قال مقاتل بن سليمان: فـ﴿قالُوا أُوذِينا﴾ في سببك ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا﴾ بالرسالة. يعنون الأذى: قتل الأبناء، وترك البنات، ﴿و﴾أوذينا ﴿مِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ بالرسالة. يعنون: حين كلّفهم فرعون من العمل ما لم يُطِيقوا؛ مُضارَّةً باتباعهم موسى عليه السلام، ﴿قالَ﴾ موسى: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ يعني: فرعون وقومه، ﴿ويَسْتَخْلِفَكُمْ﴾ من بعد هلاكهم ﴿فِي الأَرْضِ﴾ يعني: أرض مصر، ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. فإنّما قال لهم موسى عليه السلام ذلك من قول الله تعالى في القصص [٥-٦]: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ... ﴾ إلى آيتين، ففعل اللهُ ذلك بهم، فأهلك عدوهم، واستخلفهم في الأرض، فاتَّخذوا العِجْل
قال يحيى بن سلّام: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ يعني: ألَكُم ﴿مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَواءٌ﴾ يعني: شرعًا سواء، أي: هل يُشارك أحدُكم مملوكَه في زوجته وماله فأنتم فيه سواء ﴿تَخافُونَهُمْ﴾ تخافون لائمتهم ﴿كَخِيفَتِكُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ كخيفة بعضكم بعضًا، أي: أنه ليس أحد منكم هكذا، فأنا أحقٌّ ألّا يشرك بعبادتي غيري، فكيف تعبدون دوني غيري تشركونه في إلهيتي وربوبيتي؟! وهي مثل قوله: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ [النحل: ٧١]، ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ نبيّن الآيات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وهم المؤمنون
عن عائشة -من طريق عُروة- قالت: كانت غزوة بني النَّضِير -وهم طائفة من اليهود- على رأس ستة أشهُر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونَخلهم في ناحية المدينة، فحاصَرهم رسولُ الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنّ لهم ما أقلّتِ الإبل مِن الأمتعة والأموال، إلا الحَلْقَة، يعني: السلاح؛ فأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا﴾، فقاتلهم النبيُّ ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، وأجلاهم إلى الشام، وكانوا مِن سِبطٍ لم يُصبهم جلاءٌ فيما خلا، وكان اللهُ قد كَتب عليهم ذلك، ولولا ذلك لَعذّبهم في الدنيا بالقتْل والسّبي. وأما قوله: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ فكان جلاؤهم ذلك أول حَشرٍ في الدنيا إلى الشام
قال مقاتل بن سليمان: لَمّا نزلت براءةُ بَعَثَ النبيُّ ﷺ أبا بكر الصديق على حَجِّ الناس، وبعث معه ببراءة مِن أول السورة إلى تسع آيات. فنزل جبريل، فقال: يا محمد، إنّه لا يُؤَدِّي عنك إلا رجل منك. ثم أتبعه عليَّ بن أبي طالب، فأدركه بذي الحُلَيْفَة على ناقة رسول الله ﷺ، فأخذها منه، ثم رجع أبو بكر إلى النبي ﷺ، فقال له: بأبي أنت وأمي، هل أنزل الله فِيَّ مِن شيء؟ قال: «لا، ولكن لا يُبَلِّغ عني إلّا رجلٌ مِنِّي، أما ترضى -يا أبا بكر- أنّك صاحبي في الغار، وأنّك أخي في الإسلام، وأنّك تَرِدُ عَلَيَّ الحوض يوم القيامة؟». قال: بلى، يا رسول الله. فمضى أبو بكر على الناس، ومضى عليٌّ ببراءة من أول السورة إلى تسع آيات، فقام عليٌّ يومَ النحر بمنًى فقرأها على الناس. ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ من العهد غير أربعة أشهر، ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ نزلت في ثلاثة أحياء من العرب، منهم: خزاعة، ومنهم هلال بن عويمر، وفي مدلج منهم سراقة بن مالك بن [جُشْعُم] الكناني، وفي بني خزيمة بن عامر، وهما حيّان من كنانة، كان النبي ﷺ عاهدهم بالحديبية سنتين، صالح عليهم المخش بن خويلد بن عمارة بن المخش، فجعل الله عز وجل للذين كانوا في العهد أجلهم أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر من ربيع الآخر، ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ يقول: سيروا في الأرض ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ آمِنين حيثُ شِئتُم، ... ثم جعل مَن لا عهد له أجلُه خمسين يومًا من يوم النحر إلى انسلاخ الـمُحَرَّم
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: جاء رافعُ بن حارثة، وسلامُ بن مِشْكَم، ومالك بن الصَّيف، ورافعُ بن حُرَيْمِلة، فقالوا: يا محمد، ألستَ تَزْعُمُ أنك على ملة إبراهيم ودينِه، وتُؤمِنُ بما عندَنا مِن التوراة، وتَشْهَدُ أنها مِن الله حقٌّ؟ فقال النبي ﷺ: «بلى، ولكنَّكم أحْدَثْتم وجحَدْتُم ما فيها مما أُخِذ عليكم مِن الميثاق، وكتَمتم منها ما أُمِرْتم أن تُبَيِّنوه للناس، فبَرِئتُ مِن إحداثِكم». قالوا: فإنّا نأخُذُ بما في أيدينا؛ فإنّا على الهدى والحقِّ، ولا نُؤمِنُ بك، ولا نَتَّبِعُك. فأنزل الله فيهم: ﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل﴾ إلى قوله: ﴿القوم الكافرين﴾
اختُلف في معنى: ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنها كانت تحتطب الشوك، فتُلقيه في طريق رسول الله ليلًا. الثاني: أنها كانت تحطب الكلام، وتمشي بالنّميمة، وتُعيِّر رسول الله بالفقر. الثالث: الحطب: الخطايا، والمعنى: حمّالة الخطايا. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٧٠٨) القول الأول بقوله: «فبذلك سُمِّيتْ: حمّالة الحطب، وعلى هذا التأويل فـ﴿حَمّالة﴾ معرفة يُراد به الماضي». ووجَّه القول الثاني بقوله: «فـ﴿حَمّالة﴾ -على هذا- نكرةٌ يُراد به الاستقبال». ووجَّه ابنُ تيمية (٧/٢٤٣، ٢٤٤) القول الثاني بقوله: «﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ إن كان مثلًا للنّميمة لأنها تضرم الشّرّ فيكون حطب القلوب... ويستقيم أنْ يُفسّر حمْل الحطب بالنّميمة بحمل الوقود في الآخرة، كقوله: «مَن كان له لسانان» إلخ». ثم علَّق (٧/٢٤٤) بقوله: «وقد يقال: ذنبها أعظم، وحمْل النّميمة لا يوصف بالحبل في الجِيد وإن كان وصفًا لحالها في الآخرة، كما وصف بعْلها وهو يصلى وهي تحمل الحطب عليه، كما أعانته على الكفر، فيكون من حشر الأزواج، وفيه عِبرة لكل متعاونين على الإثم أو على إثم ما أو عدوان ما». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٧٢١) القول الأول لأنه الأظهر، وهو قول ابن عباس من طريق العَوفيّ وما في معناه. وكذا رجَّحه ابنُ كثير (١٤/٤٩٧)
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة مولى ابن عباس- قال: آزرُ: الصنم، وأبو إبراهيم اسمه: يازرُ، وأمُّه اسمها: مِثْلى، وامرأته اسمُها: سارة، وسُرِّيَّتُه أمُّ إسماعيل اسمها: هاجَر، وداود: ابن أمين، ونوح: ابن لَمكَ، ويونس: ابن متّى
قال ابن جريج: -من طريق ابن ثور-: وقال آخرون: طاعة الله، يعني: الفضل
عن ابن أبي نجيح -من طريق ابن عُلَيَّة- في قوله: ﴿يود أحدهم﴾، مثله
حدثني ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: