انتقد ابنُ كثير (١٣/١٨٠) القول بأن «ق»: جبل محيط بالأرض مستندًا للدلالة العقلية، فقال: «وكأنّ هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يُصدّق ولا يُكذّب. وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يُلبّسون به على الناس أمر دينهم، كما افُتري في هذه الأمة -مع جلالة قدْر علمائها وحفّاظها وأئمتها- أحاديث عن النبي ﷺ وما بالعهد مِن قِدَم، فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى، وقلّة الحفّاظ النُّقّاد فيهم، وشُرْبهم الخمور، وتحريف علمائهم الكَلِم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته! وإنما أباح الشارعُ الرواية عنهم في قوله: «وحدِّثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج» فيما قد يجوّزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويُحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظّنون كذبه، فليس من هذا القبيل». ونقل (١٣/١٨١) قولًا آخر بأن المراد بـ﴿ق﴾: «قُضي الأمر، والله». وأن قوله: ﴿ق﴾ دلّتْ على المحذوف من بقيّة الكَلِم كقول الشاعر:قلت لها: قفي فقالت: قافوانتقده مستندًا للغة، فقال: «وفي هذا التفسير نظر؛ لأنّ الحذف في الكلام إنما يكون إذا دلّ دليل عليه، ومِن أين يُفهم هذا من ذِكر هذا الحرف؟». وساق ابنُ عطية (٨/٣٠-٣١) الأقوال الواردة عدا قول القُرظيّ، ثم علَّق بقوله: «و﴿ق﴾ على هذه الأقوال: مُقسَم به وبالقرآن المجيد، وجواب القسم منتظَر». وذكر القول الذي قاله ابن كثير، وذكر أقوالًا غيرها، فقال: «قال القُرظيّ: هو دال على أسماء الله تعالى هي: قادر، وقاهر، وقريب، وقاض، وقابض. وقيل: المعنى: قُضي الأمر من رسالتك ونحوه، ﴿والقرآن المجيد﴾ فجواب القسم في الكلام الذي يدل عليه قاف. وقال قوم: المعنى: قِف عند أمرنا. وقيل المعنى: قُهر هؤلاء الكفرة، وهذا أيضًا وقع عليه القسَم». ثم أورد احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون المعنى: قيامهم من القبور حق، والقرآن المجيد». وعلق عليه بقوله: «فيكون أول السورة مِن المعنى الذي اطَّرد بعد»، ثم قال: «وعلى هذه الأقوال فثَمّ كلام مضمر عنه وقع الإضراب، كأنه قال: ما كذّبوك ببرهان، ونحو هذا مما يليق مظهرًا»
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الرزاق، عن عمر بن عبد الرحمن بن مَهْرَبٍ- قال:... فلَمّا أراد إبليسُ أن يَسْتَزِلَّهما دخل في جوف الحَيَّة، وكانت للحَيَّة أربعة قوائم، كأنها بُخْتِيَّة، من أحسن دابة خلقها الله. فلما دخلت الحَيَّةُ الجنةَ خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، فجاء بها إلى حواء، فقال: انظُري إلى هذه الشجرة، ما أطْيَبَ ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها. فأخذتْ حواء فأكلتْ منها، ثم ذهبتْ بها إلى آدم، فقالت: انظر إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها. فأكل منها آدم، فبدت لهما سَوْآتهما، فدخل آدمُ في جوف الشجرة، فناداه ربه: يا آدم، أين أنت؟ قال: أنا هنا، يا رب. قال: ألا تخرج؟ قال: أستحيي منك، يا رب. قال: ملعونة الأرض التي خُلِقْتَ منها لعنةً يَتَحَوَّل ثَمرُها شَوْكًا. قال: ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرةٌ كان أفضلَ من الطَّلْح والسِّدْر. ثم قال: يا حواء، أنتِ الَّتِي غَرَّرْتِ عبدي؛ فإنَّك لا تحملين حَمْلًا إلا حَمَلْتِه كُرْهًا، فإذا أردتِ أن تضعي ما في بطنك أشْرَفْتِ على الموتِ مِرارًا. وقال للحَيَّة: أنتِ التي دخل الملعون في جَوْفِك حتى غَرَّ عبدي؛ ملعونةٌ أنت لعنة تتحول قوائمك في بطنك، ولا [يكون] لك رِزْقٌ إلا التراب، أنتِ عَدُوَّةُ بني آدم وهم أعداؤك، حيث لقيت أحدًا منهم أخَذْتِ بعَقِبه، وحيثُ لَقِيَك شَدَخَ رأسَك. قال عمر: قيل لوَهْب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: لَمّا هجم فرعونُ على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم ذَنُوبٍ حصان، فهاب الحصانُ أن يقتحم البحر، فتَمَثََّل له جبريلُ على فرس أنثى ودِيق، فلما رآها الحصانُ هجم خلفها، وعرف السامريُّ جبريل؛ لأنّ أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار، وأطبقت عليه، فكان جبريلُ يأتيه فيغذوه بأصابعه؛ في واحدة لبنًا، وفي الأخرى عسلًا، وفي الأخرى سمنًا، فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلمّا عاينه في البحر عرفه، فقبض قبضة مِن أثر فرسه. قال: أخذ مِن تحت الحافر قبضة، وأُلقِيَ في رُوع السامري: إنّك لا تلقيها على شيء، فتقول: كن كذا؛ إلا كان. فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، وأغرق الله آل فرعون؛ قال موسى لأخيه هارون: ﴿اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ [الأعراف:١٤٢]. ومضى موسى لموعد ربه، وكان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فكأنّهم تَأَثَّموا منه، فأخرجوه لتنزل النار فتأكله، فلما جمعوه قال السامريُّ بالقبضة هكذا، فقذفها فيه، وقال: كُن عجلًا جسدًا له خُوار. فصار عِجلًا جسدًا له خُوار، فكان يدخل الريحُ مِن دُبُره، ويخرج مِن فيه؛ يُسْمَع له صوت، فقال: ﴿هذا إلهكم وإله موسى﴾. فعكفوا على العِجل يعبدونه، فقال هارون: ﴿يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: كان السامريُّ رجلًا من أهل باجَرْما، وكان من قوم يعبدون البقر، فكان حبُّ عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل، فلمّا فصل موسى إلى ربه قال لهم هارون: إنكم قد حُمِّلتم أوزارًا مِن زينة القوم -آل فرعون- ومتاعًا وحليًّا، فتطهروا منها؛ فإنها رجس. وأوقد لهم نارًا، فقال: اقذفوا ما معكم مِن ذلك فيها. فجعلوا يأتون بما معهم فيقذفون فيها، ورأى السامريُّ أثر فرس جبريل، فأخذ ترابًا مِن أثر حافره، ثم أقبل إلى النار، فقال لهارون: يا نبيَّ الله، أُلْقِي ما في يدي؟ قال: نعم. ولا يظنُّ هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره مِن ذلك الحلي والأمتعة، فقذفه فيها، فقال: كُن عجلًا جسدًا له خوار. فكان؛ للبلاء والفتنة، فقال: ﴿هذا إلهكم وإله موسى﴾. فعكفوا عليه، وأحبوه حبًّا لم يحبوا مثله شيئًا قط. يقول الله: ﴿فنسي﴾ أي: ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني: السامري، ﴿أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا﴾. وكان اسمُ السامري: موسى بن ظَفَر، وقع في أرض مصر، فدخل في بني إسرائيل، فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: ﴿يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾. فأقام هارون في مَن معه من المسلمين مِمَّن لم يُفْتَتَنْ، وأقام مَن يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوَّف هارونُ إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: ﴿فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي﴾. وكان له هائبًا مطيعًا
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق عمر بن عبد الرحمن بن مُهْرِبٍ- قال: لَمّا أسكن اللهُ آدمَ الجنةَ وزوجتَه، ونهاه عن الشجرة؛ كانت الشجرةُ غصونُها مُتَشَعِّبَةٌ بعضُها على بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخُلْدِهم، وهي الثمرة التي نهى اللهُ آدمَ عنها وزوجته، فلمّا أراد إبليسُ أن يَسْتَزِلَّهما دخل الحيَّة، وكانت الحيَّةُ لها أربعُ قوائم كأنها بُخْتِيَّةٌ مِن أحسن دابَّةٍ خلقها الله، فلما دخلت الحيَّةُ الجنةَ خرج مِن جوفها إبليس، فأخذ مِن الشجرة التي نهى اللهُ آدمَ وزوجتَه عنها، فجاء بها إلى حواء، فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها! فأخذتها حواءُ، فأكلتها، ثم ذهبت بها إلى آدم، فقالت: انظر إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها! فأكل منها آدم؛ فبَدَت لهما سوآتهما، فدخل آدمُ في جوف الشجرة، فناداه ربه: أين أنت؟ قال: ها أنا ذا، يا رب. قال: ألا تخرج؟ قال: أستحي منك، يا رب. قال: اهبط إلى الأرض. ثم قال: يا حواء، غَرَرْتِ عبدي؟! فإنّك لا تحملين حَمْلًا إلا كرهًا، فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفتِ على الموتِ مِرارًا. وقال للحيَّة: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غرَّ عبدي، أنت ملعونة لعنة، تتحول قوائمك في بطنك، ولا يكون لك رِزْقٌ إلا التراب، أنت عدوُّ بني آدم، وهم أعداؤك، أينما لقيتِ أحدًا منهم أخذتِ بعَقِبَيْه، وحيث ما لقيك أحدٌ منهم شَدَخَ رأسَك. قيل لوهب: وهل كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعلُ الله ما يشاء
عن عبد الله بن مسعود -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك- قالا: خرجت مريم إلى جانب المحراب لِحَيض أصابها، فلمّا طهرت إذ هي برَجُلٍ معها، ﴿فتمثل لها بشرا﴾، ففزعت، وقالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾. فخرجت وعليها جلبابها، فأخذ بكُمِّها، فنفخ في جيب دِرْعِها، وكان مشقوقًا مِن قُدّامِها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختُها امرأةُ زكريا ليلةً تزورها، فلمّا فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، أُشْعِرْتُ أنِّي حبلى. قالت مريم: أُشْعِرْتُ أيضًا أنِّي حُبْلى. فقالت امرأة زكريا: فإنِّي وجدتُ ما في بطني يسجد للذي في بطنك. فذاك قوله: ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾. فولدت امرأةُ زكريا يحيى، ولَمّا بلغ أن تضع مريمُ خرجت إلى جانب المحراب، ﴿فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت﴾ استحياءً من الناس: ﴿يا ليتني مت قبل هذا﴾ الآية، ﴿فناداها﴾ جبريل ﴿من تحتها أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا * وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا﴾. فهزَّتْهُ، فأجرى لها في المحراب نهرًا -والسَّرِيُّ: النهر-، فتساقطت النخلة رطبًا جنِيًّا، فلما ولدته ذهب الشيطان، فأخبر بني إسرائيل: أنّ مريم ولدت. فلما أرادوها على الكلام أشارت إلى عيسى، فتكلَّم، فقال: ﴿إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا﴾. فلمّا وُلِد لم يبق في الأرض صنمٌ يُعْبَد من دون الله إلا خرَّ -وقع ساجدًا- لوجهه
عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد -من طريق حصين- قال: كان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يسير وضع كرسيه، فيأتي مَن أراد مِن الجن والإنس، ثم يأمر الريح فتحملهم، ثم يأمر الطير فتظلهم، فبينا هو يسير إذ عطشوا، فقال: ما ترون بعد الماء؟ قالوا: لا ندري. فتفقد الهدهد، وكان له منه منزلة ليس بها طير غيره، فقال: ﴿ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا﴾. وكان عذابُه إذا عَذَّب الطير ينتفه، ثم يلقيه في الشمس، ﴿أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين﴾. يعني: بعذر بَيِّن. فلما جاء الهدهد استقبلته الطير، فقالت له: قد أوعدك سليمان. فقال لهم الهدهد: هل استثنى؟ فقالوا له: نعم؛ قد قال: إلا أن يجيء بعذر بَيِّن. فجاء بخبر صاحبة سبأ، فكتب معه إليها: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين﴾. فأقبلت بلقيس، فلما كانت على قدر فرسخ قال سليمان: ﴿أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين﴾؟ قال عفريت من الجن: ﴿أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك﴾. فقال سليمان: أريد أعجل مِن ذلك. فقال الذي عنده علم من الكتاب: ﴿أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾. فأتى بالعرش في نفق في الأرض، يعني: سَرَب في الأرض، قال سليمان: غيِّروه. فلما جاءت قيل: ﴿أهكذا عرشك﴾؟ فاستنكرت السرعة، ورأت العرش، قالت: ﴿كأنه هو﴾. قيل لها: ﴿ادخلي الصرح﴾. فلما رأته حسبته لجة ماء، ﴿وكشفت عن ساقيها﴾، فإذا هي امرأة شعراء، فقال سليمان: ما يُذهِب هذا؟ فقال بعضُ الجن: أنا أذهب به. فصنعت له النورة، وكان أول ما صنعت النورة، وكان اسمها: بلقيس
على هذا القول؛ يكون المرادُ بالآية: كل مشركة من أي أصناف الشرك كانت، ولم يُنسخ منها شيء. وهو ما انتَقَدَهُ ابنُ جرير (٣/٧١٦) مستندًا لمخالفته السُّنَّة، والإجماع، وما صح عن عمر، فقال: «وأما القول الذي رُوِي عن شَهْرِ بن حَوْشَب... فقولٌ لا معنى له؛ لخلافه ما الأمةُ مجتمعةٌ على تحليله بكتاب الله -تعالى ذكره- وخبر رسوله ﷺ. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما من القول خلافُ ذلك بإسنادٍ هو أصَحُّ منه، وهو ما حدثني به موسى بن عبد الرحمن المسروقي... قال عمر: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة». وعلَّق ابنُ كثير (٢/٢٩٥) عليه، فقال: «هو حديثٌ غريب جِدًّا، وهذا الأثر عن عمر غريبٌ أيضًا». ووجَّهه ابنُ جرير (٣/٧١٦)، فقال: «وإنّما كَرِه عمرُ لطلحة وحذيفة -رحمة الله عليهم- نكاحَ اليهودية والنصرانية؛ حذرًا مِن أن يَقْتَدِي بهما الناسُ في ذلك؛ فَيَزْهَدُوا في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، فأمرهما بتخليتهما، كما حدثنا أبو كُرَيب... عن شقيق، قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خَلِّ سبيلها. فكتب إليه: أتزعم أنها حرام؛ فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تَعاطَوُا المُومِساتِ مِنهُنَّ». ثم قال مستندًا إلى السنة، والإجماع: «وقد حَدَّثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق... قال: قال رسول الله ﷺ: «نَتَزَوَّجُ نساءَ أهل الكتاب، ولا يتَزَوَّجُون نساءَنا». فهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به؛ لإجماع الجميع على صحة القول به أوْلى مِن خبر عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب». وبنحوه قال ابنُ عطية (١/٥٤٠)
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في وجْه وصْف البيت بـ«العتيق» على أقوال: الأول: لأنّ الله أعتقه من الجبابرة. الثاني: لأنه لم يَمْلِكه أحدٌ من الناس. الثالث: سمي بذلك لقدمه. وبيَّن ابنُ جرير (١٦/٥٣١) أن لكل قول من هذه الأقوال وجْهٌ صحيح، ورجَّح أن أغلب معانيه في الظاهر هو القول الثالث، ثم بيَّن أنه إن صح الحديث الذي قال به أصحاب القول الأول لكان هذا القول أوْلى بالصحة، فقال: «ولكلِّ هذه الأقوال التي ذكرناها عمَّن ذكرناها عنه في قوله: ﴿البيت العتيق﴾ وجْه صحيح، غير أن الذي قاله ابن زيد أغلب معانيه عليه في الظاهر، غير أن الذي رُوِيَ عن ابن الزبير أوْلى بالصحة إن كان ما حدثني به محمد بن سهل البخاري قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: أخبرني الليث، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سُمِّيَ: البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة، فلم يُظهَر عليه قطُّ» صحيحًا». وعلَّق ابنُ عطية (٦/٢٤٢) على القول الثالث قائلًا: «وهذا قول يعضده النظر؛ إذ هو أول بيت وضع للناس». غير أنه انتقده، ورجَّح القول الأول مستندًا إلى السنة، فذكر حديث ابن الزبير، ثم قال: «ولا نظر مع الحديث». وذَكَر ابن عطية قولًا آخر غير ما تقدم، وهو أن البيت سُمِّي: عتيقًا؛ لأنّ الله تعالى يُعتِق فيه رقاب المذنبين من العذاب، وانتقده مستندًا إلى لغة العرب بقوله: «وهذا يَرُدُّه التصريف»
اختَلف القراء في قراءة قوله تعالى: ﴿كالقصر﴾ على وجهين: الأول: بسكون الصاد -وهي قراءة الجمهور-، هكذا ﴿كالقَصْر﴾، واخْتُلِف في المعنى -على هذه القراءة- على قولين: أولهما: أنّ القَصْر هنا واحد القصور. وثانيهما: أنّ المراد به هنا الغليظ من الخَشَب، كأصول النّخل، وما أشبه ذلك. والثاني: بفتح الصاد -وهي قراءة لابن عباس-، هكذا (كالقَصَر)، بمعنى: أعناق الدواب. ورجَّحَ ابنُ جرير (٢٣/٦٠٤-٦٠٥) قراءة الجمهور، والتأويل الأول لها استنادًا إلى السياق، ولغة العرب، فقال: «وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا ما عليه قُراء الأمصار، وهو سكون الصاد، وأولى التأويلات به أنه القَصْر من القصور، وذلك لدلالة قوله: ﴿كأنه جمالات صفر﴾ على صحته، والعرب تشبّه الإبل بالقصور المبنيّة... ، وقيل: ﴿بشرر كالقصر﴾ ولم يقل: كالقصور. والشّرر جماع، كما قيل: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ [القمر:٤٥]، ولم يقل: الأدبار. لأنّ الدُّبر بمعنى الأدبار، وفعل ذلك توفيقًا بين رؤوس الآيات ومقاطع الكلام؛ لأن العرب تَفعل ذلك كذلك، وبلسانها نزل القرآن. وقيل: ﴿كالقصر﴾، ومعنى الكلام: كعِظَم القَصْر، كما قيل: ﴿تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت﴾ [الأحزاب:١٩]، ولم يقل: كعيون الذي يُغشى عليه. لأنّ المراد في التشبيه الفعل لا العين». واستشهد بأثر الأسود. ورجَّح ابنُ عطية (٨/٥٠٨) قول ابن عباس من طريق عبد الرحمن بن عابس وما في معناه؛ أنّ القصر: «خشبٌ كان في الجاهلية يُقطَع من جَزْل الحطب من النّخل وغيره، على قدْر الذراع وفوقه ودونه، يُستَعَدُّ به للشتاء» قائلًا: «وهو المراد في الآية، وإنما سُمّي بالقَصْر لأنه يحيط بالقصرة». ولم يذكر مستندًا