عن عبد الله بن عباس -من طريق داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير- قال: لَمّا بلغت مريم، فبينما هي في بيتها مُتَفَضِّلة إذ دخل عليها رجلٌ بغير إذن، فخشيت أن يكون دخل عليها لِيَغْتالَها، فقالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك﴾. فجعل جبريل يردد ذلك عليها، وتقول: ﴿أنى يكون لي غلام﴾. وتَغَفَّلَها جبريل، فنفخ في جَيْب دِرْعِها، ونهض عنها، واستمرَّ بها حملُها، فقالت: إن خَرَجْتُ نحو المغرب فالقوم يصلون نحو المغرب، ولكن أخْرُجُ نحو المشرق حيث لا يراني أحد. فخَرَجَتْ نحو المشرق، فبينما هي تمشي إذ فجأها المخاض، فنظرت هل تجد شيئًا تستر به، فلم ترَ إلا جِذْعَ النخلة، فقالت: أستترُ بهذا الجذع مِن الناس. وكان تحت الجذع نهر يجري، فانضمَّت إلى النخلة، فلمّا وضَعَتْهُ خَرَّ كل شيء يعبد من دون الله في مشارق الأرض ومغاربها ساجدًا لوجهه، وفزع إبليس، فخرج، فصعد، فلم ير شيئًا ينكره، وأتى المشرق فلم ير شيئًا يُنكره، ودخل الأرض فلم ير شيئًا يُنكره، وجعل لا يصبر، فأتى المغرب لينظر، فلم ير شيئًا ينكره، فبينا هو يطوف إذ مَرَّ بالنخلة، فإذا هو بامرأة معها غلام قد ولدته، وإذا بالملائكة قد أحْدَقُوا بها وبابنها وبالنخلة، فقال: ههنا حَدَث الأمر. فمال إليهم، فقال: أيُّ شيء هذا الذي حدث؟ فكلَّمَتْه الملائكة، فقالوا: نبيٌّ وُلِد بغير ذَكَر. قال: نبيٌّ وُلِد بغير ذَكَر! قالوا: نعم. قال: أما -واللهِ- لَأُضِلَّنَّ به أكثر العالمين. أضلَّ اليهود فكفروا به، وأضلَّ النصارى فقالوا: هو ابن الله. قال: وناداها مَلَك مِن تحتها: ﴿قد جعل ربك تحتك سريا﴾. قال إبليس: ما حَمِلَتْ أُنثى إلا بعلمي، ولا وضعته إلا على كَفِّي، ليس هذا الغلام، لم أعلم به حين حَمَلَتْهُ أمه، ولم أعلم به حين وضعته
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى الدرجات على أقوال: الأول: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة. وهو قول قتادة. الثاني: هي السبع التي ذكرها الله في براءة حين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ﴾ إلى قوله: ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٢٠-١٢١]. وهو قول ابن زيد. الثالث: هي درجات الجنة. وهو قول ابن محيريز. ورجَّح ابنُ جرير (٧/٣٧٨) قول ابن محيريز، وانتقد قول قتادة وابن زيد مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية قائلًا: «لأنّ قوله -تعالى ذِِكْرُه-: ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ﴾، ترجمة وبيان عن قوله: ﴿أجْرًَا عَظِيمًا﴾، ومعلوم أنّ الأجر إنما هو الثواب والجزاء، وإذا كان ذلك كذلك، وكانت الدرجات والمغفرة والرحمة ترجمة عنه، كان معلومًا أن لا وجْه لقول مَن وجَّه معنى قوله: ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ﴾ إلى الأعمال وزيادتها على أعمال القاعدين عن الجهاد كما قال قتادة أو ابن زيد». ورجَّح ابنُ القيم (١/٢٩٢) مستندًا إلى السنة بأن «الدرجات هي المذكورة في حديث أبى هريرة الذى رواه البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنّه قال: «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، فإنّ حقًّا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيله أو جلس في أرضه التي ولد فيها». قالوا: يا رسول الله، أفلا تخبر الناس بذلك؟ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين كما بين السماءِ والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة»». ووجَّه ابنُ عطية (٢/٦٣٩-٦٤٠) قول ابن محيريز، وابن زيد، فقال: «ودرجات الجهاد لو حصرت أكثر من هذه، لكن يجمعها بذل النَّفْس والمال، والاعتمال بالبدن والمال في أن تكون كلمة الله هي العليا، ولا شك أن بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها تكون مراتب الجنة ودرجاتها، فالأقوال كلها متقاربة»
اختلف السلف في المراد باليوم العقيم على قولين: أحدهما: يوم القيامة. والآخر: يوم بدر. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٦١٧-٦١٨) مستندًا إلى دلالة العقل أنّ المراد باليوم العقيم: يوم بدر. وهو قول ابن عباس، ومجاهد من طريق ليث وجابر، وابن جريج، وسعيد بن جبير، وأُبيٍّ، وقتادة، وعكرمة، ومقاتل، وانتقد القول بأنه القيامة، فقال: «لأنه لا وجه لأن يُقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تأتيهم الساعة؛ وذلك أنّ الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضًا هو يوم القيامة، فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف الألفاظ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك فأولى التأويلين به أصحهما معنى، وأشبههما بالمعروف في الخطاب، وهو ما ذكرنا في معناه». وانتقد ابنُ عطية (٦/٢٦٦) القول الأول مستندًا لمخالفته اللغة بقوله: «ومَن جعل الساعة واليوم العقيم يوم القيامة فقد أفسد رتبة ﴿أو﴾». ورجَّح ابنُ كثير (١٠/٨٨-٨٩) مستندًا إلى السياق والنظائر القولَ بأنه يوم القيامة. وهو قول عكرمة، ومجاهد، والضحاك، والحسن، فقال: «وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به، لكن هذا هو المراد؛ ولهذا قال: ﴿الملك يومئذ لله يحكم بينهم﴾، كقوله ﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة:٤]، وقوله: ﴿الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا﴾ [الفرقان:٢٦]». وهذا الاختلاف مبنيٌّ على أن المراد بالساعة في قوله تعالى: ﴿أو تأتيهم الساعة بغتة﴾: يوم القيامة. وحكى ابنُ عطية (٦/٢٦٦) قولًا آخر بأن ﴿الساعة﴾ ساعة موتهم أو قتلهم في الدنيا كيوم بدر ونحوه، وأن اليوم العقيم يوم القيامة، وبناء عليه لم ير بأسًا في تفسير الساعة أنها يوم القيامة أو ساعة الموت في الدنيا، ولم ير بأسًا في تفسير اليوم أنه يوم بدر أو القيامة فقال: «وهذان القولان جيدان لأنهما أحرزا التقسيم بـ﴿أو﴾»
عن عروة، وموسى بن عقبة، قالا: ثُمَّ إنّ رسول الله - ﷺ - تجهَّزَ غازيًا الشامَ، فأذَّن في الناس بالخروج، وأمرهم به، وكان ذلك في حرٍّ شديدٍ لياليَ الخريف، والناس خارِفُونَ في نخيلهم، فأبطأ عنه ناسٌ كثيرٌ، وقالوا: الرومُ، ولا طاقة بهم. فخرج أهل الحَسَبِ، وتخلَّف المنافقون، وحدَّثوا أنفسهم أنّ رسول الله - ﷺ - لا يَرجعُ إليهم أبدًا، فاعتلُّوا، وثبَّطوا مَن أطاعه، وتخلَّف عنه رجال من المسلمين بأمرٍ كان لهم فيه عذرٌ؛ منهم السقيمُ، والمُعْسِرُ، وجاء سِتَّةُ نفرٍ كلُّهم مُعْسِرٌ يَسْتَحْمِلُونه، لا يُحِبُّون التَّخَلُّف عنه، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «لا أجد ما أحْمِلكم عليه». فتَولَّوا وأعينهم تفيض من الدمَّع حَزَنًا ألّا يجدُوا ما يُنفقون؛ منهم من بني سَلِمةَ عمرُو بنُ عَنَمَة، ومِن بني مازن بن النجار أبو ليلى عبدُ الرحمن بنُ كعب، ومِن بني حارثةَ عُلْبةُ بنُ زيدٍ، ومِن بني عمرو بن عوفٍ سالم بنُ عميرٍ، وهَرَمِيُّ بنُ عبد الله، وهم يُدْعَون: بني البكّاء، وعبدُ الله بنُ عمرٍو رجلٌ مِن بني مُزَينةَ، فهؤلاء الذين بَكَوْا، واطَّلع الله - عز وجل - أنّهم يُحِبُّون الجهادَ، وأنّه الجِدُّ من أنفسهم، فعذرهم في القرآن، فقال: ﴿ليسَ على الضُّعفاء ولا على المرضى ولا على الَّذين لا يجدُون ما يُنفقُون حرجٌ إذا نصحُوا لله ورسُوله﴾ الآية واللتين بعدها. وأتاه الجَدُّ بن قيس السَّلَمِيُّ وهو في المسجد، معه نفرٌ، فقال: يا رسول الله، ائْذَن لي في القعود؛ فإني ذو ضَيْعةٍ وعِلَّةٍ فيها عُذرٌ لي. فقال رسولُ الله - ﷺ -: «تجهَّز؛ فإنّك مُوسِرٌ، لعلَّك أن تُحْقِبَ بعضَ بناتِ بني الأصفر». فقال: يا رسول الله، ائْذن لي، ولا تَفْتِنِّي. فنزلت: ﴿ومنهُم من يقوُلُ ائذَن لي ولا تفتنِّي﴾ وخمسُ آياتٍ معها، يتبعُ بعضُها بعضًا. فخرَج رسولُ اللهِ - ﷺ - والمؤمنون معه، وكان مِمَّن تخلَّف عنه غَنْمَةُ بنُ وديعة من بني عمرو بن عوف، فقيل له: ما خلَّفك عن رسول الله - ﷺ -، وأنت مُوسِرٌ؟! فقال: الخوضُ واللعبُ. فأنزل الله فيه وفيمن تخلَّف من المنافقين: ﴿ولئن سألتهُم ليقُولُن إنمّاكُنّا نَخُوضُ ونلعبُ﴾ ثلاثَ آياتٍ متتابعاتٍ
عن أبي العالية -من طريق أبي داود بن أبي هند- قال: كانت خَوْلَةُ بنت الدُّلَيْج تحت رَجُلٍ مِن الأنصار، وكان سيِّئ الخُلق، ضرير البصر، فقيرًا، وكانت الجاهليةُ إذا أراد الرجل أن يُفارِق امرأته، قال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمّي. فنازعَتْه في بعض الشيء، فقال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمّي. وكان له عَيِّل أو عَيِّلان، فلما سَمعتْه يقول ما قال احتَملتْ صبيانها، فانطلَقت تسعى إلى رسول الله ﷺ، فوافَقتْه عند عائشة، وإذا عائشة تغسل شِقّ رأس رسول الله ﷺ، فقامت عليه، ثم قالت: يا رسول الله، إنّ زوجي فقير، ضرير البصر، سيِّئ الخُلق، وإني نازعتُه في شيء، فقال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمّي. ولم يُرِد الطلاق. فرفع النبيُّ ﷺ رأسه، فقال: «ما أعلم إلا قد حَرُمتِ عليه». فاستكانتْ، وقالتْ: أشتكي إلى الله ما نزل بي وبِصِبْيتي. وتَحوّلتْ عائشةُ تغسل شِقّ رأسه الآخر، فتَحوّلتْ معها، فقالت مثل ذلك، قالت: ولي منه عَيِّل أو عَيِّلان. فرفع النبيُّ رأسَه إليها، فقال: «ما أعلم إلا قد حَرُمتِ عليه». فبَكَتْ، وقالتْ: أشتكي إلى الله ما نزل بي وبِصِبْيتي. وتَغيّر وجهُ رسول الله ﷺ، فقالتْ عائشة: وراءكِ. فتَنَحّتْ، ومَكث رسولُ الله ﷺ ما شاء الله، ثم انقطع الوحي، فقال: «يا عائشة، أين المرأة؟». قالت: هاهي. قال: «ادْعِيها». فدَعَتْها، فقال النبيُّ ﷺ: «اذهبي، فجيئي بزوجكِ». فانطلَقت تسعى، فلم تَلبثْ أن جاءتْ، فَأدخَلتْه على النبي ﷺ، فإذا هو كما قالت: ضرير البصر، فقير، سيئ الخُلق. فقال النبيُّ ﷺ: «أستعيذ بالسميع العليم مِن الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾» إلى آخر الآية. فقال له النبيُّ ﷺ: «أتجد رقبة؟». قال: لا. قال: «أفتستطيع صوم شهرين متتابعين؟». قال: والذي بعثكَ بالحقّ، إنّي إذا لم آكلِ المرّة والمرّتين والثلاثة يكاد يُغشى عَلَيَّ. قال: «فتستطيع أن تُطْعِم ستين مسكينًا؟». قال: لا، إلا أن تُعِينني فيها. فأعانه رسولُ الله ﷺ، فكفّر يمينه
عن عبد الرحمن بن حاطِب بن أبي بَلْتَعة -من طريق عُروة بن الزبير- وحاطِب رجلٌ مِن أهل اليمن كان حليفًا للزّبير بن العوام مِن أصحاب النبيِّ ﷺ، قد شهد بدرًا، وكان بنوه وإخوته بمكة، فكتب حاطِب -وهو مع رسول الله ﷺ بالمدينة- إلى كفار قريش بكتاب يَنتَصح لهم فيه، فدعا رسولُ الله ﷺ عليًّا والزّبير، فقال لهما: «انطلِقا حتى تُدركا امرأة معها كتاب، فخُذا الكتاب، فائتِياني به». فانطلَقا حتى أدركا المرأة بحُلَيْفة بني أحمد، وهي من المدينة على قريب من اثني عشر ميلًا، فقالا لها: أعطِنا الكتاب الذي معكِ. قالت: ليس معي كتاب. قالا: كَذبتِ، قد حدَّثنا رسول الله ﷺ: أنّ معكِ كتابًا، واللهِ، لَتُعْطِيَنّ الكتاب الذي معكِ، أو لا نَترك عليكِ ثوبًا إلا التمَسنا فيه. قالتْ: أوَلَستم بناس مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن رسول الله ﷺ قد حدَّثنا أنّ معكِ كتابًا. حتى إذ ظنتْ أنهما مُلتَمسان كلّ ثوب معها، حلّتْ عِقاصها، فأَخرجتْ لهما الكتاب مِن بين قرون رأسها، كانت قد اعتَقَصتْ عليه، فأَتيا رسول الله ﷺ، فإذا هو كتاب من حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى أهل مكة، فدعا رسولُ الله ﷺ حاطبًا، قال: «أنتَ كتبتَ هذا الكتاب؟». قال: نعم. قال: «فما حمَلكَ على أن تَكتب به؟». قال حاطِب: أما واللهِ ما ارتبتُ منذ أسلمتُ في الله عز وجل، ولكني كنتُ امرءًا غريبًا فيكم أيها الحي مِن قريش، وكان لي بنون وإخوة بمكة، فكتبتُ إلى كفار قريش بهذا الكتاب لكي أدفع عنهم. فقال عمر: ائذن لي -يا رسول الله- أضرب عُنُقه. فقال رسول الله ﷺ: «دَعْه؛ فإنه قد شهد بدرًا، وإنك لا تدري لعلّ الله اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافِر لكم ما عمِلتم». فأنزل الله في ذلك: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ حتى بلغ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾
رجَّح ابنُ جرير (٤/٣٠١-٣٠٣) هذا القولَ الذي قال به أبو العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، مستندًا إلى دلالة العموم، والعقل، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قال: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾. فجعل الله -تعالى ذِكْرُه- ذلك لكُلِّ مطلقةٍ، ولم يخصص منهُنَّ بعضًا دون بعض، فليس لأحد إحالةُ ظاهر تنزيل عامٍّ إلى باطنٍ خاصٍّ إلا بحُجَّةٍ يجب التسليمُ لها. فإن قال قائل: فإنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد خَصَّ المطلقة قبل المسيس إذا كان مفروضًا لها بقوله: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، إذ لم يجعل لها غير نصف الفريضة. قيل: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- إذا دَلَّ على وجوب شيء في بعض تنزيله، ففي دلالته على وجوبه في الموضع الذي دلَّ عليه الكفايةُ عن تكريره، حتى يدلَّ على بُطُولِ فرضه، وقد دلَّ بقوله: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ على وجوب المتعة لكلِّ مطلقةٍ، فلا حاجة بالعباد الى تكرير ذلك في كلِّ آية وسورة. وليس في دلالته على أنّ للمطلقة قبلَ المسيس المفروض لها الصداق نصفَ ما فُرِض لها دلالةٌ على بُطُولِ المتعة عنه؛ لأنّه غيرُ مستحيل في الكلام لو قيل: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم والمتعة. فلمّا لم يكن ذلك مُحالًا في الكلام كان معلومًا أنّ نصف الفريضة إذا وجب لها لم يكن في وجوبه لها نفيٌ عن حقها مِن المتعة، ولَمّا لم يكن اجتماعهما للمطلقة مُحالًا، وكان الله -تعالى ذكره- قد دلَّ على وجوب ذلك لها، وإن كانت الدلالة على وجوب أحدهما في آيةٍ غير الآية التي فيها الدلالة على وجوب الأخرى ثبت وصحَّ وجوبهما لها. هذا إذا لم يكن على أنّ للمطلقة المفروض لها الصداق إذا طلقت قبل المسيس دلالة غير قول الله -تعالى ذكره-: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾، فكيف وفي قول الله -تعالى ذكره-: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾ الدلالة الواضحة على أنّ المفروض لها إذا طلقت قبل المسيس لها من المتعة مثل الذي لغير المفروض لها منها؟! وذلك أنّ الله -تعالى ذكره- لَمّا قال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ كان معلومًا بذلك أنّه قد دلَّ به على حكم طلاق صنفين من طلاق النساء: أحدهما المفروض له، والآخر غير المفروض له؛ وذلك أنّه لما قال: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ عُلِم أنّ الصنف الآخر هو المفروض له، وأنّها المطلقة المفروض لها قبل المسيس؛ لأنه قال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾، ثم قال -تعالى ذكره-: ﴿ومتعوهن﴾ فأوَجَبَ المُتْعَةَ للصِّنفَيْنِ منهُنَّ جميعًا؛ المفروضِ لهن، وغيرِ المفروض لهن. فمَنِ ادَّعى أنّ ذلك لأحد الصنفين سُئِل البرهانَ على دعواه مِن أصلٍ أو نظيرٍ، ثم عُكِسَ عليه القولُ في ذلك؛ فلن يقول في شيء منه قولًا إلا أُلْزِم في الآخر مثلَه». وذكَر ابنُ عطية (١/٥٩٣) أن من قال: إن المتعة واجبة؛ قال: إن قوله: ﴿حقا على المحسنين﴾ تأكيد الوجوب، أي: على المحسنين بالإيمان والإسلام، فليس لأحد أن يقول لَسْتُ بمُحسن على هذا التأويل. ثم قال: «و﴿حقا﴾ صفة لقوله: ﴿متاعا﴾، أو نصب على المصدر، وذلك أدخل في التأكيد للأمر»
أفادت الآثارُ اختلافَ السلف في تعيين النصيب الذي ذكر لهم في قوله: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ على أقوال: الأول: أنّه عذاب الله لهم. والثاني: أنّه أعمالهم وما سَبَق لهم من الشقاء والسعادة. والثالث: أنّه جزاؤهم على افترائهم على الله؛ وهو اسوداد وجوههم ونحوه. والرابع: أنه ما كُتبَ لهم من الرزق والعمر والعمل. ورَجَّح ابنُ جرير (١٠/١٧٥) القول الثاني والرابع، وهو قول عبدالله بن عباس من طُرُق، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم، ومحمد بن