اختُلف في قوله: ﴿في عِلِّيّين﴾ على أقوال: الأول: السماء السابعة. الثاني: قائمة العرش اليمنى. الثالث: عند سِدرة المنتهى. الرابع: الجنة. الخامس: في السماء عند الله. وذكر ابنُ عطية (٨/٥٦٢) هذه الأقوال، ثم علّق قائلًا: «والمعنى: أن كتابهم الذي فيه أعمالهم هنالك تهممًا بها وترفيعًا لها، وأعمال الفُجّار في سِجِّين في أسفل سافلين». وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/٢١٠-٢١١ بتصرف) جملةَ هذه الأقوال؛ لدلالة اللغة، والإجماع، وعدم التخصيص، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أخبر أنّ كتاب الأبرار في عِلِّيّين؛ والعِلِّيّون جمع، معناه: شيء فوق شيء، وعلوّ فوق علوّ، وارتفاع بعد ارتفاع، فلذلك جُمعتْ بالياء والنون، كجمع الرجال. فإذا كان ذلك كالذي ذكرنا فبيّنٌ أنّ قوله: ﴿لفي عِلِّيّين﴾ معناه: في علوٍّ وارتفاع، في سماء فوق سماء، وعلوّ فوق علوّ. وجائز أن يكون ذلك إلى السماء السابعة، وإلى سِدرة المنتهى، وإلى قائمة العرش، ولا خبر يقطع العذر بأنه معنيٌّ به بعض ذلك دون بعض، والصواب أن يقال في ذلك كما قال -جلّ ثناؤه-: إنّ كتاب أعمال الأبرار لَفي ارتفاع إلى حدٍّ قد علم الله -جلّ وعزّ- منتهاه، ولا عِلْم عندنا بغايته، غير أنّ ذلك لا يقصر عن السماء السابعة؛ لإجماع الحجّة من أهل التأويل على ذلك». وذكر ابنُ كثير (١٤/٢٨٨) اختلاف السلف في عِلِّيّين، ثم قال مستندًا إلى دلالة الواقع، والسياق: «والظاهر: أنّ عِلِّيّين مأخوذ من العلوّ، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع؛ ولهذا قال معظّمًا أمره ومفخمًا شأنه: ﴿وما أدراك ما عِلِّيّون﴾، ثم قال مُؤكِّدًا لما كتب لهم: ﴿كتاب مرقوم يشهده المُقرَّبون﴾ وهم الملائكة. قاله قتادة». وزاد ابنُ عطية (٨/٥٦٢) عن مكيٍّ أنه قال: «وقيل: هو في السماء الرابعة»
عن فَرْوَة بن مُسَيْك المرادي، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ، فقلتُ: يا رسول الله، ألا أُقاتِلُ مَن أدْبَرَ مَن قومي بِمَن أقْبَلَ منهم؟ فأْذَن لي في قتالهم، وأمِّرْني. فلما خرجت من عنده أرسل في أثري، فرَدَّني، فقال: «ادعُ القومَ، فمَن أسلم منهم فاقبل منه، ومَن لم يُسلم فلا تعجل حتى أُحْدِثَ إليك». وأُنزل في سبأ ما أنزل، فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ، أرض أم امرأة؟ قال: «ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولَد عشرة مِن العرب، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخْم، وجُذام، وغسان، وعامِلة. وأَمّا الذين تيامنوا: فالأَزد، والأشعريون، وحِمْير، وكِنْدة، ومذْحِج، وأنمار». فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثْعَم، وبَجِيلة»[[أخرجه أحمد ٣٩/٥٢٧-٥٢٩ (٢٤٠٠٩/٨٧-٨٨)، والترمذي ٥/٤٣٤-٤٣٥ (٣٥٠١) واللفظ له، وأبو داود مختصرًا ٦/١١٤ (٣٩٨٨)، وابن جرير ١٩/٢٤٤-٢٤٥، ٢٤٦. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وقال ابن كثير ٦/٥٠٤ عن إسناد أحمد: «وهذا أيضًا إسناد جيد، وإن كان فيه أبو جناب الكلبي، وقد تكلموا فيه. لكن رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن العنقزي، عن أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانئ المرادي، عن عمه أو عن أبيه -يشك أسباط- قال: قدم فروة بن مسيك على رسول الله ﷺ، فذكره».]]
عن عبد الله بن عباس -من طريق عبيد الله بن عبد الله- أنّه قال: ما نَصَرَ اللهُ نبيَّه في مَوْطِنٍ كما نصر يومَ أحد. فأنكروا ذلك! فقال ابنُ عباس: بيني وبين مَن أنكر ذلك كتابُ الله؛ إنّ الله يقول في يوم أحد: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ يقول ابن عباس: والحَسُّ: القتلُ. ﴿حتى إذا فشلتم﴾ إلى قوله: ﴿ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ وإنّما عنى بهذا الرماة، وذلك أنّ النبيَّ ﷺ أقامهم في موضع، ثم قال: «احْمُوا ظهورَنا، فإن رأيتمونا نُقْتَلُ فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنِمنا فلا تشاركونا». فلَمّا غنِم النبيُّ ﷺ، وأباحوا عسكر المشركين؛ انكَفَأَتِ الرُّماةُ جميعًا، فدخلوا في العسكر يَنتَهِبُون، والتَفَّتْ صفوف المسلمين فهم هكذا -وشَبَّك بين يديه- والتبسوا، فلَمّا أخَلَّ الرُّماةُ تلك الخَلَّة التي كانوا فيها؛ دخل الخيلُ من ذلك الموضع على الصحابة، فضرب بعضُهم بعضًا، والتبسوا، وقُتِل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله ﷺ وأصحابه أوَّل النهار، حتى قُتِل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جَوْلَةً نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغار. إنما كانوا تحت المِهْراس، وصاح الشيطان: قُتِل محمد. فلم يُشَكَّ فيه أنّه حقٌّ، فما زِلْنا كذلك ما نَشُكُّ أنّه قُتِل حتى طلع بين السَّعْدَيْن، نعرِفُه بتَكَفُّئِهِ إذا مشى، ففرحنا، حتى كأنّه لم يُصِبْنا ما أصابنا، فرَقِي نحونا وهو يقول: «اشْتَدَّ غضبُ اللهِ على قومٍ دَمَّوْا وجهَ نبيِّهم». ويقول مرة أخرى: «اللَّهُمَّ، إنّه ليس لهم أن يعلونا». حتى انتهى إلينا، فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: اعلُ، هُبَل. اعْلُ، هُبَل. أين ابنُ أبي كَبْشَة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: ألا أُجِيبُه، يا رسول الله؟ قال: «بلى». فلمّا قال: اعلُ، هُبَل. قال عمر: اللهُ أعلى وأجلُّ. فعاد، فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ فقال عمر: هذا رسولُ الله، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر. فقال: يومٌ بيوم بدر، الأيّامُ دُوَلٌ، والحربُ سِجالٌ. فقال عمرُ: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال: إنّكم لَتَزْعُمُون ذلك؛ لقد خِبْنا إذن وخسِرنا. ثُمَّ قال أبو سفيان: إنّكم ستجدون في قتلاكم مُثْلَةً، ولم يكن ذلك عن رأي سُراتِنا. ثُمَّ أدْرَكَتْهُ حَمِيَّةُ الجاهلية، فقال: أما إنّه كان ذلك ولم نكرهه
وجَّه ابن كثير (٧/٧٤) قولَ ابن عباس والسدي قائلًا: «وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة، كقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس:٢٨]، وقال تعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤]، وقال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣]، وقال تعالى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]. ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون»اللام«مُعَلِّلة لِما جعل الله للكفار من مال ينفقونه في الصد عن سبيل الله، أي: إنما أقْدَرْناهم على ذلك: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك، كقوله: ﴿وما أصابَكُمْ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ * ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ الآية [آل عمران:١٦٦، ١٦٧]، وقال تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلى الغَيْبِ﴾ الآية [آل عمران:١٧٩]، وقال تعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، ونظيرتها في براءة أيضًا». ووجَّهه ابن عطية (٤/١٨٨) قائلًا: «واللام -على هذا التأويل- من قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾ متعلق بـ﴿يُحْشَرُونَ﴾، والمعنى: أنّ الله يحشر الكافرين إلى جهنم لِيَمِيز الكافرين من المؤمنين بأن يجمع الكافرين جميعًا فيلقيهم في جهنم». وزاد ابن عطية قولًا آخر حكاه عن ابن سلّام والزجاج أنهما قالا: «المعني بـ»الخبيث«المال الذي أنفقه المشركون في الصد عن سبيل الله، والطيب هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل الله». ووجّهه بقوله: «واللام على هذا التأويل من قوله ﴿ليميز﴾ متعلقة بـ﴿يغلبون﴾، والمعنى: الكفار ينفقون أموالهم فتكون عليهم حسرة ثم يغلبون مع نفقتها، وذلك ليميز الله الفرق بين الخبيث والطيب فيخذل أهل الخبيث وينصر أهل الطيب، وقوله تعالى -على هذا التأويل-: ﴿ويجعل الخبيث بعضه على بعض﴾ إلى قوله: ﴿في جهنم﴾ مترتب على ما رُوي عن رسول الله ﷺ أن الله تعالى يخرج من الأموال ما كان صدقة أو قربة يوم القيامة ثم يأمر بسائر ذلك فيلقى في النار»
عن عبد الله بن عمر -من طريق عبد الله بن دينار- أنّ رجلًا أتاه، فسأله عن: ﴿السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما﴾. قال: اذهب إلى ذلك الشيخ، فاسأله، ثم تعال فأخبرني ما قال. فذهب إلى ابن عباس، فسأله، قال: نعم، كانت السماء رَتْقًا لا تُمْطِر، وكانت الأرض رَتْقاء لا تُنبِت، فلمّا خلق اللهُ للأرض أهلًا فَتَقَ هذه بالمطر، وفَتَقَ هذه بالنبات. فرجع الرجلُ إلى ابن عمر، فأخبره، فقال ابن عمر: الآن علمتُ أنّ ابن عباس قد أُوتِي في القرآن عِلْمًا، صدق ابنُ عباس، هكذا كانت
بيَّن ابن جرير (١٠/٦٧) أنّ قول ابن عباس غير بعيد من الحق، غير أنه انتَقَده مستندًا إلى مخالفته السنة بأنّ «الصحيح من الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحد إلا سيُكَلِّمه ربُّه يوم القيامة، ليس بينه وبينه تُرْجُمان، فيقول له: أتَذْكُر يوم فعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا؟ حتى يُذَكِّرَه ما فعل في الدنيا». والتسليم لخبر رسول الله ﷺ أوْلى من التسليم لغيره». ووجَّه ابن عطية (٣/٥١٤) قول ابن عباس، فقال: «يُشبِه أن يكون الكلام هنا استعارةً؛ إذ كل شيء فيه مُقَيَّد»
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- في قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ، يقول الله لنبيه: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾[[أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١/٥٤٢-، وابن جرير ٢/٢٧٣، وابن أبي حاتم ١/١٧٧.]][[c=٣٧٣]]
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن جُرَيْج- قال يقول: ائْتُوا النساءَ في غير أدبارِهِنَّ على كُلِّ نحو، قال ابن جُرَيْج: سمعتُ عطاء بن أبي رباح قال: تذاكرنا هذا عند ابن عباس، فقال ابنُ عباس: ائْتُوهُنَّ من حيث شئتم؛ مُقْبِلَةً ومُدْبِرةً، فقال رجل: كأنّ هذا حلالٌ! فأنكر عطاء أن يكون هذا هكذا، وأنكره، كأنّه إنّما يُرِيد الفَرْجَ؛ مقبلةً ومدبرةً في الفَرْج
عن مجاهد بن جبر -من طريق شبل عن ابن أبي نجيح- ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾: هم من قريش، عن شبل: وزعم [القاسم] بن أبي بزَّة أنهم: العاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة الوحيد، والحارث بن عدي بن سهم ابن الغيطلة، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العُزّى بن قصي، وهو أبو زمعة، والأسود بن عبد يغوث، وهو ابن خال رسول الله - ﷺ -
عن عكرمة مولى ابن عباس، ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾، قال: أطفال المشركين، قال ابن عباس: الموءودة هي المدفونة، كانت المرأة في الجاهلية إذا هي حَملتْ فكان أوان ولادها حَفرتْ حفرة، فتمخّضتْ على رأس تلك الحفرة، فإن ولدت جارية رَمتْ بها في تلك الحفرة، وإن ولدتْ غلامًا حبستْه. قال ابن عباس: فمَن زعم أنهم في النار فقد كذب، بل هم في الجنة