قال محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: فلَم يُنكَر ذلك مِن قولهما [أي: قول عائشة ومعاوية]؛ لقول الحسن: إنّ هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء:٦٠]. ولقول الله في الخبر عن إبراهيم إذ قال لابنه: ﴿يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ [الصافات:١٠٢]. ثم مَضى على ذلك، فعرفت أنّ الوحي يأتي بالأنبياء مِن الله أيقاظًا ونيامًا، وكان رسول ﷺ يقول: «تنام عيني وقلبي يقظان». فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه، وعاين فيه مِن أمر الله ما عايَن، على أيِّ حالاته كان، نائمًا أو يقظانَ، كل ذلك حقٌّ وصِدق
عن أبي مسلم الخولاني، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ لقمان كان عبدًا كثير التفكر، حسن الظن، كثير الصمت، أحبَّ الله فأحبه الله، فمَنّ عليه بالحكمة، نودي بالخلافة قبل داود عليه السلام، فقيل له: يا لقمان، هل لك أن يجعلك اللهُ خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق؟ قال لقمان: إن أجبرني ربي قبلتُ؛ فإنِّي أعلم أنّه إن فعل ذلك أعانني وعلّمني وعصمني، وان خيّرني ربي قبلتُ العافية، ولم أسأل البلاء. فقالت الملائكة: يا لقمان، لِمَ؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها؛ يغشاه الظلم من كل مكان، فيُخذل أو يُعان، فإن أصاب فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومَن يكون في الدنيا ذليلًا خير من أن يكون شريفًا ضائعًا، ومَن يختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا، ولا يصير إلى ملك الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة، فغطَّ بالحكمة غطًّا، فانتبه، فتكلم بها، ثم نودي داود بعده بالخلافة فقبلها، ولم يشترط شرط لقمان، فأهوى في الخطيئة، فصفح الله عنه وتجاوز، وكان لقمان يؤازره بعلمه وحكمته، فقال داود عليه السلام: طوبى لك، يا لقمان، أوتيت الحكمة فصُرفت عنك البلية، وأوتي داود الخلافة فابتُلِي بالذنب والفتنة»
اختلف في حكم سهم رسول الله ﷺ وسهم ذي القربى بعده، على أقوال: الأول: يُصْرَفان في معونة الإسلام وأهله. والثاني: هما لولي الأمر. والثالث: الخمس كله لقرابة النبي ﷺ. والرابع: سهم رسول الله ﷺ مردود في الخمس، والخمس مقسوم على ثلاثة أسهم: على اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. ونسبه ابنُ جرير لطائفة من العراق. ورجَّح ابنُ جرير (١١/١٩٩-٢٠٠) مستندًا إلى الدلالات العقلية القولَ الأولَ الذي قاله ابن عباس من طريق علي، والضحاك بن مزاحم، والحسن البصري، والحسن بن محمد، وقتادة، وإبراهيم، فقال: «لأن الله أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات، كما أوجب الأربعة الأخماس لآخرين، وقد أجمعوا أنّ حقّ الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم، فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم، فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم، كما غير جائز أن تخرج بعض السُّهمان التي جعلها الله لمن سماه في كتابه بفقد بعض من يستحقه إلى غير أهل السُّهمان الأُخَر». وعلَّق ابنُ كثير (٧/٨٦) على هذا القول بقوله: «وهذا قول طائفة كبيرة من العلماء»
ذَهَبَ ابنُ تيمية (١/٥٩٦) إلى ما ذهب إليه مجاهد، والحسن من أنّ التثبيت هو التثبُّت، استنادًا إلى نظائره من القرآن، فقال: «والتثبيت هو التثبت، كقوله: ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا﴾ [النساء:٦٦]، وكقوله: ﴿وتبتل إليه تبتيلًا﴾ [المزمل:٨]. ويشبه -والله أعلم- أن يكون هذا من باب قدّم وتقدّم، كقوله: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات:١]». لكنّ ابنُ جرير (٤/٦٧٠-٦٧١)، وابنُ عطية (٢/٦٦) انتَقَدا قولَ مجاهد والحسن ومن نحا نحوهم، استنادًا إلى لغة العرب. قال ابنُ جرير: «وهذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد والحسن تأويل بعيد المعنى مما يدلّ عليه ظاهر التلاوة». وبيَّن أنّه لو كان التأويل كما قالوا لكانت العبارة: وتثَبُّتًا من أنفسهم. ثم أبطل حجة مَن زعم أنّ ﴿تثبيتًا﴾ مصدر غير قياسي للفعل تثَبَّتَ. وكذلك فعل ابنُ عطية، فقال: «إن قال محتَجٌّ: إنّ هذا من المصادر التي خرجت على غير المصدر، كقوله تعالى: ﴿وتبتل إليه تبتيلًا﴾ [المزمل:٨]، وكقوله: ﴿أنبتكم من الأرض نباتًا﴾ [نوح:١٧]. فالجواب: أنّ هذا لا يسوغ إلا مع ذكر المصدر، والإفصاح بالفعل المتقدِّم للمصدر، وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتي بمصدر في غير معناه، ثم تقول: أحمِلُه على فعل كذا وكذا. لفعل لم يتقدم له ذكر، هذا مهيع كلام العرب فيما علمت»
عن عطاء، قال: لَمّا سجدت الملائكة لآدم نَفَر إبليس نَفْرَة، ثُمَّ ولّى مُدْبِرًا، وهو يلتفت أحيانًا ينظر هل عصى ربَّه أحدٌ غيرُه، فعصمهم الله، ثم قال الله لآدم: قُمْ، يا آدم، فسَلِّم عليهم. فقام، فسَلَّم عليهم، وردوا عليه، ثم عرض الأسماء على الملائكة، فقال الله لملائكته: زعمتم أنكم أعلم منه، ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾. قالوا: ﴿سبحانك﴾ إنّ العلم منك ولك، و﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾. فلما أقَرُّوا بذلك قال: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾. فقال آدم: هذه ناقة، جمل، بقرة، نَعْجَة، شاة، فَرَس، وهو من خلق ربي. فكل شيء سَمّى آدمُ فهو اسمه إلى يوم القيامة، وجعل يدعو كُلَّ شيء باسمه حِين يَمُرُّ بين يديه، حتى بَقِي الحمار، وهو آخر شيء مَرَّ عليه، فخالف الحمار من وراء ظهره، فدعا آدم: أقْبِل، يا حمار. فعلمت الملائكة أنه أكرم على الله، وأعلم منهم، ثم قال له ربه: يا آدم، ادخل الجنة تُحَيّى وتُكرَمْ. فدخل الجنة، فنهاه عن الشجرة قبل أن يخلق حواء، فكان آدم لا يستأنس إلى خَلْقٍ في الجنة، ولا يسكن إليه، ولم يكن في الجنة شيء يشبهه، فألقى الله عليه النوم، وهو أول نوم كان، فانتزعت من ضلعه الصُّغْرى من جانبه الأيسر، فخُلِقَت حواء منه، فلما استيقظ آدم جلس، فنظر إلى حواء تشبهه، من أحسن البشر -ولكل امرأة فضل على الرجل بضلع-، وكان الله عَلَّم آدم اسم كل شيء، فجاءته الملائكة فَهَنَّوه، وسلَّموا عليه، فقالوا: يا آدم، ما هذه؟ قال: هذه مرأة. قيل له: فما اسمها؟ قال: حَوّاء. فقيل له: لِمَ سَمَّيْتَها حَوّاء؟ قال: لأنّها خُلِقَت من حيٍّ. فنُفِخ بينهما من روح الله، فما كان من شيء يتراحم الناس به فهو من فَضْل رحمتها
عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: جاء رجل إلى أبي ذر، فقال: ما الإيمان؟ فتلا عليه هذه الآية: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ حتى فرغ منها. فقال الرجل: ليس عن البِرِّ سألتك. فقال أبو ذر: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فسأله عَمّا سألتني، فقرأ عليه هذه الآية، فأبى أن يرضى كما أبَيْتَ أن ترضى، فقال له رسول الله ﷺ: «ادْنُ». فدنا، فقال: «المؤمنُ إذا عَمِل الحسنةَ سَرَّتْهُ ورَجا ثوابَها، وإذا عمل السَّيِّئَةَ أحْزَنَتْهُ وخافَ عِقابَها»
عن أبي هريرة، قال: قال عليُّ بن أبي طالب: يا رسول الله، أيما أحب إليك أنا أم فاطمة؟ قال: «فاطمة أحبُّ إلَيَّ منك، وأنت أعَزُّ عَلَيَّ منها، وكأنِّي بك وأنت على حوضي تَذُودُ عنه الناسَ، وإنّ عليه لَأباريق مثل عدد نجوم السماء، وإنِّي وأنت والحسن والحسين وفاطمة وعقيل وجعفر في الجنة إخوانا على سرر متقابلين، أنت معي، وشيعتك في الجنة». ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿إخوانا على سرر متقابلين﴾، لا ينظر أحدُهم في قَفا صاحبِه
عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «أول زُمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على إثرهم كأشد كوكب إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، لكل امرئ منهم زوجتان، كل واحدة منهما يرى مخ ساقها مِن وراء لحمها مِن الحُسْن، يُسبِّحون اللهَ بُكرةً وعشيًّا، لا يسقمون، ولا يمتخطون، ولا يبصقون، آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الأَلَوَّة -قال أبو اليمان: يعني: العود-، ورشْحُهم المِسْك»
هذا القولُ الذي قاله مجاهد مَبْنِيٌّ على قراءة (كَذَبُوا) بالفتح، وهو ما انتقده ابنُ جرير (١٣/٣٩٩) مستندًا لإجماع القراء، فقال: «وهذه القراءة لا أستجيز القراءة بها؛ لإجماع الحجة من قراء الأمصار على خلافها». ثم قال: «ولو جازت القراءة بذلك لاحتمل وجهًا من التأويل، وهو أحسن مِمّا تأوله مجاهد، وهو: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ من عذاب الله قومَها المكذبة بها، وظنَّت الرسلُ أنّ قومها قد كذبوا وافتروا على الله بكفرهم بها. ويكون الظن مُوَجَّهًا حينئذ إلى معنى العلم، على ما تأوله الحسن وقتادة»
عن محمد بن الحسن الشَّيْبانيّ: أنّ أبا حنيفة صَلّى بهم في شهر رمضان، وقرأ حروفًا اختارها لنفسه من الحروف التي قَرَأَهُنَّ الصحابة والتابعون، فقرأ: (مَلَكَ يَوْمَ الدِّينِ) على مثال: فَعَل، ونصب اليومَ، جعله مفعولًا