عن عبد الله بن عباس، قال: فيما ناجى موسى ربَّه فيما وهَب اللهُ لمحمدٍ وأُمَّتَه حيثُ قرأ التوراة، وأصاب فيها نعتَ النبيِّ وأمته، قال: يا ربِّ، مَن هذا النبيُّ الذي جعلته وأُمَّته أولًا وآخِرًا؟ قال: هذا محمدٌ النبيُّ الأُمِّيُّ العربيُّ الحرميُّ التِّهاميُّ، من ولد قاذَرَ بن إسماعيل، جعلته أولًا في المحشر، وجعلته آخِرًا ختمت به الرُّسل، يا موسى، ختمتُ بشريعته الشرائع، وبكتابه الكتب، وبسننه السُّنن، وبدينه الأديان. قال: يا ربِّ، إنّك اصطفيتني وكلَّمتني! قال: يا موسى، إنّك صَفِيٌّ، وهو حبيبي، أبعثه يوم القيامة على كَوْمٍ، أجعل حوضَه أعرض الحياض، وأكثرهم وارِدًا، وأكثرهم تبعًا. قال: ربِّ، لقد كَرَّمتَه وشَرَّفتَه. قال: يا موسى، حُقَّ لي أن أُكَرِّمه وأُفَضِّله وأُفَضِّل أُمَّته؛ لأنهم يؤمنون بي، وبرسلي كلِّهم، وبكُتبي كلِّها، وبغَيبي كله، ما كان فيهم شاهدًا -يعني: النبيَّ ﷺ-، ومن بعد موته إلى يوم القيامة. قال: يا ربِّ، هذا نعتُهم؟ قال: نعم. قال: يا ربِّ، وهبتَ لهم الجمعة أو لأُمَّتي؟ قال: بل لهم الجمعةُ دونَ أُمَّتك. قال: ربِّ، إنِّي نظرتُ في التوراة إلى نعتِ قومٍ غُرٍّ مُحَجَّلين، فمَن هم؟ أمِن بني إسرائيل هم أم من غيرهم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد، الغُرُّ المُحَجَّلون من آثار الوضوء. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا يمرُّون على الصِّراط كالبرق والريح، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا يُصَلُّون الصلوات الخمس، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراةِ قومًا يتَّزِرُون إلى أنصافهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ قومًا يُراعون الشمس، مناديهم في جوِّ السماءِ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة يذكرونك على كلِّ شَرَفٍ ووادٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة قومًا الحسنة منهم بعشرةٍ، والسيئة بواحدةٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قوم شاهرين سيوفهم، لا تُردُّ لهم حاجةٌ. قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا إذا أرادوا أمرًا استخاروك ثم ركبوه، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قومٍ يُشَفَّعُ مُحْسِنُهم في مُسيئِهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قومٍ يحجُّون البيت الحرام لا يَنْأَوْنَ عنه أبدًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمدَ، لا يقضُون منه وطرًا أبدًا. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ قُربانهم دماؤهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قوم يقاتلون في سبيلك صفوفًا زحوفًا، يُفْرَغ عليهم الصبرُ إفراغًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم يُذْنِبُ أحدُهم الذَّنب فيتوضأُ فيُغْفَر له، ويصلِّي فتجعل الصلاة له نافلةً بلا ذنب، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قومٍ يشهدون لِرُسُلك بما بلَّغوا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم يجعلون الصدقة في بطونهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ الغنائمُ لهم حلالٌ، وهي مُحَرَّمةٌ على الأمم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم جُعِلَت الأرضُ لهم طهورًا ومسجدًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت نعتَ قوم الرجلُ منهم خيرٌ من ثلاثين ممَّن كان قبلهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد، يا موسى، الرجلُ من الأمم السالفةِ أعبَدُ من الرجل مِن أمة محمدٍ ﷺ بثلاثين ضعفًا، وهم خيرٌ بثلاثين ضعفًا؛ بإيمانه بالكتب كلِّها. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت نعت قوم يأوُون إلى ذِكْرِك، ويَتَحابُّون عليه، كما تأوي النُّسور إلى وكورها، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ إذا غضبوا هلَّلوك، وإذا تنازعوا سبَّحوك، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قوم يغضبون لك كما يغضب النَّمِرُ الحَرِبُ لنفسه، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم تفتح أبواب السماء لأعمالهم وأرواحهم، وتباشرُ بهم الملائكة، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم تتباشرُ بهم الأشجار والجبال بمَمَرِّهم عليها؛ لتسبيحهم لك، وتقديسهم لك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم وهبت لهم الاسترجاع عند المصيبة، ووهبت لهم عند المصيبة الصلاة والرحمة والهدى، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم تصلي عليهم أنت وملائكتُك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم يدخل محسنهم الجنة بغير حساب، ومقتصدهم يُحاسَب حسابًا يسيرًا، وظالمهم يغفر له، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، فاجعلني منهم. قال: يا موسى، أنت منهم وهم منك؛ لأنّك على ديني وهم على ديني، ولكن قد فضَّلتك برسالاتي وبكلامي، فكن من الشاكرين. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم يبعثون يوم القيامة قد ملأت صفوفهم ما بين المشرق والمغرب صفوفًا، يُهَوَّن عليهم الموقفُ، لا يُدْرِكُ فضلَهم أحدٌ من الأمم، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم تقبضهم على فرشهم وهم شهداء عندك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم لا يخافون فيك لومة لائمٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم أذِلَّة على المؤمنين أعِزَّة على الكافرين، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قوم صدِّيقُهم أفضلُ الصديقين، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، لقد كرَّمته وفضَّلته. قال: يا موسى، هو كذلك نبيِّي وصفِيِّي وحبيبي، وأُمَّته خيرُ أمةٍ. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم محرَّمة على الأمم الجنة أن يدخلوها حتى يدخلها نبيُّهم وأمتُه، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، لبني إسرائيل ما بالهُم؟ قال: يا موسى، إنّ قومك من بني إسرائيل يبدِّلون دينك من بعدك، ويغيرون كتابك الذي أنزلت عليك، وإن أمة محمدٍ لا يغيِّرون سنته، ولا يُبطِلون الكتاب الذي أنزَلتُ عليه إلى أن تقوم الساعة؛ فلذلك بلَّغتُهم سَنامَ كرامَتي، وفضَّلتهم على الأمم، وجعلت نبيَّهم أفضل الأنبياء؛ أولهم في الحشر، وأوَّلهم في انشقاق الأرض، وأولهم شافعًا، وأولهم مشفَّعًا. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم حلماء علماءَ، كادوا أن يبلغوا بفقههم حتى يكونوا أنبياء، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد، يا موسى، أُعْطُوا العِلمَ الأولَ الآخر. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة قومًا توضع المائدة بين أيديهم، فما يرفعونها حتى يغفر لهم، فمن هم؟ قال: أولئك أمة أحمدَ. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قومٍ يَلْبِسُ أحدهم الثوب فما ينفُضُه حتى يغفر له، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني أجد في التوراة نعت قومٍ إذا استووا على ظهور دوابهم حمدوك فيغفر لهم، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد، أوليائي -يا موسى- الذين أنتقم بهم مِن عَبَدَةِ النيران والأوثان
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق محمد بن إسحاق- قال: سمع سليمان عليه السلام بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يُقال لها: صيدون، بها ملِك عظيم الشأن، لم يكن للناس إليه سبيلًا لمكانه في البحر، وكان اللهُ قد آتى سليمانَ في مُلكه سلطانًا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريحُ على ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده مِن الجن والإنس، فقَتَل مَلِكَها، واستولى واستفاء وسبى ما فيها، وأصاب فيما أصاب بنتًا لذلك الملك، يقال لها: جرادة، لم يُر مثلها حسنًا وجمالًا، فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت على جفاءٍ منها وقِلَّة فِقْه، وأحبها حبًّا لم يحبه شيئًا مِن نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، فشقَّ ذلك على سليمان، فقال لها: ويحكِ، ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إنّ أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه، فيحزنني ذلك. قال سليمان: فقد أبدلك الله به مُلكًا هو أعظم مِن ملكه، وسلطانًا هو أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله. قالت: إن ذلك كذلك، ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى مِن الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فصوَّروا صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيًا لَرجوت أن يُذهب ذلك حزني، وأن يُسلِّي عنِّي بعضَ ما أجد في نفسي. فأمر سليمانُ الشياطين، فقال: مثِّلوا لها صورةَ أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئًا. فمثَّلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه، إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه فأزَّرته وقمَّصته وعمَّمته ورَدَتْه بمثل ثيابه التي كان يلبس، ثم كان إذا خرج سليمان مِن دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له، ويَسْجُدْنَ له كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كل عشية بمثل ذلك، وسليمان لا يعلم بشيء مِن ذلك أربعين صباحًا، وبلغ ذلك آصفَ بن برخيا، وكان صديقًا، وكان لا يُرَدّ عن أبواب سليمان، أي ساعة أراد دخول شيء مِن بيوته دخل، حاضرًا كان سليمان أو غائبًا، فأتاه، فقال: يا نبيَّ، الله كبر سني، ورقَّ عظمي، ونفد عمري، وقد حان مني الذهاب، فقد أحببتُ أن أقوم مقامًا قبل الموت أذكر فيه مَن مضى مِن أنبياء الله وأُثني عليهم بعلمي فيهم، وأُعَلِّمُ الناسَ بعضَ ما كانوا يجهلون مِن كثير من أمورهم. فقال: افعل. فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبًا، فذكر مَن مضى من أنبياء الله تعالى، فأثنى على كل نبيِّ بما فيه، فذكر ما فضَّله الله، حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما أحلمك في صغرك، وأورعك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك مِن كل ما تكره في صغرك. ثم انصرف، فوجد سليمان عليه السلام في نفسه من ذلك حتى ملأه غضبًا، فلما دخل سليمان دارَه أرسل إليه، فقال: يا آصف، ذكرت مِن مضى من أنبياء الله فأثنيت عليهم خيرًا في كل زمانهم، وعلى كل حال مِن أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني عليّ بخير في صغري، وسكتَّ عما سوى ذلك مِن أمري في كبري! فما الذي أحدثتُ في آخر أمري؟ فقال: إنّ غير الله لَيُعْبَد في دارك منذُ أربعين صباحًا في هوى امرأة. فقال: في داري؟! فقال: في دارك. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد عرفتُ أنّك ما قلتَ الذي قلتَ إلا عن شيء بلغك. ثم رجع سليمان إلى داره، وكسر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأةَ وولائدها، ثم أمر بثياب الطُّهرة، فأُتِي بها، وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا الأبكار، لم تمسسها امرأة قد رأت الدم، فلبسها، ثم خرج إلى فلاةٍ مِن الأرض وحده، فأمر برماد ففُرش له، ثم أقبل تائبًا إلى الله عز وجل، حتى جلس على ذلك الرماد، وتمعَّك فيه بثيابه تذلُّلًا لله تعالى، وتضرُّعًا إليه يبكي ويدعو، ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع إلى داره. وكانت له أم ولد يقال لها: الأمينة، كان إذا دخل مذهبَه أو أراد إصابةَ امرأة مِن نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر، وكان مُلكُه في خاتمه، فوضعه يومًا عندها، ثم دخل مذهبه، فأتاها الشيطان صاحب البحر -واسمه: صخر- على صورة سليمان، لا تُنكِر منه شيئًا، فقال: خاتمي، أمينة. فناولته إياه، فجعله في يده، ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج سليمان فأتى الأمينةَ وقد غُيِّرت حاله وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة، خاتمي. قالت: مَن أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود. قالت: كذبت، فقد جاء سليمانُ فأخذ خاتمه، وهو جالس على سرير ملكه. فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فخرج، فجعل يقف على الدار مِن دور بني إسرائيل، فيقول: أنا سليمان بن داود. فيحثون عليه التراب، ويسبُّونه، ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون! أيَّ شيء يقول؟! يزعم أنه سليمان! فلما رأى سليمانُ ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق، فيعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة، وشوى الأخرى فأكلها، فمكث بذلك أربعين صباحًا عِدَّة ما كان عُبِد الوثن في داره، فأنكر آصفُ وعظماء بني إسرائيل حكمَ عدوِّ الله الشيطان في تلك الأربعين، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل، هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم. قال: أمهِلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن: فهل أنكرتن منه في خاصة أمره ما أنكرناه في عامة أمر الناس وعلانيته؟ فدخل على نسائه، فقال: ويحكنَّ، هل أنكرتنَّ مِن أمر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أشده؛ ما يَدَعُ مِنّا امرأةً في دمها، ولا يغتسل من الجنابة. فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون، إنّ هذا لهو البلاء المبين. ثم خرج على بني إسرائيل، فقال: ما في الخاصة أعظم مما في العامة. فلما مضى أربعون صباحًا طار الشيطانُ عن مجلسه، ثم مرَّ بالبحر، فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة، فأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدرَ يومه ذلك، حتى إذا كان العشيُّ أعطاه سمكتيه، وأعطاه السمكةَ التي أخذت الخاتم، فخرج سليمان بسمكتيه، فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى، فبقرها ليشويها، فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه، فجعله في يده، ووقع ساجدًا، وعكفت عليه الطير والجن، وأقبل عليه الناس، وعرف الذي كان قد دخل عليه لِما كان قد حدث في داره، فرجع إلى مُلْكِه، وأظهر التوبة مِن ذنبه، وأمر الشياطينَ، فقال: ائتوني بصخر. فطلبته الشياطين حتى أخذته، فأُتي به، وجاؤوا له بصخرة، فنقرها، فأدخله فيها، ثم شدَّ عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقُذف في البحر
عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل وجُوَيْبِر عن الضحاك، والسدي عن مجاهد-، وكعب -من طريق قتادة-، والحسن البصري -من طريق قتادة-، ووهب [بن مُنَبِّه]-من طريق إدريس ابن بنت وهب- يزيد بعضهم على بعض: أنّ عُزَيْرًا كان عبدًا صالحًا حكيمًا، خرج ذات يوم إلى ضَيْعَةٍ له يَتَعاهَدُها، فلمّا انصرف انتهى إلى خَرِبة حين قامت الظَّهِيرة، وأصابه الحَرُّ، فدخل الخَرِبة وهوعلى حمار له، فنزل عن حماره، ومعه سَلَّةٌ فيها تين، وسَلَّةٌ فيها عِنب، فنزل في ظِلِّ تلك الخَرِبة، وأخرج قَصْعَةً معه، فاعتصر مِن العنب الذي كان معه في القَصْعَة، ثم أخرج خبزًا يابسًا معه فألقاه في تلك القصعة في العصير؛ ليبتلَّ ليأكُلَه، ثُمَّ استلقى على قفاه، وأسند رجليه إلى الحائط، فنظر سُقُفَ تلك البيوت، ورأى ما فيها، وهي قائمة على عُرُشِها، وقد باد أهلها، ورأى عِظامًا بالية، فقال: أنّى يُحْيِي هذه اللهُ بعد موتها؟ فلم يشكَّ أنّ الله يحييها، ولكن قالها تعجبًا، فبعث الله ملَكَ الموت فقَبَضَ روحَه، فأماته الله مائة عام، فلَمّا أتت عليه مائةُ عام، وكان فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمورٌ وأحداثٌ، فبعث الله إلى عُزَيْرٍ ملَكًا، فخلق قلبَه ليَعْقِلَ به، وعينيه لينظر بهما، فيعقِلَ كيف يحيي الله الموتى، ثم ركَّب خَلْقَه وهو يَنْظُرُ، ثم كسا عظامَه اللحم والشعر والجلد، ثم نفخ فيه الروح، كل ذلك يرى ويعقل، فاستوى جالسًا، فقال له الملَكُ: كم لبثتَ؟ قال: لبثت يومًا -وذلك أنّه كان نام في صدر النهار عند الظهيرة، وبُعِثَ في آخر النهار والشمس لم تَغِب- فقال: أو بعض يوم، ولم يتمَّ لي يوم. فقال له الملك: ﴿بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك﴾. يعني: الطعام الخبز اليابس، وشرابه العصير الذي كان اعتصر في القَصْعة، فإذا هما على حالِهما، لم يتغير العصير والخبز اليابس، فذلك قوله: ﴿لم يتسنه﴾، يعني: لم يتغير، وكذلك التين والعنب غَضٌّ لم يتغيَّر عن حاله، فكأنّه أنكر في قلبه، فقال له المَلَك: أنكرتَ ما قلتُ لك؟! انظر إلى حمارك. فنظر، فإذا حماره قد بَلِيت عظامُه، وصارت نَخِرة، فنادى الملَكُ عظامَ الحمار، فأجابت، وأقبلت من كل ناحية، حتى ركبه الملَك وعزيرٌ ينظر إليه، ثم ألبَسَها العروقَ والعصبَ، ثم كساها اللحم، ثم أنْبَت عليها الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الملَك، فقام الحمارُ رافعًا رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقًا، فذلك قوله: ﴿وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما﴾، يعني: انظر إلى عظام حمارك كيف يركبُ بعضُها بعضًا في أوصالها، حتى إذا صارت عظامًا مُصَوَّرًا حمارًا بلا لحم، ثم انظر كيف نكسوها لحمًا، ﴿فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ من إحياء الموتى وغيره. قال: فرَكِب حمارَه حتى أتى مَحِلَّته، فأنكره الناس، وأنكر الناسَ، وأنكر منازلَه، فانطلق على وهْمٍ منه حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مُقْعَدة قد أتى عليها مائةٌ وعشرون سنةً، كانت أمَةً لهم، فخرج عنهم عُزَيْرٌ وهي بنتُ عشرين سنة، كانت عرَفته وعقَلته، فقال لها عُزَيْرٌ: يا هذه، أهذامنزل عُزَيْر؟ قالت: نعم. وبَكَتْ، وقالت: ما رأيتُ أحدًا من كذا وكذا سنة يذكُرُ عُزَيْرًا، وقد نسيه الناس. قال: فإنِّي أنا عُزَيْرٌ. قالت: سبحان الله! فإنّ عُزَيْرًا قد فقدناه منذ مائة سنة، فلم نسمع له بذِكْر. قال: فإنِّي أنا عُزَيْر؛ كان الله أماتني مائة سنة، ثم بعثني. قالت: فإنّ عزيرًا كان رجلًا مستجاب الدعوة، يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادعُ الله أن يَرُدَّ عليَّ بصري حتى أراك، فإن كنتَ عُزَيْرًا عرَفتُك. فدعا ربَّه، ومسح يده على عَيْنَيها؛ فصحَّتا، وأخذ بيدها، فقال: قُومي بإذن الله. فأطلَق اللهُ رجلَيها؛ فقامت صحيحة كأنما نشِطت من عِقال، فنظرت، فقالت: أشهد أنك عُزَيْرٌ. فانطلقت إلى محلَّة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابنٌ لعزير شيخٌ ابنُ مائة سنة وثمان عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ في المجلس، فنادتهم، فقالت: هذا عُزَيْرٌ قد جاءكم. فكذَّبُوها، فقالت: أنا فلانة مولاتُكم، دعا لي ربَّه فردَّ عليَّ بصري، وأطلق رجلي، وزعم أنّ الله كان أماته مائة سنة ثم بعثه. فنهض الناس، فأقبلوا إليه، فنظروا إليه، فقال ابنُه: كانت لأبي شامةٌ سوداءُ بين كتفيه. فكشف عن كَتِفَيْه، فإذا هو عزير. فقالت بنو إسرائيل: فإنّه لم يكن فينا أحدٌ حَفِظ التوراة فيما حُدِّثنا غيرُ عزير، وقد حرَّق بُخْتُنَصَّر التوراةَ، ولم يبق منها شيءٌ إلا ما حَفِظَت الرجال؛ فاكتبها لنا. وكان أبوه سروخا قد دفن التوراة أيام بُخْتُنَصَّرَ في موضع لم يعرفه أحد غيرُ عزير، فانطلق بهم إلى ذلك الموضع، فحفره، فاستخرج التوراة، وكان قد عَفِن الوَرَقُ، ودَرَس الكتابُ، فجلس في ظلِّ شجرة وبنو إسرائيل حولَه، فجدَّد لهم التوراة، فنزل من السماء شِهابان حتى دخلا جوفَه، فتذكَّر التوراةَ، فجدَّدها لبني إسرائيل، فمِن ثمَّ قالت اليهود: عزيرٌ ابن الله. لِلَّذي كان من أمر الشِّهابين، وتجديده للتوراة، وقيامه بأمر بني إسرائيل، وكان جدّد لهم التوراة بأرض السَّواد بدِير حِزْقيلَ، والقرية التي مات فيها يُقال لها: سابُراباذُ. قال ابن عباس: فكان كما قال الله: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾. يعني: لبني إسرائيل؛ وذلك أنه كان يجلس مع بني بنيه، وهم شيوخ، وهو شاب؛ لأنه كان مات وهو ابن أربعين سنة، فبعثه الله شابًّا كهيئته يوم مات
اختُلف في قوله: ﴿ثم رددناه إلى أسفل سافلين﴾ على أقوال: الأول: رددناه إلى أرذل العمر. الثاني: رددناه إلى النار في أقبح صورة. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/٥١٦) القول الأول وانتقد الثاني مستندًا إلى الدلالة العقلية، والسياق، وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما قلنا: هذا القول أولى بالصواب في ذلك؛ لأنّ الله -تعالى ذِكْره- أخبر عن خَلْقه ابن آدم، وتصريفه في الأحوال، احتجاجًا بذلك على منكري قدرته على البعث بعد الموت، ألا ترى أنه يقول: ﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ يعني: بعد هذه الحُجج. ومحال أن يحتجّ على قوم كانوا منكرين معنًى من المعاني بما كانوا له منكرين، وإنما الحجّة على كلّ قوم بما لا يقدروا على دفْعه مما يعاينونه ويحسّونه أو يُقِرُّون به، وإن لم يكونوا له محسيّن، وإذا كان ذلك كذلك، وكان القوم للنار التي كان الله يتوعّدهم بها في الآخرة منكرين، وكانوا لأهل الهَرم والخرف من بعد الشباب والجَلَد شاهدين؛ عُلم أنه إنما احتج عليهم بما كانوا له معاينين، من تصريفه خَلْقه، ونَقْله إياهم مِن حال التقويم الحسن والشباب والجَلَد، إلى الهرَم والضعف وفناء العمر، وحدوث الخرف». ورجّح ابنُ كثير (١٤/٤٣٥) القول الثاني مستندًا إلى السياق، فقال: «قوله: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ أي: إلى النار. قاله مجاهد، وأبو العالية، والحسن، وابن زيد، وغيرهم. ثم بعد هذا الحُسن والنضارة مصيره إلى النار إن لم يُطع الله ويتّبع الرسل؛ ولهذا قال: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [التين:٦]». وانتقد -مستندًا إلى الدلالة العقلية، والنظائر- القول الأول بقوله: «ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك؛ لأنّ الهَرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه، كقوله: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾». ورجّح ابنُ تيمية (٧/٧١-٧٤) وابنُ القيم (٣/٣٣٥-٣٣٧) القول الثاني، وانتقدا الأول -مُستَنِديْن إلى دلالة اللغة، والعقل، والنظائر- مِن وجوه: أحدها: أنّ أرذل العمر لا يُسمّى: أسفل سافلين، لا في لغة ولا عُرف، وإنما أسفل سافلين هو سِجِّين الذي هو مكان الفُجّار، كما أنّ عِلِّيّين مكان الأبرار. الثاني: أنّ المردودين إلى أسفل العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليل جدًّا، فأكثرهم يموت ولا يُردّ إلى أرذل العمر. الثالث: أنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في ردّ مَن طال عمره منهم إلى أرذل العمر، فليس ذلك مختصًّا بالكفار حتى يستثني منهم المؤمنين. الرابع: أنّ الله سبحانه لما أراد ذلك لم يخصّه بالكفار، بل جعله لجنس بني آدم، فقال: ﴿ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا﴾ [الحج:٥]، فجعلهم قسمين: قسمًا مُتوفّى قبل الكِبَر، وقسمًا مردودًا إلى أرذل العمر ولم يُسمّه: أسفل سافلين. الخامس: أنه لا تحسن المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء المؤمنين، وهو سبحانه قابل بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان، فجعل جزاء الكفار أسفل سافلين، وجزاء المؤمنين أجرًا غير ممنون. السادس: أنّ قول مَن فسّره بأرذل العمر يستلزم خلو الآية عن جزاء الكفار وعاقبة أمرهم، ويستلزم تفسيرها بأمر محسوس، فيكون قد ترك الإخبار عن المقصود الأهم، وأخبر عن أمر يُعرَف بالحسّ والمشاهدة، وفي ذلك هضم لمعنى الآية، وتقصير بها عن المعنى اللائق بها. السابع: أنه سبحانه ذكر حال الإنسان في مبدئه ومعاده، فمبدؤه خَلْقه في أحسن تقويم، ومعاده ردّه إلى أسفل سافلين أو إلى أجر غير ممنون، وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته في ذكر مبدأ العبد ومعاده، فما لأرذل العمر وهذا المعنى المطلوب المقصود إثباته والاستدلال عليه؟. الثامن: أنّ أرباب القول الأول مُضطرُّون إلى مخالفة الحسّ، وإخراج الكلام عن ظاهره، والتكلّف البعيد له؛ فإنهم إن قالوا: إنّ الذي يُرَدّ إلى أرذل العمر هم الكفار دون المؤمنين. كابروا الحسّ. وإن قالوا: إنّ من النوعين مَن يُرَدّ إلى أرذل العمر. احتاجوا إلى التكلّف لصحة الاستثناء، فمنهم مَن قدَّر ذلك بأنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تبطل أعمالهم إذا رُدّوا إلى أرذل العمر، بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونها في الصحة، فهذا وإن كان حقًا فإنّ الاستثناء إنما وقع من الردّ لا من الأجر والعمل. التاسع: أنه سبحانه ذكر نِعمته على الإنسان بخَلْقه في أحسن تقويم، وهذه النعمة توجب عليه أن يشكرها بالإيمان وعبادته وحده لا شريك له، فينقله حينئذ من هذه الدار إلى أعلى عِلِّيّين، فإذا لم يؤمن به وأشرك به وعصى رسله نقله منها إلى أسفل سافلين، وبدّله بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورة من أقبح الصور في أسفل سافلين، فتلك نِعمته عليه، وهذا عدله فيه وعقوبته على كفران نِعمته. العاشر: أنّ نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ ألِيمٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق:٢٤-٢٥]، فالعذاب الأليم هو أسفل سافلين، والمُستَثْنون هنا هم المُستَثْنون هناك، والأجر غير الممنون هناك هو المذكور هنا، والله أعلم. الحادي عشر: أن يقال: إنّ الشيخ وإن ضعف بدنه فعقله أقوى من عقل الشاب، ولو قُدِّر أنه ينقص بعض قواه فليس هذا ردًّا إلى أسفل سافلين، فإنه سبحانه إنما يصف الهَرم بالضعف، كقوله: ﴿ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة﴾ [الروم:٥٤]، وقوله: ﴿ومن نعمره ننكسه في الخلق﴾ [يس:٦٨]، فهو يعيده إلى حال الضعف. ومعلوم أنّ الطفل ليس هو في أسفل سافلين، فالشيخ كذلك أولى. الثاني عشر: أن يُقال: إنه سبحانه أقسم على ذلك بأقسام عظيمة بالتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين، وهي المواضع التي جاء منها محمد والمسيح وموسى، وأرسل الله بها هؤلاء الرسل مُبشِّرين ومُنذِرين. وهذا الإقسام لا يكون على مجرد الهَرم الذي يعرفه كل واحد، بل على الأمور الغائبة التي تُؤَكّد بالأقسام، فإن إقسام الله هو على أنباء الغيب""
عن أبي هاشم العَبديِّ، عن عبد الله بن عباس، قال: مَلَك ما بين المشرق والمغرب أربعة، مؤمنان وكافران؛ أما الكافران، فالفَرُّخان، وبُختُنَصَّرَ. فأنشأ أبو هاشم يحدِّث قال: وكان رجلًا مِن أهل الشام صالحًا، فقرأ هذه الآية: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿عُلُوًّا كبيرًا﴾. قال: يا ربِّ، أما الأُولى فقد فاتتني، فأرِني الآخرة. فأُتِى وهو قاعدٌ في مُصَلّاه قد خَفَق برأسه، فقيل: الذي سألت عنه ببابل، واسمه: بُختُنَصَّرَ. فعرَف الرجلُ أنه قد استُجِيب له، فاحتَمَل جِرابًا مِن دنانير، فأقبل حتى انتهى إلى بابل، فدخل على الفَرُّخان، فقال: إني قد جئت بمال، فأَقسِمُه بين المساكين؟ فأمر به، فأُنزل، فجمَعوهم له، فجعل يُعطِيهم، ويسأله عن أسمائهم، حتى إذا فرغ ممن بحضرته قيل له: فإنّه قد بَقِيَت منهم بقايا في الرَّساتيق. فجعل يبعث فتاه، حتى إذا كان الليل رجع إليه، فأقرأه رجلًا رجلًا، فأتى على ذِكْرِ بُختنَصَّرَ، فقال: قِف، قف، كيف قلت؟ قال: بُختُنَصَّرَ، قال: وما بُختُنَصَّرَ هذا؟ قال: هو أشَدُّهم فاقة، وهو مُقعَدٌ يأتي عليه السُّفّارُون، فيُلقِي أحدُهم إليه الكِسرة، ويأخُذُ بأَنَفَةٍ. قال: فإني مُلِمٌّ به لا بُدَّ. قال الآخر: فإنما هو في خيمة له يُحدِثُ فيها، حتى أذهب فأَقلِبَها وأغسِلَه. قال: دونك هذه الدنانير. فأقبل إليه بالدنانير، فأعطاه إيّاها، ثم رجع إلى صاحبه، فجاء معه، فدخل الخيمة، فقال: ما اسمك؟ قال: بُختَنَصَّرَ. قال: من سَمّاك بُختَنَصَّرَ؟ قال: من عسى أن يُسَمِّيَني إلا أمي؟! قال: فهل لك أحد؟ قال: لا، والله، إني لهاهنا أخاف بالليل أن تأكلني الذئاب. قال: فأي الناس أحسن بلاء؟ قال: أنت. قال: أفرأيت إن مُلِّكتَ يومًا مِن دهر، أتجعل لي ألّا تعصيني؟ قال: أي سيدي، لا يضُرُّك ألّا تهزأ بي. قال: أرأيت إن مُلِّكت مرة أتجعل لي ألّا تعصيني؟ قال: أمّا هذه فلا أجعلُها لك، ولكن سوف أُكرِمُك كرامةً لا أُكرِمُها أحدًا. قال: دونك هذه الدنانير. ثم انطلق، فلحِق بأرضه، فقام الآخر، فاستوى على رجليه، ثم انطلق، فاشترى حمارًا وأرسانًا، ثم جعل يستعرض تلك الأُجُمَ، فيَجُزُّها، فَيبِيعُه، ثم قال: إلى متى هذا الشَّقاء؟! فعمَد، فباع ذلك الحمار، وتلك الأرْسان، واكتسى كسوة، ثم أتى باب الملك، فجعل يُشير عليهم بالرأي، وترتفع منزلته، حتى انتهى إلى بواب الفَرُّخان الذي يليه، فقال له الفَرُّخان: قد ذُكِر لي رجلٌ عندك، فما هو؟ قال: ما رأيت مثله قط. قال: ائْتِني به. فكَلَّمه، فأُعجِب به، قال: إنّ بيت المقدس تلك البلاد قد اسْتَعْصَوا علينا، وإنّا باعثون إليهم بعثًا، وإنِّي باعِثٌ إلى البلاد مَن يختبرُها. فنظر حينئذ إلى رجال مِن أهل الإرب والمكيدة، فبعثهم جواسيس، فلما فَصَلوا إذا بُختُنَصَّرَ قد أتى بخُرجَيه على بغلة، قال: أين تريد؟ قال: معهم. قال: أفلا آذَنتَني فأبعثَك عليهم؟ قال: لا. حتى إذا وقَفوا بالأرض قال: تفرَّقوا. وسأل بُختُنَصَّرَ عن أفضل أهل البلد، فدُلَّ عليه، فألقى خُرْجَيْه في داره، وقال لصاحب المنزل: ألا تُخبِرُني عن أهل بلادك. قال: على الخبير سقطتَ، هم قومٌ فيهم كتاب فلا يُقيمونه، وأنبياء فلا يطيعونهم، وهم مُتَفَرِّقون. قال بُختُنَصَّرَ كالمتعجب منهم: كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون! فكتبهنَّ في ورقة، وألقاها في خُرجَيه، وقال: ارتحلوا. فأقبلوا حتى قدِموا على الفَرُّخان، فجعل يسأل كلَّ رجل منهم، فجعل الرجل يقول: أتينا بلاد كذا، ولها حصن كذا، ولها نهر كذا. قال: يا بُختَنَصَّرَ، ما تقول؟ قال: قَدِمنا أرضًا على قومٍ لهم كتابٌ لا يُقِيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون. فأمِن حينئذ، فندَب الناس، وبعث إليهم سبعين ألفًا، وأَمَّر عليهم بُختُنَصَّرَ، فساروا حتى إذا علَوا في الأرض أدركهم البريدُ أن الفَرُّخان قد مات، ولم يستخلف أحدًا. قال للناس: مكانكم. ثم أقبل على البريد حين قدِمَ على الناس، فقال: وكيف صنعتم؟ قالوا: كرهنا أن نقطع أمرًا دونك. قال: إن الناس قد بايعوني. فبايعوه، ثم استخلف عليهم، وكتب بينهم كتابًا، ثم انطلق بهم سريعًا حتى قدِم على أصحابه، فأراهم الكتاب، فبايعوه، وقالوا: ما بنا عنك رغبة. فساروا، فلمّا سمِع أهل بيت المقدس تفرقوا وطاروا تحت كل كوكب، فشعَّث ما هناك -أي: أفسد-، وقتل من قتل، وخرَّب بيت المقدس، واسْتَبى أبناء الأنبياء، فيهم دانيال، فسمع به صاحب الدنانير، فأتاه، فقال: هل تعرفني؟ قال: نعم. فأدنى مجلسَه، ولم يُشَفِّعه في شيء حتى إذا نزل بابل لا تُرَدُّ له راية، فكان كذلك ما شاء الله، ثم إنّه رأى رؤيا أفظعته، فأصبح قد نسيها، قال: عليَّ بالسحرة والكهنة. قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها الليلة، واللهِ، لَتُخبِرُنِّي بها أو لأقتُلَنَّكم. قالوا: ما هي؟ قال: قد نسيتها. قالوا: ما عندنا من هذا علم، إلا أن ترسل إلى أبناء الأنبياء. فأرسل إلى أبناء الأنبياء، قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها. قالوا: ما هي؟ قال: نسيتها. قالوا: غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله. قال: واللهِ، لَتُخْبِرُنِّي بها أو لأَضرِبَنَّ أعناقَكم. قالوا: فدَعنا حتى نتوضَّأ ونُصلِّيَ وندعو الله. قال: فافعلوا. فانطلقوا، فأحسنوا الوضوء، فأتوا صعيدًا طيبًا، فدعوا الله، فأُخبِروا بها، ثم رجعوا إليه، فقالوا: رأيتَ كأن رأسك من ذهب، وصدرك من فخّار، وبطنك من نُحاس، ورجليك من حديد. قال: نعم. قال: فأخبروني بعبارتِها، أو لأقتُلَنَّكم. قالوا: فدعنا ندعو ربنا. قال: اذهبوا. فدعوا ربهم، فاستجاب لهم، فرجعوا إليه، قالوا: رأيتَ كأن رأسك من ذهب، مُلكُك هذا يذهب عند رأس الحول مِن هذه الليلة. قال: ثم مَه؟ قالوا: ثم يكون بعدك مَلِكٌ يفخَرُ على الناس، ثم يكون مَلِكٌ يخشى الناسُ شدَّتَه، ثم يكون مُلكٌ لا يُقلُّه شيء، إنما هو مثل الحديد. يعني: الإسلام. فأمر بحصن، فبُني له بينه وبين السماء، ثم جعل يُنَطِّقُه بمقاعد الرجال والأحراس، وقال لهم: إنّما هي هذه الليلة، لا يجوزنَّ عليكم أحد، وإن قال: أنا بُختُنَصَّر. إلّا قتلتموه مكانه مَن كان مِن الناس. فقعد كل أُناس في مكانهم الذي وكِّلوا به، واهتاج بطنُه من الليل، فكره أن يُرى مَقعَده هناك، وضرب على أصمِخة القوم، فاستثقلوا نومًا، فأتى عليهم وهم نيام، ثم أتى عليهم فاستيقظ بعضهم، فقال: من هذا؟ قال: بُختُنَصَّر. قال: هذا الذي حُفي إلينا فيه الليلة. فضربه، فقتله، فأصبح الخبيثُ قتيلًا
عن سعيد بن جبير أنَّه قال: سَلُوني، يا معشر الشباب، فإنِّي قد أوشكت أن أذهب من بين أظْهُرِكم. فأكثرَ الناس مسألته، فقال له رجل: أصلحك الله، أرأيت المقام؟ أهو كما نتحدث؟ قال: وماذا كنتَ تتحدثُ؟ قال: كنا نقول: إن إبراهيم حين جاء عَرَضت عليه امرأةُ إسماعيلَ النزولَ، فأبى أن ينزل، فجاءت بهذا الحجر. فقال: ليس كذلك. فقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: إنّ أول ما اتخذ النساءُ المناطِق من قِبَل أُمِّ إسماعيل، اتخذت مِنطَقًا لِتُعَفِّيَ أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي تُرضعه حتى وضعهما عند البيت، عند دَوْحَة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جِرابًا فيه تمر، وسِقاء فيه ماء، ثم قَفّى إبراهيمُ مُنطلقًا، فتبعته أمُّ إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟! فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يُضَيِّعنا. ثم رَجَعَتْ، فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثَّنِيَّة حيث لا يرونه؛ استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه، قال: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ [إبراهيم:٣٧]. وجَعَلَت أمُّ إسماعيل تُرْضِعُ إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفِد ما في السِّقاء عَطِشَت، وعَطِش ابنُها، وجعلت تنظر إليه يَتَلَوّى -أو قال: يَتَلَبَّط-، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف دِرْعِها، ثم سعت سَعْيَ الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «فلذلك سعى الناسُ بينهما». فلَمّا أشرفت على المَرْوَة سمعت صوتًا، فقالت: صهْ. تريد نفسها، ثم تسمَّعت، فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسْمَعْتَ إن كان عندك غَواثٌ. فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم، فبحث بعَقِبه -أو قال: بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضُه، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تَغْرِف من الماء في سِقائها، وهي تفور بعد ما تَغْرِف، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أو قال: لو لم تَغْرِف من الماء- لكانت زمزمُ عَيْنًا مَعِينًا». فشَرِبَت، وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لاتخافي الضَّيْعَة؛ فإنّ ههنا بيتًا لله عز وجل يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإنّ الله لا يُضَيِّع أهلَه. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرّابِية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مَرَّت بهم رُفْقَةٌ من جُرْهُم، أو أهل بيت من جُرْهُم، مقبلين من طريق كَداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائِفًا، فقالوا: إنّ هذا الطائر لَيَدُور على الماء، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء! فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّيْن، فإذا هم بالماء، فرجعوا، فأخبروهم بالماء، فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن نَنزِل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حَقَّ لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «فَأَلْفى ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأُنس». فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشبَّ الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفَسَهم، وأعجبهم حين شَبَّ، فلمّا أدرك زَوَّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تَرِكَتَه، فلم يجد إسماعيل، فسأل زوجته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بِشَرٍّ، نحن في ضيق وشدة. وشكت إليه، قال: إذا جاء زوجُك فاقرئي عليه السلام، وقولي له: يُغَيِّر عَتَبَة بابه. فلما جاء إسماعيل؛ كأنه آنس شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنّا في جَهْد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيِّر عَتَبة بابك. قال: ذاك أبي، وأمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك. فطَلَّقها، وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد ذلك، فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة. وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ فقالت: الماء. فقال: اللهم، بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي ﷺ: «ولم يكن لهم يومئذ حَبٌّ، ولو كان لهم حَبٌّ لَدَعا لهم فيه». قال: فهما لا يخلو عليهما أحدٌ بغير مكة إلّا لم يوافقاه. قال: فإذا جاء زُوجُك فاقرئي عليه السلام، ومُرِيه يُثَبِّت عَتَبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة -وأثنت عليه-، فسألني عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنّا بخير. قال: أما أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تُثَبِّت عتبة بابِك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، وأمرني أن أُمْسِكَك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيلُ يَبْري نَبْلًا تحت دَوْحَةٍ قَرِيبًا من زمزم، فلمّا رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد، ثم قال: يا إسماعيل، إنّ الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك. قال: وتُعِينُنِي؟ قال: وأُعِينُك. قال: فإنّ الله أمرني أن أبني ههنا بيتًا، وأشار إلى أكَمَة مرتفعةٍ على ما حولها، قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾. قال مَعْمَر: وسمعت رجلًا يقول: كان إبراهيم يأتيهم على البُراق. قال مَعْمَر: وسمعت رجلًا يذكر: أنهما حين التقيا بَكَيا حتى أجابَتْهما الطير
اختُلِف في المشار إليه ببقوله: ﴿أفمَن﴾ على قولين: الأول: محمد ﷺ. الثاني: المؤمنون. واختُلِف في المراد بالشاهد على أقوال: الأول: أنّه القرآن. الثاني: القرآن ونظمه وإعجازه. الثالث: محمد ﷺ. الرابع: لسان محمد ﷺ. الخامس: جبريل عليه السلام. السادس: مَلَكٌ يحفظه. السابع: الإنجيل. نقله ابن عطية (٤/٥٥٣). وكذا نقل ابنُ عطية (٤/٥٥٢) اختلافًا في البيِّنة على قولين: الأول: أنّه القرآن؛ أي: على جليَّة بسبب القرآن. الثاني: أنّه محمد ﷺ، أي: على جليَّة بسبب محمد ﷺ. وقد ذكر كذلك أنّ قوله: ﴿يتلوه﴾ يحتمل معنيين: الأول: بمعنى: يقرأه. الثاني: بمعنى يتبعه. وأن هذين المعنيين يتصرفان بحسب الخلاف في الشاهد. ثم وجَّه (٤/٥٥٣) الأقوال وكيف يتركب بعضها على بعض، فقال: «ولنرتب الآن اطِّراد كل قول وما يحتمل. فإذا قلنا: إنّ قوله: ﴿أفمن﴾ يُراد به: المؤمنون، فإن جعلت بعد ذلك البينة محمدًا ﷺ صحَّ أن يترتب الشاهد: الإنجيل، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه؛ لأنّ الإنجيل يقرأ شأن محمد ﷺ. وأن يترتب: جبريل عليه السلام، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، أي: في تبليغ الشرع والمعونة فيه. وأن يترتب: الملَك، ويكون الضمير في ﴿منه﴾ عائدًا على البينة التي قدَّرناها: محمدًا ﷺ. وأن يترتب: القرآن، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، ويعود الضمير في ﴿منه﴾ على الربِّ. وإن جعلنا البيِّنة: القرآن على أنّ ﴿أفمن﴾ هم المؤمنون صح أن يترتب الشاهد: محمد ﷺ، وصح أن يترتب: الإنجيل، وصح أن يترتب: جبريل والملَك، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه، وصح أن يترتب الشاهد: الإعجاز، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، ويعود الضمير في ﴿منه﴾ على القرآن. وإذا جعلنا ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ كانت البيِّنة القرآن، وترتب الشاهد: لسان محمد ﷺ، وترتب: الإنجيل، وترتب: جبريل والملَك، وترتب: علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وترتب: الإعجاز، ويُتأوَّل ﴿يتلوه﴾ بحسب الشاهد كما قلنا». وذكر ابنُ تيمية (٣/٥٢٦) أنّ كلَّ مَن فسر ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه؛ جعل الضمير فيه عائدًا على القراءة، وجعل الشاهد غير القرءان. وقد حكى ابنُ جرير (١٢/٣٥٣- ٣٦١) الخلاف في الشاهد، ورجَّح مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية أنّ الشاهد: جبريل، وأن التلاوة بمعنى: القراءة، فقال: «وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصواب في تأويل قوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ قولُ مَن قال: هو جبريل. لدلالة قوله: ﴿ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة﴾ على صحة ذلك، وذلك أن نبيَّ الله ﷺ لم يتلُ قبل القرآن كتاب موسى، فيكون ذلك دليلًا على صحة قول مَن قال: عنى به لسان محمد ﷺ، أو: محمد نفسه، أو عليّ. ولا يُعلَمُ أنّ أحدًا كان تلا ذلك قبل القرآن أو جاء به مِمَّن ذكر أهل التأويل أنه عنى بقوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ غيرُ جبريل عليه السلام». ثم أورد اعتراضًا خُلاصته: أنّ القراءة برفع ﴿كتاب﴾، وعلى القول الذي رجَّحَه يتعين نصبها؛ لأنّ المعنى: ومن قبل القرآن يتلو جبريل كتابَ موسى. وأجاب عن هذا الاعتراض بقوله: «إنّ القراء في الأمصار قد أجمعت على قراءة ذلك بالرفع فلم يكن لأحد خلافها، ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالنصب كانت قراءة صحيحةً ومعنى صحيحًا... ووجه رفعهم هذا أنهم ابتدءوا الخبر عن مجيء كتاب موسى قبل كتابنا المنزل على محمد، فرفعوه بـ﴿ومن قبله﴾، والقراءة كذلك، والمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبريل ذلك قبل القرآن، وأنّ المراد من معناه ذلك، وإن كان الخبر مستأنفًا على ما وصفتُ اكتفاء بدلالة الكلام على معناه». ورجَّح ابنُ عطية (٤/٥٥٤-٥٥٥) مستندًا إلى السياق «أن يكون ﴿أفمن﴾ للمؤمنين، أو لهم وللنبي ﷺ معهم؛ إذ قد تقدم ذكر ﴿الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار﴾، فعقَّب ذكرَهم بذكر غيرهم. والبينة: القرآن وما تضمَّن. والشاهد: محمد ﷺ، أو جبريل إذا دخل النبي في قوله: ﴿أفمن﴾، أو الإنجيل. والضمير في ﴿يتلوه﴾ للبينة، وفي ﴿منه﴾ للرب تعالى. والضمير في ﴿قبله﴾ للبينة». ثُمَّ حكم بكون بقية الأقوال التي ذكرها محتملة. ووجَّه ابنُ تيمية (٣/٥١٦-٥٢٣) قول مَن فسَّره بالنبي ﷺ بأن مرادهم التمثيل لا التخصيص، لأنّ محمدًا ﷺ هو أول من كان على بينة من ربه. ورجَّح (٣/٥١٢) مستندًا إلى القرآن، واللغة، والسياق، والدلالة العقلية أنّ المشار إليه بقوله: ﴿أفمَن﴾ يعم النبيَّ ﷺ والمؤمنين، وذكر بعض الآيات الدالة على كونهم على بينة. وعلل ذلك بما يلي: أولًا: لفظ «من» في ﴿أفمن﴾ أبلغ صيغ العموم؛ لا سيما إذا كانت شرطًا أو استفهامًا، وإذا كان العلماء يحكمون في كثير من المواطن بعموم الخطاب الذي لفظه للنبي ﷺ وشموله للجميع كقوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ [يونس:٩٤]، و﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر:٦٥] فكيف تُجعَلُ الصيغة العامة له وللمؤمنين مختصة به؟! ثانيًا: أنّه تعالى قد ذكر بعد ذلك قوله: ﴿أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾، وذكر بعد هذا: ﴿مثل الفريقين﴾، وقد تقدم قبل هذا ذكر الفريقين، وقوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ إشارة إلى جماعة ولم يُقَدِّم قبل هذا ما يصلح أن يكون مشارا إليه إلا «مَن»، والضمير يعود تارة إلى لفظ «من»، وتارة إلى معناها، كقوله: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ [الأنعام:٢٥، محمد:١٦]، ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾ [يونس:٤٢]، وأمّا الإشارة إلى معناها فهو أظهر من الضمير. ثالثًا: أنّ قوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ دليل على أنّ الذي على بينة من ربِّه كثيرون لا واحد. ورجَّح ابنُ تيمية (٣/٥١٢- ٥٢٨) كذلك مستندًا إلى النظائر، والدلالة العقلية أنّ المراد بالبينة: الإيمان، وبالشاهد: القرآن وأنّ ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، وأن المعنى: أن المؤمن على بينة من ربه بإيمانه وهداه، يتبعه شاهد من الله وهو القرآن بمثل ما هو عليه من بينة الإيمان. وكان من مستندات ترجيحه: أولًا: أنّ الإيمان هو المقصود؛ لأنّه إنما يراد بإنزال القرآن: الإيمان وزيادته، ولهذا كان الإيمان بدون القرآن ينفع صاحبه ويدخل به الجنة، والقرآن بلا إيمان لا ينفع صاحبه في الآخرة. ثانيًا: أنّ المعنى الذي رجحه يناظره قوله تعالى في آية النور [٣٥]: ﴿نور على نور﴾، وذلك نور الإيمان ونور القرآن حين يجتمعان. ثالثًا: أنّ هذا المعنى يؤيده آيات كثيرة من مثل قوله تعالى: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود:١٢٠]، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل:١٠٢]. رابعًا: أنّ الضمير في الآية في قوله تعالى: ﴿ومن قبله﴾ يعود إلى الشاهد، وهو القرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أرَأَيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف:١٠]، وقيل: يعود إلى الرسول ﷺ. وهما متلازمان. خامسًا: أنّ الضمير في قوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ عائد على القرآن، ودليله قوله تعالى: ﴿فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك﴾، وهذا هو القرآن بلا ريب. وقيل: إنّه الخبر المذكور، وهو أنّه من يكفر به من الأحزاب، وهذا أيضًا هو القرآن، فعُلِمَ أنّ المراد هو الإيمان بالقرآن والكفر به باتفاقهم. وانتقد ابنُ عطية (٤/٥٥٣) مستندًا إلى اللغة القول بأنّ ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ وما يترتب عليه بأنّه: «يضعفه قوله: ﴿أولئك﴾؛ فإنّا إذا جعلنا قوله: ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ وحدَه لم نجد في الآية مذكورين يُشار إليهم بذلك، ونحتاج في الآية إلى تَجَوُّز وتشبيه بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق:١]، وهو شبه ليس بالقوي». وانتقد ابنُ تيمية (٤/٥١٣) مستندًا إلى الدلالة العقلية، وأحوال النُّزول، ودلالة الآية القولَ بأنّ الشاهد: جبريل عليه السلام، أو لسان محمد ﷺ، أو علي بن أبي طالب، فقال: «لأنّ كون شاهد الإنسان منه لا يقتضي أن يكون الشاهد صادقًا، فإنّه مثل شهادة الإنسان لنفسه، بخلاف ما إذا كان الشاهد مِن الله؛ فإنّ الله يكون هو الشاهد، وهذا كما قيل في قوله: ﴿قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومَن عِندَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد:٤٣]: إنّه علي. فهذا ضعيف؛ لأنّ شهادة قريب له قد اتبعه على دينه ولم يهتدِ إلا به لا تكون برهانًا للصدق، ولا حُجَّة على الكفر، بخلاف شهادة مَن عنده علم الكتاب الأول؛ فإنّ هؤلاء شهادتهم برهان ورحمة... ومَن قال: إنّه جبريل، فجبريل لم يقل شيئًا مِن تلقاء نفسه، بل هو الذي بلَّغ القرآن عن الله، وجبريل يشهد أنّ القرآن منزل من الله، وأنه حق، كما قال: ﴿لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِما أنزَلَ إليكَ أنزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٦٦]. والذي قال هو جبريل قال: ﴿يتلوه﴾ أي: يقرؤه، كما قال: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]، أي: إذا قرأه جبريل فاتِّبع ما قرأه، وقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم:٥]. ومن قال: الشاهد: لسانه، وجعل الضمير المذكور عائدًا على القرآن، ولم يذكر لأنّه جعل البينة هي القرآن، ولو كانت البينة هي القرآن لما احتاج إلى ذلك وقد قال: ﴿على بينة من ربه﴾ فقد ذكر أنّ القرآن من الله، وقد علم أنّه نزل به جبريل على محمد، وكلاهما بلغه وقرأه، فقوله: ﴿ويَتْلُوهُ﴾ جبريل أو محمد تكرير لا فائدة فيه، ولهذا لم يذكر مثل ذلك في القرآن. وأيضًا فكونه على القرآن لم نجد لذلك نظيرًا في القرآن؛ فإن القرآن كلام الله، وأحد لا يكون عليه، وإذا كان المراد على الإيمان بالقرآن والعمل به فهذا الذي ذكرناه: إن البينة هي الإيمان بما جاء به الرسول، وهو إخباره أنّه رسول الله، وأنّ الله أنزل القرآن عليه، ولَمّا أنزلت هذه السورة وهي مكية لم يكن قد نزل من القرآن قبلها إلا بعضه، وكان المأمور به حينئذ هو الإيمان بما نزل منه، فمَن آمن حينئذٍ بذلك ومات على ذلك كان مِن أهل الجنة، وأيضًا فتسمية جبريل شاهدًا لا نظير له في القرآن، وكذلك تسمية لسان الرسول شاهدًا، وتسمية علي شاهدًا، لا يوجد مثل ذلك في الكتاب والسنة... ومَن قال: إنّ الشاهد لسان محمد، فهو إنما أراد بهذا القول التلاوة، أي: أنّ لسان محمد يقرأ القرآن، وهو شاهد منه، أي: من نفسه؛ فإن لسانه جزء منه، وهذا القول ونحوه ضعيف. والله أعلم. هذا إن ثبت ذلك عمَّن نقل عنه، فإنّ هذا وضده ينقلان عن علي بن أبي طالب، وذلك أن طائفة من جهال الشيعة ظنُّوا أنّ عليًّا هو الشاهد منه، أي: من النبي ﷺ، كما قال له: «أنت مِنِّي، وأنا منك». وهذا قاله لغيره أيضًا، فقد ثبت في الصحيحين أنّه قال: «الأشعريون هم مِنِّي، وأنا منهم». وقال عن جُلَيْبِيب: «هذا مني، وأنا منه». وكل مؤمن هو مِن النبي ﷺ كما قال الخليل: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾ [إبراهيم:٣٦]. وقال: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة:٢٤٩]. ورووا هذا القول عن عليٍّ نفسه، وروي عنه بإسناد أجود منه أنّه قال: كذب مَن قال هذا. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن حسين بن زيد الطحان، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، قال: قال علي: ما مِن قريش أحد إلا نزلت فيه آية قيل فما أنزل فيك؟ قال: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾. وهذا كَذِب على عليٍّ قطعًا. وإن ثبت النقل عن عبّاد هذا فإنّ له منكرات عنه، كقوله: أنا الصديق الأكبر، أسلمتُ قبل الناس بسبع سنين. وقد رووا عن عليٍّ ما يُعارِض ذلك، قال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا عمرو بن علي الباهلي، ثنا محمد بن شواص، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عروة، عن محمد بن علي -يعني: ابن الحنفية- قال: قلت لأبي: يا أبة، ﴿ويتلوه شاهد منه﴾، إنّ الناس يقولون: إنّك أنت هو. قال: وددت لو أني أنا هو، ولكنه لسانه. قال ابن أبي حاتم: وروي عن الحسن وقتادة نحو ذلك. قلت: وقد تقدم عن الحسين ابنه أنّ الشاهد منه: هو محمد ﷺ. وإنّما تكلم علماء أهل البيت في أنّه محمد ﷺ ردًّا على مَن قال مِن الجهلة: إنه علي. فإنّ هذه السورة نزلت بمكة وعليٌّ كان إذ ذاك صغيرًا لم يبلغ، وكان مِمَّن اتبع الرسول، ولو كان ابن رسول الله ليس ابن عمه لم تكن شهادته تنفع، لا عند المسلمين ولا عند الكفار، بل مثل هذه الشهادة فيها تهمة القرابة، ولهذا كان أكثر العلماء على أنّ شهادة الوالد وشهادة الولد لوالده لا تقبل، فكيف يجعل مثل هذا حجة لنبوة محمد ﷺ مُؤَكِّدًا لها؟!»
اختُلِف في معنى: ﴿وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ على أقوال: الأول: أنها منسوخة بقوله: ﴿واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١]، فأُدخِل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. الثاني: أنّ ذلك كان لقوم إبراهيم وموسى عليهما السلام، وأما هذه الأمَّة فلهم ما سَعَوا وما سعى غيرُهم. الثالث: أنّ المراد بالإنسان هاهنا: الكافر، فأمّا المؤمن فله ما سعى وما سُعي له. الرابع: أنه ليس للإنسان إلاّ ما سعى من طريق العدل، فأمّا مِن باب الفضل فجائزٌ أن يزيده الله ما يشاء. وبيَّن ابنُ جرير (٢٢/٨٠) أن القول بالنسخ مذكور عن ابن عباس، ثم ساق رواية علي بن أبي طلحة في ذلك. وانتقد ابنُ عطية (٨/١٢٦) القول بالنسخ -مستندًا إلى عدم التعارض- قائلًا: «وهذا لا يصِحُّ عندي عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأنه خبر لا يُنسَخ، ولأن شروط النسخ ليست هنا». غير أنه ذَكَر له وجْهًا يُمكِن أن يُحمَل عليه، فقال: «اللهم، إلا أن يُتَجَوَّز في لفظة النسخ؛ ليُفهِم سائلًا». وكذا ابنُ تيمية (٦/١٤٦-١٤٧) فقال: «اللفظ المنقول عن ابن عباس رواه علي بن أبي طلحة الوالبي عنه، وقد قيل: إنه لم يسمعه منه، بل من أصحاب ابن عباس. قال: فأدخل الله الأبناء بصلاح الآباء الجنة. ولم يذكر نسخًا». ثم وجَّه ابنُ تيمية القول بالنسخ -على افتراض أن ابن عباس قاله- بقوله: «ولو ذكره فمراد الصحابة بالنسخ: المذكور في قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ [الحج:٥٢]، وهو فهْم معنى الآية على غير الصواب والمراد منها، فقد بيَّن ابن عباس أنه لم يُرد بهذه الآية أن الإنسان لا ينتفع بعمل غيره، فإنّ الأبناء انتفعوا بعمل آبائهم، فهذا نسخٌ لما فُهم منها، لا لما دلت عليه». ثم علَّق بقوله: «وهذا القول المنقول عن ابن عباس أحسن ما قيل فيها، وقد ضعَّفه مَن لم يفهمه». وكذا ابنُ القيم (٣/٨٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا ضعيفٌ أيضًا، ولا يُرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس رضي الله عنهما ولا غيره: إنها منسوخة. والجمع بين الآيتين غير متعذر ولا ممتنع، فإنّ الأبناء تبعوا الآباء في الآخرة كما كانوا تبعًا لهم في الدنيا، وهذه التبعيّة هي من كرامة الآباء وثوابهم الذي نالوه بسعيهم، وأما كون الأبناء لحقوا بهم في الدرجة بلا سعي منهم فهذا ليس هو لهم، وإنما هو للآباء، أقرّ الله أعينهم بإلحاق ذُرّيتهم بهم في الجنة، وتفضّل على الأبناء بشيء لم يكن لهم كما تفضّل بذلك على الوِالدان والحُور العين والخلْق الذين ينشئهم للجنة بغير أعمال والقوم الذين يُدخلهم الجنة بلا خير قدّموه ولا عملٍ عملوه. فقوله تعالى: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، وقوله: ﴿وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ آيتان مُحكمتان، يقتضيهما عدل الرّبّ -تعالى- وحكمته وكما له المقدّس، والعقل والفطرة شاهدان بهما، فالأولى: تقتضي أنه لا يعاقب بجُرم غيره، والثانية: تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله وسعيه، فالأولى: تؤمِّن العبد من أخْذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا، والثانية: تقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، فتأمل حسن اجتماع هاتين الآيتين». ورجَّح ابنُ عطية (٨/١٢٧) -مستندًا إلى دلالة المعروف لغة- قائلًا: «والتحرير عندي في هذه الآية: أنّ مَلاك المعنى هو في اللام من قوله تعالى: ﴿لِلْإنْسانِ﴾، فإذا حقّقتّ الشيء الذي حقُّ الإنسان أن يقول فيه:»لي كذا«لم تَجِدْه إلا سعيه، وما تمَّ بَعْدُ من رحمة بشفاعة أو رعاية أبٍ صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمُّد بفضل أو رحمة دون هذا كلّه، فليس هو للإنسان ولا يَسَعُه أن يقول:»لي كذا وكذا«، إلا على تجوُّز وإلحاق بما هو له حقيقة». ومثله رجَّح ابنُ تيمية (٦/١٤٤) -مستندًا إلى دلالة ظاهر اللفظ- «أن الله أخبرَ عما في الصحف أنه ﴿لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾، ولم يقل: لا يَنتفعُ إلاّ بما سعى، وأن الإنسان فيما ينتفع به في الدنيا قد ينتفع بما يَملِكه وبما لا يَملِكه، فلا يلزم من نَفْيِ الملكِ نَفْي الانتفاع، لكن هو يستحقُّ الثوابَ على سَعْيِه لأنه حقُّه، فلا يَخاف منه ظلمًا ولا هَضْمًا، وأما سعيُ غيرِه فهو لذلك الغير، فإن سعى له ذلك الغيرُ أثابَ الله ذلك الساعيَ على سَعْيه، ونفعَ هذا مِن سَعْيِ ذلك بما شاء، كما يثيبُ الداعيَ على دعائِه لغيره وينتفع المدعوُّ له». وانتقد ابنُ تيمية (٦/١٤٧) القول الثاني -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «وهذا ضعيف؛ لأنّ الله إنما ذكر هذا ليختَبر به هذه الأمّة كما تقدم، وليعلموا أنّ هذا حكم شامل، ولو كان هذا مخصوصًا بالأمَّتين لم تقم به حُجّةٌ على أمة محمد ﷺ». وكذا ابنُ القيم (٣/٨١) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «وهذا أيضًا أضعف من الأول -أي: من القول الثالث- أو من جنسه، فإنّ الله سبحانه أخبر بذلك إخبارَ مُقَرِّرٍ له محتجٍّ به، لا إخبار مُبطلٍ له، ولهذا قال: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى﴾ [النجم:٣٦]، فلو كان هذا باطلًا في هذه الشريعة لم يُخبر به إخبار مقرّر له محتجّ به». وانتقد ابنُ تيمية (٦/١٤٧) القول الثالث -مستندًا إلى السياق- قائلًا: «وهذا أيضًا ضعيفٌ جِدًّا، فإنّ الذي في صحف إبراهيم وموسى لا يختص به الكافر، وقوله بعده: ﴿وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ الآياتِ يتناول المؤمن قطعًا، وهو ضمير الإنسان، بل لو قيل: إنه يتناول المؤمن دون الكافر لكان أرجح من العكس، مع أنّ حكم العدل لا فرق فيه بين مؤمن وكافر، وما استحقّه المؤمن بخصوصه فهو بإيمانه ومن سعيه». وكذا ابنُ القيم (٣/٨٠) -مستندًا إلى دلالة العموم- قائلًا: «وهذا الجواب ضعيف جِدًّا، ومثل هذا العام لا يُراد به الكافر وحده، بل هو للمسلم والكافر، وهو كالعام الذي قبله، وهو قوله تعالى: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، والسياق كلّه مِن أوله إلى آخره كالصريح في إرادة العموم؛ لقوله تعالى: ﴿وأَن سَعْيَهُ سَوفَ يُرى ثمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأَوْفى﴾ [النجم:٤٠-٤١]، وهذا يعمّ الشر والخير قطعًا، ويتناول البَرّ والفاجر والمؤمن والكافر؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨]، وكقوله له في الحديث الإلهي: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إيّاها، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». وهو كقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]». وانتقد ابنُ القيم (٣/٨١) أن يُراد بالإنسان شخص معيّن، فقال: «ولا تغتر بقول كثير من المفسّرين في لفظ الإنسان في القرآن: الإنسان هاهنا أبو جهل، والإنسان ها هنا عقبة بن أبى مُعَيط، والإنسان هاهنا الوليد بن المغيرة. فالقرآن أجلُّ من ذلك، بل الإنسان هو الإنسان من حيث هو من غير اختصاص بواحدٍ بعينه، كقوله تعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢]، و﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦]، و﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج:١٩]، و﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أن رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق:٦-٧]، و﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]، و﴿وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]». وانتقد ابنُ تيمية (٦/١٤٨) القول الرابع قائلًا: «وهو أمثل مِن غيره من الأقوال، ومعناه صحيح، لكنه لم يفسّر الآية، فإن قوله: ﴿لَيْسَ لِلإنْسانِ﴾ نفيٌ عامٌّ، فليس له إلا ذلك، وهذا هو العدل، ثم إنّ الله قد ينفعه ويرحمه بغير سعيه من جِهة فضْله»
عن سلمان الفارسي -من طريق سلامة العجلي- قال: أنا رجل مِن أهل رامهرمز، كُنّا قومًا مجوسًا، فأتانا رجلٌ نصرانيٌّ مِن أهل الجزيرة، فنزل فينا، واتَّخذ فينا دِيرًا، وكنت في كُتّاب في الفارسية، وكان لا يزال غلام معي في الكُتّاب يجيء مضروبًا يبكي قد ضربه أبواه. فقلت له يومًا: ما يبكيك؟ قال: يضربني أبواي. قلت: ولم يضربانك؟ قال: آتي صاحبَ هذا الدير، فإذا علِما ذلك ضرباني، وأنت لو أتيتَه سمعتَ منه حديثًا عجيبًا. قلتُ: فاذهب بي معك. فأتيناه، فحدَّثنا عن بَدْءِ الخلق، وعن بَدْءِ خلق السموات والارض، وعن الجنة والنار، فحدَّثنا بأحاديث عجب، وكنت أختلف إليه معه، ففطِن لنا غِلمان مِن الكتاب، فجعلوا يجيئون معنا، فلما رأى ذلك أهلُ القرية أتوه، فقالوا: يا هذا، إنّك قد جاورتنا، فلم نرَ مِن جوارك إلا الحسن، وإنّا نرى غِلماننا يختلفون إليك، ونحن نخاف أن تُفسدهم علينا، أخِّر عنّا. قال: نعم. فقال لذلك الغلام كان يأتيه: اخرُج معي. قال: لا أستطيع ذلك، قد علمتَ شدة أبَوَيَّ عَلَيَّ. قلت: لكنني أخرج معك. وكنت يتيمًا لا أب لي، فخرجت معه، فأخذنا جبلَ رامهرمز، فجعلنا نمشي ونتوكل، ونأكل مِن ثمر الشجر، حتى قدمنا الجزيرة، فقدمنا نَصِيبِين، فقال لي صاحبي: يا سلمان، إنّ ههنا قومًا عُبّاد أهل الأرض، وأنا أُحِبُّ أن ألقاهم. فجئنا إليهم يومَ الأحد وقد اجتمعوا، فسلَّم عليهم صاحبي، فحيَّوه، وبشُّوا به، وقالوا: أين كان غيبتك؟ قال: كنت في إخوان لي مِن قِبَل فارس. فتحدَّثنا ما تحدَّثنا، ثم قال لي صاحبي: قم، يا سلمان، انطلق. قلت: لا، دعني مع هؤلاء. قال: إنّك لا تطيق ما يُطيق هؤلاء؛ يصومون الأحد إلى الأحد، ولا ينامون هذا الليل. وإذا فيهم رجلٌ مِن أبناء الملوك، ترك الملِك، ودخل في العبادة، فكنتُ فيهم حتى أمسينا، فجعلوا يذهبون واحدًا واحدًا إلى غارِه الذي يكون فيه، فلمّا أمسينا قال ذاك الرجل الذي مِن أبناء الملوك: هذا الغلامُ ما تضيفونه؟ ليأخذه رجلٌ منكم. فقالوا: خُذه أنت. فقال لي: قُم، يا سلمان. فذهب بي معه حتى أتى غارَه الذي يكون فيه، فقال لي: يا سلمانُ، هذا خبز، وهذا أدم، فكل إذ غَرِثْتَ، وصُم إذا نشطت، وصَلِّ ما بدا لك، ونَم إذا كسلت. ثم قام في صلاته، فلم يكلمني إلا ذاك، ولم ينظر إلَيَّ، فأخذني الغمُّ تلك السبعة الأيام، لا يكلمني أحد، حتى كان الأحد، فانصرف إلَيَّ، فهبت إلى مكانهم الذي كانوا يجتمعون، وهم يجتمعون كلَّ أحد يفطرون فيه، فيلقى بعضُهم بعضًا، فيُسَلِّم بعضُهم على بعض، ثم لا يلتقون إلى مثله، فرجعت إلى منزلنا، فقال لي مثلَ ما قال لي أول مرة: هذا خبز، وهذا أدم، فكل منه إذا غرثت، وصم إذا نشطت، وصلِّ ما بدا لك، ونم إذا كسلت. ثم دخل في صلاته، فلم يلتفت إلَيَّ، ولم يكلمني إلى الأحد الآخر، فأخذني غمٌّ، وحَدَّثْتُ نفسي بالفرار، فقلت: اصبر أحَدَين أو ثلاثة. فلما كان الأحدُ رجعنا اليهم، فأفطروا واجتمعوا، فقال لهم: إنِّي أُريد بيت المقدس. فقالوا له: وما تُريد إلى ذاك؟ قال: لا عهد لي به. قالوا: إنّا نخاف أن يَحْدث بك حَدَثٌ فيَلِيكَ غيرُنا، وكُنّا نُحِبُّ أن نليك. قال: لا عهد لي به. فلمّا سمعته يذكر ذاك فرحتُ؛ قلتُ: نُسافِر، ونلقى الناس، فيذهب عنِّي الغمُّ الذي كنت أجد. فخرجت أنا وهو، وكان يصوم مِن الأحد إلى الأحد، ويصلي الليل كله، ويمشي بالنهار، فإذا نزلنا قام يصلي، فلم يزل ذاك دأبه حتى انتهينا إلى بيت المقدس، وعلى الباب رجلٌ مُقْعَد يسأل الناس، فقال: أعطِني. فقال: ما معي شيء. فدخلنا بيت المقدس، فلمّا رآه أهلُ بيت المقدس بَشُّوا به، واستبشروا به، فقال لهم: غلامي هذا، فاستوصوا به. فانطلقوا بي، فأطعموني خبزًا ولحمًا، ودخل في الصلاة، فلم ينصرف إلَيَّ حتى كان يوم الأحد الآخر، ثم انصرف، فقال لي: يا سلمان، إني أريد أن أضع رأسي، فإذا بلغ الظِلُّ مكان كذا وكذا فأيقِظني. فوضع رأسه، فبلغ الظِلُّ الذي قال، فلم أوقظه مَأْواةً له مِمّا رأيتُ مِن اجتهاده ونَصَبِه، فاستيقظ مذعورًا، فقال: يا سلمان، ألم أكن قلتُ لك: إذا بلغ الظِلُّ مكانَ كذا وكذا فأيقظني؟! قلت: بلى، ولكن إنّما منعني مأواةً لك لِما رأيتُ مِن دأبك. قال: ويحك، يا سلمان، إنِّي أكرهُ أن يفوتني شيءٌ مِن الدهر لم أعمل فيه لله خيرًا. ثم قال لي: يا سلمان، أعلمُ أنّ أفضل ديننا اليوم النصرانية. قلت: ويكون بعد اليوم دين أفضل من النصرانية؟ كلمة أُلْقِيَت على لساني. قال: نعم، يُوشِك أن يُبعَث نبيٌّ يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإذا أدركته فاتَّبِعه وصَدِّقه. قلت: وإن أمرني أن أدع النصرانية؟ قال: نعم؛ فإنه نبيُّ الله، لا يأمر إلا بالحق، ولا يقول إلا حقًّا، واللهِ، لو أدركته ثم أمرني أن أقع في النار لوقعتها. ثم خرجنا من بيت المقدس، فمررنا على ذلك المُقْعَد، فقال له: دخلتَ فلم تعطني، وهذا تَخْرُجُ فأعْطِني. فالتفت، فلم يرَ حوله أحدًا، قال: فأعطِني يدك. فأخذ بيده، فقال: قُم بإذن الله. فقام صحيحًا سويًّا، فتوجَّه نحو أهله، فأتبعتُه بصري تعجُّبًا مِمّا رأيت، وخرج صاحبي، فأسرع المشي، وتبعته، فتلقاني رِفْقَةٌ مِن كلب أعراب، فسَبَوْني، فحملوني على بعير، وشَدُّوني وثاقًا، فتداولني البياع حتى سقطت إلى المدينة، فاشتراني رجل من الأنصار، فجعلني في حائط له مِن نخل، فكنتُ فيه، ومِن ثم تعلَّمْتُ عَمَل الخُوص، أشتري خُوصًا بدرهم، فأعمله فأبيعه بدرهمين، فأردُّ دِرهمًا إلى الخوص، وأسْتَنفِقُ درهمًا، أُحِبُّ أن آكل مِن عمل يدي، فبلغنا ونحن بالمدينة أنّ رجلًا خرج بمكة يزعم أنّ الله أرسله، فمكثنا ما شاء الله أن نمكث، فهاجر إلينا، وقدم علينا، فقلت: واللهِ، لأُجَرِّبَنَّه. فذهبتُ إلى السوق، فاشتريتُ لحم جَزور بدرهم، ثم طبخته، فجعلتُ قَصْعَةً مِن ثريد، فاحتملتها حتى أتيته بها على عاتقي، حتى وضعتها بين يديه، فقال: «ما هذه، أصدقة أم هدية؟». قلت: بل صدقة. فقال لأصحابه: «كلوا بسم الله». وأمسك ولم يأكل، فمكث أيام، ثم اشتريت لحمًا أيضًا بدرهم، فأصنع مثلها، فاحتملتها حتى أتيته بها، فوضعتها بين يديه، فقال: «ما هذه، أصدقة أم هدية؟». فقلت: بل هدية. فقال لأصحابه: «كلوا بسم الله». وأكل معهم. قلت: هذا -واللهِ- يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. فنظرت فرأيت بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة، فأسلمتُ، فقلت له ذات يوم: يا رسول الله، أيُّ قوم النصارى؟ قال: «لا خير فيهم، ولا فيمن يحبهم». قلت في نفسي: أنا -واللهِ- أُحِبُّهم. قال: وذاك حين بعث السرايا، وجرد السيف، فسرية تدخل، وسرية تخرج، والسيف يقطر. قلت: يُحَدَّث بي الآن أنِّي أُحِبُّهم، فيبعث إلَيَّ، فيضرب عنقي، فقعدت في البيت، فجاءني الرسول ذاتَ يوم، فقال: يا سلمانُ، أجِب رسول الله. قلت: هذا -واللهِ- الذي كنتُ أحذر. قلت: نعم، اذهب حتى ألحقك. قال: لا، واللهِ، حتى تجيء. وأنا أُحَدِّث نفسي أن لو ذهب أن أفِرَّ، فانطلق بي حتى انتهيت إليه، فلما رآني تبَسَّم، وقال لي: «يا سلمان، أبشِر؛ فقد فرَّج الله عنك». ثم تلا عَلَيَّ هؤلاء الآيات: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾. قلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد سمعتُه يقول: لو أدركتُه فأمرني أن أقع في النار لوقعتها، إنه نبيٌّ لا يقول إلا حقًّا، ولا يأمر إلا بالحق
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- فيما ذُكر من حديث أصحاب الكهف، قال: ثم مَلَكَ أهلَ تلك البلادِ رجلٌ صالح يُقال له: تيذوسيس، فلما ملك بقي ملكه ثمانيًا وستين سنة، فتحزب الناس في ملكه، فكانوا أحزابًا؛ فمنهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب بها، فكبر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله، وتضرع إليه، وحزن حزنًا شديدًا لَمّا رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق، ويقولون: لا حياة إلا الحياة الدنيا، وإنما تبعث النفوس، ولا تبعث الأجساد. ونسوا ما في الكتاب، فجعل تيذوسيس يرسل إلى مَن يظن فيه خيرًا، وأنهم أئمة في الحق، فجعلوا يُكذبون بالساعة، حتى كادوا أن يُحوِّلوا الناس عن الحق وملة الحواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح تيذوسيس دخل بيته، فأغلقه عليه، ولبس مسحًا، وجعل تحته رمادًا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليلَه ونهارَه زمانًا يتضرع إلى الله، ويبكي إليه مما يرى فيه الناس، ثم إنّ الرحمن الرحيم الذي يكره هَلَكَة العباد أراد أن يُظهر على الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم، ويجعلهم آية لهم، وحجة عليهم؛ ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيس، ويتم نعمته عليه، فلا ينزع منه ملكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله لا يشرك به شيئًا، وأن يجمع مَن كان تبدد من المؤمنين، فألقى الله في نفس رجل مِن أهل ذلك البلد الذي به الكهف -وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذاك الرجل، وكان اسم ذلك الرجل: أولياس- أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف، فيبني به حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينزعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا عنهم باب الكهف، وحجبهم الله مِن الناس بالرعب، فيزعمون أنّ أشجع من يريد أن ينظر إليهم غاية ما يمكنه أن يدخل من باب الكهف، ثم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف نائمًا، فلما نزعا الحجارة وفتحا عليهم باب الكهف أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظَهْرَي الكهف، فجلسوا فرحين، مسفرة وجوههم، طيبة أنفسهم، فسلم بعضهم على بعض، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة، فصَلُّوا كالذي كانوا يفعلون، لا يرون ولا يُرى في وجوههم ولا أبشارهم ولا ألوانهم شيء ينكرونه، كهيئتهم حين رقدوا بعشي أمس، وهم يرون أنّ ملكهم دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم. فلما قضوا صلاتهم كما كانوا يفعلون قالوا ليمليخا -وكان هو صاحب نفقتهم الذي كان يبتاع لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءهم بالخبر أنّ دقينوس يلتمسهم، ويسأل عنهم-: أنبِئْنا، يا أخي، ما الذي قال الناس في شأننا عشي أمس عند هذا الجبار؟ وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون، وقد خُيِّل إليهم أنهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم، فقال بعضهم لبعض: ﴿كم لبثتم﴾ نيامًا؟ ﴿قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم﴾. وكل ذلك في أنفسهم يسير. فقال لهم يمليخا: افتُقِدتم والتُمِسْتم بالمدينة، وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم، فتذبحون للطواغيت أو يقتلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل. فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه، اعلموا أنكم مُلاقَون، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله، ولا تنكروا الحياة التي لا تبيد بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت. ثم قالوا ليمليخا: انطلق إلى المدينة، فتسمَّع ما يُقال لنا بها اليوم، وما الذي نُذكر به عند دقينوس، وتلطف، ولا تُشعِرَنَّ بنا أحد، وابتع لنا طعامًا فأتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي قد جئتنا به؛ فإنّه قد كان قليلًا، فقد أصبحنا جياعًا. ففعل يمليخا كما كان يفعل، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ ورِقًا من نفقتهم التي كانت معهم التي ضربت بطابع دقينوس الملك، فانطلق يمليخا خارجًا، فلمّا مر بباب الكهف رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مرَّ فلم يُبالِ بها، حتى أتى المدينة مستخفيًا يصُدُّ عن الطريق تَخَوُّفًا أن يراه أحد من أهلها، فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس، ولا يشعر العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هلكوا قبل ذلك بثلاث مائة وتسع سنين، أو ما شاء الله من ذلك، إذ كان ما بين أن ناموا إلى أن استيقظوا ثلاث مائة وتسع سنين. فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامةً تكون لأهل الإيمان، إذا كان ظاهرًا فيها، فلمّا رآها عجِب، وجعل ينظر مستخفيًا إليها، فنظر يمينًا وشمالًا، فتعجَّب بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك الباب، فتحوَّل إلى باب آخر مِن أبوابها، فنظر فرأى من ذلك ما يحيط بالمدينة كلها، ورأى على كل باب مثل ذلك، فجعل يخيل إليه أنّ المدينة ليس بالمدينة التي كان يعرف، ورأى ناسًا كثيرين محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويعجب، ويخيل إليه أنه حيران، ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه، فجعل يعجب بينه وبين نفسه، ويقول: يا ليت شعري، أما هذه عشية أمس فكان المسلمون يخفون هذه العلامة ويستخفون بها، وأما اليوم فإنها ظاهرة! لعلي حالم! ثم يرى أنه ليس بنائم، فأخذ كساءه، فجعله على رأسه، ثم دخل المدينة، فجعل يمشي بين ظهري سوقها، فيسمع أناسًا كثيرًا يحلفون باسم عيسى ابن مريم، فزاده فرقًا، ورأى أنه حيران، فقام مسندًا ظهره إلى جدار مِن جدر المدينة، ويقول في نفسه: واللهِ، ما أدري ما هذا؟ أما عشية أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل، وأما الغداة فأسمعهم وكل إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف! ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست بالمدينة التي أعرف، أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدًا منهم! واللهِ، ما أعلم مدينةً قرب مدينتنا! فقام كالحيران لا يتوجه وجهًا، ثم لقي فتًى من أهل المدينة، فقال له: ما اسم هذه المدينة، يا فتى؟ قال: اسمها: أفسوس. فقال في نفسه: لعل بي مَسًّا، أو بي أمر أذهب عقلي؟ واللهِ، يحقُّ لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى فيها، أو يصيبني شر فأهلك. هذا الذي يحدث به يمليخا أصحابه حين تبين لهم ما به، ثم إنه أفاق، فقال: واللهِ، لو عجلت الخروج من المدينة قبل أن يفطن بي لكان أكيس لي. فدنا مِن الذين يبيعون الطعام، فأخرج الورِق التي كانت معه، فأعطاها رجلًا منهم، فقال: بعني بهذه الورِق -يا عبد الله- طعامًا. فأخذها الرجل، فنظر إلى ضرب الورِق ونقشها، فعجب منها، ثم طرحها إلى رجل مِن أصحابه، فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم مِن رجل إلى رجل، ويتعجبون منها، ثم جعلوا يتشاورون بينهم، ويقول بعضهم لبعض: إنّ هذا الرجل قد أصاب كنزًا خبيئًا في الأرض منذ زمان ودهر طويل. فلما رآهم يتشاورون من أجله فرِق فرَقًا شديدًا، وجعل يرتعد، ويظن أنهم قد فطِنوا به وعرفوه، وأنهم إنّما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقينوس يُسَلِّمونه إليه، وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرفونه، فقال لهم وهو شديد الفرَق منهم: أفضلوا عليَّ، فقد أخذتم ورِقي، فأمسِكوا، وأما طعامكم فلا حاجة لي به. قالوا له: مَن أنت، يا فتى؟ وما شأنك؟ واللهِ، لقد وجدت كنزًا من كنوز الأولين، فأنت تريد أن تخفيه مِنّا، فانطلق معنا فأرِناه، وشاركنا فيه نُخْفِ عليك ما وجدت، فإنّك إن لا تفعل نأتِ بك السلطان، فنسلمك إليه، فيقتلك. فلما سمع قولهم عجب في نفسه، فقال: قد وقعتُ في كل شيء كنت أحذر منه. ثم قالوا: يا فتى، إنّك –واللهِ- ما تستطيع أن تكتم ما وجدت، ولا تظن في نفسك أنه سيخفى حالك. فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم وما يرجع إليهم، وفَرِق حتى ما يُحِير إليهم جوابًا، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه، فطوقوه في عنقه، ثم جعلوا يقودونه في سِكَك المدينة مُلَبَّبًا، حتى سمع به مَن فيها، فقيل: أُخذ رجل عنده كنز. واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم، فجعلوا ينظرون إليه، ويقولون: واللهِ، ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها قط، وما نعرفه. فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم مع ما يسمع منهم، فلما اجتمع عليه أهل المدينة فَرِق، فسكت فلم يتكلم، ولو أنه قال: إنّه من أهل المدينة؛ لم يُصَدَّق، وكان مستيقنًا أن أباه وإخوته بالمدينة، وأن حسبه من أهل المدينة مِن عظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنه من عشية أمس يعرف كثيرًا من أهلها، وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحدًا. فبينما هو قائم كالحيران ينتظر متى يأته بعضُ أهله؛ أبوه أو بعض إخوته، فيخلصه من أيديهم، إذ اختطفوه، فانطلقوا به إلى رأسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها، وهما رجلان صالحان، كان اسم أحدهما: أريوس، واسم الآخر: أسطيوس، فلما انطُلق به إليهما ظن يمليخا أنه يُنطلق به إلى دقينوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه، فجعل يلتفت يمينًا وشمالًا، وجعل الناس يسخرون منه كما يُسخر من المجنون والحيران، فجعل يمليخا يبكي، ثم رفع رأسه إلى السماء وإلى الله، ثم قال: اللهم إله السماوات والأرض، أوْلِج معي روحًا منك اليوم تؤيدني به عند هذا الجبار. وجعل يبكي، ويقول في نفسه: فرق بيني وبين إخوتي، يا ليتهم يعلمون ما لقيت، وأني يُذهب بي إلى دقينوس الجبار، فلو أنهم يعلمون فيأتون، فنقوم جميعًا بين يدي دقينوس، فإنا كنا تواثقنا لنكونن معًا، لا نكفر بالله، ولا نشرك به شيئًا، ولا نعبد الطواغيت من دون الله، فرق بيني وبينهم، فلن يروني ولن أراهم أبدًا، وقد كنا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدًا، يا ليت شعري ما هو فاعل بي؟ أقاتلي هو أم لا؟ ذلك الذي يحدث به يمليخا نفسه فيما أخبر أصحابه حين رجع إليهم. فلما انتهى إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس، فلما رأى يمليخا أنه لم يذهب به إلى دقينوس أفاق، وسكن عنه البكاء، فأخذ أريوس وأسطيوس الورِق، فنظرا إليها، وعجبا منها، ثم قال أحدهما: أين الكنز الذي وجدت، يا فتى؟ هذا الورِق يشهد عليك أنك قد وجدت كنزًا. فقال لهما يمليخا: ما وجدت كنزًا، ولكن هذه الورِق ورِق آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن –واللهِ- ما أدري ما شأني، وما أدري ما أقول لكم. فقال له أحدهما: مِمَّن أنت؟ فقال له يمليخا: أما ما أرى فكنت أرى أنِّي من أهل هذه القرية. قالوا: فمَن أبوك؟ ومن يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدًا يعرفه ولا أباه، فقال له أحدهما: أنت رجل كذّاب لا تُنبئنا بالحق. فلم يدر يمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس بصره إلى الأرض. فقال له بعض مَن حوله: هذا رجل مجنون. فقال بعضهم: ليس بمجنون، ولكنه يحمِّق نفسه عمدًا لكي ينفلت منكم. فقال له أحدهما، ونظر إليه نظرًا شديدًا: أتظن أنك إذ تَتَجانَنُ نرسلك ونصدقك بأنّ هذا مال أبيك، وضرب هذه الورِق ونقشها منذ أكثر من ثلاث مائة سنة؟ وإنما أنت غلام شابٌّ تظن أنك تأفكنا، ونحن شُمْط كما ترى، وحولك سراة أهل المدينة وولاة أمرها، إني لأظنني سآمر بك فتعذب عذابًا شديدًا، ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت. فلما قال ذلك قال يمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم عما عندي، أرأيتم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل؟ فقال له الرجل: ليس على وجه الأرض رجل اسمه: دقينوس، ولم يكن إلا ملك قد هلك منذ زمان ودهر طويل، وهلكت بعده قرون كثيرة. فقال له يمليخا: فواللهِ، إني إذًا لحيران، وما هو بمصدقي أحد من الناس بما أقول، واللهِ، لقد علمتُ، لقد فررنا من الجبار دقينوس، وإني قد رأيته عشية أمس حين دخل مدينة أفسوس، ولكن لا أدري أمدينة أفسوس هذه أم لا؟ فانطلقا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي. فلما سمع أريوس ما يقول يمليخا قال: يا قوم، لعل هذه آية من آيات الله جعلها لكم على يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يُرِنا أصحابه، كما قال. فانطلق معه أريوس وأسطيوس، وانطلق معهم أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم. ولما رأى الفتية أصحاب الكهف يمليخا قد احتبس عليهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به ظنوا أنه قد أُخذ فذهب به إلى ملكهم دقينوس الذي هربوا منه، فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذ سمعوا الأصوات وجَلَبَة الخيل مُصْعِدَةً نحوهم، فظنوا أنهم رسل الجبار دقينوس بعث إليهم ليؤتى بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة، وسلم بعضهم على بعض، وأوصى بعضهم بعضًا، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا، فإنه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظر متى نأته. فبينما هم يقولون ذلك وهم جلوس بين ظهري الكهف، فلم يروا إلا أريوس وأصحابه وقوفًا على باب الكهف، وسبقهم يمليخا، فدخل عليهم وهو يبكي، فلما رأوه يبكي بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره، وقص عليهم النبأ كله، فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نيامًا بأمر الله ذلك الزمان كله، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس، وتصديقًا للبعث، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ثم دخل على أثر يمليخا أريوس، فرأى تابوتًا من نحاس مختومًا بخاتم من فضة، فقام بباب الكهف، ثم دعا رجالًا من عظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم، فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوبًا فيهما كتاب، فقرأهما، فوجد فيهما: أن مكسلمينا، ومحسلمينا، ويمليخا، ومرطونس، وكشطونس، ويبورس، ويكرنوس، ويطبيونس، وقالوس، كانوا ثمانية هربوا من ملكهم دقينوس الجبار، مخافة أن يفتنهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلما أُخبر بمكانهم أمر بالكهف فسُد عليهم بالحجارة، وإنا كتبنا شأنهم وقصة خبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم. فلما قرؤوه عجبوا، وحمدوا الله الذي أراهم آية للبعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على الفتية الكهف، فوجدوهم جلوسًا بين ظهريه، مشرقة وجوههم، لم تبل ثيابهم. فخرَّ أريوس وأصحابه سجودًا، وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته، ثم كلم بعضهم بعضًا، وأنبأهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقينوس ذلك الجبار الذي كانوا هربوا منه. ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدًا إلى ملكهم الصالح تيذوسيس: أن عَجِّل؛ لعلك تنظر إلى آية من آيات الله، جعلها الله على ملكك، وجعلها آية للعالمين، لتكون لهم نورًا وضياء، وتصديقًا بالبعث، فاعجل على فتية بعثهم الله، وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاث مائة سنة. فلما أتى الملك تيذوسيس الخبر قام من المسندة التي كان عليها، ورجع إليه رأيه وعقله، وذهب عنه همه، ورجع إلى الله عز وجل، فقال: أحمدك اللهَ رب السماوات والأرض، أعبدك، وأحمدك، وأسبح لك، تطولت عليَّ، ورحمتني برحمتك، فلم تطفئ النور الذي كنت جعلته لآبائي، وللعبد الصالح قسطيطينوس الملك. فلما نُبئ به أهل المدينة ركبوا إليه، وساروا معه حتى أتوا مدينة أفسوس، فتلقاهم أهل المدينة، وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف حتى أتوه، فلما رأى الفتية تيذوسيس فرحوا به، وخروا سجودًا على وجوههم، وقام تيذوسيس قدامهم، ثم اعتنقهم وبكى، وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون الله ويحمدونه، ويقول: واللهِ، ما أشبه بكم إلا الحواريون حين رأوا المسيح. وقال: فرج الله عنكم، كأنكم الذين تُدعون فتحشرون من القبور. فقال الفتية لتيذوسيس: إنا نودعك السلام، والسلام عليك ورحمة الله، حفظك الله، وحفظ لك ملكك بالسلام، ونعيذك بالله من شر الجن والإنس، فآمِن بعيش من خلد وشيك، إنّ أسوأ ما سلك في بطن الإنسان أن لا يعلم شيئًا، لا كرامة إن أُكرم بها، ولا هوان إن أُهين به. فبينما الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم، فناموا، وتوفى الله أنفسهم بأمره. وقام الملك إليهم، فجعل ثيابه عليهم، وأمر أن يجعل لكل رجل منهم تابوتًا من ذهب، فلما أمسوا ونام أتوه في المنام، فقالوا: إنا لم نُخلق من ذهب ولا فضة، ولكنا خلقنا من تراب، وإلى التراب نصير، فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه. فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج، فجعلوهم فيه، وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد على أن يدخل عليهم. وأمر الملك فجعل كهفهم مسجدًا يصلى فيه، وجعل لهم عيدًا عظيمًا، وأمر أن يؤتى كل سنة. فهذا حديث أصحاب الكهف