اختُلف في المراد بالزكاة على أقوال: الأول: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهّرهم، وتزكّي أبدانهم، ولا يوحِّدونه. الثاني: النفقة في الطاعات. الثالث: زكاة المال. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠/٣٨٠) -مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية، وكونه الأشهر في معنى الزكاة- القولَ الأخير الذي قاله الحسن، وقتادة، والسُّدّيّ، ومجاهد، والربيع، فقال: «وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن في قوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ دليلًا على أن ذلك كذلك؛ لأن الكفار الذين عُنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ مرادًا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله؛ لم يكن لقوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ معنى؛ لأنه معلوم أنّ مَن لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي إتباع الله قوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ قولَه: ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ ما ينبئ عن أنّ الزكاة في هذا الموضع معنيٌّ بها زكاة الأموال». ورجَّح ابنُ عطية (٧/٤٦٤) القول الأول الذي قاله ابن عباس، وعكرمة مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «ويرجِّح هذا التأويل أنّ الآية من أوَّل المكيّ، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي: تطهيرهما من الشرك والمعاصي». ورجَّح ابنُ تيمية (٥/٤٥٦) -مستندًا إلى النظائر- أن الآية تتناول كل ما يتزكّى به الإنسان من التوحيد والأعمال الصالحة، كقوله: ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ [النازعات:١٨]، وقوله: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى:١٤]. وانتقد ابنُ كثير (١٢/٢١٩) القول الأخير مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «وفيه نظر؛ لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة، على ما ذكره غير واحد، وهذه الآية مكية». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٥/٤٥٦)، ثم وجَّهه بقوله: «اللهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصلُ الزكاة الصدقة كان مأمورًا به في ابتداء البعثة، كقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:١٤١]، فأما الزكاة ذات النُّصب والمقادير فإنما بُيّن أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعًا بين القولين، كما أن أصل الصلاة كان واجبًا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف فرض الله على رسوله ﷺ الصلوات الخمس، وفصّل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئًا فشيئًا»
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿يسألونك ماذا ينفقون﴾ الآية، قال: يوم نزلت هذه الآية لم يكن زكاة
اختُلِف في معنى «الكنز» على ثلاثة أقوال: أولها: أنّه كلُّ مالٍ وجَبَت فيه الزكاة فلم تُؤَدَّ زكاته، سواء كان مدفونًا أو غير مدفون. وثانيها: أنّه كلُّ مالٍ زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز، أدّيت منه الزكاة أو لم تُؤَدَّ. وثالثها: أنّه كلُّ ما فضل من المالِ عن حاجة صاحبه إليه. ورجَّحَ ابنُ جرير (١١/٤٣٠ بتصرف) القولَ الأولَ، وهو قول ابن عمر، وعكرمة، والسديّ، وعامر الشعبيّ استنادًا إلى السّنّة، والدلالة العقلية، وعلَّلَ ذلك بقوله: «وذلك أنّ الله أوجب في خمس أواقٍ من الوَرِق على لسان رسوله رُبع عُشْرها، وفي عشرين مثقالًا من الذهب مثل ذلك رُبْع عشرها، فلو كان ما زادَ من المال على أربعة آلاف درهم، أو ما فضل عن حاجة ربِّه التي لا بد منها مما يستحق صاحبُه باقتنائه -إذا أدّى إلى أهل السُّهْمان حقوقهم منها من الصدقة- وعيدَ الله، لم يكن اللازمُ ربَّه فيه رُبْع عشره، بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهله، وصرفه فيما يجب عليه صرفه». ثم ذكر حديث أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما من رجل لا يُؤَدِّي زكاةَ ماله إلا جُعل يوم القيامة صفائحَ من نار يُكْوى بها جبينه وجبهته وظهره...»«. ثم قال (١١/٤٣٢):»وفي نظائر ذلك من الأخبار التي كرهنا الإطالة بذكرها الدلالةُ الواضحة على أنّ الوعيد إنّما هو من الله على الأموال التي لم تُؤَدَّ الوظائفُ المفروضةُ فيها لأهلها من الصدقة، لا على اقتنائها واكتنازها. وفيما بيّنا من ذلك البيانُ الواضح على أن الآية لخاصٍّ، كما قال ابن عباس"". وعلَّقَ ابنُ عطية (٤/١٣٨ بتصرف) على القولين الثاني والثالث بقوله: «هذان القولان يقتضيان أنّ الذمَّ في حَبْسِ المال، لا في مَنعِ زكاته فقط. ولكن قال عمر بن عبد العزيز: هي منسوخة بقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ فأتى فرض الزكاة على هذا كله. كأنّ مضمن الآية: لا تجمعوا مالًا فتُعَذَّبوا. فنسخه التقرير الذي في قوله: ﴿خذ من أموالهم﴾»
عن أبي جعفر [الباقر] -من طريق إسماعيل بن عبد الملك- قال: ليس في الحُلِيِّ زكاة. ثم قرأ: ﴿وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها﴾
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾، قال: هم المنافقون، يمنعون زكاة أموالهم
انتَقَدَ ابنُ جرير (٣/٦٩٢-٦٩٣) هذا القولَ الذي قال به مجاهد، وكذا قول ابن عباس من طريق عطية العوفي أنّ العفو هو: ما أخرجه ربُّ المالِ إلى إمامه قليلًا أو كثيرًا. مستندًا إلى دلالة عقلية، ومخالفته ظاهر لفظ الآية، فقال: «فإن قال لنا قائلٌ: وما تُنكِرُ أن يكون ذلك العَفْوُ هو الصدقةَ المفروضةَ؟ قيل: أنكرنا ذلك لقيام الحُجَّة على أن مَن حَلَّت في ماله الزكاةُ المفروضةُ، فهلك جميعُ مالِه إلا قَدْرَ الذي لزم مالَه لأهلِ سُهمانِ الصدقة؛ أنّ عليه أن يُسَلِّمه إليهم، إذا كان هلاكُ ماله بعد تفريطه في أداء الواجب كان لهم في ماله إليهم، وذلك لا شكَّ أنه جُهدُه -إذا سلَّمه إليهم- لا عَفْوُه، وفي تسمية الله -جل ثناؤه- ما علَّم عباده وجهَ إنفاقِهم من أموالهم: عَفْوًا، ما يُبْطِل أن يكون مُسْتَحِقًّا اسمَ جُهْدٍ في حالة. وإذا كان ذلك كذلك فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن زعم أنّ معنى العفوِ هو: ما أخرجه ربُّ المال إلى إمامه فأعطاه كائنًا ما كان من قليل ماله وكثيره، وقول من زعم أنّه: الصدقة المفروضة»
عن ربيعة بن كُلْثُوم، قال: حدّثني أبي، قال لي مُسْلِم بن يَسار: إنّ الصلاة صلاتان، وإن الزَّكاة زكاتان، واللهِ، إنّه لفي كتاب الله، أقرأ عليك به قرآنًا؟ قلت له: اقرأ. قال: فإنّ الله يقول في كتابه: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى المساكين وابن السبيل﴾ فهذا وما دونه تَطَوُّعٌ كلّه، ﴿وأقام الصلاة﴾ على الفريضة، ﴿وآتى الزكاة﴾، فهاتان فريضتان
ذكر ابنُ عطية (٦/٢٧٩) أن هذا القول بيِّن، ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل اللفظ أن يريد بالزكاة: الفضائل، كأنه أراد الأزكى مِن كل فعل، كما قال تعالى: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨١]». وعلَّق ابنُ كثير (١٠/١٠٨)بقوله: «الأكثرون على أن المراد بالزكاة هاهنا: زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام [١٤١]، وهي مكية: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾». ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا: زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله: ﴿قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها﴾ [الشمس:٩-١٠]، وكقوله: ﴿وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت:٦-٧]، على أحد القولين في تفسيرها. وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال؛ فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يتعاطى هذا وهذا»
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾: أي: المال والخيل، أو الخير من المال
عن أبي هريرة، قال: لَمّا تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ، وكان أبو بكر بعده، وكَفَرَ مَن كَفَرَ مِن العرب؛ قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتلُ الناسَ وقد قال رسول الله ﷺ: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمَن قال: لا إله إلا الله. عَصَمَ مِنِّي مالَه، ونفسَه، إلا بحقِّه، وحسابُه على الله»؟! فقال أبو بكر: واللهِ، لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإنّ الزكاة حقُّ المال، واللهِ، لو منعوني عَناقًا كانوا يُؤَدُّونها إلى رسول الله ﷺ لَقاتلتُهم على منعها. قال عمر: فواللهِ، ما هو إلا أن قد شُرِح صدرُ أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنّه الحق