عن عامر الشعبي، قال: انطَلَق النبيّ ﷺ بالعباس بن عبد المطلب -وكان ذا رأيٍ- إلى السبعين من الأنصار عند العَقَبَة، فقال العبّاس: لِيَتَكَلَّمْ مُتَكَلِّمُكم، ولا يُطِيل الخطبة؛ فإنّ عليكم للمشركين عَيْنًا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم. فقال قائلهم، وهو أبو أُمامة أسعد: يا محمد، سل لربِّك ما شئتَ، ثم سل لنفسك ولأصحابك ما شئتَ، ثم أخبِرنا ما لنا مِن الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك. فقال: «أسألُكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تُؤْوُونا وتَنصُرونا وتمنعونا مِمّا تمنعون منه أنفسكم». قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: «الجنَّة». فكان عامر الشعبي إذا حدَّث هذا الحديث قال: ما سمع الشِّيبُ والشُّبّانُ بخُطبة أقصر ولا أبلغ منها
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: أتى النبي ﷺ نفرٌ من يهود، فيهم أبو ياسر بن أخطب، ونافعُ بن أبي نافع، وعازَرُ بن عمرو، وزيد، وخالد، وإزارُ بن أبي إزار، وأَشْيَعُ، فسألوه عمَّن يؤمنُ به مِن الرُّسل. قال: «أومِنُ بالله، وما أُنزِلَ إلى إبراهيمَ، وإسماعيلَ، وإسحاقَ، ويعقوبَ، والأسباط، وما أوتي موسى، وعيسى، وما أُوتي النبيون من ربِّهم، لا نُفرِّقُ بينَ أحد منهم، ونحنُ له مسلمون». فلمّا ذكَرَ عيسى جحَدُوا نبوَّتَه، وقالوا: لا نؤمنُ بعيسى، ولا نؤمن بمن آمَن به. فأنزل الله فيهم: ﴿قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ إلى قوله: ﴿فاسقون﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات﴾ يعني: علامات ﴿للسائلين﴾، وذلك أنّ اليهود لَمّا سمِعُوا ذكر يوسف عليه السلام مِن النبي ﷺ؛ منهم: كعب بن الأشرف، وحُيَيّ وجُدَيّ ابنا أخطب، والنُّعْمان بن أوْفى، وعمرو، وبَحِيرا، وغزال بن السَّمَوْأَل، ومالك بن الضَّيْف، فلم يُؤْمِن بالنبيِّ ﷺ منهم غيرُ جبرٍ غلامِ ابنِ الحَضْرَمِيِّ، ويسارٍ أبو فُكَيْهة، وعدّاس، فكان ما سمِعوا من النبي ﷺ مِن ذكر يوسف وأمره ﴿آيات للسائلين﴾، وذلك أنّ اليهود سألوا النبيَّ ﷺ عن أمر يوسف، فكان ما سَمِعوا علامةً لهم، وهُمُ السّائِلون عن أمر يوسف عليه السلام، وكان يوسفُ قد فضل في زمانه بحُسْنِه على الناس كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب
قال يحيى بن سلّام، في قوله: ﴿إن ربك أحاط بالناس﴾: كقوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] أن يصلوا إليك حتى تُبَلِّغ عن الله الرسالة، قال قتادة: يمنعك من الناس حتى تبلغ رسالة ربك، أبو أمية، عن الحسن: أنّ رسول الله شكا إلى ربه مِن قومه، فقال: ياربِّ، إنّ قومي قد خوَّفوني، فأعطِني مِن قِبَلِك آيةً أعلم ألّا مخافة عَلَيَّ. فأوحى الله إليه: أن يأتي وادي كذا وكذا فيه شجرة، فليَدْعُ غصنًا منها يأته. فانطلق إلى الوادي، فدعا غصنًا منها، فجاء يخط في الأرض خَطًّا حتى انتصب بين يديه، فحبسه ما شاء الله أن يحبسه، ثم قال: ارجع كما جئت. فرجع، فقال رسول الله: «علِمتُ -يا ربِّ- ألّا مخافة عَلَيَّ»
قال يحيى بن سلّام: وأما أبو زوجها، وابن زوجها، والتابع غير أولي الإربة، ومملوكها؛ فإنّهم لا ينظرون إلى ما ينظر إليه الابنُ، والأبُ، والأخُ، وابنُ الأخ، وابنُ الأخت، والعمُّ، والخالُ، ومَن كان له رضاع؛ لأنّ المرأة قد كانت تَحِلُّ لابن زوجها قبل نكاح الأب إيّاها، وقد كانت تحل لأبي زوجها قبل أن تحل للتابع، فليس هؤلاء مثل هؤلاء في الحرمة، فلا يجوز لهم أن ينظروا إلى الزينة الباطنة، ولكن ينظرون إليها وعليها دِرع وخِمار؛ لأنّها قد كانت تَحِلُّ لهم في حال. وكذلك مملوك المرأة؛ لأنه إذا أعتق حلَّت له. فهؤلاء مثل الأجنبيين في الدخول عليها، كما قال عمر بن الخطاب: لا تسافر المرأة مع حموها
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾:... وذلك أنّ ناسًا من بني مخزوم تواطؤوا بالنبي ﷺ ليقتلوه، منهم: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، فبينا النبيُّ ﷺ قائمٌ يُصَلِّي سمعوا قراءته، فأرسلوا إليه الوليد ليقتله، فانطلق حتى أتى المكان الذي يصلي فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم، فأعلمهم ذلك، فأتَوه، فلما انتهوا إلى المكان الذي هو يُصَلِّي فيه سمعوا قراءته، فيذهبون إلى الصوت، فإذا الصوت مِن خلفهم، فيذهبون إليه فيسمعونه أيضًا مِن خلفهم، فانصرفوا، ولم يجدوا إليه سبيلًا؛ فذلك قوله: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ الآية
عن عطاء الخُراسانيّ، قال: أدركت حُجَر أزواج رسول الله - ﷺ - مِن جَريد النَّخل، على أبوابها المُسُوح مِن شَعر أسود، فحضرتُ كتاب الوليد بن عبد الملك يُقرأ؛ يأمر بإدخال حُجَر أزواج رسول الله - ﷺ - في مسجد رسول الله - ﷺ -، فما رأيتُ يومًا أكثر باكيًا مِن ذلك اليوم، فسمعتُ سعيد بن المسيّب يقول يومئذ: واللهِ، لودِدتُ أنّهم تركوها على حالها، ينشأ ناسٌ مِن أهل المدينة، ويقدم القادم مِن أهل الأُفُق فيرى ما اكتفى به رسول الله في حياته، فيكون ذلك مما يُزَهِّد الناسَ في التكاثر والتفاخر فيها، وقال يومئذ أبو أُمامة بن سهل بن حنيف: لَيْتها تُرِكَتْ فلم تُهدم حتى يُقْصِر الناس عن البناء، ويرون ما رضي الله لنبيّه، ومفاتيح خزائن الدنيا بيده
عن يحيى بن أبي كَثِير، قال: سألتُ أبا سَلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نَزَل من القرآن. فقال: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾. قلتُ: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. فقال أبو سَلمة: سألتُ جابر بن عبد الله عن ذلك، قلتُ له مثل ما قلتَ، قال جابر: لا أُحدِّثك إلا ما حَدَّثنا رسول الله ﷺ، قال: «جاورتُ بحِراء، فلمّا قَضيتُ جواري هبَطتُ، فنُوديتُ، فنَظرتُ عن يميني، فلم أرَ شيئًا، ونظرتُ عن شمالي، فلم أرَ شيئًا، ونظرتُ خلفي، فلم أرَ شيئًا، فرفعتُ رأسي فإذا المَلَك الذي جاءني بحِراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجُئِثْتُ منه رُعبًا، فرجعتُ فقلتُ: دَثِّروني، فدَثَّروني»، فنزلت: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾
عن جابر بن عبد الله، قال: بعثنا رسول الله ﷺ ونحن ثلاثمائة أو نزيد، علينا أبو عبيدة بن الجرّاح، ليس معنا مِن الحمولة إلا ما نركب، فزوّدنا رسول الله ﷺ جِرابين من تمر، فقال بعضنا لبعض: قد علم رسول الله ﷺ أين تريدون، وقد علمتم ما معكم مِن الزاد، فلو رجعتم إلى رسول الله ﷺ فسألتموه أن يُزوّدكم. فرجعنا إليه، فقال: «إني قد عرفتُ الذي جئتم له، ولو كان عندي غير الذي زوّدتكم لزوّدتكموه». فانصرفنا، ونزلت: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾، فأرسل نبي الله ﷺ إلى بعضنا، فدعاه، فقال: «أبشِروا، فإنّ الله قد أوحى إلَيّ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ولن يَغلِب عُسرٌ يُسريْن»
ذكر ابنُ عطية (٢/٣٦٦) هذه القراءة، وكذا قراءةَ مَن قرأ بالفتح، ثُمَّ عَلَّق قائِلًا: «هذه القراءاتُ لا يُظَنُّ إلا أنّها مرويةٌ عن النبي ﷺ، وبجميعها عارض جبريلَ عليه السلام مع طول السنين توسِعةً على هذه الأمة، وتكملةً للسبعة الأحرف حسب ما بيَّنّاه في صدر هذا التعليق، وعلى هذا لا يُقال: هذه أولى مِن جهة نزول القرآن بها، وإن رجحت قراءةٌ فبوجهٍ غيرِ وجهِ النزول». ثم أورد ابن عطية تعليق الأخفش على القراءتين، فقال: «قال أبو الحسن الأخفش: «القَرح» و«القُرح» مصدران بمعنى واحد، ومن قال القَرح -بالفتح-: الجراحات بأعيانها، والقُرح -بضم القاف-: ألم الجراحات؛ قُبِل منه إذا أتى برواية، لأن هذا مما لا يُعلم بقياس»