محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥٢ من سورة القصص في ١٠٣ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥٢ من سورة القصص

١٠٣ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : الّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ يعني بذلك تعالى ذكره قوما من أهل الكتاب آمنوا برسوله وصدّقوه، فقال الذين آتيناهم الكتاب من قبل هذا القرآن، هم بهذا القرآن يؤمنون، فيقرّون أنه حقّ من عند الله، ويكذّب جهلة الأميين، الذين لم يأتهم من الله كتاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله تعالى الّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ قال : يعني من آمن بمحمد ﷺ من أهل الكتاب.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد الّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ. . . إلى قوله لا نَبْتَغي الجاهِلِينَ في مسلمة أهل الكتاب.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله الّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ. . . إلى قوله الجاهِلِينَ قال : هم مُسْلِمة أهل الكتاب. قال ابن جُرَيج : أحبرني عمرو بن دينار : أن يحيى بن جعدة أخبره، عن عليّ بن رفاعة، قال : خرج عشرة رَهْط من أهل الكتاب، منهم أبو رِفاعة، يعني أباه، إلى النبيّ ﷺ، فآمنوا، فأُوذوا، فنزلت : الّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ قبل القرآن.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله الّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ قال : كنا نحدّث أنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحقّ، يأخذون بها، وينتهون إليها، حتى بعث الله محمدا ﷺ، فآمنوا به، وصدّقوا به، فأعطاهم الله أجرهم مرتين، بصبرهم على الكتاب الأوّل، واتباعهم محمدا ﷺ، وصبرهم على ذلك، وذكر أن منهم سَلْمان، وعبد الله بن سَلاَم.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : الّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. . . إلى قوله مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ : ناس من أهل الكتاب آمنوا بالتوراة والإنجيل ثم أدركوا محمدا ﷺ، فَآمنوا به، فَأَتاهم الله أجرهم مرّتين بما صبروا : بإيمانهم بمحمد ﷺ قبل أن يبعث، وباتباعهم إياه حين بعث، فذلك قوله : إنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾
يقول تعالى ذكره: ولقد وصلنا يا محمد، لقومك من قريش ولليهود من بني إسرائيل القول بأخبار الماضين والنبأ عما أحللنا بهم من بأسنا، إذ كذّبوا رسلنا، وعما نحن فاعلون بمن اقتفى آثارهم، واحتذى في الكفر بالله، وتكذيب رسله مثالهم، ليتذكروا فيعتبروا ويتعظوا. وأصله من: وصل الحبال بعضها ببعض; ومنه قول الشاعر:
فَقُلْ لِبَنِي مَرْوَانَ مَا بَالُ ذِمَّةٍوَحَبْلٍ ضَعِيفٍ مَا يَزَالُ يُوصَلُ (١)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم ببيانهم عن تأويله، فقال بعضهم: معناه: بيّنا. وقال بعضهم: معناه: فصلنا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد، قوله: (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ) قال: فصلنا لهم القول.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ) قال: وصل الله لهم القول في هذا القرآن، يخبرهم كيف صنع بمن مضي، وكيف هو صانع (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).
حدثنا القاسم، قال: ثنا محمد بن عيسى أبو جعفر، عن سفيان بن عيينة: وصلنا: بيَّنا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ) الخبر، خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة، وشهدوها في الدنيا، بما نريهم من الآيات في الدنيا وأشباهها. وقرأ: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ) وقال: إنا سوف ننجزهم ما وعدناهم في الآخرة كما أنجزنا للأنبياء ما وعدناهم نقضي بينهم وبين قومهم.
(١) البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (مصورة الجامعة، الورقة ١٨١ب) قال: (ولقد وصلنا لهم القول) أي أتممناه. وفي (اللسان: وصل). وفي التنزيل العزيز: (ولقد وصلنا لهم القول) : أي وصلنا ذكر الأنبياء وأقاصيص من مضى: بعضها ببعض. والذمة: العهد. والحبل: العهد. وقوله "ما يزال يوصل" أي قد رث وبلي، ويجدد ما بلي منه، حتى كثر فيه الترقيع.
واختلف أهل التأويل، فيمن عنى بالهاء والميم من قوله: (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ) فقال بعضهم: عنى بهما قريشا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ) قال: قريش.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ) قال: لقريش.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) قال: يعني محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال آخرون: عنى بهما اليهود.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني بشر بن آدم، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن رفاعة القرظي، قال: نزلت هذه الآية في عشرة أنا أحدهم (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).
حدثنا ابن سنان، قال: ثنا حيان، قال: ثنا حماد، عن عمرو، عن يحيى بن جعدة، عن عطية القُرَظِيّ قال: نزلت هذه الآية (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) حتى بلغ: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) في عشرة أنا أحدهم، فكأن ابن عباس أراد بقوله: يعني محمدا، لعلهم يتذكرون عهد الله في محمد إليهم، فيقرّون بنبوّته ويصدّقونه.
وقوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ) يعني بذلك تعالى ذكره قوما من أهل الكتاب آمنوا برسوله وصدقوه، فقال الذين آتيناهم الكتاب من قبل هذا القرآن، هم بهذا القرآن يؤمنون. فيقرّون أنه حق من عند الله، ويكذّب جهلة الأميين، الذين لم يأتهم من الله كتاب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ) قال: يعني من آمن بمحمد ﷺ من أهل الكتاب.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ)... إلى قوله: (لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) في مسلمة أهل الكتاب.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ)... إلى قوله: (الجاهلين) قال: هم مسلمة أهل الكتاب.
قال ابن جُرَيج: أخبرني عمرو بن دينار: أن يحيى بن جعدة أخبره، عن عليّ بن رفاعة، قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب، منهم أبو رفاعة، يعني أباه، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فآمنوا، فأوذوا، فنزلت: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ) قبل القرآن.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ) قال: كنا نُحدَّث أنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحقّ، يأخذون بها، وينتهون إليها، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فآمنوا به، وصدّقوا به، فأعطاهم الله أجرهم مرتين، بصبرهم على الكتاب الأوّل، واتباعهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وصبرهم على ذلك، وذكر أن منهم سلمان، وعبد الله بن سلام.
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ)... إلى قوله: (مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) ناس من أهل الكتاب آمنوا بالتوراة والإنجيل، ثم أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فآمنوا به. فآتاهم الله أجرهم مرّتين بما صبروا: بإيمانهم بمحمد ﷺ قبل أن يبعث، وباتباعهم إياه حين بعث، فذلك قوله: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ).

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى عن العلماء الأولياء(١) من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى :﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، وقال :﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، وقال :﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨]، وقال :﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢، ٨٣].
قال سعيد بن جبير : نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي ﷺ قرأ عليهم :﴿يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى :﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
١ - في ت، ف :"الألباء" وفي أ :"الألباب"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾، إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٥]، وَقَالَتِ الْجِنُّ: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ]﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٠] (١) وَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ [اللَّهُ] (٢) عَلَى مُوسَى. وَقَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ لِذَوِي الْأَلْبَابِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فِيمَا أَنْزَلَ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَعَدِّدَةِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ أَكْمَلَ وَلَا أَشْمَلَ وَلَا أَفْصَحَ وَلَا أَعْظَمَ وَلَا أَشْرَفَ مِنَ الْكِتَابِ الذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (٣)، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَبَعْدَهُ فِي الشَّرَفِ وَالْعَظَمَةِ الْكِتَابُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٤]. وَالْإِنْجِيلُ إِنَّمَا نَزَلَ مُتَمِّمًا لِلتَّوْرَاةِ ومُحلا لِبَعْضِ مَا حُرّم عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَيْ: فِيمَا تُدَافِعُونَ بِهِ الْحَقَّ وَتُعَارِضُونَ بِهِ مِنَ الْبَاطِلِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ أَيْ: فَإِنْ لَمْ يُجِيبُوكَ عَمَّا قُلْتَ لَهُمْ وَلَمْ يَتَّبِعُوا الْحَقَّ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أَيْ: بِلَا دَلِيلٍ وَلَا حُجَّةٍ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَأْخُوذَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: فَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: بَيَّنَّا لَهُمُ الْقَوْلَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُ تَعَالَى: أخبَرَهم كَيْفَ صُنع بِمَنْ مَضَى وَكَيْفَ هُوَ صَانِعٌ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾ يَعْنِي: قُرَيْشًا. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، لَكِنْ قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَة، عَنْ رِفَاعَةَ -رِفَاعَةُ هَذَا هُوَ ابْنُ قَرَظَة القُرَظيّ، وَجَعَلَهُ ابْنُ مَنْدَهْ: رِفَاعَةَ بْنَ سَمَوْأَلٍ، خَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، وَهُوَ الَّذِي طَلَّقَ تَمِيمَةَ بِنْتَ وَهْبٍ الَّتِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ (٤) -قَالَ: نَزَلَتْ ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ فِي عَشَرَةٍ أَنَا أَحَدُهُمْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ (٥).
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾.
(١) زيادة من أ.
(٢) زيادة من ف.
(٣) في ف، أ: "صلوات الله وسلامه عليه".
(٤) أسد الغابة لابن الأثير (٢/٢٢٨).
(٥) تفسير الطبري (٢٠/٥٦) ورواه اللطبراني في المعجم الكبير (٥/٥٣) من طريق حماد بن سلمة به.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْعُلَمَاءِ الْأَوْلِيَاءِ (١) مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْقُرْآنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٢١]، وَقَالَ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٩]، وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠٧، ١٠٨]، وَقَالَ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٢، ٨٣].
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ فِي سَبْعِينَ مِنَ الْقِسِّيسِينَ بَعَثَهُمُ النَّجَاشِيُّ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ عَلَيْهِمْ: ﴿يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حَتَّى خَتَمَهَا، فَجَعَلُوا يَبْكُونَ وَأَسْلَمُوا، وَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ الْأُخْرَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ يَعْنِي: مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ كُنَّا مُسْلِمِينَ، أَيْ: مُوَحِّدِينَ مُخْلِصِينَ لِلَّهِ مُسْتَجِيبِينَ لَهُ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ ثُمَّ بِالثَّانِي [يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِإِيمَانِهِمْ بِالرَّسُولِ الْأَوَّلِ ثُمَّ بِالثَّانِي] (٢) ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أَيْ: عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ؛ فإنَّ تجشُّم مِثْلِ هَذَا شَدِيدٌ عَلَى النُّفُوسِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثَلَاثَةٌ يُؤتَونَ أجْرهم مَرّتَين: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ ثُمَّ آمَنَ بِي، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، ورَجُل كَانَتْ لَهُ أمَة فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فتزوَّجها" (٣).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ السَّيلَحيني، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ سُلَيْمَانَ (٤) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنِّي لتحتَ رَاحِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ قَوْلًا حَسَنًا جَمِيلًا وَقَالَ فِيمَا قَالَ: "مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا، [ومَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَلَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ ما علينا] " (٥) (٦).
وقوله ﴿وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أَيْ: لَا يُقَابِلُونَ السَّيِّئَ (٧) بِمِثْلِهِ، وَلَكِنْ يَعْفُونَ وَيَصْفَحُونَ. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أَيْ: وَمِنَ الَّذِي رَزَقَهُمْ مِنَ الْحَلَالِ يُنْفِقُونَ عَلَى خَلْق اللَّهِ فِي النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ لِأَهْلِهِمْ وَأَقَارِبِهِمْ، وَالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ، وَصَدَقَاتِ النَّفْلِ والقربات.
(١) في ت، ف: "الألباء" وفي أ: "الألباب".
(٢) زيادة من ت، ف، أ.
(٣) صحيح البخاري برقم (٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٤).
(٤) في، أ: "سليم".
(٥) زيادة من ف، أ، ومسند أحمد.
(٦) المسند (٥/٢٥٩).
(٧) في ت، ف، أ: "يقابلون على السيئ".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٥٢-٥٥ } ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
يذكر تعالى عظمة القرآن وصدقه وحقه، وأن أهل العلم بالحقيقة يعرفونه ويؤمنون به ويقرون بأنه الحق، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ وهم أهل التوراة، والإنجيل، الذين لم يغيروا ولم يبدلوا ﴿هُمْ بِهِ﴾ أي : بهذا القرآن ومن جاء به ﴿يُؤْمِنُونَ﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٥٢-٥٥} ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾.
يذكر تعالى عظمة القرآن وصدقه وحقه، وأن أهل العلم بالحقيقة يعرفونه ويؤمنون به ويقرون بأنه الحق، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ وهم أهل التوراة، والإنجيل، الذين لم يغيروا ولم يبدلوا ﴿هُمْ بِهِ﴾ أي: بهذا القرآن ومن جاء به ﴿يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ استمعوا له وأذعنوا و ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ لموافقته ما جاءت به الرسل، ومطابقته لما ذكر في الكتب، واشتماله على الأخبار الصادقة، والأوامر والنواهي الموافقة، لغاية الحكمة.
وهؤلاء الذين تفيد شهادتهم، وينفع قولهم، لأنهم لا يقولون ما يقولون إلا عن علم وبصيرة، لأنهم أهل الصنف (١) وأهل الكتب، وغيرهم لا يدل ردهم ومعارضتهم للحق على شبهة، فضلا عن الحجة، لأنهم ما بين جاهل فيه أو متجاهل معاند للحق.
قال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا﴾ الآيات.
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ فلذلك ثبتنا على ما مَنَّ الله به علينا من الإيمان، فصدقنا بهذا القرآن، آمنا بالكتاب الأول والكتاب الآخر، وغيرنا ينقض تكذيبه بهذا الكتاب، إيمانه بالكتاب الأول.
﴿أُولَئِكَ﴾ الذين آمنوا بالكتابين ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ أجرا على الإيمان الأول، وأجرا على الإيمان الثاني، ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على الإيمان، وثبتوا على العمل، فلم تزعزعهم (٢) عن ذلك شبهة، ولا ثناهم عن الإيمان رياسة ولا شهوة.
ومن خصالهم الفاضلة، التي من آثار إيمانهم الصحيح، أنهم ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: دأبهم وطريقتهم الإحسان لكل أحد، حتى للمسيء إليهم بالقول والفعل، يقابلونه بالقول الحميد والفعل الجميل، لعلمهم بفضيلة هذا الخلق العظيم، وأنه لا يوفق له إلا ذو حظ عظيم.
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ من جاهل خاطبهم به، ﴿قَالُوا﴾ مقالة عباد الرحمن أولي الألباب: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي: كُلٌّ سَيُجازَى بعمله الذي عمله وحده، ليس عليه من وزر غيره شيء. ولزم من ذلك، أنهم يتبرءون مما عليه الجاهلون، من اللغو والباطل، والكلام الذي لا فائدة فيه.
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي لا تسمعون منا إلا الخير، ولا نخاطبكم بمقتضى جهلكم، فإنكم وإن رضيتم لأنفسكم هذا المرتع اللئيم، فإننا ننزه أنفسنا عنه، ونصونها عن الخوض فيه، ﴿لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ من كل وجه.
(١) في ب: الخبرة.
(٢) كذا في ب، وفي أ: يزعزعهم من.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٣ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
الذين آتيناهم الكتاب
يعني مؤمنيهم
من قبله
يعنون القرآن والمعنى آمنا بكونه لأنه ذكره في كتبنا

إعراب الآية ٥٢ من سورة القصص

من كتاب: التبيان في إعراب القرآن

قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ) : أَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً؛ أَيْ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ؛ وَلَكِنْ حُوِّلَ عَنْ ذَلِكَ وَجُعِلَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ؛ إِذْ كَانَتْ هِيَ الْمَوْصُوفَ فِي الْمَعْنَى، وَإِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ خَطَأٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: جَانِبُ الْمَكَانِ الْغَرْبِيِّ.
وَ (إِذْ) : مَعْمُولُهُ لِلْجَارِّ، أَوْ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
(وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) : أَيْ إِذْ قَضَيْنَا.
وَ (تَتْلُو) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ خَبَرًا ثَانِيًا، أَوْ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي ثَاوِيًا.
وَ (لَكِنْ رَحْمَةً) أَيْ أَعْلَمْنَاكَ ذَلِكَ لِلرَّحْمَةِ، أَوْ أَرْسَلْنَاكَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالُوا سِحْرَانِ) : هُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا. وَسَاحِرَانِ بِالْأَلِفِ: أَيْ مُوسَى وَهَارُونُ.
وَقِيلَ: مُوسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا.
وَسِحْرَانِ - بِغَيْرِ أَلِفٍ؛ أَيِ الْقُرْآنُ وَالتَّوْرَاةُ.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)).
وَ (مَنْ أَضَلُّ) : اسْتِفْهَامٌ فِي مَعْنَى النَّفْيِ؛ أَيْ لَا أَحَدَ أَضَلُّ.
وَ (وَصَّلْنَا) : بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى.
وَ (الَّذِينَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ» : خَبَرُهُ.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٥٢ من سورة القصص

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

قَبْلِهِ هُم

ادغام الهاء في الهاء واسكان الميم

السوسي عن أبي عمرو

اظهار الهاء الأولى مكسورة واسكان الميم

حفص عن عاصم إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع قالون عن نافع

اظهار الهاء الأولى مكسورة وصلة الميم

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

آيات مشابهة للآية ٥٢ من سورة القصص

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٥٢ من سورة القصص

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية، وتفسيرها

١٥ قولًا
١
قال محمد بن السائب الكلبي: هم أناس مِن أهل الكتاب، لم يكونوا يهودًا ولا نصارى، وكانوا على دين أنبياء الله ورسله، وكرِهوا ما عليه اليهودُ والنصارى، وأخذوا بأمر الله، فكانوا ينتظرون النبيَّ عليه السلام، فلمّا سمعوا به وهو بمكة أتوه، فلمّا رأوه عرفوه بنعته، وسألوه أن يقرأ عليهم القرآن، فلما سمعوه ﴿قالوا آمنا به﴾ بالقرآن؛ ﴿إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين﴾١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلام ٢‏/‏٦٠٠.
٢
قال محمد بن إسحاق: ثم قدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة عشرون رجلًا أو قريبًا مِن ذلك من النصارى، حين ظهر خبرُه مِن الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه، فكلَّموه وسألوه، ورجال مِن قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلمّا فرغوا من مسألتهم رسولَ الله ﷺ عمّا أرادوا دعاهم رسولُ الله ﷺ، وتلا عليهم القرآن، فلمّا سمعوا فاضت أعينُهم مِن الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدَّقوه، وعرفوا منه ما كان يُوصَف لهم في كتابهم مِن أمره، فلمّا قاموا مِن عنده اعترضهم أبو جهل في نفر مِن قريش، فقالوا: خيَّبكم الله مِن ركبٍ، بَعَثَكم مَن وراءكم مِن أهل دينكم تَرْتادُون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمأنّ مجالسُكم عنده حتى فارقتم دينكم، فصدَّقتموه بما قال لكم! ما نعلم ركبًا أحمقَ منكم. أو كما قالوا لهم، فقالوا: سلامٌ عليكم، لا نُجاهلكم، لنا أعمالنا، ولكم أعمالكم، لا نألوا أنفسنا خيرًا. ويُقال: إنّ النفر النصارى مِن أهل نجران. فاللهُ أعلم أي ذلك كان، ويقال -والله أعلم-: أنّ فيهم نزلت هؤلاء الآيات: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾١
التخريج
  1. ١سيرة ابن إسحاق ص١٩٩-٢٠٠.
٣
قال يحيى بن سلّام: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله﴾ مِن قبل القرآن؛ ﴿هم به﴾ بالقرآن ﴿يؤمنون﴾ يعني: مَن آمن مِن أهل الكتابين، يعني: مَن كان مُسْتَمْسِكًا بدين موسى وعيسى، ثم آمن بمحمد ﷺ... وقال بعضهم: هم مسلمو أهل الإنجيل١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢‏/‏٥٩٩-٦٠٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٦/٥٩٨) في عود الضمير في ﴿قبله﴾ احتمالين: الأول: أن يعود على النبي ﷺ. الثاني: أن يعود على القرآن. ثم رجّح مستندًا إلى السياق القولَ الثاني بقوله: «وما بعد يؤيد هذا».
٤
عن سلمان الفارسي، قال: تَداولَتْني الموالي، حتى وقعتُ بيثرب، فلم يكن في الأرض قومٌ أحَبَّ إلَيَّ مِن النصارى، ولا دينٌ أحَبَّ إلَيَّ مِن النصرانية؛ لِما رأيتُ مِن اجتهادهم، فبينا أنا كذلك إذ قالوا: قد بُعِث في العرب نبيٌّ. ثم قالوا: قدِم المدينة. فأتيته، فجعلتُ أسأله عن النصارى، قال: «لا خيرَ في النصارى، ولا أُحِبُّ النصارى». قال: فأخبرتُه أنّ صاحبي قال: لو أدركتُه فأمرني أن أقع في النار لوقعتها. قال: وكنت قد استُهْتِرت بحبِّ النصارى، فحدَّثْتُ نفسي بالهرب، وقد جرَّد رسولُ الله ﷺ السيفَ، فأتاني آتٍ، فقال: إنّ رسول الله ﷺ يدعوك. فقلت: اذْهَب حتى أجيء. وأنا أُحَدِّث نفسي بالهرب، فقال لي: لن أُفارِقك حتى أذهب بك إليه. فانطلقت معه، فلما رآني قال: «يا سلمان، قد أنزل الله عذرك: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٥
عن سلمان الفارسي -من طريق سلامة العجلي- قال: أنا رجل مِن أهل رامهرمز، كُنّا قومًا مجوسًا، فأتانا رجلٌ نصرانيٌّ مِن أهل الجزيرة، فنزل فينا، واتَّخذ فينا دِيرًا، وكنت في كُتّاب في الفارسية، وكان لا يزال غلام معي في الكُتّاب يجيء مضروبًا يبكي قد ضربه أبواه. فقلت له يومًا: ما يبكيك؟ قال: يضربني أبواي. قلت: ولم يضربانك؟ قال: آتي صاحبَ هذا الدير، فإذا علِما ذلك ضرباني، وأنت لو أتيتَه سمعتَ منه حديثًا عجيبًا. قلتُ: فاذهب بي معك. فأتيناه، فحدَّثنا عن بَدْءِ الخلق، وعن بَدْءِ خلق السموات والارض، وعن الجنة والنار، فحدَّثنا بأحاديث عجب، وكنت أختلف إليه معه، ففطِن لنا غِلمان مِن الكتاب، فجعلوا يجيئون معنا، فلما رأى ذلك أهلُ القرية أتوه، فقالوا: يا هذا، إنّك قد جاورتنا، فلم نرَ مِن جوارك إلا الحسن، وإنّا نرى غِلماننا يختلفون إليك، ونحن نخاف أن تُفسدهم علينا، أخِّر عنّا. قال: نعم. فقال لذلك الغلام كان يأتيه: اخرُج معي. قال: لا أستطيع ذلك، قد علمتَ شدة أبَوَيَّ عَلَيَّ. قلت: لكنني أخرج معك. وكنت يتيمًا لا أب لي، فخرجت معه، فأخذنا جبلَ رامهرمز، فجعلنا نمشي ونتوكل، ونأكل مِن ثمر الشجر، حتى قدمنا الجزيرة، فقدمنا نَصِيبِين، فقال لي صاحبي: يا سلمان، إنّ ههنا قومًا عُبّاد أهل الأرض، وأنا أُحِبُّ أن ألقاهم. فجئنا إليهم يومَ الأحد وقد اجتمعوا، فسلَّم عليهم صاحبي، فحيَّوه، وبشُّوا به، وقالوا: أين كان غيبتك؟ قال: كنت في إخوان لي مِن قِبَل فارس. فتحدَّثنا ما تحدَّثنا، ثم قال لي صاحبي: قم، يا سلمان، انطلق. قلت: لا، دعني مع هؤلاء. قال: إنّك لا تطيق ما يُطيق هؤلاء؛ يصومون الأحد إلى الأحد، ولا ينامون هذا الليل. وإذا فيهم رجلٌ مِن أبناء الملوك، ترك الملِك، ودخل في العبادة، فكنتُ فيهم حتى أمسينا، فجعلوا يذهبون واحدًا واحدًا إلى غارِه الذي يكون فيه، فلمّا أمسينا قال ذاك الرجل الذي مِن أبناء الملوك: هذا الغلامُ ما تضيفونه؟ ليأخذه رجلٌ منكم. فقالوا: خُذه أنت. فقال لي: قُم، يا سلمان. فذهب بي معه حتى أتى غارَه الذي يكون فيه، فقال لي: يا سلمانُ، هذا خبز، وهذا أدم، فكل إذ غَرِثْتَ١، وصُم إذا نشطت، وصَلِّ ما بدا لك، ونَم إذا كسلت. ثم قام في صلاته، فلم يكلمني إلا ذاك، ولم ينظر إلَيَّ، فأخذني الغمُّ تلك السبعة الأيام، لا يكلمني أحد، حتى كان الأحد، فانصرف إلَيَّ، فهبت إلى مكانهم الذي كانوا يجتمعون، وهم يجتمعون كلَّ أحد يفطرون فيه، فيلقى بعضُهم بعضًا، فيُسَلِّم بعضُهم على بعض، ثم لا يلتقون إلى مثله، فرجعت إلى منزلنا، فقال لي مثلَ ما قال لي أول مرة: هذا خبز، وهذا أدم، فكل منه إذا غرثت، وصم إذا نشطت، وصلِّ ما بدا لك، ونم إذا كسلت. ثم دخل في صلاته، فلم يلتفت إلَيَّ، ولم يكلمني إلى الأحد الآخر، فأخذني غمٌّ، وحَدَّثْتُ نفسي بالفرار، فقلت: اصبر أحَدَين أو ثلاثة. فلما كان الأحدُ رجعنا اليهم، فأفطروا واجتمعوا، فقال لهم: إنِّي أُريد بيت المقدس. فقالوا له: وما تُريد إلى ذاك؟ قال: لا عهد لي به. قالوا: إنّا نخاف أن يَحْدث بك حَدَثٌ فيَلِيكَ غيرُنا، وكُنّا نُحِبُّ أن نليك. قال: لا عهد لي به. فلمّا سمعته يذكر ذاك فرحتُ؛ قلتُ: نُسافِر، ونلقى الناس، فيذهب عنِّي الغمُّ الذي كنت أجد. فخرجت أنا وهو، وكان يصوم مِن الأحد إلى الأحد، ويصلي الليل كله، ويمشي بالنهار، فإذا نزلنا قام يصلي، فلم يزل ذاك دأبه حتى انتهينا إلى بيت المقدس، وعلى الباب رجلٌ مُقْعَد يسأل الناس، فقال: أعطِني. فقال: ما معي شيء. فدخلنا بيت المقدس، فلمّا رآه أهلُ بيت المقدس بَشُّوا به، واستبشروا به، فقال لهم: غلامي هذا، فاستوصوا به. فانطلقوا بي، فأطعموني خبزًا ولحمًا، ودخل في الصلاة، فلم ينصرف إلَيَّ حتى كان يوم الأحد الآخر، ثم انصرف، فقال لي: يا سلمان، إني أريد أن أضع رأسي، فإذا بلغ الظِلُّ مكان كذا وكذا فأيقِظني. فوضع رأسه، فبلغ الظِلُّ الذي قال، فلم أوقظه مَأْواةً٢ له مِمّا رأيتُ مِن اجتهاده ونَصَبِه، فاستيقظ مذعورًا، فقال: يا سلمان، ألم أكن قلتُ لك: إذا بلغ الظِلُّ مكانَ كذا وكذا فأيقظني؟! قلت: بلى، ولكن إنّما منعني مأواةً لك لِما رأيتُ مِن دأبك. قال: ويحك، يا سلمان، إنِّي أكرهُ أن يفوتني شيءٌ مِن الدهر لم أعمل فيه لله خيرًا. ثم قال لي: يا سلمان، أعلمُ أنّ أفضل ديننا اليوم النصرانية. قلت: ويكون بعد اليوم دين أفضل من النصرانية؟ كلمة أُلْقِيَت على لساني. قال: نعم، يُوشِك أن يُبعَث نبيٌّ يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإذا أدركته فاتَّبِعه وصَدِّقه. قلت: وإن أمرني أن أدع النصرانية؟ قال: نعم؛ فإنه نبيُّ الله، لا يأمر إلا بالحق، ولا يقول إلا حقًّا، واللهِ، لو أدركته ثم أمرني أن أقع في النار لوقعتها. ثم خرجنا من بيت المقدس، فمررنا على ذلك المُقْعَد، فقال له: دخلتَ فلم تعطني، وهذا تَخْرُجُ فأعْطِني. فالتفت، فلم يرَ حوله أحدًا، قال: فأعطِني يدك. فأخذ بيده، فقال: قُم بإذن الله. فقام صحيحًا سويًّا، فتوجَّه نحو أهله، فأتبعتُه بصري تعجُّبًا مِمّا رأيت، وخرج صاحبي، فأسرع المشي، وتبعته، فتلقاني رِفْقَةٌ مِن كلب أعراب، فسَبَوْني، فحملوني على بعير، وشَدُّوني وثاقًا، فتداولني البياع حتى سقطت إلى المدينة، فاشتراني رجل من الأنصار، فجعلني في حائط له مِن نخل، فكنتُ فيه، ومِن ثم تعلَّمْتُ عَمَل الخُوص، أشتري خُوصًا بدرهم، فأعمله فأبيعه بدرهمين، فأردُّ دِرهمًا إلى الخوص، وأسْتَنفِقُ درهمًا، أُحِبُّ أن آكل مِن عمل يدي، فبلغنا ونحن بالمدينة أنّ رجلًا خرج بمكة يزعم أنّ الله أرسله، فمكثنا ما شاء الله أن نمكث، فهاجر إلينا، وقدم علينا، فقلت: واللهِ، لأُجَرِّبَنَّه. فذهبتُ إلى السوق، فاشتريتُ لحم جَزور بدرهم، ثم طبخته، فجعلتُ قَصْعَةً مِن ثريد، فاحتملتها حتى أتيته بها على عاتقي، حتى وضعتها بين يديه، فقال: «ما هذه، أصدقة أم هدية؟». قلت: بل صدقة. فقال لأصحابه: «كلوا بسم الله». وأمسك ولم يأكل، فمكث أيام، ثم اشتريت لحمًا أيضًا بدرهم، فأصنع مثلها، فاحتملتها حتى أتيته بها، فوضعتها بين يديه، فقال: «ما هذه، أصدقة أم هدية؟». فقلت: بل هدية. فقال لأصحابه: «كلوا بسم الله». وأكل معهم. قلت: هذا -واللهِ- يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. فنظرت فرأيت بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة، فأسلمتُ، فقلت له ذات يوم: يا رسول الله، أيُّ قوم النصارى؟ قال: «لا خير فيهم، ولا فيمن يحبهم». قلت في نفسي: أنا -واللهِ- أُحِبُّهم. قال: وذاك حين بعث السرايا، وجرد السيف، فسرية تدخل، وسرية تخرج، والسيف يقطر. قلت: يُحَدَّث بي الآن أنِّي أُحِبُّهم، فيبعث إلَيَّ، فيضرب عنقي، فقعدت في البيت، فجاءني الرسول ذاتَ يوم، فقال: يا سلمانُ، أجِب رسول الله. قلت: هذا -واللهِ- الذي كنتُ أحذر. قلت: نعم، اذهب حتى ألحقك. قال: لا، واللهِ، حتى تجيء. وأنا أُحَدِّث نفسي أن لو ذهب أن أفِرَّ، فانطلق بي حتى انتهيت إليه، فلما رآني تبَسَّم، وقال لي: «يا سلمان، أبشِر؛ فقد فرَّج الله عنك». ثم تلا عَلَيَّ هؤلاء الآيات: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾. قلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد سمعتُه يقول: لو أدركتُه فأمرني أن أقع في النار لوقعتها، إنه نبيٌّ لا يقول إلا حقًّا، ولا يأمر إلا بالحق٣
التخريج
  1. ١أي: جُعْتَ. النهاية (غرث).
  2. ٢آوي له: أرِقُّ وأرثي له. النهاية (أوى).
  3. ٣أخرجه الطبراني في الكبير ٦‏/‏٢٤١-٢٤٥ (٦١١٠)، والخطيب في تاريخ بغداد ١٠‏/‏٢٧٦ (٣٠٥٤). قال الذهبي في تاريخ الإسلام ١‏/‏١١٠-١١١: «هذا حديث منكر غريب... وقد تفرّد مسلمة بهذا، وهو ممن احتج به مسلم، ووثَّقه ابن معين، وأمّا أحمد بن حنبل فضعّفه». وقال في سير أعلام النبلاء ١‏/‏٥٣٧: «غريب جدًّا، وسلامة لا يعرف». وقال الهيثمي في المجمع ٩‏/‏٣٤٣: «رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير سلامة العجلي، وقد وثّقه ابن حبان».
٦
عن رفاعة القرظي -من طريق يحيى بن جعدة- قال: نزلت: ﴿ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون﴾ إلى قوله: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ في عشرة رهط، أنا أحدهم١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ٥‏/‏٥٣ (٤٥٦٣، ٤٥٦٤) واللفظ له، ويحيى بن سلام ٢‏/‏٥٩٩، وابن جرير ١٨‏/‏٢٧٦-٢٧٧، وابن أبي حاتم ٩‏/‏٢٩٨٧-٢٩٨٨ (١٦٩٧٣). قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٨٨ (١١٢٥٥): «رواه الطبراني بإسنادين، أحدهما متصل، ورجاله ثقات، وهو هذا، والآخر منقطع الإسناد». وقال السيوطي: «بسند جيد».
٧
عن علي بن رفاعة١ -من طريق يحيى بن جعدة- قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب -منهم أبو رفاعة- إلى النبي ﷺ، فآمنوا، فأُوذُوا؛ فنزلت: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾٢
التخريج
  1. ١اختلف في كونه صحابيًّا. ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة ٤‏/‏٤٦٣.
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٨‏/‏٢٧٧. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٨
عن عبد الله بن عباس، قال: نزلت في ثمانين مِن أهل الكتاب؛ أربعون من نجران، واثنان وثلاثون مِن الحبشة، وثمانية مِن الشام١
التخريج
  1. ١أورده البغوي ٦‏/‏٢١٣.
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾، قال: يعني: مَن آمن بمحمد ﷺ مِن أهل الكتاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٨‏/‏٢٧٧، وابن أبي حاتم ٩‏/‏٢٩٨٨ (١٦٩٧٨)، من طريق محمد بن سعد العوفي، عن أبيه، قال: حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده عطية العوفي، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
١٠
عن سعيد بن جبير -من طريق سالم الأفطس- في قوله: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ [المائدة:٨٢]، قال: هم النجاشي الذي أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلًا، اختارهم مِن قومه الخيِّر مِن الخيِّر في الفقه والسنن، فلما أتوا رسول الله ﷺ، فدخلوا عليه، فقرأ عليهم: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ حتى أتى على آخرها؛ فبكوا حين سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق؛ فنزل عليهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنهُمْ قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ إلى قوله: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة:٨٢-٨٣]، ونزل فيهم أيضًا: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ إلى آخر الآيات١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٩‏/‏٢٩٨٨.
١١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾، قال: في مُسْلِمة أهل الكتاب١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الفريابي، وعبد بن حميد.
١٢
عن عبيد، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول، في قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾: ناس مِن أهل الكتاب آمنوا بالتوراة والإنجيل، ثم أدركوا محمدًا ﷺ، فآمنوا به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٨‏/‏٢٧٨.
١٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾، قال: كُنّا نُحَدَّث: أنها أُنزِلَت في أناس مِن أهل الكتاب كانوا على شريعة مِن الحق يأخذون بها، وينتهون إليها، حتى بعث الله محمدًا ﷺ، فآمنوا به، وصدَّقوا به، فأعطاهم الله أجرهم مرتين؛ بصبرهم على الكتاب الأول، واتِّباعهم محمدًا ﷺ وصبرهم على ذلك. قال: وذُكِر لنا: أنّ منهم سلمان، وعبد الله بن سلام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٨‏/‏٢٧٨، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٨٩، ٢٩٩٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١٤
عن إسماعيل السُّدِّيّ، في قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾، قال: نزلت في عبدالله بن سلام، لَمّا أسلم أحب أن يُخْبِر النبيَّ ﷺ بعظمته في اليهود، ومنزلته فيهم، وقد ستر بينه وبينهم سترًا، فكلَّمهم، ودعاهم، فأبَوْا، فقال: «أخبِروني عن عبد الله بن سلام، كيف هو فيكم؟». قالوا: ذاك سيِّدُنا وأعلمُنا. قال: «أرأيتم إن آمَن بي وصدَّقني، أتؤمنون بي وتصدقوني؟». قالوا: لا يفعل ذاك، هو أفقهُ فينا مِن أن يدع دينه ويتبعك. قال: «أرأيتم إن فعل؟». قالوا: لا يفعل. قال: «أرأيتم إن فعل؟». قالوا: إذن نفعل. قال: «اخرج، يا عبد الله بن سلام». فخرج، فقال: ابسِط يدك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّك رسول الله. فبايعه، فوقعوا به، وشتموه، وقالوا: واللهِ، ما فينا أحد أقلَّ عِلمًا منه، ولا أجهل بكتاب الله منه. قال: «ألم تُثْنوا عليه آنِفًا؟». قالوا: إنّا استحينا أن تقول: اغتبتم صاحبَكم مِن خلفه. فجعلوا يشتمونه، فقام إليه أمين بن يامين، فقال: أشهد أنّ عبد الله بن سلام صادق، فابسط يدك. فبايعه؛ فأنزل الله فيهم: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٩‏/‏٢٩٨٩. والحديث أصله عند البخاري (٣٩١١) من حديث أنس.
١٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ يعني: أعطيناهم الإنجيل ﴿من قبله﴾ يعني: القرآن؛ ﴿هم به يؤمنون﴾ يعني: هم بالقرآن مُصَدِّقون بأنّه مِن الله عز وجل. نزلت في مسلمي أهل الإنجيل، وهم أربعون رجلًا مِن أهل الإنجيل، أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب إلى المدينة، وثمانية قدموا من الشام: بحيرى، وأبرهة، والأشرف، ودريد، وتمام، وأيمن، وإدريس، ونافع١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٣٤٨-٣٤٩. وفي تفسير البغوي ٦‏/‏٢١٣: قال مقاتل [كذا دون تمييز]: بل هم أهل الإنجيل الذين قدِموا مِن الحبشة وآمنوا بالنبي ﷺ.
التفسير بالمأثور لسورة القصص كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥٢ من سورة القصص

وقفتانِ في هذه الآية

  • سورة القصص آية (52-53)

    — عبدالله بلقاسم

  • آية (52): *ما الفرق بين (أوتوا الكتاب) و (آتيناهم الكتاب)؟ (د.فاضل السامرائي) القرآن الكريم يستعمل أوتوا الكتاب في مقام الذم ويستعمل آتيناهم الكتاب في مقام المدح. قال تعالى (وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (101) البقرة) هذا ذم، (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ (145) البقرة) هذا ذم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) آل عمران) (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) البينة) هذا ذم، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ (44) النساء) ذم. بينما آتيناهم الكتاب تأتي مع المدح (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ (121) البقرة) مدح، (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ (89) الأنعام) مدح، (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ (36) الرعد) (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) القصص) مدح، (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (47) العنكبوت) مدح. هذا خط عام في القرآن على كثرة ما ورد من أوتوا الكتاب وآتيناهم الكتاب حيث قال أوتوا الكتاب فهي في مقام ذم وحيث قال آتيناهم الكتاب في مقام ثناء ومدح. القرآن الكريم له خصوصية خاصة في استخدام المفردات وإن لم تجري في سنن العربية. أوتوا في العربية لا تأتي في مقام الذم وإنما هذا خاص بالقرآن الكريم. عموماً رب العالمين يسند التفضل والخير لنفسه (آتيناهم الكتاب) لما كان فيه ثناء وخير نسب الإيتاء إلى نفسه، أوتوا فيها ذم فنسبه للمجهول (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا (5) الجمعة) (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ (14) الشورى)، أما قوله تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا (32) فاطر) هذا مدح.

    — فاضل السامرائي

ترجمات معاني الآية ٥٢ من سورة القصص

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(52) Those to whom We gave the Scripture before it - they[1111] are believers in it.
[1111]- i.e., the sincere believers among them.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال