عن بعض بني ساعدة قال: سمِعتُ أبا أُسَيدٍ مالك بن ربيعة [الساعدي] بعدَما أُصِيب بصرُه يقول: لو كنتُ معكم ببدرٍ الآن ومعي بصرى لأخبَرْتُكم بالشِّعْبِ الذي خرَجتْ منه الملائكة، لا أشكُّ ولا أتمارى، فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس وأوحى الله إليهم: ﴿أني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾، وتثبيتُهم: أن الملائكة تأتي الرجل في صورة الرجل يعرِفُه، فيقول: أبشِروا، فإنهم ليسوا بشيءٍ والله معكم، كُرُّوا عليهم. فلما رأى إبليس الملائكة نكَص على عَقِبَيه، وقال: إني بريءٌ منكم. وهو في صورة سُراقة، وأقبَل أبو جهل يُحَضِّضُ أصحابَه، ويقول: لا يَهُولَنَّكم خِذلانُ سُراقةَ إيّاكم، فإنه كان على موعدٍ من محمد وأصحابه. ثم قال: واللاتِ والعزّى لا نرجعُ حتى نُقَرِّنَ محمدًا وأصحابَه في الحبال، فلا تقتُلوا، وخذوهم أخذًا
عن محمد ابن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبّان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو -من طريق ابن إسحاق- قالوا: لما أصيبتْ قريش يوم بدر، ورجَع فَلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بِعِيرِه؛ مَشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجالٍ من قريش أُصيب آباؤهم وأبناؤهم، فكلَّموا أبا سفيان ومَن كانت له في تلك العِير من قريشٍتجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدًا قد وتَرَكُمْ، وقتَل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حَرْبِه، فلعلَّنا أن نُدرِك منه ثأرًا. ففعَلوا، ففيهم -كما ذُكِر عن ابن عباس- أنزَل الله: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله﴾ إلى قوله: ﴿والذين كفروا إلى جهنم يحشرون﴾
عن جابر بن عبد الله: أنّ رسول الله ﷺ لَمّا نزل الحِجْرَ قام فخطَب الناس، فقال: «يا أيُّها الناس، لا تسألوا نبيَّكم عن الآيات؛ فإنّ قوم صالح سألوا نبيَّهم أن يبعثَ إليهم آية، فبَعث الله إليهم الناقة، فكانت تَرِدُ مِن هذا الفَجِّ فتشرَبُ ماءَهم يوم وِرْدِها، ويحتَلِبون مِن لبنِها مثلَ الذي كانوا يأخُذون مِن مائها يوم غِبِّها، وتصدُرُ مِن هذا الفَجِّ، فعتَوْا عن أمر ربِّهم، فعقَروها، فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعدًا مِن الله غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة فأهلَك الله مَن كان منهم تحتَ مشارق الأرض ومغاربها، إلا رجلًا كان في حَرَمِ الله، فمنَعه حَرَمُ الله مِن عذاب الله». فقيل: يا رسول الله، مَن هو؟ قال: «أبو رِغالٍ، فلمّا خرج مِن الحرم أصابَه ما أصاب قومَه»
عن أبي المعلى، قال: سمعت سعيد بن جبير، قال: بعث الله عليهم في المرة الأولى سنحاريب. قال: فرد الله لهم الكرة عليهم، كما قال. قال: ثم عصوا ربهم وعادوا لما نهوا عنه، فبعث عليهم في المرة الآخرة بختنصر، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية، وأخذ ما وجد من الأموال، ودخلوا بيت المقدس، كما قال الله عز وجل: ﴿وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا﴾، دخلوه فتبرُّوه، وخرَّبوه، وألقوا فيه ما استطاعوا مِن العذرة والحِيَض والجِيَف والقَذَر، فقال الله: ﴿عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا﴾، فرحمهم، فرد إليهم ملكهم، وخَلَّصَ من كان في أيديهم من ذرية بني إسرائيل، وقال لهم: إن عدتم عدنا. فقال أبو المعلى: ولا أعلم ذلك، إلا من هذا الحديث، ولم يَعِدْهم الرجعة إلى مُلْكِهم
عن عروة بن الزبير، ومحمد بن كعب القرظي، قالا: لَمّا أقبلت قريشٌ عامَ الأحزاب نزلوا بمَجْمَع الأَسْيال مِن رُومة -بئر بالمدينة-، قائدها أبو سفيان، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بنقمين إلى جانب أحد، وجاء رسولَ الله - ﷺ - الخبرُ، فضرب الخندقعلى المدينة، وعمل فيه، وعمل المسلمون فيه، وأبطأ رجال مِن المنافقين، وجعلوا يُوَرُّون بالضعيف مِن العمل، فيتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله - ﷺ - ولا إذن، وجعل الرجلُ مِن المسلمين إذا نابته النّائبة من الحاجة التي لا بُدَّ منها يذكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، ويستأذنه في اللحوق لحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع؛ فأنزل الله في أولئك المؤمنين: ﴿انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله واذا كانوا معه على أمر جامع﴾ إلى قوله: ﴿والله بكل شيء عليم﴾
قال يحيى بن سلّام: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة﴾ يعني: الذين قالوا: أساطير الأولين... ، ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بغير علم ألا ساء ما يزرون﴾ أي: بئس ما يحملون، يحملون آثام أنفسهم ومثل آثام الذين دعوهم إلى الضلال واتبعوهم عليه. وهو كقوله: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم﴾ [العنكبوت:١٣] يحملون آثام أنفسهم، ومثل آثام الذين دعوهم إلى الضلالة فاتبعوهم عليها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزار الذين اتبعوهم شيء. أبو الأشهب، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: «أيما داع دعا إلى هدى فاتُّبع فله مثل أجر مَن اتبعه، ولا ينقص ذلك من أجورهم، وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتُّبع فعليه مثل وزر من اتبعه، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا»
عن عقبة بن عامر الجهني: كنتُ مع رسول الله ﷺ في جيش، فسرَّحْتُ ظهر أصحابي، فلما رجعت تلقّاني أصحابي يَبْتَدِروني، فقالوا: بينا نحن عند رسول الله ﷺ أذَّن المؤذن، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنّ محمدًا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: «وجبت بهذا الجنة». ونظر بعضنا إلى بعض، قال: «لَمَن لقي الله يشهد أن لا إله إلا هو وحده، وأنّ محمدًا رسول الله ﷺ؛ دخل الجنة». وهي عرض رسول الله ﷺ على أبي طالب أن يقول: «لا إله إلا الله وحده، وأن محمدًا رسول الله، أشفع لك بها». فأبى الله ذاك، وغلبت عليه شقوته، وقال [أبو طالب]: ملة الشيخ، يا ابن أخي. فقال الله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص:٥٦]...
عن أنس بن مالك -من طريق أبي نضرة- قال: بعثتني أم سُليم برُطب إلى النبي في طبقٍ أولَ ما أينع ثمر النخل، قال: دخلتُ عليه، فوضعتُ بين يديه، فأصاب منه، ثم أخذ بيدي، فخرجنا، وكان حديث عهد بعرس زينب بنت جحش، فمرَّ بنساء مِن نسائه وعندهنَّ رجال يتحدثون، فهنَّأْنَهُ، وهنَّأه الناس، فقالوا: الحمد لله الذي أقرَّ عينك، يا رسول الله. فمضى حتى أتى عائشة، وإذا عندها رجلان، فكره ذلك، وكان إذا كره الشيءَ عُرِف ذلك في وجهه، فأتيت أم سُليم، فأخبرتها، فقال أبو طلحة: لئن كان كما قال ابنُكِ حقًّا ليحدثن أمر. فلما كان من العشي خرج رسول الله، فصعد المنبر، قال هذه الآية: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبي إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا فِي أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾، وذلك أن أبا جهل بن هشام، وأبا سفيان بن حرب، وعُتبة وشيبة ابنا ربيعة، دخلوا على عليِّ بن أبي طالب ورسول الله ﷺ عنده، فقال لهم رسول الله ﷺ: «قولوا: لا إله إلا الله». فشقّ ذلك عليهم، ﴿وقالُوا قُلُوبُنا فِي أكِنَّةٍ﴾ يقولون: عليها الغطاء؛ فلا تَفْقَه ما تقول، ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ يعني: ثِقَلٌ؛ فلا تسمع ما تقول. ثم إن أبا جهل بن هشام جعل ثوبه بينه وبين النبي ﷺ، ثم قال: يا محمد، أنت من ذلك الجانب، ونحن من هذا الجانب، ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ يعني: سِتر، وهو الثوب الذي رفعه أبو جهل، ﴿فاعْمَلْ﴾ يا محمد لإلهك الذي أرسلك، ﴿إنَّنا عامِلُونَ﴾ لآلهتنا التي نعبدها
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ صالَح أهل مكة يوم الحُدَيبية، وكَتب بينه وبينهم كتابًا، فكان في الكتاب أنّ مَن لَحِق أهل مكة من المسلمين فهو لهم، ومَن لَحق منهم بالنبي ﷺ ردّه عليهم، وجاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ اسمها: سُبَيعة بنت الحارث الأَسلمية -في المُوادعة-، وكانت تحت صيفيّ بن الرّاهب مِن كفار مكة، فجاء زوجها يَطلبها، فقال للنبي ﷺ: رُدّها علينا، فإنّ بيننا وبينك شرطًا. فقال النبي ﷺ: «إنما كان الشّرط في الرجال، ولم يكن في النساء». فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾... فتزوّجها عمر بن الخطاب، ويُقال: تزوّجها أبو السّنابل بن بَعكك بن السّباق بن عبد الدّار بن قُصي...