عن الحسن البصري -من طريق قتادة- أنّ صخرًا المارِد حين كان غلب على ملك سليمان، فلما فطن له الناس كتب كتاب السحر، ودعا الشياطينَ، فأخبرهم أنه قد غلب سليمانَ على ملكه، وأنه يلقي خاتمه في البحر فلا يقدر عليه، ويستريحوا منه، وأن هذا كتابًا كتبه فيه أصناف السحر، وختمه بخاتم سليمان، وإني أدفنه تحت كرسيه، وكتب في عنوانه: هذا ما كتب آصَف بن بَرْخِيا الصِّدِّيق للملك سليمان بن داود من العلم. فلما مات سليمان جاءت الشياطين في صورة الإنس، فقالوا لبني إسرائيل: إن لسليمان كنزًا من دفائن من كنوز العلم، كان يعمل به هذه العجائب، فهل لكم فيه؟ قالوا: نعم. فحفروا ذلك الموضع، واستخرجوا ذلك الكتاب، فلما نظروا فيه أنكر الأحبار ذلك، وقالوا: ما هذا من أمر سليمان. وأخذه قوم، وقالوا: والله ما كان سليمان يعمل إلا بهذا. ففشا فيهم السحر، فليس هو في أحد أكثر منه في اليهود. فلَمّا ذَكر الله لرسوله أمْرَ سليمان، وأنزل عليه في سليمان في المرسلين، وعدّه فيهم، قال مَن كان بالمدينة من اليهود: ألا تعجبون من محمد ﷺ، يزعم أن سليمان كان نبيًّا! والله ما كان إلا ساحرًا. فأنزل الله عز وجل فيما قالوا: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ يقول: ما كتبت الشياطين -يعني: أيام غلب صخر سليمان على ملكه-، ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ هم كتبوا السحر، وما عمل سليمان بالسحر، ﴿وما أنزل﴾ السحر ﴿على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ حتى فرغ من قصتهما
عن أنس بن مالك، قال: أول مَن يأذَنُ الله عز وجل له يومَ القيامة في الكلام والشفاعة محمدٌ ﷺ، فيُقال له: قُل تُسْمَع، وسَل تُعْطَ. قال: فيَخِرُّ ساجِدًا، فيُثنِي على الله ثناءً لم يُثنِه عليه أحد، فيُقال: ارفعْ رأسَك. فيرفَع رأسه، ويقول: «أيْ ربِّ، أُمَّتي أُمَّتي». فيُخرَج له ثلث مَن في النار مِن أُمَّته، ثم يُقال له: قُل تُسمَع، وسَل تُعْطَ. فيَخِرُّ ساجدًا، فيُثني على الله ثناءً لم يُثْنِهِ أحدٌ، فيُقال: ارفع رأسك. فيرفع رأسه، ويقول: «أيْ ربِّ، أُمَّتي أُمَّتي». فيُخرَج له ثُلُثٌ آخر مِن أُمَّته، ثم يُقال له: قُل تُسْمَع، وسَل تُعْطَ. فيَخِرُّ ساجدًا، فيُثنِي على الله ثناءً لم يُثْنِه أحدٌ، فيُقال: ارفع رأسك. فيرفع رأسه، ويقول: «ربِّ، أُمَّتي أُمَّتي». فيُخْرَج له الثلث الباقي. فقيل للحسن: إنّ أبا حمزة يُحَدِّث بكذا وكذا. فقال: يرحَمُ الله، أبا حمزة، نسي الرابعة. قيل: وما الرابعة؟ قال: مَن ليست له حسنة إلا لا إله إلا الله، فيقول: «ربِّ، أُمَّتي أُمَّتي». فيُقال له: يا محمد، هؤلاء يُنجيهم الله برحمته، حتى لا يبقى أحدٌ مِمَّن قال: لا إله إلا الله. فعند ذلك يقول أهلُ جهنم: ﴿فما لنا من شافعين* ولا صديق حميم* فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين﴾ [الشعراء:١٠٠-١٠٢]. وقوله: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾
عن الحسن البصري -من طريق جرير بن حازم، ومبارك، وأبي بكر-، وقتادة -من طريق أبي بكر- قالا: قال الله لملائكته: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. قال لهم: إني فاعل. فَعَرَّضُوا برأيهم، فعلَّمَهم عِلْمًا، وطوى عنهم عِلْمًا عَلِمَه لا يعلمونه، فقالوا بالعلم الذي علَّمهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. وقد كانت الملائكةُ عَلِمَتْ من علم الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء، ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾. فلما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينها، فقالوا: ليخلق ربُّنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقًا إلا كنا أعلم منه، وأكرم عليه منه. فلمّا خلقه، ونفخ فيه من روحه، أمرهم أن يسجدوا له لِما قالوا، ففضَّله عليهم، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه، فقالوا: إن لم نكن خيرًا منه فنحن أعلم منه؛ لأنّا كُنّا قبله، وخُلِقَت الأمم قبله. فلما أُعْجِبوا بعلمهم ابتُلُوا، ﴿وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أنِّي لا أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه، فأخبِروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قال: ففَزِع القوم إلى التوبة -وإليها يفزَع كلُّ مؤمن-، فقالوا: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾ لقولهم: ليخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقًا أكرم عليه مِنّا، ولا أعلم مِنّا. قال: علَّمه اسمَ كل شيء، هذه الخيل، وهذه البغال، والإبل، والجن، والوحش، وجعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضت عليه أمة أمة: ﴿قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾. قال: أمّا ما أبْدَوا فقولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾. وأما ما كتموا فقول بعضهم لبعض: نحن خير منه، وأعلم
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: إن المشركين من قريش لما خرجوا لِيَنصروا العِير ويُقاتِلوا عليها، نزلوا على الماء يوم بدر، فغلَبوا المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين الظَّمَأ، فجعلوا يصلون مُجْنِبِين ومُحْدِثين، فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزنَ، فقال لهم: أتزعُمون أن فيكم النبي، وأنكم أولياء الله، وقد غُلِبتم على الماء، وأنتم تصلون مُجْنِبِين ومُحْدِثين؟! حتى تعاظمَ ذلك في صدور أصحاب النبي ﷺ، فأنزل الله من السماء ماءً حتى سال الوادي، فشَرِب المؤمنون، وملئوا الأسقية، وسقَوُا الركاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طَهورًا، وثَبَّت الأقدام، وذلك أنه كانت بينَهم وبين القوم رَمْلَةٌ، فبعث الله المطرَ عليها، فضربها حتى اشتدَّت وثبَت عليها الأقدام، ونفَر النبي ﷺ بجميع المسلمين، وهم يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا؛ منهم سبعون ومائتان من الأنصار، وسائرُهم من المهاجرين، وسيِّد المشركين يومئذ عتبة بن ربيعة لكِبَر سِنِّه، فقال عتبة: يا معشر قريش، إني لكم ناصح، وعليكم مشفق، لا أدَّخِرُ النصيحة لكم بعد اليوم، وقد بلغتم الذي تريدون، وقد نجا أبو سفيان، فارجعوا وأنتم سالمون، فإن يكن محمد صادقًا فأنتم أسعدُ الناس بصدقه، وإن يكُ كاذبًا فأنتم أحقُّ مَن حقَن دمه. فالتفتَ إليه أبو جهل، فشَتمه، وقَبَّح وجهه، وقال له: قد امتلأتْ أحشاؤك رعبًا. فقال له عتبة: ستَعلَمُ اليوم مَن الجبان المفسد لقومه. فنزَل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، حتى إذا كانوا قُرْبَ أسِنَّة المسلمين قالوا: ابعثوا إلينا عِدَّتَنا منكم نقاتلْهم. فقام غِلْمَةٌ من بني الخزرج، فأجلسهم النبي ﷺ، ثم قال: «يا بني هاشم، أتبعثون إلى إخوتكم -والنبي منكم- غِلْمَة بني الخزرج؟». فقام حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، فمشَوا إليهم في الحديد، فقال عتبة: تكلَّموا نعرفْكم، فإن تكونوا أكفاءَنا نقاتِلْكم. فقال حمزة: أنا أسدُ الله، وأسدُ رسول الله ﷺ. فقال له عتبة: كُفْءٌ كريم. فوثَب إليه شيبة، فاختلفا ضربتين، فضربه حمزة فقتله، ثم قام علي بن أبي طالب إلى الوليد بن عتبة، فاختلفا ضربتين، فضرَبه عليٌّ فقتَله، ثم قام عبيدة، فخرَج إليه عتبة، فاختلفا ضربتين، فجرَح كلُّ واحد منهما صاحبَه، وكَرَّ حمزة على عتبة فقتله، فقام النبي ﷺ، فقال: «اللهمَّ ربَّنا، أنزَلتَ عَلَيَّ الكتاب، وأَمَرْتني بالقتال، ووَعَدتني النصر، ولا تخلفُ الميعاد». فأتاه جبريل، فأنزَل عليه: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾ [آل عمران:١٢٤]. فأوحى الله إلى الملائكة: ﴿أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾. فقُتل أبو جهل في تسعةٍ وستين رجلًا، وأُسرَ عُقْبَة بن أبي مُعَيطٍ فقُتل صبرًا، فوفّى ذلك سبعين، وأُسِر سبعون
قال ابنُ تيمية (٦/٦٤-٦٥) تعليقًا على هذا الحديث: ""بيّن لهم أولًا: أنّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وإن لم يكن ابن نبي ولا أبا نبي، فإبراهيم النبي ﷺ أكرم على الله من يوسف، وإن كان أبوه آزر، وهذا أبوه يعقوب. وكذلك نوح أكرم على الله من إسرائيل، وإن كان هذا أولاده أنبياء، وهذا أولاده ليسوا بأنبياء. فلمّا ذكروا أنه ليس مقصودهم إلا الأنساب، قال لهم: فأكرم أهل الأنساب مَن انتسب إلى الأنبياء، وليس في ولد آدم مثل يوسف؛ فإنه نبي ابن نبي ابن نبي. فلما أشاروا إلى أنه ليس مقصودهم إلا ما يتعلق بهم، قال: «أفعن معادن العرب تسألوني؟». الناس معادن كمعادن الذهب والفِضّة، «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» بيّن أن الأنساب كالمعادن، فإن الرجل يتولد منه كما يتولّد من المعدن الذهب والفِضّة. ولا ريب أن الأرض التي تُنبتُ الذّهب أفضل من الأرض التي تُنبت الفِضّة. فهكذا مَن عُرِف أنه يلد الأفاضل، كان أولاده أفضل مِمَّن عُرف أنه يلد المفضول. لكن هذا سبب ومظنة، وليس هو لازمًا؛ فربما تعطلت أرض الذّهب، وربما قلَّ نَبْتها، فحينئذ تكون أرض الفِضّة أحبَّ إلى الإنسان من أرضٍ مُعطّلة، والفِضّة الكثيرة أحب إليهم من ذهبٍ قليل لا يماثلها في القدر، فلهذا كانت أهل الأنساب الفاضلة يُظن بهم الخير، ويُكرمون لأجل ذلك، فإذا تحقّق من أحدهم خلاف ذلك، كانت الحقيقة مُقدّمة على المظنّة، وأما [ما] عند الله فلا يثبت على المظان ولا على الدلائل، إنما يثبت على ما يعمله هو من الأعمال الصالحة، فلا يحتاج إلى دليل، ولا يجتزئ بالمظنّة، فلهذا كان أكرم الخلق عنده أتقاهم. فإذا قُدِّر تماثل اثنين عنده في التقوى تماثلًا في الدرجة، وإن كان أبو أحدهما أو ابنه أفضل من أبي الآخر أو ابنه، لكن إن حصل له بسبب نسبه زيادة في التقوى كان أفضل لزيادة تقواه. ولهذا حصل لأزواج النبي ﷺ إذا قنتن لله ورسوله وعملن صالحًا، لا لمجرد المصاهرة، بل لكمال الطاعة، كما أنهن لو أتين بفاحشة مبيّنة لضوعف لهُنّ العذاب ضعفين؛ لقبح المعصية. فإنّ ذا الشرف إذا ألزم نفسه التقوى كان تقواه أكمل من تقوى غيره، كما أنّ الملِك إذا عدل كان عدله أعظم من عدل الرجل في أهله. ثم إنّ الرجل إذا قصد الخير قصدًا جازمًا، وعمل منه ما يقدر عليه، كان له أجر كامل، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إن بالمدينة رجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم». قالوا: وهم في المدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبَسهم العُذر». ولهذا قال النبي ﷺ في الصحيح: «مَن دعا إلى هُدًى كان له من الأجر مثل أجور مَن اتّبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار مَن اتّبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا»
عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، أنّها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة، قالت زينب: دخلتُ على أُمِّ حبيبةَ زوجِ النبي ﷺ حين تُوُفِّي أبوها أبو سفيان ابن حرب، فدعتْ بطيب فيه صُفْرة؛ خَلُوقٍ أو غيره، فادَّهنت منه جارية، ثم مسَّت به بعارِضَيْها، ثُمَّ قالت: واللهِ، ما لي بالطِّيب مِن حاجة، غير أنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاث ليال، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشرًا». وقالت زينبُ: دخلتُ على زينبَ بنت جحش حين تُوُفِّي أخوها عبد الله، فدعت بطيب، فمسحت منه، ثُمَّ قالت: واللهِ، ما لي بالطِّيب مِن حاجة، غير أنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يَحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاث ليال، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشرًا». وقالت زينبُ: سمعتُ أُمِّي أُمَّ سلمة تقول: جاءتْ امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إنّ ابنتي تُوُفِّي عنها زوجُها، وقد اشتكَتْ عينُها، أفنَكْحُلُها؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا». مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: «لا». ثم قال: «إنّما هي أربعةُ أشهر وعشرٌ، وقد كانت إحداكُنَّ في الجاهلية تَرْمِي بالبَعْرَةِ عند رَأْسِ الحَوْلِ». قال حميد: فقلتُ لزينب: وما ترمي بالبَعْرَة عند رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا تُوُفِّي عنها زوجُها دخلت حِفْشًا، ولبست شرَّ ثيابها، ولم تَمَسَّ طِيبًا ولا شيئًا، حتى تَمُرَّ بها سنةٌ، ثم تُؤْتى بدابَّةٍ؛ حمارٍ أو شاةٍ أو طائرٍ، فتَفْتَضُّ به، فقلَّما تَفْتَضُّ بشيءٍ إلا مات، ثُمَّ تخرج، فتُعْطى بَعْرَةً، فترمي بها، ثم تُراجِعُ بعد ذلك ما شاءت مِن طيبٍ أو غيرِه
قال مقاتل بن سليمان، في قوله: ﴿أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين﴾: وولد إبراهيم بكُوثى، وذلك أنّ الكهنة قالوا لنمروذ الجبار: إنه يولد في هذه السنة غلام يفسد آلهة أهل الأرض، ويدعو إلى غير آلهتكم، ويكون هلاك مُلْكِك وهلاك أهل بيتك بسببه. فقال نمروذ: إنّ دواء هذا لَهَيِّن، نعزل الرجال عن النساء، ونعمد إلى كل غلام يُولَد في هذه السنة فنقتله إلى أن تنقضي السنة. فقالوا: إن فعلت ذلك، وإلّا كان الذي قلنا لك. فعمد نمروذ، فجعل على كل عشرة رجال رجلًا، وقال لهم: إذا طهرت المرأة فحولوا بينها وبين زوجها إلى أن تحيض، ثم يرجع إلى امرأته إلى أن تطهر، ثم يُحال بينهما، فرجع آزر إلى امرأته، فجامعها على طهر، فحملت، قالت الكهنة: قد حُمِل به الليلة. قال نمروذ: انظروا إلى كل امرأة استبان حملها فخلُّوا سبيلها، وانظروا بقيتهن. فلما دنا مخاض أم إبراهيم عليه السلام دَنَت إلى نهر يابس، فولدت فيه، ثم لَفَّته في خرقة، فوضعته في حَلْفا، ثم رجعت إلى بيتها، فأخبرت زوجها بمكانه، فعمد أبوه فحفر له سَرَبًا في الأرض، ثم جعله فيه، وسَدَّ عليه بصخرة مخافة السباع، فكانت أمه تختلف إليه وترضعه حتى فطمته وعَقِل، وكان ينبت في اليوم نبات شهر، وفي الشهر نبات سنة، وفي السنة نبات سنتين، فقال لأمه: مَن ربي؟ قالت: أنا. قال: من ربُّكِ؟ قالت: أبوك. قال: فمَن ربُّ أبي؟ فضربته، وقالت له: اسكت. فسكت الصبيُّ، ورجعت إلى زوجها، فقالت: أرأيت الغلام الذي كُنّا نُخْبَر أنّه يُغَيِّر دين أهل الأرض؟ فهو ابنك. وأخبرته الخبر، فأتاه أبوه وهو في السَّرَب، فقال: يا أبتِ، من ربي؟ قال: أمك. قال: فمن ربُّ أمي؟ قال: أنا. قال فمَن ربُّك؟ فضربه، وقال له: اسكت
اخْتُلِف في اللاعِنِين؛ فذهب قوم إلى أنهم دواب الأرض وهوامها. وقال آخرون: هم كل ما عدا بني آدم والجن. وقال غيرهم: هم الملائكة والمؤمنون. ورجَّح ابنُ جرير (٢/٧٣٥) القول الأخير الذي قال به قتادة، والربيع، وأبو العالية، مُسْتَنِدًا إلى القرآن، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد وصف الكفار بأنّ اللعنة التي تحل بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين، فقال -تعالى ثناؤه-: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ [البقرة:١٦١]، فكذلك اللعنة التي أخبر الله -جَلَّ ذِكْرُه- أنها نازلة بالفريق الآخر الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس، هي لعنة الله التي أخبر أنّ لعنتهم حالَّةٌ بالذين كفروا وماتوا وهم كفار، وهم اللاعنون؛ لأن الفريقين جميعًا أهلُ كفر». وعَلَّق ابنُ عطية (١/٣٩٥) على هذا بقوله: «وهذا ظاهرٌ واضحٌ جارٍ على مقتضى الكلام». ويُشْكِل على القول الأول -الذي قال به مجاهد، وعكرمة، وأبو جعفر- جَمْعُ اللاعنين بالواو والنون، وهو خاص بالعقلاء، وهو ما وجَّهه ابن عطية (١/٣٩٥) مُسْتَنِدًا إلى نظيره بقوله: «وذكروا بالواو والنون كمن يعقل؛ لأنهم أسند إليهم فعل من يعقل، كما قال: ﴿رأيتهم لي ساجدين﴾ [يوسف:٤]». وبنحوه وجّهه ابنُ جرير (٢/٧٣٥). وانتَقَدَه ابنُ جرير مُسْتَنِدًا لمخالفته لظاهر لفظ الآية، وعدم وجود خبر يقطع بصحته. وبنحوه ابنُ عطية (١/٣٩٥). وانتقد ابنُ عطية القولَ الثانيَ الذي قال به ابن مسعود، والبراء بن عازب، وبمعناهما ما ورد عن ابن عباس، والكلبي، ومقاتل بنفس المستند السابق
عن عبد الله بن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب -من طريق ابن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح- قال: مَرَّ أبو ياسر بن أخْطَب، فجاء رجلٌ من يهود لرسول الله ﷺ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾. فأتى أخاه حُيَيَّ بن أخْطَبَ في رِجالٍ من اليهود، فقال: أتعلمون، واللهِ، لقد سمعتُ محمدًا يتلو فيما أنزل عليه: ﴿الم ذلك الكتاب﴾. فقال: أنت سمعتَه؟ قال: نعم. فمشى حتى وافى أولئك النفر إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: ألم تقل: إنّك تتلو فيما أُنزل عليك: ﴿الم ذلك الكتاب﴾؟ فقال: «بلى». فقالوا: لقد بُعث بذلك أنبياء، ما نعلمُه بُيِّن لنبيٍّ منهم ما مُدَّةُ مُلْكِه وما أجَلُ أُمَّتِهِ غيرَك! الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. ثم قال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المص﴾». قال: هذه أثقلُ وأطولُ، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وثلاثون ومائة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿الر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، هذه إحدى وسبعون ومائتان. ثُمَّ قال: لقد لُبِّس علينا أمرُك حتى ما ندري أقليلًا أُعطيتَ أم كثيرًا؟! ثم قال: قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه ومَن معه: ما يدريكم، لعلَّه قد جُمِع هذا كله لمحمد؟! إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين. فقالوا: لقد تشابه علينا أمرُه. فيزعمون: أنّ هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾
عن قتادة بن دعامة -من طريق أبي بكر بن عبد الله- في قوله: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾، قال: كان إحسانُه -فيما ذُكِر لنا- أنّه كان يُعزِّي حزينَهم، ويُداوي مريضَهم، ورأوا منه عبادًة واجتهادًا، فأحبُّوه. وقال: لَمّا انتهى يوسفُ إلى السجن وجد فيه قومًا قد انقَطَع رجاؤُهم، واشْتَدَّ بلاؤُهم، وطال حُزنُهم، فجعل يقول: أبشِروا، اصبِرُوا تُؤْجَروا، إنّ لِهذا أجرًا، إنّ لِهذا ثوابًا. فقالوا: يا فتى، بارك الله فيك، ما أحسن وجهكَ، وأحسن خَلْقَك، وأحسن خُلُقَك! لقد بُورك لنا في جِوارك، ما نُحِبُّ أنّا كُنّا في غير هذا منذ حُبِسنا؛ لِما تُخْبِرُنا مِن الأجر والكفّارة والطهارة، فمَن أنت، يا فتى؟ قال: أنا يوسف، ابن صَفِيِّ الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحاق، ابن خليل الله إبراهيم -عليهم الصلاة والسلام-. وكانت عليه مَحَبَّة، وقال له عامل السجن: يا فتى، واللهِ، لو استطعتُ لَخَلَّيْتُ سبيلَك، ولكن سأُحْسِن جِوارك، وأُحْسِنُ إسارَك، فكُن في أيِّ بيوت السِّجن شئت