علَّقَ ابن جرير (٨/١٩٤) على قراءة ﴿وأرجلِكم﴾ بالخفض بقوله: «تأوَّلَ قارِئُو ذلك كذلك: أنّ الله إنما أمر عباده بمسح الأرجل في الوضوء دون غسلها، وجعلوا الأرجل عطفًا على الرأس، فخفضوها لذلك». وعلَّقَ عليها ابن كثير (٥/١٠٩) بقوله: «جاءت هذه القراءة بالخفض؛ إما على المجاورة وتناسب الكلام، كما في قول العرب: جحرُ ضبٍّ خربٍ، وكقوله تعالى: ﴿عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق﴾ [الإنسان:٢١]، وهذا سائغ ذائع، في لغة العرب شائع. ومنهم من قال: هي محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان. قاله أبو عبد الله الشافعي رحمه الله. ومنهم من قال: هي دالة على مسح الرجلين، ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف، كما وردت به السنة»
اسْتَدْرَكَ ابنُ جرير (٦/٥٨٤) على قول السديّ لدلالة القرآن والواقع بقوله: «قيل: إن معنى قوله: ﴿وإن تعودوا نعد﴾: وإن تعودوا للاستفتاح نعد لفتح محمد ﷺ. وهذا القول لا معنى له؛ لأن الله تعالى قد كان ضمن لنبيه عليه السلام حين أذِن له في حرب أعدائه إظهارَ دينه وإعلاءَ كلمته، من قبل أن يستفتح أبو جهل وحزبه، فلا وجه لأن يقال -والأمر كذلك-: إن تنتهوا عن الاستفتاح فهو خير لكم، وإن تعودوا نعد. لأن الله قد كان وعد نبيه ﷺ الفتح بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، استفتح المشركون أو لم يستفتحوا». وبنحوه قال ابنُ كثير (٧/٤٤)
انتقد ابنُ تيمية (٤/٣٩٨) مستندًا إلى مخالفة الواقع أثرَ ابن عباس، فقال فيما نقله عنه ابنُ القيم: «هذا الحديث موضوع، ولا يُعرف لرسول الله ﷺ كاتب اسمه سجل قط». وانتقده أيضًا ابنُ كثير (٩/٣٨٣ بتصرف) مستندًا إلى مخالفة الواقع، فقال: «لا يصح، وقد صرَّح جماعة من الحفاظ بوضعه، وقد تصدّى الإمام أبو جعفر ابن جرير للإنكار على هذا الحديث، وردَّه أتم رد، وقال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي ﷺ معروفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل، وصدق رحمه الله في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث. وأما من ذكر في أسماء الصحابة هذا فإنما اعتمد على هذا الحديث، لا على غيره»
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾ إلى آخر الآية، قال: اجْتَمَعوا، فتَشاوَرُوا في رسول الله ﷺ، فقالوا: اقتلوا هذا الرجل. فقال بعضهم: لا يقتله رجل إلا قُتِل به. قالوا: خذوه فاسجنوه، واجعلوا عليه حديدًا. قالوا: فلا يدعكم أهلُ بيته. قالوا: أخْرِجُوه. قالوا: إذًا يَسْتَغْوِي الناسَ عليكم. قال: وإبليس معهم في صورة رجلٍ من أهل نجد، واجتمع رأيُهم أنّه إذا جاء يطوف البيت ويستلم أن يجتمعوا عليه فَيَغُمُّوهُ ويقتلوه، فإنه لا يدري أهلُه مَن قتله، فيرضون بالعَقْل، فنقتله ونستريح ونَعْقِله. فلَمّا أن جاء يطوف بالبيت اجتمعوا عليه، فَغَمَّوهُ، فأتى أبو بكر، فقيل له ذاك، فأتى فلم يجد مدخلًا، فلَمّا أن لم يجد مدخلًا قال: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ [غافر:٢٨]؟ قال: ثم فَرَّجَها اللهُ عنه، فلَمّا أن كان الليل أتاه جبريل عليه السلام، فقال: مَن أصحابُك؟ فقال: فلان، وفلان، وفلان. فقال: لا، نحن أعلم بهم منك يا محمد، هو ناموس ليل. قال: وأُخِذَ أولئك من مضاجعهم وهم نيام، فأُتِي بهم النبي ﷺ، فقَدِم أحدُهم إلى جبريل، فكَحَلَه، ثم أرسله، فقال: ما صورته، يا جبريل؟ قال: كُفِيتَه، يا نبي الله. ثم قدم آخر، فنَقَر فوق رأسه بِعَصًا نقرةً، ثم أرسله، فقال: ما صورته، يا جبريل؟ فقال: كُفِيتَه يا نبي الله. ثم أُتِيَ بآخر، فنقر في ركبته، فقال: ما صورته، يا جبريل؟ قال: كُفِيتَه. ثم أُتِي بآخر، فسقاه مَذْقَةً، فقال: ما صورته، يا جبريل؟ قال: كُفِيتَه، يا نبي الله. وأُتِيَ بالخامس، فلما غَدا من بيته مَرَّ بنِبالٍ، فتَعَلَّق مِشْقَصٌ برِدائِه فالتَوى، فقطع الأَكْحَلَ مِن رجله، وأَمّا الذي كُحِّلَت عيناه فأصبح وقد عَمِي، وأما الذي سُقِي مَذْقَةً فأصبح وقد اسْتَسْقى بطنُه، وأما الذي نُقِرَ فوق رأسه فأخذته النَّقْرَة –والنَّقْرَة: قُرْحَة عظيمة-، أخذته في رأسه، وأما الذي طُعِن في رُكْبَتِه فأَصْبَح وقد أُقْعِد. فذلك قول الله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾
ذكرَ ابنُ جرير (٤/٥٤٠) دليلَ مَن قال: الكرسيُّ: هو العرش. فقال بعد أن ذكر الأقوال في معنى الكرسي: «ولكل قول من هذه الأقوال وجْه ومذهب، غير أنّ الذي هو أوْلى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله ﷺ، وهو: ما حدثني به عبد الله ابن أبي زياد القَطَواني، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأةٌ النبي ﷺ، فقالت: ادْعُ الله أن يُدخلني الجنةَ. فعَظَّم -الرَّبَّ تعالى-، ثم قال: «إن كرسيَّه وسع السماوات والأرض، وإنه لَيَقْعُدُ عليه فما يَفْضُلُ منه مقدار أربَعِ أصابع». ثم قال بأصابعه فجمعها: «وإنّ له أطيطًا كأطيط الرَّحْلِ الجديد إذا رُكِبَ؛ مِن ثِقَلِه»». ثم ساق سندين آخرين إلى النبي ﷺ بنحو هذا الحديث، الأول منهما: «حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثنا يحيى بن أبي بكر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر، عن النبي ﷺ، بنحوه». ورَجَّح ابنُ عطية (٢/٢٧-٢٨)، وابنُ كثير (٢/٤٤٤) مستندين إلى السُّنَّةِ، وأقوال السلف أنّ الكرسي غير العرش. وانتَقَدا قول الحسن، فقال ابنُ عطية: «والذي تقتضيه الأحاديثُ أنّ الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وقد قال رسول الله ﷺ: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس»، وقال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض»». وقال ابنُ كثير: «وروى ابن جرير من طريق جويبر عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش. والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار». وقال ابنُ تيمية (١/٥٨٧-٥٨٨) مُبَيِّنًا أنّ أكثر السَّلَف على أنّ الكرسيَّ غيرَ العرش: «وقد قال بعضهم: إنّ الكرسيَّ هو العرش. لكن الأكثرون على أنهما شيئان»
عن عاصم بن عمر بن قتادة، ومحمد ابن شهاب الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، كلٌّ قد حَدَّث في غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يُحَدِّثُ ما لم يُحَدِّثْ بعضٌ، وكُلٌّ قد اجتمع حديثُه في هذا الحديث -من طريق ابن إسحاق-: أنّ رسول الله - ﷺ - أمر أصحابه بالتَّهَيُّؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عُسْرَةٍ من الناس، وشِدَّةٍ مِن الحَرِّ، وجَدْبٍ من البلاد، وحين طاب الثِّمار، وأُحِبَّت الظِّلال، والناس يُحِبُّون المقامَ في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشُّخُوص عنها، على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله - ﷺ - قَلَّما يخرج في غزوة إلا كَنّى عنها، وأخبر أنّه يريد غير الذي يَصْمِدُ له، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنّه بَيَّنها للناس لِبُعْدِ الشُّقَّة، وشِدَّة الزمان، وكثرة العدو الذي صَمَد له؛ لِيَتَأَهَّب الناس لذلك أُهْبَتَه. وأمر الناس بالجهاد، وأخبرهم أنّه يريد الروم، فتجهز الناس على مافي أنفسهم من الكُرْه لذلك الوجه؛ لِما فيه، مع ما عَظَّموا من ذِكْرِ الروم وغزوِهم. ثم إنّ رسول الله - ﷺ - جَدَّ في سفره، فأمر الناس بالجهاد والانكِماشِ، وحضَّ أهل الغِنى على النفقة والحُمْلانِ في سبيل الله. فلمّا خرج رسولُ الله - ﷺ - ضرب عسكره على ثَنِيَّة الوداع، وضرب عبد الله بن أُبَيّ بن سلول عسكره على ذي حِدَةٍ أسفل منه، نحو ذُبابٍ؛ جبل بالجَبّانَةِ أسفل من ثَنِيَّة الوداع، وكان -فيما يزعمون- ليس بأقَلِّ العَسْكَرَيْن، فلمّا سار رسول الله - ﷺ - تخلَّف عنه عبد الله بن أُبَيٍّ فيمَن تَخَلَّف من المنافقين وأهل الرَّيْب، وكان عبد الله بن أُبَيٍّ أخا بني عوف بن الخزرج، وعبد الله بن نَبْتَلٍ أخا بني عمرو بن عوف، ورِفاعة بن زيد بن التابوت أخا بني قينقاع، وكانوا من عظماء المنافقين، وكانوا مِمَّن يكيد للإسلام وأهله
اختلف في السنة التي غلبت فيها الروم أهل فارس على أقوال: الأول: يوم وقعة بدر. الثاني: عام الحديبية. ونقل ابنُ كثير (١١/١٣-١٤) عن بعض قائلي القول الثاني أنهم وجَّهوا ذلك: «بأن قيصر كان قد نذر لئن أظفره الله بكسرى ليمشين من حمص إلى إيليا -وهو بيت المقدس- شكرًا لله عز وجل، ففعل، فلما بلغ بيت المقدس لم يخرج منها حتى وافاه كتاب رسول الله ﷺ الذي بعثه مع دحية بن خليفة، فأعطاه دحية لعظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر. فلما وصل إليه سأل: مَن بالشام مِن عرب الحجاز؟ فأحضر له أبو سفيان صخر بن حرب الأموي في جماعة من كفار قريش كانوا في غزَّة، فجيء بهم إليه، فجلسوا بين يديه، فقال: أيُّكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا. فقال لأصحابه -وأجلسهم خلفه-: إنِّي سائلٌ هذا عن هذا الرجل، فإن كذب فكذبوه. فقال أبو سفيان: فواللهِ، لولا أن يأثروا عَلَيَّ الكذب لكذبت. فسأله هرقل عن نسبه وصفته، فكان فيما سأله أن قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. يعني بذلك: الهدنة التي كانت قد وقعت بين رسول الله ﷺ وكفار قريش يوم الحديبية على وضع الحرب بينهم عشر سنين، فاستدلوا بهذا على أن نصر الروم على فارس كان عام الحديبية؛ لأن قيصر إنما وفّى بنذره بعد الحديبية». ثم ذكر أن «لأصحاب القول الأول أن يجيبوا عن هذا بأن بلاده كانت قد خربت وتشعثت، فما تمكن من وفاء نذره حتى أصلح ما ينبغي إصلاحه وتفقد بلاده، ثم بعد أربع سنين من نصرته وفّى بنذره». ثم علَّق على ما سبق بقوله: «والأمر في هذا سهل قريب». ورجَّح ابنُ تيمية (٥/١١٨) أنّ الخبر بظهور الروم على فارس جاء يوم الحديبية قائلًا: «وهذا هو الصحيح». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ عطية (٧/٨-٩) في قوله تعالى: ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ثلاثة احتمالات: الأول: «أن يُشار فيه إلى نصر الروم على فارس». وعلَّق عليه بقوله: «وهي نصرة للإسلام بحكم السنين التي قد ذكرناها». الثاني: «أن يُشار فيه إلى نصر يخص المسلمين على عدوهم». وعلَّق عليه بقوله: «وهذا أيضًا غيبٌ أخبر به وأخرجه إما بيوم بدر، وإما ببيعة الرضوان». الثالث: «أن يُشار فيه إلى فرح المسلمين بنصر الله تعالى إيّاهم في أن صدق ما قال نبيُّهم عليه الصلاة والسلام في أن الروم ستغلب فارس، فإن هذا ضربٌ من النصر عظيم»
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسْباط- قال: طلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبَرِّ الناس بأبيه، وإنّ رجلًا مر به معه لؤلؤ يبيعه، فكان أبوه نائمًا تحت رأسه المفتاح، فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفًا؟ فقال له الفتى: كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه بثمانين ألفًا. فقال له الآخر: أيقظ أباك، وهو لك بستين ألفًا. فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفًا، وزاد الآخر على أن ينتظر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه قال: لا واللهِ، لا أشتريه منك بشيء أبدًا. وأبى أن يوقظ أباه، فعَوَّضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة، فأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة فأبى، فأعطوه ثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشرًا فأبى، فقالوا: واللهِ، لا نتركك حتى نأخذها منك. فانطلقوا به إلى موسى، فقالوا: يا نبي الله، إنا وجدنا البقرة عند هذا فأبى أن يعطيناها، وقد أعطيناه ثمنًا. فقال له موسى: أعطهم بقرتك. فقال: يا رسول الله، أنا أحق بمالي. فقال: صدقت. وقال للقوم: أرْضُوا صاحبكم. فأعطوه وزنها ذهبًا، فأبى، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها، حتى أعطوه وزنها عشر مرات، فباعهم إياها، وأخذ ثمنها. فقال: اذبحوها. فذبحوها، فقال: اضربوه ببعضها. فضربوه بالبَضْعَة التي بين الكَتِفَين، فعاش، فسألوه: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي. قال: أقتله، وآخذ ماله، وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام، فقتلوه
عن العباس بن عبد المطلب، قال: شَهِدتُ مع رسول الله ﷺ يوم حُنين، فلقد رأيتُ النبيَّ ﷺ وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فلَزِمْنا رسولَ الله ﷺ، فلم نُفارِقْه، وهو على بغلتِه الشَّهْباء التي أهْداها له فَرْوَةُ بن نُفاثةَ الجُذامِيُّ، فلما التَقى المسلمون والمشركون ولّى المسلمون مُدْبِرين، وطَفِق النَّبيُّ ﷺ يَرْكُضُ بغلتَه قِبَل الكفار، وأنا آخِذٌ بلِجامِها أكُفُّها إرادةَ ألّا تُسْرِع، وهو لا يَأْلُو ما أسْرَعَ نحْوَ المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخِذٌ بغَرْز رسولِ الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «يا عباسُ، نادِ: يا أصحابَ السَّمُرَة، يا أصحابَ سورة البقرة». وكنتُ رجلًا صَيِّتًا، فقلتُ بأعلى صوتي: يا أصحابَ السَّمُرَة، يا أصحاب سورة البقرة. فواللهِ، لَكَأَنِّي عَطَفْتُهم حين سَمِعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك، يا لبيك. فأقْبَل المسلمون، فاقْتَتَلوا هم والكفارَ، وارْتَفَعَت الأصوات وهم يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قُصِرَت الدعوةُ على بني الحارث بن الخَزْرج، فتطاول رسولُ اللهِ ﷺ وهو على بَغْلَتِه، فقال: «هذا حين حَمِيَ الوَطيسُ». ثُمَّ أخَذَ رسولُ اللهِ ﷺ حَصَياتٍ، فرَمى بِهِنَّ وجوهَ الكفار، ثم قال: «انْهَزَموا، وربِّ الكعبة». فذَهَبتُ أنظُرُ، فإذا القتالُ على هيئته فيما أرى، فما هو إلا أن رماهم رسولُ الله ﷺ بحَصَياته، فما زلتُ أرى حَدَّهم كَلِيلًا، وأمْرَهم مُدْبِرًا حتى هَزَمَهم اللهُ عز وجل
عن فَرْوَة بن مُسَيْك المرادي، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ، فقلتُ: يا رسول الله، ألا أُقاتِلُ مَن أدْبَرَ مَن قومي بِمَن أقْبَلَ منهم؟ فأْذَن لي في قتالهم، وأمِّرْني. فلما خرجت من عنده أرسل في أثري، فرَدَّني، فقال: «ادعُ القومَ، فمَن أسلم منهم فاقبل منه، ومَن لم يُسلم فلا تعجل حتى أُحْدِثَ إليك». وأُنزل في سبأ ما أنزل، فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ، أرض أم امرأة؟ قال: «ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولَد عشرة مِن العرب، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخْم، وجُذام، وغسان، وعامِلة. وأَمّا الذين تيامنوا: فالأَزد، والأشعريون، وحِمْير، وكِنْدة، ومذْحِج، وأنمار». فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثْعَم، وبَجِيلة»[[أخرجه أحمد ٣٩/٥٢٧-٥٢٩ (٢٤٠٠٩/٨٧-٨٨)، والترمذي ٥/٤٣٤-٤٣٥ (٣٥٠١) واللفظ له، وأبو داود مختصرًا ٦/١١٤ (٣٩٨٨)، وابن جرير ١٩/٢٤٤-٢٤٥، ٢٤٦. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وقال ابن كثير ٦/٥٠٤ عن إسناد أحمد: «وهذا أيضًا إسناد جيد، وإن كان فيه أبو جناب الكلبي، وقد تكلموا فيه. لكن رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن العنقزي، عن أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانئ المرادي، عن عمه أو عن أبيه -يشك أسباط- قال: قدم فروة بن مسيك على رسول الله ﷺ، فذكره».]]