كعب، والربيع، وإسماعيل السدي مستندًا في هذا إلى السياق، والدلالة العقلية، وقال: «وذلك أنّ الله -جلَّ ثناؤُه- أتْبَع ذلك قوله: ﴿حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله﴾، فأبان بإتباعه ذلك قوله: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ أنّ الذي ينالهم من ذلك إنما هو ما كان مقضِيًّا عليهم في الدنيا أن ينالهم، لأنّه قد أخبر أنّ ذلك ينالهم إلى وقت مجيئهم رسله لتقبض أرواحهم، ولو كان ذلك نصيبَهم من الكتاب أو مِمّا قد أُعِدَّ لهم في الآخرة لم يكن محدودًا بأنّه ينالهم إلى مجيء رسل الله لو فاتهم؛ لأنّ رسل الله لا تجيئهم للوفاة في الآخرة، وأنّ عذابهم في الآخرة لا آخر له ولا انقضاء؛ فإنّ الله قد قضى عليهم بالخلود فيه، فبيَّن بذلك أنّ معناه ما اخترنا من القول فيه». وبنحو ذلك قال ابنُ القيم (١/٣٨٩)، وابنُ كثير (٦/٤١٠). وذكر ابنُ كثير أن نظير الآية على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون* متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون﴾ [يونس:٦٩-٧٠]، وقوله: ﴿ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور * نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ﴾ [لقمان:٢٣-٢٤]. ووجَّه ابنُ عطية (٣/٥٥٨-٥٥٩) معنى الآية على قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بقوله: «معنى الآية على هذا التأويل: أولئك يتمتعون ويتصرفون من الدنيا بقدر ما كُتِب لهم، حتى إذا جاءتهم رسلنا لموتهم، وهذا تأويل جماعة في مجيء الرسل للتوفي»
اختلف السلف في معنى الصلاة في قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ على قولين: الأول: أنها الدعاء. الثاني: أنها الصلاة المعروفة، وعلى هذا القول ففي المنهي عن الجهر به منها أقوال: الأول: أن الذي نهي عن الجهر به منها: القراءة. الثاني: عني به: النهي عن الجهر بالتشهد في الصلاة. الثالث: أن المراد به: إخفاء صلاة النبي بمكة وعدم الجهر بها. الرابع: أن المعنى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾: تحسنها من إتيانها في العلانية، ﴿ولا تخافت بها﴾: تسيئها في السريرة. الخامس: أن المعنى: ولا تجهرْ بصلاة النهار، ولا تخافتْ بصلاة الليل، واتبع أمر الله في هذا. وذكر ابنُ عطية (٥/٥٥٨) القول الأول، ووجّهه بقوله: «فهذا على حذف مضاف، التقدير: ولا تَجْهَرْ بقراءة صلاتك». وقد رجّح ابنُ جرير (١٥/١٣٦-١٣٧) القول الأول مستندًا إلى صحة السند إلى الصحابي، وإلى السياق، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة ما ذكرنا عن ابن عباس في الخبر الذي رواه أبو جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس؛ لأنّ ذلك أصح الأسانيد التي روي عن صحابي فيه قول مخرجًا، وأشبه الأقوال بما دل عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن قوله: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ عقيب قوله: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى﴾، وعقيب تقريع الكفار بكفرهم بالقرآن، وذلك بعدهم منه ومن الإيمان. فإذا كان ذلك كذلك فالذي هو أولى وأشبه بقوله: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ أن يكون من سبب ما هو في سياقه من الكلام، ما لم يأت بمعنى يوجب صرفه عنه، أو يكون على انصرافه عنه دليل يعلم به الانصراف عما هو في سياقه». ثم قال عن القول الخامس: «ولولا أن أقوال أهل التأويل مضت بما ذكرت عنهم من التأويل، وأنا لا نستجيز خلافهم فيما جاء عنهم؛ لكان وجهًا يحتمله التأويل أن يقال: ولا تجهر بصلاتك التي أمرناك بالمخافتة بها، وهي صلاة النهار؛ لأنها عجماء، لا يجهر بها، ولا تخافت بصلاتك التي أمرناك بالجهر بها، وهي صلاة الليل، فإنها يجهر بها ﴿وابتغ بين ذلك سبيلا﴾ بأن تجهر بالتي أمرناك بالجهر بها، وتخافت بالتي أمرناك بالمخافتة بها، لا تجهر بجميعها، ولا تخافت بكلها. فكان ذلك وجهًا غير بعيد من الصحة، ولكنا لا نرى ذلك صحيحًا لإجماع الحجة من أهل التأويل على خلافه»
عن علي، قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا﴾، قلت: يا رسول الله، هل الوَفْدُ إلا الرَّكب؟ قال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده، إنّهم إذا خرجوا مِن قبورهم اسْتُقْبِلوا بنُوق بِيض لها أجنحة، وعليها رِحالُ الذَّهب، شُرُكُ نعالهم نور يَتَلَأْلَأ، كل خُطوة منها مثلُ مدِّ البصر، وينتهون إلى باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، وإذا شجرة على باب الجنة ينبع مِن أصلها عينان، فإذا شربوا مِن إحدى العينين فتغسل ما في بطونهم مِن دَنَس، ويغتسلون مِن الأخرى، فلا تشعث أبشارُهم ولا أشعارُهم بعدها أبدًا، فيضربون بالحلقة على الصفيحة، فلو سمعت طنين الحلقة، يا علي! فيبلغ كلَّ حوراء أنّ زوجها قد أقبل، فتَسْتَخِفُّها العجلة، فتبعث قَيِّمَها، فيفتح له الباب، فإذا رآه خرَّ له ساجدًا، فيقول: ارفع رأسك، إنّما أنا قيِّمُك، وُكِلْتُ بأمرك. فيتبعه، ويقفو أثره، فتَسْتَخِفُّ الحوراءَ العَجَلةُ، فتخرج مِن خيام الدر والياقوت حتى تعتنقَه، ثم تقول: أنت حِبِّي، وأنا حِبُّك، وأنا الراضية فلا أسخط أبدًا، وأنا الناعمة فلا أبأس أبدًا، وأنا الخالدة فلا أموت أبدًا، وأنا المقيمة فلا أظْعَنُ أبدًا. فيدخل بيتًا مِن أساسه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بُنِي على جَندَلِ اللؤلؤ والياقوت، طرائقُ حمرٌ، وطرائقُ خضرٌ، وطرائقُ صفرٌ، ما منها طريقة تُشاكِل صاحبتها، وفي البيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون فراشًا، عليها سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حُلَّة، يُرى مُخُّ ساقها مِن وراء الحُلَلِ، يقضي جماعَهن في مقدار ليلة من لياليكم هذه، تجري مِن تحتهم الأنهار مُطَّرِدة؛ أنهار من ماء غير آسن، صافٍ ليس فيه كَدَر، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، ولم يخرج من ضروع الماشية، وأنهار من خمر لذة للشاربين، لم تعصرها الرجال بأقدامها، وأنهار من عسل مصفى، لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار فإن شاء أكل قائمًا، وإن شاء أكل قاعدًا، وإن شاء أكل مُتَّكِئًا، فيشتهي الطعامَ، فتأتيه طير بيض، فترفع أجنحتها، فيأكل مِن جنوبها أيَّ لون شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملَك، فيقول: سلام عليكم، تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون»