محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٧٤ من سورة آل عمران في ١٠٠ كتاب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١١ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٧٤ من سورة آل عمران

١٠٠ كتاب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَءٌ وَاتّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾ فانصرف الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح من وجههم الذي توجهوا فيه، وهو سيرهم في أثر عدوّهم إلى حمراء الأسد. ﴿بنعمةٍ من اللّهِ﴾ يعني : بعافية من ربهم لم يلقوا بها عدوّا. ﴿وفضل﴾ يعني : أصابوا فيها من الأرباح بتجارتهم التي اتجروا بها، والأجر الذي اكتسبوه. ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ يعني : لم ينلهم بها مكروه من عدوّهم ولا أذى. ﴿وَاتّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ﴾ يعني بذلك أنهم أرضَوا الله بفعلهم ذلك واتباعهم رسوله إلى ما دعاهم إليه من اتباع أثر العدوّ وطاعتهم. ﴿وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ يعني : والله ذو إحسان وطول عليهم بصرف عدوّهم الذي كانوا قد هموا بالكرّة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم، وعلى غيرهم بنعمه، عظيم عند من أنعم به عليه من خلقه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿فانْقَلَبُوا بنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ﴾ قال : والفضل : ما أصابوا من التجارة والأجر.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : وافقوا السوق فابتاعوا، وذلك قوله :﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ﴾ قال : الفضل ما أصابوا من التجارة والأجر. قال ابن جريج : ما أصابوا من البيع نعمة من الله وفضل، أصابوا عفوه وعزّته، لا ينازعهم فيه أحد. قال : وقوله :﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ قال : قتل، ﴿وَاتّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ﴾ قال : طاعة النبيّ ﷺ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ لما صرف عنهم من لقاء عدوّهم.
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : أطاعوا الله، وابتغوا حاجتهم، ولم يؤذهم أحد. ﴿فانْقَلَبُوا بنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : أعطي رسول الله ﷺ يعني : حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى ببدر دراهم ابتاعوا بها من موسم بدر، فأصابوا تجارة¹ فذلك قول الله :﴿فانْقَلَبُوا بنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ﴾. أما النعمة : فهي العافية، وأما الفضل : فالتجارة، والسوء : القتل.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فانقلبوا بنعمة من الله"، فانصرف الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، (١) من وجههم الذي توجَّهوا فيه -وهو سيرهم في أثر عدوهم- إلى حمراء الأسد="بنعمة من الله"، يعني: بعافية من ربهم، لم يلقوا بها عدوًّا. (٢) "وفضل"، يعني: أصابوا فيها من الأرباح بتجارتهم التي تَجَروا بها، (٣) الأجر الذي اكتسبوه (٤) =:"لم يمسسهم سوء" يعني: لم ينلهم بها مكروه من عدوّهم ولا أذى (٥) ="واتبعوا رضوان الله"، يعني بذلك: أنهم أرضوا الله بفعلهم ذلك، واتباعهم رسوله إلى ما دعاهم إليه من اتباع أثر العدوّ، وطاعتهم="والله ذو فضل عظيم"، يعني: والله ذو إحسان وطَوْل عليهم -بصرف عدوهم الذي كانوا قد همُّوا بالكرة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم وعلى غيرهم- بنعمه (٦) ="عظيم" عند من أنعم به عليه من خلقه.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٨٢٥١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى،
(١) انظر تفسير"انقلب" فيما سلف ٣: ١٦٣.
(٢) انظر تفسير"النعمة" فيما سلف ٤: ٢٧٢.
(٣) في المطبوعة: "اتجروا بها"، وأثبت ما في المخطوطة."تجر يتجر تجرًا وتجارة": باع واشترى، ومثله: "اتجر" على وزن (افتعل). والثلاثي على وزن (نصر وينصر).
(٤) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف ص٢٩٩ تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٥) انظر تفسير"المس" فيما سلف ٥: ١١٨ / ٧: ١٥٥، ٢٣٨.
(٦) السياق: "والله ذو إحسان وطول... بنعمه".
عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فانقلبوا بنعمة من الله وفضل"، قال: والفضل ما أصابوا من التجارة والأجر.
٨٢٥٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال، وافقوا السوق فابتاعوا، وذلك قوله:"فانقلبوا بنعمة من الله وفضل". قال: الفضل ما أصابوا من التجارة والأجر= قال ابن جريج: ما أصابوا من البيع نعمة من الله وفضل، أصابوا عَفْوه وغِرَّته (١) لا ينازعهم فيه أحد= قال: وقوله:"لم يمسسهم سوء"، قال: قتل="واتبعوا رضوان الله"، قال: طاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم.
٨٢٥٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"والله ذو فضل عظيم"، لما صرف عنهم من لقاء عدوهم. (٢)
٨٢٥٤ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أطاعوا الله وابتغوا حاجتهم، ولم يؤذهم أحد،"فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم".
٨٢٥٥ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أعطي رسول الله ﷺ - يعني حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى- ببدر دراهم، (٣) ابتاعوا بها من موسم بدر فأصابوا تجارة، فذلك قول الله:"فانقلبوا بنعمة من لله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله". أما"النعمة" فهي العافية، وأما"الفضل" فالتجارة، و"السوء" القتل.
* * *
(١) في المطبوعة: "وعزته"، ولا معنى لها، وفي المخطوطة غير منقوطة. و"الغرة" (بكسر الغين) الغفلة، يريد خلو السوق ممن يزاحمهم فيها، كأنهم أتوها والناس في غفلة عنها. وهو مجاز، ومثله عيش غرير: أي ناعم، لا يفزع أهله.
(٢) الأثر: ٨٢٥٣ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٤٤.
(٣) في المطبوعة والدر المنثور"ببدر دراهم"، وفي المخطوطة "بردراهم" غير منقوطة، وأخشى أن تكون كلمة مصحفة لم أهتد إليها، وإن قرأتها"نثر دراهم"، فلعلها! وشيء نثر (بفتحتين) متناثر. ولا أدري أيصح ذلك أو لا يصح.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٧٣:وقوله :﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا [ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ](١) أي : الذين توعدهم الناس [ بالجموع ](٢) وخوفوهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك، بل توكلوا على الله واستعانوا به ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
قال البخاري : حدثنا أحمد بن يونس، أراه قال : حدثنا أبو بكر، عن أبي حَصين، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباس :﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلْقي في النار وقالها محمد ﷺ حين قالوا :﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
وقد رواه النسائي، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وهارون بن عبد الله، كلاهما عن يحيى بن أبي بُكَير، عن أبي بكر - وهو ابن عياش - به. والعجب أن الحاكم [ أبا عبد الله ](٣) رواه من حديث أحمد بن يونس، به، ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه(٤).
ثم(٥) رواه البخاري عن أبي غَسَّان مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباس قال : كان آخر قول إبراهيم، عليه السلام، حين ألقي في النار :﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(٦).
وقال عبد الرزاق : قال ابن عيينة : وأخبرني زكريا، عن الشَّعْبِي، عن عبد الله بن عمرو قال : هي كلمة إبراهيم عليه السلام حين ألقي في البنيان. رواه ابن جرير.
وقال أبو بكر بن مَرْدُويه : حدثنا محمد بن مَعْمَر، حدثنا إبراهيم بن موسى الثوري(٧) أخبرنا عبد الرحيم بن محمد بن زياد السكري، أنبأنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قيل له يوم أحد : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم. فأنزل الله هذه الآية(٨).
وروى أيضا بسنده عن محمد بن عُبَيد الله الرافعي، عن أبيه، عن جده أبي رافع أن النبي ﷺ وَجَّه عليا في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة فقال : إن القوم قد جمعوا لكم قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل. فنزلت فيهم هذه الآية.
ثم قال ابن مَرْدُويه : حدثنا دَعْلَجَ بن أحمد، أخبرنا الحسن بن سفيان، أنبأنا أبو خَيْثَمَة مُصْعَب بن سعيد، أنبأنا موسى بن أعين، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" إذَا وَقَعْتُمْ فِي الأمْرِ العظيمِ فَقُولُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " (٩).
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حَيْوَة بن شُرَيح وإبراهيم بن أبي العباس قالا حدثنا بَقِيَّة، حدثنا بَحِير(١٠) بن سَعْد، عن خالد بن مَعْدان، عن سيف، عن عوف بن مالك أنه حدثهم : أن النبي ﷺ قَضَى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر : حسبي الله ونعم الوكيل. فقال رسول الله(١١) ﷺ :" رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ ". فقال :" ما قلتَ ؟ ". قال : قلتُ : حسبي الله ونعم الوكيل. فقال رسول الله(١٢) ﷺ :" إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ".
وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث بقية عن بَحِير، عن خالد، عن سَيْف - وهو الشامي، ولم ينسب - عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ، بنحوه(١٣).
وقال الإمام أحمد : حدثنا أسباط، حدثنا مُطَرِّف، عن عَطية، عن ابن عباس [ في قوله :﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] قال : قال رسول الله ﷺ :" كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدْ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَسْمَعُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ ". فقال أصحاب محمد ﷺ : فما نقول(١٤) ؟ قَالَ :" قُولُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا "
وقد روي هذا من غير وجه، وهو حديث جيد(١٥) وروينا عن أم المؤمنين عائشة وزينب [ بنت جحش ](١٦) رضي الله عنهما، أنهما تفاخرتا فقالت زينب : زَوجني الله وزوجَكُن أهاليكن(١٧) وقالت عائشة : نزلت براءتي من السماء في القرآن. فَسَلَّمَت لها زينب، ثم قالت : كيف قلتِ حين ركبت راحلة صَفْوان بن المعطل ؟ فقالت : قلت : حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت زينب : قلت كلمة المؤمنين(١٨).
ولهذا قال تعالى :﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي : لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمَّهُمْ وَرد عنهم بأس من أراد كيدهم، فرجعوا إلى بلدهم ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ مما أضمر لهم عدوهم ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾
قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر بن داود الزاهد، حدثنا محمد بن نُعَيم، حدثنا بِشْر بن الحكم، حدثنا مُبشِّر بن عبد الله بن رَزِين، حدثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى(١٩) ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ قال : النعمة أنهم سلمُوا، والفضل أن عيرا مرت، وكان في أيام الموسم، فاشتراها رسولُ الله ﷺ فربح فيها مالا فقسمه بين أصحابه.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله :﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ قال :[ هذا ](٢٠) أبو سفيان، قال لمحمد ﷺ : موعدكم بدر، حيثُ قتلتم أصحابنا. فقال محمد ﷺ :" عَسَى ". فانطلق رسول الله ﷺ لموعِده(٢١) حتى نزل بدرًا، فوافقوا السوق فيها وابتاعوا(٢٢) فذلك قول الله عز وجل :﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ] (٢٣) قال : وهي غزوة بدر الصغرى.
رواه ابن جرير. وروى [ أيضا ](٢٤) عن القاسم، عن الحُسَين، عن حجاج، عن ابن جُرَيج قال : لما عهد رسول الله ﷺ لموعد أبي سفيان، فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش، فيقولون(٢٥) قد جمعوا لكم يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرْعَبُوهم(٢٦) فيقول المؤمنون :﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ حتى قدموا بدرا، فوجدوا أسواقها عافية لم ينازعهم فيها أحد، قال : رَجُل(٢٧) من المشركين فأخبر أهل مَكَّة بخيل محمد، وقال في ذلك :
نَفَرَتْ قَلُوصِي من خُيول محمدوَعَجْوَةٍ منْثُورةٍ كالعُنْجُدِ
واتَّخَذَتْ ماء قُدَيْدٍ مَوْعدي
ثم قال ابن جرير : هكذا أنشدنا القاسم، وهو خطأ، وإنما هو :
قَد نَفَرَتْ من رفْقَتي محمدوَعَجْوَة مِنْ يَثْربٍ كَالعُنْجُد
تَهْوى(٢٨) عَلَى دين أبِيها الأتْلَدقَدْ جَعَلَتْ ماء قُدَيْدٍ مَوْعدي
وَمَاء ضَجْنَان لَهَا ضُحَى الغَد(٢٩)
١ زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية"..
٢ زيادة من جـ، ر..
٣ زيادة من و..
٤ صحيح البخاري برقم (٤٥٦٣، ٤٥٦٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٨١) والمستدرك (٢/٢٩٨) وأقره الذهبي مع أن البخاري قد روى هذا الحديث من هذا الوجه..
٥ في جـ: "و"..
٦ صحيح البخاري برقم (٤٥٦٤)..
٧ في أ: و: "التوزي"..
٨ ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (١١/٨٦) من طريق إبراهيم بن موسى الجوزي وهو الثوري عن عبد الرحيم بن محمد السكري به..
٩ ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٣٩٠) وفي الجامع الصغير وعزاه إلى ابن مردويه، ورمز له المناوي بالضعف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع برقم (٨٢٩)..
١٠ في أ: "يحيى"..
١١ في أ: "النبي"..
١٢ في أ: "النبي"..
١٣ المسند (٦/٢٤) وسنن أبي داود برقم (٣٦٢٧) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٤٦٢)..
١٤ في و: "فما تأمرنا"..
١٥ المسند (١/٣٢٦)..
١٦ زيادة من جـ، ر، أ، و..
١٧ في جـ، ر، أ، و: "أهلوكن"..
١٨ رواه الطبري في تفسيره (١٠/٨٨، ٨٩) ط "الفكر" من طريق محمد بن عبد الله بن جحش، وسيأتي إن شاء الله في تفسير سورة النور..
١٩ في ر: "عز وجل"..
٢٠ زيادة من جـ، ر..
٢١ في جـ: "بموعده"..
٢٢ في و: "فابتاعوا"..
٢٣ زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية"..
٢٤ زيادة من جـ، ر، أ، و..
٢٥ في جـ: "فيقولون لهم"..
٢٦ في و: "يرهبوهم"..
٢٧ في جـ، ر، أ: "قال: وقدم رجل"..
٢٨ في جـ، ر، أ، و: "فهو"..
٢٩ تفسير الطبري (٧/٤١١، ٤١٢)..

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الشُّهَدَاءِ بِأَنَّهُمْ وَإِنْ قُتِلُوا فِي هَذِهِ الدَّارِ فَإِنَّ أرواحَهم حَيَّةٌ مَرْزُوقَةٌ فِي دَارِ الْقَرَارِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ يُونُسَ، عَنْ عِكْرِمة، حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ (١) أَرْسَلَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ قَالَ: لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ. وَعَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيل الْجَعْفَرِيُّ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَر مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى أتَوْا (٢) غَارًا مُشْرِفا عَلَى الْمَاءِ فَقَعَدُوا (٣) فِيهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يُبَلِّغ رسَالَة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهْلَ هَذَا الْمَاءِ؟ فَقَالَ -أرَاه ابْنَ ملْحان الْأَنْصَارِيَّ-: أَنَا أُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فخَرَج حَتَّى أَتَى حَيًّا (٤) [مِنْهُمْ] (٥) فَاخْتَبَأَ أَمَامَ الْبُيُوتِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ بِئْرِ مَعُونة، إِنِّي رسولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُل مِنْ كَسْرِ الْبَيْتِ برُمْح فَضَرَبَ بِهِ فِي جَنْبِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ. فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. فَاتَّبَعُوا أَثَرَهُ حَتَّى أَتَوْا أَصْحَابَهُ فِي الْغَارِ فَقَتَلَهُمْ أَجْمَعِينَ عامرُ بْنُ الطُّفَيْلِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] (٦) أَنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا: بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنا أنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنا فَرَضي عَنَّا ورَضينا عَنْه ثُمَّ نُسِخَتْ فَرُفِعَتْ بَعْدَ مَا قَرَأْنَاهُ زَمَنًا (٧) وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٨).
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَير، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأعمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَا إنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ (٩)
(١) في أ: "الذي".
(٢) في ر: "حتى إذا أتوا".
(٣) في جـ، ر: "قعدوا".
(٤) في هـ، جـ، ر، أ، و: "حول"، والمثبت من الطبري.
(٥) زيادة من جـ، ر.
(٦) زيادة من أ.
(٧) في أ، و: "زمانا".
(٨) تفسير الطبري (٧/٣٩٢، ٣٩٣) ورواه البخاري في صحيحه برقم (٢٨٠١) من طريق همام عن إسحاق بن أبي طلحة به.
(٩) في أ: "أهل الجنة".
حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ فَقَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ (١) يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا" (٢). وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّاد، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ، لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا إِلا الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ".
انْفَرَدَ (٣) بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ (٤) (٥).
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن (٦) مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبيعة السُّلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ لِي رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَا عَلِمْتَ (٧) أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاكَ فَقَالَ لَهُ: تَمَنَّ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ: أُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا، فَأُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: إِنِّي قَضَيْتُ الْحُكْمَ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ".
انْفَرَدَ (٨) بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (٩) وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ أَبَا جَابِرٍ -وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو بْنِ حَرام الْأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ عَنِ ابْنِ المُنْكَدِر قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا قَالَ: لَمَّا قُتِل أَبِي جعلتُ أَبْكِي وأكشفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، فَجَعَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ينْهَوني (١٠) وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْه، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَبْكِهِ (١١) -أَوْ: مَا تَبْكِيهِ (١٢) -مَا زَالَتِ الْملائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأجْنِحَتِها حَتَّى رُفِعَ". وَقَدْ أَسْنَدَهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ (١٣) عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا قتلَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَأَبْكِي... وَذَكَرَ تَمَامَهُ بِنَحْوِهِ (١٤).
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَمْرو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمَّا أُصِيبَ (١٥) إخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ،
(١) في أ: "لم".
(٢) صحيح مسلم برقم (١٨٨٧).
(٣) في و: "تفرد".
(٤) في أ: "حماد به".
(٥) المسند (٣/١٢٦) وصحيح مسلم برقم (١٨٧٧) لكن من طريق حميد وقتادة عن أنس به.
(٦) في جـ، ر، أ، و: "حدثنا".
(٧) في جـ، ر، أ، و: "أعلمت".
(٨) في أ، و: "تفرد".
(٩) المسند (٣/٣٦١).
(١٠) في و: "ينهونني".
(١١) في أ، و: "تبكه" وهو الصحيح.
(١٢) في أ، و: "ما يبكيه".
(١٣) في أ، و: "من طرق أخر".
(١٤) صحيح البخاري برقم (٤٠٨٠) وصحيح مسلم برقم (٢٤٧١) وسنن النسائي (٤/١٣).
(١٥) في أ: "أصيبت".
وَمَأْكَلِهِمْ، وَحُسْنَ مُنْقَلَبِهِم (١) قَالُوا: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللَّهُ لَنَا، لِئَلا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ، وَلا يَنْكُلُوا عَنْ الْحَرْبِ" فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ. فَأَنزلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلاءِ الآيَاتِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وَمَا بَعْدَهَا".
هَكَذَا رَوَاهُ [الْإِمَامُ] (٢) أَحْمَدُ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ وَهْب، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاش (٣) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهِ (٤) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ، وَهَذَا أَثْبَتُ (٥). وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ (٦) عَنْ إِسْمَاعِيلَ (٧) بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي حَمْزَةَ وَأَصْحَابِهِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يخرجاه (٨).
وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَتْلَى أُحُدٍ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سُلَيْمَانَ (٩) أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ، أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ بَشِيرِ بْنِ الْفَاكِهِ الْأَنْصَارِيُّ، سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاش بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خِرَاشِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَظَرَ إلى رسول الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: "يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُهْتَما؟ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ (١٠) دَينا وَعِيَالًا. قَالَ: فَقَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكَ؟ مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإنَّهُ كَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا -قَالَ عَلِيٌّ: الكفَاح: الْمُوَاجَهَةُ -فَقَالَ: سَلْني أعْطكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ أنْ أُرَدَّ إلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِيْكَ ثَانِيَةً فَقَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إنَّهُ سَبَقَ مِنِّي الْقَوْلُ أنَّهُمْ إلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ. قَالَ: أيْ رَبِّ: فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي. فَأَنزلَ اللهُ [عَزَّ وجَلَّ] (١١) ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الْآيَةَ (١٢).
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ سُبَيْطٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، بِهِ نَحْوَهُ. وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، به (١٣).
(١) في أ: "مقيلهم".
(٢) زيادة من أ.
(٣) في أ: "عباس".
(٤) المسند (١/٢٦٥) وتفسير الطبري (٧/٣٨٥).
(٥) سنن أبي داود برقم (٢٥٢٠) والمستدرك (٢/٢٩٧) وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ" ووافقه الذهبي.
(٦) في ر: أبي سفيان" وهو خطأ. انظر: المستدرك (٢/٣٨٧).
(٧) في و: "أبي إسماعيل" وهو خطأ.
(٨) المستدرك (٢/٣٨٧).
(٩) في و: "سليم".
(١٠) في أ: "وترك عليه".
(١١) زيادة من جـ، أ.
(١٢) في أ، و: "حتى أنفذ الآية".
(١٣) دلائل النبوة للبيهقي (٣/٢٩٩).
وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَهُوَ عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] (١) قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَابِرٍ: "يَا جَابِرُ، أَلَّا أُبَشِّرُكَ؟ قَالَ: بَلَى. بَشَّرَكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ. قَالَ (٢) شَعَرْتُ أنَّ اللهَ أحْيَا أَبَاكَ فَقَالَ: تَمَنَّ عَلَيَّ عَبْدِي مَا شِئْتَ أُعْطِكَه. قَالَ: يَا رَبِّ، مَا عَبَدْتُكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ. أتَمَنَّى عَلَيْكَ أنْ تَرُدَّنِي إلَى الدُّنْيَا فَأُقَاتِلَ (٣) مَعَ نَبِيَّكَ، وأُقْتَلَ فِيْكَ مَرَّةً أُخْرَى. قَالَ: إنَّهُ سَلَفَ مِنِّي أنَّهُ إلَيْهَا [لَا] (٤) يَرْجعُ" (٥).
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ فُضَيْل الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ، فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا".
تَفَرَّدَ (٦) بِهِ أَحْمَدُ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، وعَبَدة (٧) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، بِهِ. وَهُوَ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ (٨).
وَكَانَ الشُّهَدَاءُ أَقْسَامٌ: مِنْهُمْ مَنْ تَسْرَحُ (٩) أَرْوَاحُهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ عَلَى هَذَا النَّهْرِ بِبَابِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُنْتَهَى سَيْرِهِمْ إِلَى هَذَا النَّهْرِ فَيَجْتَمِعُونَ هُنَالِكَ، وَيُغْدَى عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِمْ هُنَاكَ وَيُرَاحُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ حَدِيثًا فِيهِ الْبِشَارَةُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بِأَنَّ رُوحَهُ تَكُونُ فِي الْجَنَّةِ تَسْرَحُ أَيْضًا فِيهَا، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَرَى مَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، وَتُشَاهِدُ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهَا مِنَ الْكَرَامَةِ، وَهُوَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَزِيزٍ عَظِيمٍ، اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْمُتَّبَعَةِ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، رَوَاهُ عَنِ [الْإِمَامِ] (١٠) مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْأَصْبَحِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَسَمةُ الْمؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلق (١١) فِي شَجِر الجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" (١٢).
قَوْلُهُ: "يَعْلُقُ" (١٣) أَيْ: يَأْكُلُ (١٤).
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: "إنَّ روحَ الْمؤْمنِ تَكُونُ عَلَى شَكْلِ طَائِرٍ فِي الْجَنَّةِ".
وَأَمَّا أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ، فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ، فَهِيَ كَالْكَوَاكِبِ (١٥) بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَرْوَاحِ عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهَا تَطِيرُ بِأَنْفُسِهَا، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ الْمَنَّانَ أَنْ يُثَبِّتَنَا (١٦) عَلَى الْإِيمَانِ.
(١) زيادة من ر.
(٢) في جـ، أ: "قال: قال".
(٣) في جـ، ر، أ، و: "فأقتل".
(٤) زيادة من جـ، ر، ودلائل النبوة".
(٥) دلائل النبوة للبيهقي (٣/٢٩٨).
(٦) في أ: "انفرد".
(٧) في جـ، ر: "عبيدة".
(٨) المسند (١/٢٦٦) وتفسير الطبري (٧/٣٨٧).
(٩) في جـ: "يسرح".
(١٠) زيادة من أ.
(١١) في جـ، ر: "تعلق".
(١٢) المسند (٣/٤٥٥).
(١٣) في جـ، ر: "تعلق"، وفي أ: "يتعلق".
(١٤) في جـ: "تأكل".
(١٥) في جـ، ر: "كالراكب".
(١٦) في و: "يمتنا".
وَقَوْلُهُ: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ [مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ] (١)﴾ أَيِ: الشُّهَدَاءُ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحْيَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَهُمْ فَرحون (٢) مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْغِبْطَةِ، وَمُسْتَبْشِرُونَ (٣) بِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ يُقْتَلُونَ بَعْدَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّهُمْ يقدَمون عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يَخَافُونَ مِمَّا أَمَامَهُمْ وَلَا يَحْزَنُونَ عَلَى مَا تَرَكُوهُ وَرَاءَهُمْ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أَيْ: ويُسَرون بِلُحُوقِ مَنْ خَلْفهم (٤) مِنْ إِخْوَانِهِمْ عَلَى مَا مَضَوْا عَلَيْهِ مِنْ جِهَادِهِمْ؛ لِيُشْرِكُوهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ.
[وَ] (٥) قَالَ السُّدِّيُّ: يُؤتى الشَّهِيدُ بِكِتَابٍ فِيهِ: "يَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذَا وكَذَا، ويَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذَا وكَذَا، فَيُسَرُّ بِذَلِكَ كَمَا يُسَرُّ أَهْلُ الدُّنْيَا بِقُدُومِ غُيَّابِهِمْ" (٦).
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا دَخَلُوا الْجَنَّةَ ورَأوْا مَا فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ لِلشُّهَدَاءِ قَالُوا: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ فِي الدُّنْيَا يَعْلَمُونَ مَا عَرَفْنَاهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، فَإِذَا شهدوا للقتال (٧) باشروها بأنفسهم، حتى ويُستشهدوا فَيُصِيبُوا مَا أَصَبْنَا مِنَ الْخَيْرِ، فأُخبِر رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِمْ وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَأَخْبَرَهُمْ -أَيْ رَبُّهُمْ-[أَنِّي] (٨) قَدْ أَنْزَلْتُ عَلَى نَبِيِّكُمْ وَأَخْبَرْتُهُ بِأَمْرِكُمْ، وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ، فاستَبْشروا بِذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونة السَّبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ، الَّذِينَ قُتِلُوا فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، وقَنَت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوهُمْ، يَدْعُو عَلَيْهِمْ ويَلْعَنهم، قَالَ أَنَسٌ: وَنَزَلَ فِيهِمْ قُرْآنٌ قَرَأْنَاهُ حَتَّى رُفِعَ: "أنْ بَلغُوا عَنّا قَوْمَنا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنّا وأرْضَانا" (٩).
ثُمَّ قَالَ: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: اسْتَبْشَرُوا وسُرّوا لِمَا عَايَنُوا مِنْ وَفَاءِ الْمَوْعُودِ وَجَزِيلِ الثَّوَابِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هَذِهِ الْآيَةُ جَمَعَتِ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ، سَوَاءً الشُّهَدَاءُ وَغَيْرُهُمْ، وقَلَّما ذَكَرَ اللَّهُ فَضْلًا ذَكَرَ (١٠) بِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَثَوَابًا أَعْطَاهُمْ إِلَّا ذَكَرَ مَا أَعْطَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ هَذَا كَانَ يَوْمَ "حَمْرَاءِ الْأَسَدِ"، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا أَصَابُوا مَا أَصَابُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كرُّوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَلَمَّا اسْتَمَرُّوا (١١) فِي سَيْرِهِمْ تَنَدّمُوا لِمَ لَا تَمَّموا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَجَعَلُوهَا الْفَيْصَلَةَ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الذَّهَابِ وَرَاءَهُمْ ليُرْعِبَهم وَيُرِيَهُمْ أَنَّ بِهِمْ قُوّةً وَجَلَدًا، وَلَمْ يأذنْ لِأَحَدٍ سِوَى مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ يَوْمَ أُحُدٍ، سِوَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -لِمَا سَنَذْكُرُهُ-فَانْتَدَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الْجِرَاحِ وَالْإِثْخَانِ طَاعَةً لِلَّهِ [عَزَّ وجل] (١٢) ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
(١) زيادة في جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية".
(٢) في أ: "فرحين" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.
(٣) في جـ، ر، أ: "ويستبشرون".
(٤) في جـ، ر، أ، و: "لحقهم".
(٥) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٦) في جـ، ر، أ، و: "غايبهم".
(٧) في أ، و: "القتال".
(٨) زيادة من جـ، ر.
(٩) صحيح البخاري برقم (٢٨٠١، ٤٠٩٥) وصحيح مسلم برقم (٦٧٧).
(١٠) في جـ، ر: "ذكرته".
(١١) في أ: "استقروا".
(١٢) زيادة من و.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ قَالُوا: لَا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمْ، وَلَا الْكَوَاعِبَ أَرْدَفْتُمْ، بِئْسَمَا (١) صَنَعْتُمْ، ارْجِعُوا. فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَدَبَ الْمُسْلِمِينَ فَانْتَدَبُوا حَتَّى بَلَغَ حَمْراء الْأَسَدِ -أَوْ: بِئْرَ أَبِي عُيَيْنَةَ (٢) -الشَّكُّ مِنْ سُفْيَانَ-فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: نَرْجِعُ مَنْ قَابِلٍ. فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَتْ تُعَدُّ (٣) غَزْوَةً، فَأَنْزَلَ (٤) اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدويه مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ (٥).
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ النصف مِنْ شَوَّالٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْأَحَدِ لِسِتَّ عشرةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَوَّالٍ، أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ بِطَلَبِ الْعَدُوِّ، وَأَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ أَلَّا يَخْرُجَ (٦) مَعَنَا أَحَدٌ إِلَّا أَحَدٌ حَضَرَ يَوْمَنَا بِالْأَمْسِ. فَكَلَّمَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ حَرَامٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي كَانَ خَلَّفني عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْع وَقَالَ: يَا بَنَيّ، إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَكَ أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ النّسوةَ لَا رجلَ فِيهِنَّ، وَلَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ بِالْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفْسِي، فَتَخَلَّفْ عَلَى أَخَوَاتِكَ، فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ مَعَهُ. وَإِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ مُرْهبا لِلْعَدُوِّ، وَلِيَبْلُغَهُمْ أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ لِيَظُنُّوا بِهِ قُوَّةً، وَأَنَّ الَّذِي أَصَابَهُمْ لَمْ يُوهنْهم عَنْ عَدُوِّهِمْ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي (٧) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى عَائِشَةَ بِنْتِ عُثْمَانَ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَانَ شَهد أُحُدًا قَالَ: شهدتُ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأَخِي (٨) فَرَجَعْنَا جَرِيحَيْنِ، فَلَمَّا أَذَّنَ مُؤذّن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ، قلتُ لِأَخِي -أَوْ قَالَ (٩) لِي-: أَتُفَوِّتُنَا غَزْوَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَاللَّهِ مَا لَنَا مِنْ دابَّة نَرْكَبُهَا، وَمَا مِنَّا إِلَّا جَرِيحٌ ثَقيل، فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُنْتُ أَيْسَرَ جِرَاحًا (١٠) مِنْهُ، فَكَانَ إِذَا غُلب حَمَلْتُهُ عُقْبة وَمَشَى عُقْبة حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى مَا انْتَهَى إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ (١١).
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] (١٢)﴾ قَالَتْ (١٣) لِعُرْوَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي، كَانَ أَبَوَاكِ مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ وَأَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، لَمَّا أَصَابَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَصَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا فَقَالَ: "مَنْ يَرْجِعُ فِي إثْرِهِمْ؟ " فانتدبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ، رضي الله عنهما.
(١) في جـ: "وبئس".
(٢) في جـ، أ، و: "عتبة".
(٣) في و: "بعد".
(٤) في جـ، ر، أ، و: "وأنزل".
(٥) ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٨٣) من طريق سفيان عن عمرو به.
(٦) في جـ، ر، أ، و: "يخرجن".
(٧) في ر، أ، و: "فحدثني".
(٨) في جـ، ر، أ، و: "أخ لي".
(٩) في ر: "وقال".
(١٠) في جـ، ر، أ، "جرحا".
(١١) السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٠١) وتفسير الطبري (٧/٣٩٩، ٤٠٠) كلاهما من طريق ابن إسحاق به.
(١٢) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(١٣) في أ: "قال".
هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ، بِهَذَا السِّيَاقِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ الأصَم، عَنِ الْعَبَّاسِ الدُّورِيِّ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهِ، ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. كَذَا قَالَ (١).
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ البَهِيّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: يَا بُني، إِنَّ أَبَاكَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ. ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ (٢).
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، وهُدْبَة بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهِ وَهَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ، بِهِ (٣).
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، أَنْبَأَنَا سَمويه، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، أَنْبَأَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنْ كَانَ أبَواك لَمن (٤) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ والرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ: أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا" (٥).
ورفْعُ هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأٌ مَحْضٌ مِنْ جِهَةِ إِسْنَادِهِ، لِمُخَالَفَتِهِ رِوَايَةَ (٦) الثِّقَاتِ مِنْ وقْفه عَلَى عَائِشَةَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَمِنْ جِهَةِ مَعْنَاهُ، فَإِنَّ الزُّبَيْرَ لَيْسَ هُوَ مِنْ آبَاءِ عَائِشَةَ، وَإِنَّمَا قَالَتْ عَائِشَةُ لِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ابْنُ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، [حَدَّثَنِي] (٧) عَمي، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَذَفَ فِي قَلْب أَبِي سُفْيَانَ الرُّعْب يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ مَا (٨) كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّ أبَا سُفْيَانَ قَدْ أَصَابَ مِنْكُمْ طَرَفًا، وَقَدْ رَجَعَ، وَقَذَفَ اللهُ فِي قَلْبِهِ الرُّعْبَ". وَكَانَتْ وقعةُ أُحُدٍ فِي شَوَّالٍ، وَكَانَ التُّجَّارُ يَقْدَمون الْمَدِينَةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَيَنْزِلُونَ بِبَدْرٍ الصُّغْرَى فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرة، وَإِنَّهُمْ قَدِمُوا بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ (٩) وَكَانَ أَصَابَ الْمُؤْمِنِينَ الْقَرْحُ، وَاشْتَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَصَابَهُمْ. وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَب النَّاسَ لِيَنْطَلِقُوا مَعَهُ، وَيَتَّبِعُوا مَا كَانُوا مُتَّبعين، وَقَالَ: "إنَّمَا يَرْتَحِلُونَ الآنَ فَيَأْتُونَ الْحَجَّ وَلَا يَقْدرُونَ عَلَى مِثْلِهَا حَتَّى عَامٍ مُقْبِلٍ". فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فَخَوَّفَ أَوْلِيَاءَهُ فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَبَى عَلَيْهِ النَّاسُ أَنْ يَتْبَعُوهُ، فَقَالَ: "إنَّي ذَاهِبٌ وإنْ لمْ يَتْبَعْنِي أحَدٌ". لِأَحْضُضَ النَّاسَ، فَانْتَدَبَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ،
(١) صحيح البخاري برقم (٤٠٧٧) والمستدرك (٢/٢٩٨) وفيه أن المخاطب بقول عائشة عبد الله بن الزبير وليس عروة، كما في رواية البخاري.
(٢) المستدرك (٣/٣٦٣).
(٣) سنن ابن ماجة برقم (١٢٤).
(٤) في جـ، أ: "من".
(٥) هذا الحديث لا يصح مرفوعا فهو مضطرب. وقد بين الحافظ ابن كثير وجه اضطرابه، وقد روى ابن جرير في تفسيره (٧/٤٠٢) أن عائشة قالت ذلك لعبد الله بن الزبير بنفس هذا اللفظ، فقد يكون الوهم من أحد الرواة أو من كتابه.
(٦) في ر: "رواته".
(٧) زيادة من جـ، والطبري.
(٨) في أ، و: "الذي".
(٩) في أ: "أحد في شوال".
وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَطَلْحَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَّرَّاحِ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا فَسَارُوا فِي طَلَبِ أَبِي سُفْيَانَ، فَطَلَبُوا حَتَّى بَلَغُوا الصَّفْرَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] (١) ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ [الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ]﴾ (٢) (٣).
ثُمَّ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى انْتَهَى إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، وَهِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنُ أُمِّ مَكْتوم فَأَقَامَ بِهَا الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقَدْ مَر بِهِ -كَمَا حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ-مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبد الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَتْ خُزاعة -مُسْلِمُهُمْ وَمُشْرِكُهُمْ-عَيْبَةَ نُصح لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتِهامة، صَفْقَتُهم مَعَهُ، لَا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كَانَ بِهَا، وَمَعْبَدٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَزّ عَلَيْنَا مَا أَصَابَكَ فِي أَصْحَابِكَ، ولوَددْنا أَنَّ اللَّهَ عَافَاكَ فِيهِمْ. ثُمَّ خَرَجَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ، حَتَّى لَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَمِنْ مَعَهُ بالرَّوحاء، وَقَدْ أَجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَقَالُوا: أَصَبْنَا حَد أَصْحَابِهِ وَقَادَتِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ، ثُمَّ نَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ.. لنُكرّنَّ عَلَى بَقِيَّتِهِمْ فَلَنَفْرُغَنَّ مِنْهُمْ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَدًا قَالَ: مَا وَرَاءَكَ يَا مَعْبَدُ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْع لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ تَحْرُّقَا، قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ، وَنَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا، فِيهِمْ مِنَ الحَنَق عَلَيْكُمْ شَيْءٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ. قَالَ: وَيْلَكَ. مَا تَقَوُلُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ (٤) حَتَّى تَرَى نَوَاصِيَ الْخَيْلِ -قَالَ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ. قَالَ: فَإِنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذَلِكَ. وَوَاللَّهِ لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ عَلَى أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ، قَالَ: وَمَا قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ:
كادَتْ تُهدُّ منَ الْأَصْوَاتِ رَاحلتي... إذْ سَالَت الأرضُ بالجُرْدِ الْأَبَابِيلِ...
تَرْدى بأسْدٍ كِرَامٍ لَا تَنَابلةعنْد اللِّقَاءِ وَلَا مِيلٍ مَعَازيل (٥)
فَظَلْتُ عَدْوا أظُنُّ الْأَرْضَ مَائِلَةً... لَمَّا سَمَوا بَرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذول...
فقلتُ:
وَيْلُ ابْنِ حَرْب مِنْ لقائكُمُإِذَا تَغَطْمَطَت الْبَطْحَاءُ بِالْجِيلِ (٦)
إِنِّي نَذِيرٌ لِأَهْلِ البَسْل ضَاحيَةً... لِكُلِّ ذِي إرْبَة مِنْهُمْ وَمَعْقُولُ...
مِنْ جَيْش أحمدَ لَا وَخْشٍ تَنَابِلة... وَلَيْسَ يُوصف مَا أَنْذَرْتُ بِالْقِيلِ...
قَالَ: فَثَنَى ذَلِكَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ.
وَمَرَّ بِهِ رَكْبٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نريدُ المدينة. قال: ولم؟ قالوا:
(١) زيادة من أ.
(٢) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(٣) تفسير الطبري (٧/٤٠٢).
(٤) في أ: "ترحل".
(٥) في ر: "مغازيل".
(٦) في و: "بالخيل".
بِعُكَاظٍ إِذْ وَافَيْتُمونا (١) قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِذَا وَافَيْتُمُوهُ فَأَخْبِرُوهُ أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا (٢) الْمَسِيرَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، فَمَرَّ الرَّكْبُ (٣) بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ، فَأَخْبَرُوهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (٤).
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِي عُبيدة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَلَغَهُ رُجُوعُهُمْ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سُوِّمَتْ لَهُمْ حِجَارَةٌ لَوْ صُبِّحُوا بَها لَكَانُوا كَأَمْسِ الذَّاهِبِ" (٥).
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ [فِي قَوْلِهِ] (٦) ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ إِنَّ أَبَا سفيِان وَأَصْحَابَهُ أَصَابُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابُوا وَرَجَعُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّ أبَا سُفْيَانَ قَدْ رَجَعَ وَقَدْ قَذَفَ اللهُ فِي قَلْبِهِ [الرُّعْبَ] (٧) فَمَنْ يَنْتَدبُ فِي طَلَبِهِ؟ " فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ وعُمَر، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (٨) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاتَّبَعُوهُمْ، فَبَلَغَ أَبَا سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَطْلُبُهُ فَلَقِيَ عِيرًا مِنَ التُّجَّارِ فَقَالَ: ردُّوا مُحَمَّدًا وَلَكَمْ مِنَ الجُعْل كَذَا وَكَذَا، وأخْبروهم أَنِّي قَدْ جَمَعْتُ لَهُمْ جُمُوعًا، وَأَنَّنِي رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ. فَجَاءَ التُّجَّارُ فَأَخْبَرُوا بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمة، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّ هَذَا السِّيَاقَ نَزَلَ فِي شَأْنِ [غَزْوَةِ] (٩) حَمْراء الْأَسَدِ"، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي بَدْر الْمَوْعِدِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا [وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] (١٠)﴾ أَيِ: الَّذِينَ تَوَعَّدَهُمُ النَّاسُ [بِالْجُمُوعِ] (١١) وَخَوَّفُوهُمْ بِكَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ، فَمَا اكْتَرَثُوا لِذَلِكَ، بَلْ تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ وَاسْتَعَانُوا بِهِ ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، أُرَاهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصين، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أُلْقي فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَهَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَير، عَنْ أَبِي بَكْرٍ -وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ-بِهِ. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَاكِمَ [أَبَا عَبْدِ اللَّهِ] (١٢) رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، بِهِ، ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ (١٣).
ثُمَّ (١٤) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي غَسَّان مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عن أبي حصين، عن
(١) في أ، و:"إذا وافيتموها".
(٢) في أ، و: "جمعنا".
(٣) في و: "الراكب".
(٤) السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٠٢).
(٥) السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٠٤).
(٦) زيادة من جـ.
(٧) زيادة من جـ، أ، و.
(٨) في جـ، أ، و: "رسول الله".
(٩) زيادة من جـ، أ، و.
(١٠) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(١١) زيادة من جـ، ر.
(١٢) زيادة من و.
(١٣) صحيح البخاري برقم (٤٥٦٣، ٤٥٦٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٨١) والمستدرك (٢/٢٩٨) وأقره الذهبي مع أن البخاري قد روى هذا الحديث من هذا الوجه.
(١٤) في جـ: "و".
أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١).
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَأَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: هِيَ كَلِمَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أُلْقِيَ فِي الْبُنْيَانِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَر، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الثَّوْرِيُّ (٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ السُّكَّرِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ (٣).
وَرَوَى أَيْضًا بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيد اللَّهِ الرَّافِعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَّه عَلِيًّا فِي نَفَرٍ مَعَهُ فِي طَلَبِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَقِيَهُمْ أَعْرَابِيٌّ مَنْ خُزَاعَةَ فَقَالَ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ قَالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا دَعْلَجَ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، أَنْبَأَنَا أَبُو خَيْثَمَة مُصْعَب بْنُ سَعِيدٍ، أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذَا وَقَعْتُمْ فِي الأمْرِ العظيمِ فَقُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" (٤).
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَيْوَة بْنُ شُرَيح وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَا حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنَا بَحِير (٥) بْنُ سَعْد، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (٦) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ". فَقَالَ: "مَا قلتَ؟ ". قَالَ: قلتُ: حسبي الله ونعم الوكيل. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (٧) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ".
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ عَنْ بَحِير، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَيْف -وَهُوَ الشَّامِيُّ، وَلَمْ يُنْسَبْ -عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِنَحْوِهِ (٨).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، حَدَّثَنَا مُطَرِّف، عَنْ عَطية، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٨] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدْ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَسْمَعُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ". فَقَالَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَا نَقُولُ (٩) ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ
(١) صحيح البخاري برقم (٤٥٦٤).
(٢) في أ: و: "التوزي".
(٣) ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (١١/٨٦) من طريق إبراهيم بن موسى الجوزي وهو الثوري عن عبد الرحيم بن محمد السكري به.
(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٣٩٠) وفي الجامع الصغير وعزاه إلى ابن مردويه، ورمز له المناوي بالضعف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع برقم (٨٢٩).
(٥) في أ: "يحيى".
(٦) في أ: "النبي".
(٧) في أ: "النبي".
(٨) المسند (٦/٢٤) وسنن أبي داود برقم (٣٦٢٧) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٤٦٢).
(٩) في و: "فما تأمرنا".
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا".
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ (١) وَرُوِّينَا عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَزَيْنَبَ [بِنْتِ جَحْشٍ] (٢) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا تَفَاخَرَتَا فَقَالَتْ زَيْنَبُ: زَوجني اللَّهُ وزوجَكُن أَهَالِيكُنَّ (٣) وَقَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَتْ بَرَاءَتِي مِنَ السَّمَاءِ فِي الْقُرْآنِ. فَسَلَّمَت لَهَا زَيْنَبُ، ثُمَّ قَالَتْ: كَيْفَ قلتِ حِينَ رَكِبْتِ رَاحِلَةَ صَفْوان بْنِ الْمُعَطَّلِ؟ فَقَالَتْ: قُلْتُ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَتْ زَيْنَبُ: قُلْتِ كَلِمَةَ الْمُؤْمِنِينَ (٤).
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أَيْ: لَمَّا تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ كَفَاهُمْ مَا أهمَّهُمْ وَرد عَنْهُمْ بَأْسَ مَنْ أَرَادَ كَيْدَهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى بَلَدِهِمْ ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ مِمَّا أَضْمَرَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ الزَّاهِدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيم، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا مُبشِّر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِين، حَدَّثَنَا سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (٥) ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ قَالَ: النِّعْمَةُ أَنَّهُمْ سلمُوا، وَالْفَضْلُ أَنَّ عِيرًا مَرَّتْ، وَكَانَ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ، فَاشْتَرَاهَا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَبِحَ فِيهَا مَالًا فَقَسَّمَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ قَالَ: [هَذَا] (٦) أَبُو سُفْيَانَ، قَالَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَوْعِدُكُمْ بَدْرٌ، حيثُ قَتَلْتُمْ أَصْحَابَنَا. فَقَالَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَسَى". فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لموعِده (٧) حَتَّى نَزَلَ بَدْرًا، فَوَافَقُوا السُّوقَ فِيهَا وَابْتَاعُوا (٨) فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] (٩)﴾ قَالَ: وَهِيَ غَزْوَةُ بَدْرٍ الصُّغْرَى.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَرَوَى [أَيْضًا] (١٠) عَنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الحُسَين، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيج قَالَ: لَمَّا عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَوْعِدِ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَعَلُوا يَلْقَوْنَ الْمُشْرِكِينَ وَيَسْأَلُونَهُمْ عَنْ قُرَيْشٍ، فَيَقُولُونَ (١١) قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يَكِيدُونَهُمْ بِذَلِكَ، يُرِيدُونَ أَنْ يرْعَبُوهم (١٢) فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ حَتَّى قَدِمُوا بَدْرًا، فَوَجَدُوا أَسْوَاقَهَا عَافِيَةً لَمْ يُنَازِعْهُمْ فِيهَا أَحَدٌ، قَالَ: رَجُل (١٣) مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَخْبَرَ أَهْلَ مَكَّة بخيل محمد، وقال في ذلك:
(١) المسند (١/٣٢٦).
(٢) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٣) في جـ، ر، أ، و: "أهلوكن".
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٠/٨٨، ٨٩) ط "الفكر" من طريق محمد بن عبد الله بن جحش، وسيأتي إن شاء الله في تفسير سورة النور.
(٥) في ر: "عز وجل".
(٦) زيادة من جـ، ر.
(٧) في جـ: "بموعده".
(٨) في و: "فابتاعوا".
(٩) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
(١٠) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(١١) في جـ: "فيقولون لهم".
(١٢) في و: "يرهبوهم".
(١٣) في جـ، ر، أ: "قال: وقدم رجل".
نَفَرَتْ قَلُوصِي مِنْ خُيول مُحَمَّدٍ... وَعَجْوَةٍ منْثُورةٍ كالعُنْجُدِ...
واتَّخَذَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعدي
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَكَذَا أَنْشَدَنَا الْقَاسِمُ، وَهُوَ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا هُوَ: قَد نَفَرَتْ مِنْ رفْقَتي مُحَمَّدٍ... وَعَجْوَة مِنْ يَثْربٍ كَالعُنْجُد...
تَهْوى (١) عَلَى دِينِ أبِيها الأتْلَد... قَدْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعدي...
وَمَاء ضَجْنَان لَهَا ضُحَى الغَد (٢)
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أَيْ: يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ، وَيُوهِمُكُمْ أَنَّهُمْ ذَوُو بَأْسٍ وَذَوُو شِدَّةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [أَيْ: فَ] (٣) إِذَا سَوَّلَ لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجؤوا إِلَيَّ، فَأَنَا كَافِيكُمْ وَنَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٦-٣٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاءِ: ٧٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ١٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٢١] وَقَالَ [تَعَالَى] (٤) ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الْحَجِّ: ٤٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (٥)﴾ [مُحَمَّدٍ: ٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١، ٥٢].
(١) في جـ، ر، أ، و: "فهو".
(٢) تفسير الطبري (٧/٤١١، ٤١٢).
(٣) زيادة من ر، أ، و.
(٤) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(٥) زيادة من جـ، أ، و، وفي هـ: "الآية".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿فانقلبوا﴾ أي : رجعوا ﴿بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾
وجاء الخبر المشركين أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم، وندم من تخلف منهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم، واستمروا راجعين إلى مكة، ورجع المؤمنون بنعمة من الله وفضل، حيث مَنَّ عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة والاتكال على ربهم، ثم إنه قد كتب لهم أجر غزاة تامة، فبسبب إحسانهم بطاعة ربهم، وتقواهم عن معصيته، لهم أجر عظيم، وهذا فضل الله عليهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فانقلبوا﴾ أي: رجعوا ﴿بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾.
وجاء الخبر المشركين أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم، وندم من تخلف منهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم، واستمروا راجعين إلى مكة، ورجع المؤمنون بنعمة من الله وفضل، حيث مَنَّ عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة والاتكال على ربهم، ثم إنه قد كتب لهم أجر غزاة تامة، فبسبب إحسانهم بطاعة ربهم، وتقواهم عن معصيته، لهم أجر عظيم، وهذا فضل الله عليهم.
ثم قال تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾ أي: إن ترهيب من رهب من المشركين، وقال: إنهم جمعوا لكم، داع من دعاة الشيطان، يخوف أولياءه الذين عدم إيمانهم، أو ضعف. ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾ أي: فلا تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله، لا يتصرفون إلا بقدره، بل خافوا الله الذي ينصر أولياءه الخائفين منه (١) المستجيبين لدعوته.
وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله، والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم الله.
(١) في النسختين: الخائفين له، ولعل الأقرب ما أثبت.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٠ كتاب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
فَانْقَلَبُوا
رَجَعُوا.

إعراب الآية ١٧٤ من سورة آل عمران

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٦٩]

وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً مفعولان. بَلْ أَحْياءٌ أي بل هم أحياء.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٠]

فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)
فَرِحِينَ نصب على الحال ويجوز في غير القرآن رفعه يكون نعتا لأحياء.
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ قيل: لم يلحقوا بهم في الفضل وقيل: هم في الدنيا. أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بدل من «الذين» وهو بدل الاشتمال ويجوز أن يكون المعنى بأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٢]

الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ابتداء والخبر لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ويجوز أن يكون الذين بدلا من المؤمنين وبدلا من الذين لم يلحقوا بهم.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٣]

الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ بدل من الذين قبله. وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ابتداء وخبر أي كافينا الله. يقال: أحسبه إذا كافأه. وَنِعْمَ الْوَكِيلُ مرفوع بنعم أي نعم القيّم والحافظ الله والناصر لمن نصره.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٥]

إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)
وقد ذكرنا إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٦]

وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)
وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ هذه أفصح اللغتين وقال: «يحزنك». ويقال:
إنّ هؤلاء قوم أسلموا ثم ارتدّوا خوفا من المشركين فاغتمّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله جلّ وعزّ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً أي لن يضرّوا أولياء الله حين تركوا نصرهم إذ كان الله جلّ وعزّ ناصرهم.

[سورة آل عمران (٣) : آية ١٧٧]

إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)
إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ مجاز جعل- مما استبدلوا به من الكفر وتركوه من الإسلام بمنزلة البيع والشراء.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٧٤ من سورة آل عمران

من كتاب: المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

٣٩ - قال الله تعالى: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: لما انصرف المشركون عن أحد وبلغوا الروحاء قالوا: لا محمدًا قتلتموه ولا الكواعب أردفتم وبئس ما صنعتم، ارجعوا فبلغ ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فندب الناس فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد وبنو أبي عتبة فأنزل اللَّه تعالى: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) وقد كان أبو سفيان قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - موعدك موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع، فأخذ أهُبَّةَ القتال والتجارة فلم يجدوا بها أحدًا وتسوقوا فأنزل اللَّه تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء عن عكرمة في سبب نزول قوله تعالى: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ).. الآية وبهذا قال مجاهد أيضًا، لكن هذا مخالف لقول جمهور المفسرين وغيرهم من العلماء ولهذا قال ابن عطية: (وشذ مجاهد - رحمه الله - فقال: إن هذه الآية من قوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) إلى قوله (فَضْلٍ عَظِيمٍ) إنما نزلت في خروج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى بدر الصغرى، وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان في أحد إذ قال: موعدنا بدر من العام المقبل فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قولوا: نعم. فخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَل بدر وكان بها سوق عظيم، فأعطى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصحابه دراهم وقرب من بدر فجاءه نعيم بن مسعود الأشجعي فأخبره أن قريشًا قد اجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن انضاف إليها، فأشفق المسلمون من ذلك لكنهم قالوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، وصمموا حتى
أتوا بدراً فلم يجدوا عدواً ووجدوا السوق فاشتروا بدراهمهم أُدما وتجارة وانقلبوا ولم يلقوا كيداً وربحوا في تجارتهم فذلك قوله تعالى: (بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ) أي فضل في تلك التجارة، والصواب ما قاله الجمهور أن هذه الآية نزلت في غزوة حمراء الأسد) اهـ.
وقال القرطبي: (وشذ مجاهد وعكرمة رحمهما الله تعالى فقالا: إن هذه الآية من قوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) إلى قوله (عَظِيمٍ) إنما نزلت في خروج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى بدر الصغرى) ثم ذكر ما تقدم عن ابن عطية.
وقد ساق ابن القيم - رحمه الله - ما جرى سياقًا جميلاً مرتبًا فقال: (ولما انقضت الحرب انكفأ المشركون، فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة لإحراز الذراري والأموال فشق ذلك عليهم فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن هم جنَّبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأُناجزنّهم فيها). قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل، وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة، ولما عزموا على الرجوع إلى مكة أشرف على المسلمين أبو سفيان، ثم ناداهم: موعدكبم الموسمُ ببدر فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (قولوا نعم قد فعلنا) قال أبو سفيان: (فذلكم الموعد) ثم انصرف هو وأصحابه فلما كان في بعض الطريق، تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكتهم وحدَّهم، ثم تركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم، فبلغ ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنادى في الناس، وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم وقال: (لا يخرج معنا إلا من شهد القتال) فقال له عبد اللَّه بن أبي: أركب معك؟ قال: (لا) فاستجاب له المسلمون على ما بهم من القرح الشديد والخوف، وقالوا: سمعًا وطاعة. واستأذنه جابر بن عبد اللَّه وقال: يا رسول اللَّه إني أحب ألا تشهد مشهدًا إلا كنت معك وإنما خلفني أبي على
بناته فأذن لي أسيرُ معك فأذن له فسار رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد) وأقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأسلم فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيخذله، فلحقه بالروحاء ولم يعلم بإسلامه، فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال: محمد وأصحابه، قد تحرقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله. وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم، فقال: ما تقول؟ فقال: ما أُرى أن ترتحل حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأَكَمَة. فقال أبو سفيان: واللَّه لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم. قال: فلا تفعل، فإني لك ناصح، فرجعوا على أعقابهم إلى مكة، ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريد المدينة، فقال: هل لك أن تبلِّغ محمدًا رسالة، وأُوقر لك راحلتك زبيبًا إذا أتيت إلى مكة؟ قال: نعم. قال: أبلغ محمدًا أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه، فلما بلغهم قوله قالوا: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤).
فتبين بما ذكره ابن عطية والقرطبي، شذوذ ما ذكراه عن مجاهد وعكرمة رحمهما اللَّه تعالى، من أن السبب خروج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى بدر الصغرى.
وتبين بما ذكره ابن القيم أن ذلك حصل عند خروجهم إلى حمراء الأسد، وإن كان قد ذكر أن أبا سفيان قد ناداهم فقال: موعدكم الموسم ببدر، وهو ما ذكره عكرمة أيضًا في الحديث الذي معنا، لكن عكرمة جعله سبب النزول، وابن القيم وغيره جعلوه موعداً، وسبب النزول خروجهم إلى حمراء الأسد. واللَّه أعلم.
فإن قيل: ما الدليل الصحيح على هذا الترجيح؟
فالجواب: أن الدليل ما تقدم في حديث عائشة عند البخاري في استجابتهم لِلَّهِ والرسول وسياق الآيات واحد لا يختلف في خروجهم ثم تخويفهم ثم توكلهم على الله ثم انقلابهم بالنعمة والفضل.
* النتيجة:
أن الآية الكريمة نزلت لما استجابوا وخرجوا للقتال بعد تحذيرهم وتخويفهم منه فلم يفت ذلك في عزيمتهم بل زادهم إيمانًا بتوكلهم على الله وكانت العاقبة السارة لهم حيث انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء بل واتبعوا رضوان الله واللَّه عظيم الفضل والإحسان حيث قادهم إلى مواقع فضله ورحمته في خروجهم إلى حمراء الأسد، وإنما اخترت هذا لدلالة السياق القرآني عليه والموافقة بين تاريخ النزول وزمن القصة. واللَّه أعلم.
* * * * *

القراءات في الآية ١٧٤ من سورة آل عمران

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

رِضْوَانَ

(رُضوان) بضم الراء

شعبة عن عاصم

(رِضوان) بكسر الراء

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٧٤ من سورة آل عمران

١٢ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١١ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١١ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل﴾، قال: النعمة: أنهم سَلِموا، والفضل: أن عيرًا مرت، وكان في أيام الموسم، فاشتراها رسول الله ﷺ، فربح مالًا، فقسمه بين أصحابه١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ٣‏/‏٣١٨، من طريق سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وإسناده صحيح.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿لم يمسسهم سوء﴾ قال: لم يؤذهم أحد، ﴿واتبعوا رضوان الله﴾ قال: أطاعوا الله ورسوله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٢٥٤، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٨١٩-٨٢٠.
٣
عن سعيد بن جبير -من طريق يعقوب- في قول الله تعالى: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل﴾، قال: بفضل أصابوه من سوق عكاظ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٨١٩.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جريج- قال: وافقوا السوق فابتاعوا، وذلك قوله: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل﴾، قال: الفضل ما أصابوا من التجارة والأجر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٢٥٣، ٢٥٤، وابن المنذر (١٢٠٠)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٨١٩. وزاد ابن المنذر: وهي غزوة بدر الصغرى.
٥
عن أبي مالك غَزْوان الغفاري -من طريق حصين- قوله: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل﴾ قال: لم يَلْقَوا أحدًا، ﴿لم يمسسهم سوء﴾ قال: لم يصبهم إلا خير١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٨١٩.
٦
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: أعطى رسول الله - ﷺ - أصحابه -يعني: حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى ببدر- دراهم ابتاعوا بها من موسم بدر، فأصابوا تجارة، فذلك قول الله: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾، قال: أما النعمة فهي العافية، وأما الفضل فالتجارة، والسوء القتل١.٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابن جرير (٦/ ٢٥٣ - ٢٥٥) في معنى «النعمة، والفضل، والسوء، والرضوان» سوى قول مجاهد من طريق ابن جريج، وابن إسحاق من طريق سلمة، والسدي من طريق أسباط، وابن عباس من طريق العوفي.
٧
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق موسى بن عقبة- قال: إن رسول الله ﷺ استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدرًا، فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس، فمشوا في الناس يخوفونهم، وقالوا: قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل، يرجون أن يواقعوكم فينتهبوكم، فالحذرَ الحذرَ، فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان، فاستجابوا لله وللرسول، وخرجوا ببضائع لهم، وقالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، وإن لم نلقه ابتعنا بضائعنا، وكان بدر متجرًا يُوافى كل عام، فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر، فقضوا منه حاجتهم، وأخلف أبو سفيان الموعد، فلم يخرج هو ولا أصحابه، ومر عليهم ابن حُمام فقال: من هؤلاء؟ قالوا: رسول الله وأصحابه ينتظرون أبا سفيان ومن معه من قريش. فقدم على قريش فأخبرهم، فأرعب أبو سفيان، ورجع إلى مكة، وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة بنعمة من الله وفضل، فكانت تلك الغزوة تدعى غزوة جيش السَّوِيق، وكانت في شعبان سنة ثلاث١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ٣‏/‏٣٨٤-٣٨٦ مرسلًا.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فانقلبوا﴾ يعني: فرجعوا إلى المدينة ﴿بنعمة من الله وفضل﴾ يعني: الرزق، وذلك أنهم أصابوا سرية في الصفراء، وذلك في ذي القعدة، ﴿لم يمسسهم سوء﴾ من عدوهم في وجوههم، ﴿واتبعوا رضوان الله﴾ يعني: رضى الله في الاستجابة لله عز وجل، وللرسول ﷺ في طلب المشركين، يقول الله سبحانه: ﴿والله ذو فضل عظيم﴾ على أهل طاعته.... قال مقاتل: فنزلت هذه الآيات في ذي القعدة بذي الحُلَيْفة حين انصرفوا عن طلب أبى سفيان وأصحابه بعد قتال أُحد١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل ١‏/‏٣١٦، ٣١٧.
٩
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: ﴿والله ذو فضل عظيم﴾ لما صرف عنهم من لقاء عدوهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٢٥٤، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٨٢٠ من طريق ابن إدريس.
١٠
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج- قال: ما أصابوا من البيع نعمة من الله وفضل، أصابوا عفوه وعزته، لا ينازعهم فيه أحد. قال: وقوله: ﴿لم يمسسهم سوء﴾ قال: قتل، ﴿واتبعوا رضوان الله﴾ قال: طاعة النبي ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٦‏/‏٢٥٤.
١١
قال ابن جريج: -من طريق ابن ثور-: وقال آخرون: طاعة الله، يعني: الفضل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر ٢‏/‏٥٠٦.
التفسير بالمأثور لسورة آل عمران كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٧٤ من سورة آل عمران

١٠ وقفات في هذه الآية

  • فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء" دائما احمد الله واشكره على ما يقدره عليك من اﻷقدار فالله أرحم بك من نفسك

    — عامر بن عيسي اللهو

  • يا لها من كلمة غيرت حياتهم وذهبت بآلام جراحهم وتهديد أعدائهم وأورثتهم النعمة

    — عبدالله بلقاسم

  • دعاء قاله المسلمون يوم أحد .. { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله .. } و ثبتهم الله رغم الجِراح

    — نايف الفيصل

  • { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ...} توكلك على الله وحده وتفويض أمرك له يقلب النقمة الظاهرة نعمة باطنة وظاهرة .. فتوكل عليه ..

    — ماجد الزهراني

  • سورة آل عمران (174)

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • مجالس في تدبر القرآن(تدبر آية 174 سورة آل عمران)

    — خالد السبت

  • الله عز وجل (ذو فضل عظيم) وعد الذين آمنوا واتقوا بـ(أجر عظيم) وتوعّد المسارعين في الكفر بـ(عذاب عظيم)

    — مجالس التدبر

  • آية (١٧٤) : (فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)) * وُصِف الفضل بالعظيم في ثماني آيات في القرآن وإذا كان الوصف بلفظ العظيم يكون متصل الإسناد مباشرة باسم الجلالة (الله) ويكون الوصف متعدداً واسعاً ، بينما وصف الفضل بالكبير في ثلاث آيات وذلك عندما تكون الإشارة إلى فضل من الله تعالى بغير إسناد مباشر للفظ الجلالة (الله) ويكون الوصف منحصراً، وجاء وصف الفضل بالمبين في آية واحدة لأن الأمر دنيوي مباشر ظاهر ملموس . * ختمت آية (٢٩) بسورة الحديد بالتعريف (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) وهنا (وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) : السياق في آل عمران في أُحد وفي نجاتهم مما كان يراد بهم فلم يمسسهم سوء، أما لو مسهم سوء لهم أجر. أما فى سورة الحديد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)) مغفرة ورحمة ونور هذه أكبر فجاءت معرفة لتفيد العموم والشمول أما التنكير فيفيد التقليل.

    — مختصر لمسات بيانية

  • سؤال : ما الفرق بين الخوف والخشية والوجل ؟ الجواب : قيل : إن " الخوف توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة " . " والخشية خوف يشوبه تعظيم , وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشي الله منه ؛ ولذلك خص العلماء بها في قوله : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } [ فاطر : 28 ] . وقيل : الخشية أشد الخوف وأعظمه . وقيل : ربما قيل : خشيت بمعني علمت . قال تعالي في آل عمران : { فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 175 ] . وقال : { الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ } [ المائدة : 3 ] . فذكر الخوف في آل عمران ؛ ذلك أنه في سياق توقع مكروه , فهي في سياق القتال . قال تعالي : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [173] فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [174] إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [175]} [ آل عمران : 173 – 175 ] . وليس السياق في المائدة في مثل ذلك . وقال تعالي مخاطبا موسي – عليه السلام - : { فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى } [ طه : 77 ] . فذكر الخوف في قوله : { لَّا تَخَافُ دَرَكاً } وعطف عليه الخشية , فقال : { وَلَا تَخْشَى } , قيل : إن المعني " لا تخاف أن يدرككم فرعون وجنوده من خلفكم . ولا تخشي أن يغرقكم البحر من قدامكم ... والخشية أعظم الخوف , وكأنه إنما اختيرت هنا لأن الغرق أعظم من إدراك فرعون وجنوده لما أن ذلك مظنة السلامة . ولا ينافي ذلك أنهم إنما ذكروا أولا ما يدل علي خوفهم من حيث قالوا : ( إنا لمدركون ) ؛ ولذا سورع إلي إزاحته بتقديم نفيه " . وأما الوجل فهو الفزع والخوف , وقيل : اضطراب النفس لتوقع مكروه . وعلامته حصول القشعريرة واضطراب القلب , قال تعالي : { الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [ الحج : 35 ] . ومعني : { وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } : " أي : فزعت استعظاما لشأن الجليل وتهيبا منه , وهذا الوجل في فلب المؤمن كضربة السعفة , كما جاء عن عائشة – رضي الله تعالي عنها - , وعلامته حصول القشعريرة " . وعن أم الدرداء رضي الله عنها أن الوجل في القلب كاحتراق السعفة , أما تجد له قشعريرة " . ومن الملاحظ أنه لم يرد في القرآن إسناد الوجل من الله إلا للقلب . قال تعالي : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [ الأنفال : 2 ] . وقال : { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [34] الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [ الحج : 34- 35 ] . وقال : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } [ المؤمنون : : 60 ] . وورد الوجل من الملائكة في قصة إبراهيم علي العموم , ولم يخصه بالقلب , فقال : { إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ [52] قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ } [ الحجر : 52 – 53 ] . ولم يرد في القرآن الكريم إسناد الخشية أو الخوف إلي القلب . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 138)

    — فاضل السامرائي

  • برنامج لمسات بيانية * ورد في القرآن الكريم في مواضع عديدة في أكثر من آية (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ومرة واحدة في سورة آل عمران وردت (وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) آل عمران) فما الفرق؟ (د.فاضل السامرائي) لما تقول فلان ذو المال العظيم أو تقول فلان ذو مال، أيها الأكثر؟ ذو المال، فلان ذو العلم، فلان ذو علم؟ فلان ذو العلم أكثر. إذن ذو الفضل يعني الفضل المذكور منتهى الفضل وكل الفضل. لاحظ ربنا سبحانه وتعالى لا يقول (ذو الفضل العظيم) إلا عندما يعطي أو مع الاختصاص بالرحمة. مثال: (وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) البقرة) عندما اختصه برحمته هذا فضل، هذا في أكثر من مكان (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) الأنفال) عطاء كثير، (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) الحديد) عطاء كثير، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) الحديد)، (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) الجمعة). آية ذو فضل عظيم لم يعطهم شيئاً (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) آل عمران) ما مسهم بالسوء، لكن لم يحصلوا على شيء، أنت تذهب لبيتك ما مسك سوء، ماذا فيها؟ أعطيك أحسن أو لا يمسك سوء؟ أعطيك أحسن. قال ذو فضل عظيم لأن هذا ليس مثل ذاك، عندما لم يمسه سوء غير عندما يختصه برحمه. هذا ما مسه سوء فقط أنت تدخل ما مسك سوء، هذا فضل غير هذا، عندما يختصك برحمة ويجعل لك نور ويغفر لك هذا فضل أكثر. *ختمت آية (29)سورة الحديد بالتعريف (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) وفي آل عمران (وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)) فما الفرق؟ (د.فاضل السامرائي) في آل عمران في أُحد وفي نجاتهم مما كان يراد بهم (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)) هذا أكبر أو النور والرحمة والمغفرة؟ انقلبوا لم يمسسهم سوء، المغفرة والرحمة والنور أكبر لذا قال ذو الفضل العظيم.أما لو مسهم سوء لهم أجر. أما فى سورة الحديد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (28)لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)) كفلين من رحمته ويغفر لكم ويجعل لكم نوراً هذه أكبر إذن والله ذو الفضل العظيم. التعريف يفيد العموم والشمول والتنكير يفيد التقليل.

    — فاضل السامرائي

ترجمات معاني الآية ١٧٤ من سورة آل عمران

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(174) So they returned with favor from Allāh and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allāh, and Allāh is the possessor of great bounty.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال