عن عبد الله بن عباس، قال: خرج سُهيل بن عمرو، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، ألسْنا على حقّ، وهم على باطل؟ قال: «بلى». قال: فما لنا مَن أسلم منهم رُدّ إليهم، ومَن اتّبعهم منا نردُّه إليهم؟ قال: «أمّا مَن أسلم منهم فعَرف الله منه الصِّدق أنجاه، ومَن رجع منّا سلّم الله منه». قال: ونزلتْ سورةُ الممتحنة بعد ذلك الصُّلح، وكانت مَن أسلم مِن نسائهم فسُئلت: ما أخرجكِ؟ فإنْ كانتْ خَرجتْ فرارًا مِن زوجها ورغبةً عنه رُدّت، وإن كانتْ خَرجتْ رغبةً في الإسلام أُمسِكتْ، ورُدّ على زوجها مثل ما أنفق
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ إلى الصلاة ﴿أدْنى﴾ يعني: أقل ﴿مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ والمؤمنين كانوا يقومون في أول الإسلام من الليل نصفه وثُلثه، وهذا قبل أن تُفرض الصلوات الخمس، فقاموا سنة، فشقّ ذلك عليهم، فنَزَلَت الرّخصة بعد ذلك عند السنة، فذلك قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ... وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يعني: وأَتِمُّوا الصلوات الخمس، وأَعطُوا الزكاة المفروضة من أموالكم، فنُسِخَ قيام الليل على المؤمنين، وثَبتَ قيام الليل على النبي ﷺ، وكان بين أول هذه السورة وآخرها سنة، حتى فُرضت الصلوات الخمس، والزكاة
عن عمرو بن مهاجر، قال: استأذن غَيلان على عمر بن عبد العزيز، فأَذِن له، فقال: ويحك، يا غَيلان، ما الذي بلغني عنك أنك تقول؟ قال: إنما أقول بقول الله: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا﴾ إلى قوله: ﴿إما شاكرًا وإما كفورًا﴾. قال عمر: تِمَّ السورة، ويحك! أما تسمع الله يقول: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ [الإنسان:٣٠]؟! ويحك، يا غَيلان، أما تَعلم أنّ الله ﴿جاعل في الأرض﴾ إلى ﴿العليم الحكيم﴾ [البقرة:٣٠-٣٢]؟! فقال غَيلان: يا أمير المؤمنين، لقد جئتُك جاهلًا فعَلَّمتَني، وضالًا فهَديتَني. قال: اخرج، ولا يبلغني أنك تَكلّم بشيء من هذا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، يعني: اشكر الله على ما ذكر في هذه السورة، وما صنع الله عز وجل بك مِن الخير، إذ قال: ألم تكن كذا ففعلتُ بك كذا؟! أُنزِلَتْ هاتين السورتين جميعًا بمكة: ﴿والضُّحى والليل﴾، و﴿ألم نشرح لك صدرك﴾، فجعل النبي ﷺ يُحدّث بهما سِرًّا إلى مَن يطمئن إليه، ثم أتاه جبريل عليه السلام بأعلى مكة، فدفع الأرض بيديه، فانفجرتْ عينُ ماء، فتوضّأ جبريل عليه السلام ليرى النبيُّ ﷺ وضوء الصلاة، ثم توضّأ النبيُّ ﷺ، فصَلّى به جبريل عليه السلام، فلما انصرف أخبر خديجة، ثم صَلَّتْ مع النبي ﷺ
علَّقَ ابنُ كثير (٣/٢٥) على قول مجاهد هذا بقوله: «هذا الذي ذُكِر عن مجاهد في الأزلام أنّها موضوعة للقمار فيه نظر، اللهم إلّا أن يقال: إنّهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة، وفي القِمار أخرى، والله أعلم؛ فإن الله -سبحانه [وتعالى]- قد فرَّق بين هذه وبين القمار، وهو المَيْسِر، فقال في آخر السورة: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ فِي الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ منتهون﴾ [المائدة:٩٠-٩١]»
وجّه ابنُ جرير (١٧/٥٤٢) معنى الآية على قول ابن عباس، فقال: «فتأويل الكلام على قول ابن عباس: والسميعِ، إنّ هذه الآيات التي أنزلتها على محمد ﷺ في هذه السورة لآيات الكتاب الذي أنزلته إليه مِن قبلها الذي بُيِّن -لِمَن تدبَّره بفهم، وفكر فيه بعقل- أنّه مِن عند الله جل جلاله، لم يتخرصه محمد ﷺ، ولم يَتَقَوَّله من عنده، بل أوحاه إليه ربه». وقال ابنُ عطية (٦/٥٦٨): «مَن قال: إنّ هذه الحروف مِن أسماء الله تعالى. قال: إنّ الطّاء مِن الطَّوْل الذي لله تعالى، والسّين مِن السّلام، والميم من المنعم، أو مِن الرحيم، ونحو هذا»
قال مقاتل بن سليمان: وقوله:﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ فهو عبد الرحمن بن أبي بكر، وأمّه [أم] رومان بنت عمرو بن عامر الكندي، دعاه أبواه إلى الإسلام، وأخبراه بالبعث بعد الموت، فقال لوالديه: ﴿أُفٍّ لَكُما﴾ يعني: قُبحًا لكما الرديء من الكلام؛ ﴿أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾ مِن الأرض، يعني: أن يبعثني بعد الموت ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ يعني: الأمم الخالية، فلم أرَ أحدًا منهم يُبعث، فأين عبد الله بن جدعان؟! وأين عثمان بن عمرو؟! وأين عامر بن عمرو؟! -كلّهم من قريش، وهم أجداده- فلم أرَ أحدًا منهم أتانا. فقال أبواه: اللهم، اهدِه، اللهم، أقبِل بقلبه إليك، اللهم، تُب عليه. فذلك قوله: ﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ يعني: يدعوان الله له بالهُدى أن يهديه ويقبل بقلبه، ثم يقولان: ﴿ويْلَكَ آمِن﴾ صدِّق بالبعْث الذي فيه جزاء الأعمال؛ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ﴾ عبد الرحمن: ﴿ما هذا إلّا أساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ما هذا الذي تقولان إلا كأحاديث الأولين وكذبهم
عن عائشة، قالت: قال لي أبي: ألا أُعَلِّمُكِ دعاء عَلَّمَنِيه رسول الله - ﷺ -؟ قال: وكان عيسى يعلمه الحواريين، لو كان عليك مثل أحد ذهبًا لقضاه الله عنكِ. قلت:بلى. قال: قولي: «اللهم فارجَ الهم، كاشفَ الغم، -وفي لفظ عند البزار: وكاشف الكرب- مجيبَ دعوة المضطرين، رحمنَ الدنيا والآخرة ورحيمَهما، أنت ترحمني، فارحمني رحمة تُغْنِينِي بها عَمَّن سِواك»
قال ابنُ تيمية (١/٣٣٩) في معنى ﴿يتلونه﴾: «قيل: هو من التلاوة بمعنى الاتِّباع، كقوله: ﴿والقمر إذا تلاها﴾، وهذا يدخل فيه من لم يقرأ. وقيل: بل من تمام قراءته أن يفهم معناه ويعمل به، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا»
عن عبد الله بن عباس -من طريق العَوّام بن حَوْشَب، عن شيخ من بني أسد-: أنّه قرأ سورة النور، ففسَّرها، فلمّا أتى على هذه الآية: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات﴾ قال: هذه في عائشةَ وأزواجِ النبيِّ ﷺ، ولم يجعل لِمَن فعل ذلك توبةً، وجعل لِمَن رمى امرأةً مِن المؤمنات مِن غير أزواج النبي ﷺ التوبة. ثم قرأ: ﴿إن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ إلى قوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾. فجعل لِمَن قذف امرأةً مِن المؤمنين التوبة، ولم يجعل لِمَن قذف امرأةً مِن أزواج النبي ﷺ توبة. ثم تلا هذه الآية: ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾. فهَمَّ بعضُ القوم أن يقومَ إلى ابن عباس فيُقَبِّل رأسه؛ لِحُسْن ما فَسَّر