتقص منها شيئًا، وتعلم أنّ الله تعالى كان قاضيًا عن موسى عِدَته التي وعد؟ فإنّه قضى عشرًا. فأخبرت النصراني، فقال: الذي أخبرك بهذا هو أعلم منك. قلت: أجلْ، وأولى!-. سار موسى بأهله، ورأى مِن أمر النار ما قصَّ اللهُ عليك في القرآن وأمرِ العصا ويدِه، فشكا إلى ربِّه ما يتخوَّف مِن آل فرعون في القتيل، وعُقدة لسانه؛ فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه مِن كثير من الكلام، فسأل ربَّه أن يعينه بأخيه هارون، ليكون له رِدْءًا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يُفْصِح به، فآتاه الله سُؤْلَه، فحَلَّ عُقْدَةً من لسانه، وأوحى إلى هارون، وأمَرَهُ أن يلقى موسى، فاندفع موسى بالعصا، ولَقِي هارون، فانطلقا جميعًا إلى فرعون، فأقاما ببابه حينًا لا يُؤذَن لهما، ثم أذن لهما بعدَ حِجاب شديد، فقالا: ﴿إنا رسولا ربك﴾. فقال: ومَن ربكما، يا موسى. فأخبراه بالذي قصَّ الله في القرآن، قال: فما تريدان؟ وذَكَّره بالقتيل، فاعتذر بما قد سمعتَ، قال: أريد أن تؤمن بالله، وترسل معي بني إسرائيل. فأبى عليه ذلك، وقال: ائْتِ بآيةٍ إن كنت مِن الصادقين. فألقى بعصاه، فتحولت حيَّة عظيمة فاغرةً فاها مُسْرِعةً إلى فرعون، فلما رأى فرعونُ أنّها قاصِدةٌ إليه خافها؛ فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يَكُفَّها عنه، ففعل، وأخرج يده مِن جيبه بيضاء من غير سوء، يعني: من غير برص، ثم أعادها إلى كُمِّه، فصارت إلى لونها الأول، فاستشار الملأَ فيما رأى، فقالوا له: هذان ساحران، يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما، ويذهبا بطريقتكم المثلى. يعنون: مُلْكَهم الذي هم فيه والعيش، فأبَوْا على موسى أن يعطوه شيئًا مما طلب، وقالوا له: اجمع لهم السحرةَ، فإنهم بأرضنا كثير حتى تغلب بسحرِهم سحرَهما. ﴿فأرسل فرعون في المدائن حاشرين﴾ [الشعراء:٥٤]، فحُشِر له كل ساحر مُتعالِم، فلما أتَوْا فرعونَ قالوا: بِمَ يعملُ هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات والحبال. قال: فلا، واللهِ، ما في الأرض قومٌ يعملون بالحيّات والحِبال والعُصِيِّ بالسحر ما نعمل به! فما أجرُنا إن غلبناه؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانعٌ بكم كلَّ شيء أحببتم. فتواعدوا ليوم الزينة، وأن يحشر الناس ضحى. -قال سعيد: فحدثني ابنُ عباس أن يوم الزينة اليومُ الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، وهو يوم عاشوراء-. فلمّا اجتمعوا في صعيد واحد قال الناسُ بعضُهم لبعض: اذهبوا بنا فلنحضُر هذا الأمر، ونتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين. يعنون بذلك: موسى وهارون استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى -لقدرتهم بسحرهم-، ﴿إما أن تلقي، وإما أن نكون نحن الملقين. قال: ألقوا﴾ [الأعراف:١١٥-١١٦]. ﴿فألقوا حبالهم وعصيهم، وقالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون﴾ [الشعراء:٤٤]. فرأى موسى من سحرهم ما أوجس منه خيفة، فأوحى الله إليه: أن ألق عصاك. فلمّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمًا فاغِرةً فاها، فجعل العصا بدعوة موسى تَلْتَبِس بالحبال، حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبان، تدخل فيه حتى ما أبقت عصًا ولا حبلًا إلا ابتلعته، فلما عَرَف السحرةُ ذلك قالوا: لو كان هذا سحرًا لم تبتلع مِن سحرنا كل هذا! ولكن هذا مِن أمر الله عز وجل؛ فآمنّا بالله، وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا فيه. فكسر اللهُ ظهرَ فرعون في ذلك الموطنِ وأشياعَه، فظهر الحقُ وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك، وانقلبوا صاغرين، وامرأة فرعون بارِزة مُتَبَذِّلَةٌ، تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون، فمَن رآها من آل فرعون ظنَّ أنها تَبَذَّلَتْ شفقةً على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمُّها لموسى. فلمّا طال مكث موسى لمواعِدِ فرعون الكاذبة كلما جاء بآية وعَد عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كشف ذلك عنه نكث عهده، واختلف وعده، حتى أمر موسى بقومه، فخرج بهم ليلًا، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مَضَوْا بعث في المدائن حاشرين، فتبعهم جنودٌ عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر: إذا ضربك عبدي موسى فانفرِق له اثني عشر فرقًا، حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التَقِ بعدُ على مَن بقي مِن قوم فرعون وأشياعه. فنسي موسى أن يضرب بعصاه، فدفع إلى البحر وله قَصِيفٌ، مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيًا، فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى: إنا لمدركون، فافعل ما أمرك به ربُّك؛ فإنك لم تُكْذَب ولم تَكْذِب. قال: وعدني ربي إذا انتهيتُ إلى البحرِ أن ينفرق لي حتى أجوز. ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحرَ حين دنا أوائلُ جند فرعون مِن أواخر جند موسى، فانفرق البحرُ كما أمره الله وكما وعد موسى، فلما جاز أصحابُ موسى كلُّهم ودخل أصحابُ فرعون كلهم التقى البحرُ عليهم كما أمره الله عز وجل، فما جاوز البحر. قال أصحاب موسى: إنا لمدركون؛ إنا نخاف أن لا يكون فرعونُ غرق، ولا نؤمن بهلاكه! فدعا ربَّه، فأخرجه له ببدنه من البحر حتى استيقنوا. ثم مرُّوا بعد ذلك على قومٍ ﴿يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه، وباطل ما كانوا يعملون﴾ [الأعراف:١٣٨]، قد رأيتم من العِبَر ما يكفيكم، وسمعتم به. فمضى حتى أنزلهم منزلًا، ثم قال لهم: أطيعوا هارون، فإنِّي قد استخلفتُه عليكم، وإني ذاهبٌ إلى ربي. وأجَّلَهم ثلاثين يومًا أن يرجع إليهم فيها. فلما أتى ربَّه، وأراد أن يكلمه في ثلاثين يومًا قد صامهن ليلهن ونهارهن، كرِه أن يُكَلِّم ربه وريحُ فمِه ريحُ فمِ الصائم، فتناول موسى مِن نبات الأرض شيئًا فمضغه، فقال له ربُّه حين أتاه: لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان، قال: يا ربِّ، إنِّي كرهتُ أن أُكَلِّمك إلا فمي طيب الريح. قال: وما علمتَ -يا موسى- أنّ ريح فم الصائم أطيبُ عندي من ريح المسك! ارجع حتى تصوم عشرة أيام ثم ائتني. ففعل موسى الذي أمره الله به، فلما رأى قوم موسى أنه لم يأتهم للأجل ساءهم ذلك، وقد كان هارون خطبهم، وقال لهم: إنّكم خرجتم من مصر وعندكم ودائعُ لقوم فرعون وعَوارِي، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وأنا أرى أن تحتسبوا ما كان لكم عندهم، ولا أُحِلّ لكم وديعةً استودعتموها أو عارية، ولسنا نرى أداءَ شيء من ذلك إليهم ولا مُمْسِكِيه. فحفر حفرةً، وأمر كلَّ قوم عندهم شيء مِن ذلك من متاع أو حلية بأن يدفنوه في الحفيرة، ثم أوقد عليه النار، فأحرقه، وقال: لا يكون لنا ولا لهم. وكان السامريُّ رجلًا مِن قومٍ يعبدون البقر، ليس من بني إسرائيل، بل جارٌ لهم، فاحتمل مع بني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أن رأى أثر الفرس، فقبض منه قبضة، فمرَّ بهارون، فقال له هارون: يا سامريُّ، ألا تلقي ما في يديك؟ وهو قابِضٌ عليه لا يراه أحدٌ طوال ذلك، فقال: هذه قبضةٌ مِن أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، فلا ألقيها لشيء إلا أن تدعوَ الله إذا ألقيتُها أن يكون ما أريد. قال: فألقاها، ودعا له هارون، قال: أريد أن يكون عِجْلًا. فاجتمع ما كان في الحفيرة مِن متاع؛ نحاس أو حديد أو حلي، فصار عِجلًا أجوف، ليس فيه روح، له خوار. -فقال ابن عباس: واللهِ، ما كان له صوت، ولكن الريح كانت تدخل في دُبُرِه، وتخرج مِن فِيهِ، فكان ذلك الصوت من ذلك-. فتفرَّق بنو إسرائيل فِرَقًا؛ فقالت فِرْقَةٌ: يا سامريُّ، ما هذا؛ فإنّك أنت أعلمُ به؟ فقال: هذا ربُّكم، ولكن موسى أخطأ الطريق. فقالوا: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى؛ فإن يك ربَّنا لم يكن ضَيَّعنا وعجزنا حين رأيناه، وإن لم يكن ربَّنا فإننا نتبع قول موسى. وقال فرقة: هذا مِن عمل الشيطان، وليس ربَّنا، ولا نُصَدِّق به ولا نؤمن. وأشرب فرقة في قلوبهم التصديق بما قال السامريُّ في العِجل، وأعلنوا التكذيب، فقال لهم هارون: ﴿يا قومِ، إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن﴾ [طه:٩٠]، وليس هكذا. قالوا: فما بالُ موسى وعدنا ثلاثين ليلة، ثم أخلفنا، فهذه أربعون ليلة. فقال سفهاؤهم: أخطأ ربَّه، فهو يطلبه ويتبعه. فلما كلَّم الله موسى، وقال ما قال له، وأخبره بما لقي قومه من بعده، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا، فقال لهم ما سمعتم في القرآن، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه من الغضب، غير أنه عَذَرَ أخاه، واستغفر ربه، ثم انصرف إلى السامريِّ، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: قبضت قبضة من أثر الرسول، وفَطِنتُ وعُمِّيَتْ عليكم، فقذفتها، وكذلك سولت لي نفسي. قال: ﴿فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس﴾ إلى قوله: ﴿في اليم نسفا﴾. ولو كان إلهًا لم يخلص إلى ذلك! فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيُهم رأيَ هارون، فقالوا: يا موسى، سل ربك أن يفتح لنا بابَ توبة نعملها، وتُكَفِّر عنا ما عملنا. فاختار موسى من قومه سبعين رجلًا لذلك، لا يألو لخير؛ خيار بني إسرائيل، ومَن لم يُشْرِك في العِجْل، فانطلق بهم ليسأل ربَّهم التوبة، فرجفت الأرضُ بهم، فاستحيا موسى عليه السلام مِن قومه ووفده حين فعل بهم ذلك، فقال: ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ الآية [الأعراف:١٥٥]. ومنهم مَن قدِ اطَّلع اللهُ منه على ما أشرب قلبه العِجل والإيمان به؛ فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: ﴿رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون﴾ إلى قوله: ﴿والإنجيل﴾ [الأعراف:١٥٦]. فقال: ربِّ، سألتُك التوبةَ لقومي، فقلتَ: إنّ رحمتك كتبتها لقومٍ غير قومي! فليتك أخَّرتني حتى أخرج في أُمَّة ذلك الرجل المرحومة. قال الله عز وجل: فإنّ توبتهم أن يقتل كلُّ رجل منهم كُلَّ مَن لَقِيَ مِن والد أو ولد، فيقتله بالسيف، ولا يُبالِي مِن قبل ذلك الموطن. فتاب أولئك الذين كان خَفِي على موسى وهارون ما اطَّلع الله عليه مِن ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أُمِروا به، فغفر اللهُ للقاتل والمقتول. ثم سار بهم موسى متوجهًا نحو الأرض المقدسة، فأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمره الله أن يبلغهم مِن الوظائف، فثَقُلَت عليهم، وأبَوْا أن يُقِرُّوا بها، حتى نَتَقَ الله عليهم الجبل كأنه ظُلَّة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مُصْغُون ينظرون الأرض، والكتاب الذي أخذوه بأيديهم، وهم ينظرون إلى الجبل مخافةَ أن يقع عليهم. ثم مَضَوْا حتى أتَوُا الأرضَ المقدسة، فوجدوا فيها مدينةَ جبّارين؛ خَلْقُهمُ خلقٌ مُنكَر، وذكروا مِن ثمارهم أمرًا عجيبًا مِن عِظَمِها! فقالوا: يا موسى، إنّ فيها قوم جبارين لا طاقة لنا اليوم بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون. قال رجلان من الجبارين آمنا بموسى فخرجا إليه، فقالا: نحن أعلم بقومنا، إن كنتم تخافون ما رأيتم مِن أجسامهم وعددهم، فإنهم ليس لهم قلوب، ولا مَنَعَة عندهم، فادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. -ويقول أناس: إنهما من قوم موسى، وزعم سعيد: أنّهما مِن الجبارين آمنا بموسى، يقول: ﴿من الذين يخافون أنعم الله عليهما﴾ [المائدة:٣٣]، وإنما يعني بذلك: الذين يخافهم بنو إسرائيل-. فقالوا: ﴿يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾ [المائدة:٢٤]. فأغضبوا موسى، فدعا عليهم، فسماهم: فاسقين، ولم يدعُ عليهم قبل ذلك؛ لِما رأى فيهم مِن المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ، فدعا عليهم، فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم موسى: فاسقين، فحرمها عليهم أربعين يتيهون في الأرض، يُصْبِحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار. ثم ظَلَّل عليهم في التِّيه بالغمام، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، وجعل لهم ثيابًا لا تبلى ولا تَتَّسِخ، وجعل بين ظهرانيهم حجرًا مُرَبَّعًا، وأمر موسى فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، في كل ناحية ثلاث عيون، وأَعْلَم كُلَّ سِبْطٍ عينَهم التي يشربون منها، لا يرتحلون من مَنقَلَة إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول. رفع ابنُ عباس هذا الحديث عن النبي ﷺ، وصدق ذلك عندي أنّ معاوية بن أبي سفيان سمع من ابن عباس هذا الحديث، فأنكر عليه أن يكون الفرعونيُّ هو الذي أفشى على موسى أمر القتيل، وقال: إنما أفشى عليه الإسرائيليُّ. فأخذ ابنُ عباس بيده، فانطلق إلى سعد بن مالك الزُّهري، فقال: أرأيتَ يوم حدَّثنا النبيُّ ﷺ عن قتيل موسى من آل فرعون، مَن أفشى عليه الإسرائيليُّ أو الفرعونيُّ؟ قال: أفشى عليه الفرعونيُّ بما سمع مِن الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره

اختُلف في فاعل «زكّى» على قولين: الأول: أن يكون هو الله تعالى. الثاني: أن يكون الإنسان وعليه تقع ﴿مَن﴾. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٦٢٩) القول الأول بقوله: «كأنه تعالى قال: قد أفلحت الفرقة أو الطائفة التي زَكّاها الله تعالى، و﴿مَن﴾ تقع على جمع أو أفراد». ووجَّه القول الثاني بقوله: «كأنه تعالى قال: قد أفلح مَن زكّى نفسه، أي: اكتسب الزكاء الذي قد خَلَقه الله تعالى له». ثم ذكر حديث سعيد بن أبي هلال السابق، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا الحديث يُقوِّي أنّ المُزكِّي هو الله تعالى». وذكر ابنُ تيمية (٧‏/‏٢٤) معنى الاحتمال الأول، فقال: «وقيل: قد أفلحتْ نفسٌ زَكّاها الله، وقد خابتْ نفس دسّاها الله. وهذا قول الفراء والزّجّاج، وكذلك ذكره الوالبي عن ابن عباس». ثم انتقده -مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية- قائلًا: «وهو منقطع، وليس هو مراد من الآية، بل المراد بها الأول[يقصد القول بأن فاعل زكى هو الإنسان] قطعًا لفظًا ومعنى. أما اللفظ فقوله: ﴿مَن زَكّاها﴾ اسم موصول، ولا بُدّ فيه مِن عائد على ﴿مَن﴾، فإذا قيل: قد أفلح الشخص الذي زَكّاها. كان ضمير الشخص في ﴿زَكّاها﴾ يعود على ﴿مَن﴾، وهذا وجه الكلام الذي لا ريب في صحته، كما يقال: قد أفلح مَن اتقى الله، وقد أفلح مَن أطاع ربه، وقد أفلح مَن خاف منه. وأمّا إذا كان المعنى: قد أفلح مَن زَكّاه الله. لم يبق في الجملة ضمير يعود على ﴿مَن﴾، فإنّ الضمير على هذا يعود على الله، وليس هو ﴿مَن﴾، وضمير المفعول يعود على النفس المتقدّمة، فلا يعود على ﴿مَن﴾ لا ضمير الفاعل ولا المفعول، فتخلو الصلة من عائد، وهذا لا يجوز. نعم، لو قيل: قد أفلح مَن زَكّى الله نفسه، أو مَن زَكّاها الله له، ونحو ذلك صحّ الكلام، وخفاء هذا على مَن قال به مِن النحاة عجب. وهو لم يقل: قد أفلحتْ نفس زَكّاها. فإنه هنا كانت تكون زَكّاها صفة لنفس لا صلة، بل قال: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾، فالجملة صلة لـ﴿مَن﴾ لا صفة لها. ولا قال أيضًا: قد أفلحتْ النفس التي زَكّاها. فإنه لو قيل ذلك وجعل في ﴿زكاها﴾ ضمير يعود على اسم الله صحّ. فإذا تكلّفوا وقالوا: التقدير ﴿قد أفلح مَن زَكّاها﴾ هي النفس التي زَكّاها. وقالوا: في زَكّى ضمير المفعول يعود على ﴿مَن﴾، وهي تصلح للمذكر والمؤنث، والواحد والعدد، فالضمير عائد على معناها المؤنث، وتأنيثها غير حقيقي، ولهذا قيل: ﴿قد أفلح﴾، ولم يقل: قد أفلحتْ، قيل لهم: هذا مع أنه خروج مِن اللغة الفصيحة فإنما يصح إذا دل الكلام على ذلك في مثل: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ [الأحزاب:٣١]، فإنّ قوله: ﴿منكن﴾ دلَّ على أنّ المراد: النساء، فقيل:»تعمل«، وكذا قوله: ﴿ومِنهُمْ مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس:٤٢] ونحو ذلك، وأمّا هنا فليس في لفظ ﴿مَن﴾ وما بعدها ما يدل على أنّ المراد به النفس المؤنثة، فإنه لم يقل: قد أفلحتْ، ولا قال: قد أفلح من النفوس مَن زَكّاها، وقد تقدّمها قوله: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس:٧-٨]، ثم قال: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾، فتقدّم ما يصح عود ضمير المؤنث إليه، ولم يتقدّم دليل على عوده إلى غير ذلك، فلا يجوز أن يُراد بالكلام ما ليس فيه دليل على إرادته؛ فإنّ مثل هذا مما يصان كلام الله عنه، فلو قُدِّر احتمال عود ضمير ﴿زكاها﴾ إلى»نفس«وإلى ﴿مَن﴾ مع أنّ لفظ ﴿من﴾ لا دليل يوجب عوده عليه لكان إعادته إلى المؤنث أولى من إعادته إلى ما يحتمل التذكير والتأنيث، وهو في التذكير أظهر لعدم دلالته على التأنيث، فإنّ الكلام إذا احتمل معنيين وجب حمله على أظهرهما، ومَن تكلّف غير ذلك فقد خرج عن كلام العرب المعروف، والقرآن مُنَزّه عن ذلك، والعدول عما يدُلُّ عليه ظاهر الكلام إلى ما لا يدل عليه بلا دليل لا يجوز ألبتة، فكيف إذا كان نصًّا من جهة المعنى؟! فقد أخبر الله أنه يلهم التقوى والفجور، ولبسط هذا موضع آخر. والمقصود هنا أمر الناس بتزكية أنفسهم، والتحذير من تدسيتها، كقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾، فلو قُدِّر أنّ المعنى: قد أفلح مَن زَكّى الله نفسه لم يكن فيه أمر لهم ولا نهي؛ ولا ترغيب ولا ترهيب. والقرآن إذا أمر أو نهى لا يذكر مجرد القدر، فلا يقول: مَن جعله الله مؤمنًا. بل يقول: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، إذ ذكر مجرد القدر في هذا يناقض المقصود، ولا يليق هذا بأضعف الناس عقلًا؛ فكيف بكلام الله؟! ألا ترى أنه في مقام الأمر والنهي والترغيب والترهيب يذكر ما يناسبه من الوعد والوعيد، والمدح والذم، وإنما يذكر القدر عند بيان نعمه عليهم: إمّا بما ليس من أفعالهم، وإما بإنعامه بالإيمان والعمل الصالح، ويذكره في سياق قدرته ومشيئته، وأمّا في معرض الأمر فلا يذكره إلا عند النِّعم. كقوله: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ ما زَكى﴾ الآية [النور:٢١]، فهذا مناسب. وقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، وهذه الآية من جنس الثانية لا الأولى». ورجَّح ابنُ القيم (٣‏/‏٣١٠) -مستندًا إلى النظائر، ودلالة العقل- الاحتمال الثاني، فقال: «هذا القول هو الصحيح، وهو نظير قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، وهو سبحانه إذا ذكر الفلاح علّقه بفعل المفلح، كقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] إلى آخر الآيات». ثم ذكر حُجّة أصحاب الاحتمال الأول، فقال: «قال أرباب هذا القول: قد أقسم الله بهذه الأشياء التي ذكرها لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهّره، وخسارة مَن خذله، حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه وإهلاكها بالمعصية من غير قدرٍ سابق، وقضاء متقدم. قالوا: وهذا أبلغ في التوحيد الذي سيقت له هذه السورة، قالوا: ويدل عليه قوله: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾، قالوا: ويشهد له حديث نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة أنها قالت: انتبهت نفسي ليلة، فوجدتُ رسول الله وهو يقول: «ربِّ، أعطِ نفسي تقواها، وزَكِّها أنت خير مَن زَكّاها، أنت وليّها ومولاها». قالوا: فهذا الدعاء هو تأويل الآية، بدليل الحديث الآخر: أنّ النبي كان إذا قرأ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ وقف، ثم قال: «اللهم، آتِ نفسي تقواها، أنت وليّها ومولاها، وزَكِّها أنت خير مَن زَكّاها». قالوا: وفي هذا ما يبيّن أنّ الأمر كلّه له سبحانه، فإنه هو خالق النفس ومُلهِمها الفجور والتقوى، وهو مُزكِّيها ومُدسِّيها، فليس للعبد في الأمر شيء، ولا هو مالك من أمر نفسه شيئًا». ثم انتقدهم قائلًا: «هذا القول وإن كان جائزًا في العربية، حاملًا للضمير المنصوب على معنى ﴿مَن﴾ وإن كان لفظها مذكرًا، كما في قوله: ﴿ومِنهُمْ مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس:٤٢] جمع الضمير وإن كان لفظ ﴿من﴾ مفردًا حملًا على نظمها، فهذا إنما يحسن حيث لا يقع لبس في مفسر الضمائر، وههنا قد تقدم لفظ ﴿من﴾، والضمير المرفوع في ﴿زَكّاها﴾ يستحقه لفظًا ومعنًى، فهو أولى به، ثم يعود الضمير المنصوب على النفس التي هي أولى به لفظًا ومعنًى، فهذا هو النظم الطبيعي الذي يقتضيه سياق الكلام ووضعه، وأمّا عود الضمير الذي يلي ﴿من﴾ على الموصول السابق، وهو قوله: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾، وإخلاء جاره الملاصق له وهو ﴿من﴾، ثم عود الضمير المنصوب وهو مؤنث على ﴿من﴾ ولفظه مذكر دون النفس المؤنثة؛ فهذا يجوز لو لم يكن للكلام محمل غيره أحسن منه، فأمّا إذا كان سياق الكلام ونظمه يقتضي خلافه، ولم تدع الضرورة إليه؛ فالحمل عليه ممتنع. قالوا: والقول الذي ذكرناه أرجح من جهة المعنى لوجوه: أحدها: أن فيه إشارة إلى ما تقدّم مِن تعليق الفلاح على فعل العبد واختياره كما هي طريقة القرآن. الثاني: أنّ فيه زيادة فائدة، وهي إثبات فعل العبد وكسبه وما يثاب وما يعاقب عليه، وفي قوله: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ إثبات القضاء والقدر السابق، فتضمّنت الآيتان هذين الأصلين العظيمين، وهما كثيرًا ما يقترنان في القرآن؛ كقوله: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر:٥٤-٥٦]، وقوله: ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ أنْ يَسْتَقِيمَ وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩] فتضمّنت الآيتان الرد على القدرية والجبرية. الثالث: أنّ قولنا يستلزم قولكم دون العكس، فإنّ العبد إذا زَكّى نفسه ودسّاها فإنما يزُكِّيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته، وإنما يُدسِّيها بعد تدسية الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه، بخلاف ما إذا كان المعنى على القدر السابق المحض لم يبق للكسب وفعل العبد ههنا ذكر ألبتة»

اختُلِف في معنى: ﴿وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ على أقوال: الأول: أنها منسوخة بقوله: ﴿واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١]، فأُدخِل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. الثاني: أنّ ذلك كان لقوم إبراهيم وموسى عليهما السلام، وأما هذه الأمَّة فلهم ما سَعَوا وما سعى غيرُهم. الثالث: أنّ المراد بالإنسان هاهنا: الكافر، فأمّا المؤمن فله ما سعى وما سُعي له. الرابع: أنه ليس للإنسان إلاّ ما سعى من طريق العدل، فأمّا مِن باب الفضل فجائزٌ أن يزيده الله ما يشاء. وبيَّن ابنُ جرير (٢٢‏/‏٨٠) أن القول بالنسخ مذكور عن ابن عباس، ثم ساق رواية علي بن أبي طلحة في ذلك. وانتقد ابنُ عطية (٨‏/‏١٢٦) القول بالنسخ -مستندًا إلى عدم التعارض- قائلًا: «وهذا لا يصِحُّ عندي عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأنه خبر لا يُنسَخ، ولأن شروط النسخ ليست هنا». غير أنه ذَكَر له وجْهًا يُمكِن أن يُحمَل عليه، فقال: «اللهم، إلا أن يُتَجَوَّز في لفظة النسخ؛ ليُفهِم سائلًا». وكذا ابنُ تيمية (٦‏/‏١٤٦-١٤٧) فقال: «اللفظ المنقول عن ابن عباس رواه علي بن أبي طلحة الوالبي عنه، وقد قيل: إنه لم يسمعه منه، بل من أصحاب ابن عباس. قال: فأدخل الله الأبناء بصلاح الآباء الجنة. ولم يذكر نسخًا». ثم وجَّه ابنُ تيمية القول بالنسخ -على افتراض أن ابن عباس قاله- بقوله: «ولو ذكره فمراد الصحابة بالنسخ: المذكور في قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ [الحج:٥٢]، وهو فهْم معنى الآية على غير الصواب والمراد منها، فقد بيَّن ابن عباس أنه لم يُرد بهذه الآية أن الإنسان لا ينتفع بعمل غيره، فإنّ الأبناء انتفعوا بعمل آبائهم، فهذا نسخٌ لما فُهم منها، لا لما دلت عليه». ثم علَّق بقوله: «وهذا القول المنقول عن ابن عباس أحسن ما قيل فيها، وقد ضعَّفه مَن لم يفهمه». وكذا ابنُ القيم (٣‏/‏٨٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا ضعيفٌ أيضًا، ولا يُرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس رضي الله عنهما ولا غيره: إنها منسوخة. والجمع بين الآيتين غير متعذر ولا ممتنع، فإنّ الأبناء تبعوا الآباء في الآخرة كما كانوا تبعًا لهم في الدنيا، وهذه التبعيّة هي من كرامة الآباء وثوابهم الذي نالوه بسعيهم، وأما كون الأبناء لحقوا بهم في الدرجة بلا سعي منهم فهذا ليس هو لهم، وإنما هو للآباء، أقرّ الله أعينهم بإلحاق ذُرّيتهم بهم في الجنة، وتفضّل على الأبناء بشيء لم يكن لهم كما تفضّل بذلك على الوِالدان والحُور العين والخلْق الذين ينشئهم للجنة بغير أعمال والقوم الذين يُدخلهم الجنة بلا خير قدّموه ولا عملٍ عملوه. فقوله تعالى: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، وقوله: ﴿وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ آيتان مُحكمتان، يقتضيهما عدل الرّبّ -تعالى- وحكمته وكما له المقدّس، والعقل والفطرة شاهدان بهما، فالأولى: تقتضي أنه لا يعاقب بجُرم غيره، والثانية: تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله وسعيه، فالأولى: تؤمِّن العبد من أخْذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا، والثانية: تقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، فتأمل حسن اجتماع هاتين الآيتين». ورجَّح ابنُ عطية (٨‏/‏١٢٧) -مستندًا إلى دلالة المعروف لغة- قائلًا: «والتحرير عندي في هذه الآية: أنّ مَلاك المعنى هو في اللام من قوله تعالى: ﴿لِلْإنْسانِ﴾، فإذا حقّقتّ الشيء الذي حقُّ الإنسان أن يقول فيه:»لي كذا«لم تَجِدْه إلا سعيه، وما تمَّ بَعْدُ من رحمة بشفاعة أو رعاية أبٍ صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمُّد بفضل أو رحمة دون هذا كلّه، فليس هو للإنسان ولا يَسَعُه أن يقول:»لي كذا وكذا«، إلا على تجوُّز وإلحاق بما هو له حقيقة». ومثله رجَّح ابنُ تيمية (٦‏/‏١٤٤) -مستندًا إلى دلالة ظاهر اللفظ- «أن الله أخبرَ عما في الصحف أنه ﴿لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾، ولم يقل: لا يَنتفعُ إلاّ بما سعى، وأن الإنسان فيما ينتفع به في الدنيا قد ينتفع بما يَملِكه وبما لا يَملِكه، فلا يلزم من نَفْيِ الملكِ نَفْي الانتفاع، لكن هو يستحقُّ الثوابَ على سَعْيِه لأنه حقُّه، فلا يَخاف منه ظلمًا ولا هَضْمًا، وأما سعيُ غيرِه فهو لذلك الغير، فإن سعى له ذلك الغيرُ أثابَ الله ذلك الساعيَ على سَعْيه، ونفعَ هذا مِن سَعْيِ ذلك بما شاء، كما يثيبُ الداعيَ على دعائِه لغيره وينتفع المدعوُّ له». وانتقد ابنُ تيمية (٦‏/‏١٤٧) القول الثاني -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «وهذا ضعيف؛ لأنّ الله إنما ذكر هذا ليختَبر به هذه الأمّة كما تقدم، وليعلموا أنّ هذا حكم شامل، ولو كان هذا مخصوصًا بالأمَّتين لم تقم به حُجّةٌ على أمة محمد ﷺ». وكذا ابنُ القيم (٣‏/‏٨١) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «وهذا أيضًا أضعف من الأول -أي: من القول الثالث- أو من جنسه، فإنّ الله سبحانه أخبر بذلك إخبارَ مُقَرِّرٍ له محتجٍّ به، لا إخبار مُبطلٍ له، ولهذا قال: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى﴾ [النجم:٣٦]، فلو كان هذا باطلًا في هذه الشريعة لم يُخبر به إخبار مقرّر له محتجّ به». وانتقد ابنُ تيمية (٦‏/‏١٤٧) القول الثالث -مستندًا إلى السياق- قائلًا: «وهذا أيضًا ضعيفٌ جِدًّا، فإنّ الذي في صحف إبراهيم وموسى لا يختص به الكافر، وقوله بعده: ﴿وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ الآياتِ يتناول المؤمن قطعًا، وهو ضمير الإنسان، بل لو قيل: إنه يتناول المؤمن دون الكافر لكان أرجح من العكس، مع أنّ حكم العدل لا فرق فيه بين مؤمن وكافر، وما استحقّه المؤمن بخصوصه فهو بإيمانه ومن سعيه». وكذا ابنُ القيم (٣‏/‏٨٠) -مستندًا إلى دلالة العموم- قائلًا: «وهذا الجواب ضعيف جِدًّا، ومثل هذا العام لا يُراد به الكافر وحده، بل هو للمسلم والكافر، وهو كالعام الذي قبله، وهو قوله تعالى: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، والسياق كلّه مِن أوله إلى آخره كالصريح في إرادة العموم؛ لقوله تعالى: ﴿وأَن سَعْيَهُ سَوفَ يُرى ثمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأَوْفى﴾ [النجم:٤٠-٤١]، وهذا يعمّ الشر والخير قطعًا، ويتناول البَرّ والفاجر والمؤمن والكافر؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨]، وكقوله له في الحديث الإلهي: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إيّاها، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». وهو كقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]». وانتقد ابنُ القيم (٣‏/‏٨١) أن يُراد بالإنسان شخص معيّن، فقال: «ولا تغتر بقول كثير من المفسّرين في لفظ الإنسان في القرآن: الإنسان هاهنا أبو جهل، والإنسان ها هنا عقبة بن أبى مُعَيط، والإنسان هاهنا الوليد بن المغيرة. فالقرآن أجلُّ من ذلك، بل الإنسان هو الإنسان من حيث هو من غير اختصاص بواحدٍ بعينه، كقوله تعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢]، و﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦]، و﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج:١٩]، و﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أن رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق:٦-٧]، و﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]، و﴿وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]». وانتقد ابنُ تيمية (٦‏/‏١٤٨) القول الرابع قائلًا: «وهو أمثل مِن غيره من الأقوال، ومعناه صحيح، لكنه لم يفسّر الآية، فإن قوله: ﴿لَيْسَ لِلإنْسانِ﴾ نفيٌ عامٌّ، فليس له إلا ذلك، وهذا هو العدل، ثم إنّ الله قد ينفعه ويرحمه بغير سعيه من جِهة فضْله»