قال ابنُ عطية (٨‏/‏٢٨٩-٢٩٠) تعليقًا على القولين المختلفين في الآية: «مَن قال: إنّ القومَ المشارَ إليهم: هم كفار مكة. قال: معنى قوله: ﴿كما يئس الكفار﴾ كما يئس الكافر من صاحب قبر؛ لأنه إذا مات له حميم قال: هذا آخر العهد به، لن يُبعث أبدًا. فمعنى الآية: أن اعتقاد أهل مكة في الآخرة كاعتقاد الكافر في البعث ولقاء موتاه. وهذا هو تأويل ابن عباس، والحسن، وقتادة في معنى قوله تعالى: ﴿كما يئس الكفار﴾، ومَن قال: إنّ القوم المشار إليهم: هم اليهود. قال: معنى قوله: ﴿كما يئس الكفار﴾ أي: كما يئس الكافر من الرحمة إذا مات، وكان صاحب قبر، وذلك أنه يُروى أنّ الكافر إذا كان في قبره عُرض عليه مقعده في الجنة أن لو كان مؤمنًا، ثم يُعرض عليه مقعده من النار الذي يصير إليه، فهو يائس من رحمة الله مع علمه بها ويقينه. وهذا تأويل مجاهد، وابن جبير، وابن زيد في قوله: ﴿كما يئس الكفار﴾ فمعنى الآية: أن يأس اليهود من رحمة الله في الآخرة مع علمهم بها كيأس ذلك الكافر في قبره، وذلك لأنهم قد رِين على قلوبهم، وحملهم الحسد على ترْك الإيمان، وغلب على ظنونهم أنهم معذَّبون، وهذه كانت صفة كثير من معاصري النبي ﷺ. و﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مِن أصحاب﴾ على القول الأول هي لابتداء الغاية، وفي القول الثاني هي لبيان الجنس والتبعيض يتوجَّهان فيها، وبيان الجنس أظهر». ولم يذكر مستندًا. ورجَّحَ ابنُ جرير (٢٢‏/‏٦٠٥) القولَ الثاني استنادًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «أولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول مَن قال: قد يئس هؤلاء الذين غضب الله عليهم مِن اليهود مِن ثواب الله لهم في الآخرة وكرامته؛ لكفرهم وتكذيبهم رسوله محمدًا ﷺ على علمٍ منهم بأنه لله نبي، كما يئس الكفار منهم الذين مضوا قبلهم فهلكوا، فصاروا أصحاب القبور، وهم على مثل الذي هؤلاء عليه، مِن تكذيبهم عيسى -صلوات الله عليه- وغيره من الرسل، من ثواب الله وكرامته إياهم. وإنما قلنا: ذلك أولى القولين بتأويل الآية. لأنّ الأموات قد يئسوا من رجوعهم إلى الدنيا، أو أن يُبعثوا قبل قيام الساعة المؤمنون والكفار، فلا وجهَ لأن يخصّ بذلك الخبر عن الكفار، وقد شركهم في الإياس من ذلك المؤمنون»

سورة القمر — الآية ٤٦

عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- أنه حدّثهم، قال: بَينا أنا عند عمر بن الخطاب، وهو خليفة، وهو يعرض الناس على ديوانهم؛ إذ مرّ به شيخٌ كبير أعمى، يَجْبِذُه قائده جَبْذًا شديدًا، فقال عمر حين رآه: ما رأيتُ كاليوم منظرًا أسوأ. فقال رجل من القوم جالس عنده: وما تعرف هذا، يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: هذا ابن ضبعا السّلمي، ثم البهزي، الذي بَهَلَه بُرَيْقٌ، فقال عمر: قد عرفتُ أن بُرَيقًا لقب، فما اسم الرجل؟ قالوا: عِياض. قال: فدُعي له، فقال: أخبِرني خبرك وخبر بني ضبعا. قال: يا أمير المؤمنين، أمرٌ من أمر الجاهلية قد انقضى شأنه، وقد جاء الله عز وجل بالإسلام. فقال عمر: اللهم، غُفرًا، ما كنّا أحقّ بأن نتحدّث بأمر الجاهلية منذ أكرمنا الله بالإسلام، حدّثنا حديثك وحديثهم. قال: يا أمير المؤمنين، كانوا بني ضبعا عشرة، فكنت ابنَ عم لهم لم يبق من بني أبي غيري، وكنت لهم جارًا، وكانوا أقرب قومي لي نسبًا، وكانوا يضطهدونني ويظلمونني، ويأخذون مالي بغير حقّه، فذكّرتُهم الله والرَّحِم والجوار إلا ما كفّوا عني، فلم يمنعني ذلك منهم، فأمهلتُهم حتى إذا دخل الشهر الحرام رفعتُ يدي إلى السماء، ثم قلتُ: لاهمَّ أدعوك دعاء جاهدا اقتل بني الضبعاء إلا واحدا ثم اضرب الرجل فذره قاعدا أعمى إذا ما قيد عنى القائدا فتتابع منهم تسعة في عامهم موتًا، وبقي هذا معي، ورماه الله في رجليه بما ترى، فقائده يلقى منه ما رأيتَ، فقال عمر: سبحان الله، إنّ هذا للعجب. فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين، فشأن أبي تَقاصُفٍ الهذلي ثم الخُناعِيُّ أعجب من هذا، قال: وكيف كان شأنه؟ قال: كان لأبي تَقاصُف تسعة هو عاشرهم، وكان لهم ابن عمٍّ هو منهم بمنزلة عياض من بني ضبعا، فكانوا يظلمونه ويضطهدونه، ويأخذون ماله بغير حقّ، فذكّرهم الله والرَّحِم إلا ما كفّوا عنه، فلم يمنعه ذلك منهم، فأمهلهم حتى إذا دخل الشهر الحرام رفع يديه إلى الله عز وجل، ثم قال: لاهمَّ ربّ كل امرئ آمن وخائف وسامع هتاف كل هاتف إنّ الخناعي أبا تقاصف لم يعطني الحق ولم يناصف فاجمع له الأحبة الألاطف بين كَرّانَ ثم والنواصف قال: فتدلّوا حيث وصف في قَليبٍ لهم يُصلحونه، فتهوّر عليهم جميعًا، فإنه لَقبر لهم جميعًا إلى يومهم هذا، فقال عمر: سبحان الله، إنّ هذا للعجب! فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين، فشأن بني المؤمّل مِن بني نصر أعجب من هذا كلّه. قال: وكيف كان شأن بني مؤمّل؟ قال: كان لهم ابن عمٍّ، وكان بنو أبيه قد هلكوا، فألجأ ماله إليهم ونفسه ليمنعوه، فكانوا يظلمونه ويضطهدونه، ويأخذون ماله بغير حقٍّ، فكلّمهم، فقال: يا بني مؤمّل، إني قد اخترتكم على مَن سواكم، وأضفتُ إليكم مالي ونفسي لتمنعوني، فظلمتموني، وقطعتم رحمي، وأكلتم مالي، وأسأتم جواري، فأذكركم الله والرَّحِم والجوار إلا ما كففتم عنِّي. فقام رجل يقال له: رباح، فقال: يا بني مؤمّل، قد صدق -واللهِ- ابنُ عمكم، فاتقوا الله فيه، فإنّ له رحِمًا وجوارًا، وإنّه قد اختاركم على غيركم من قومكم، فلم يمنعه ذلك منكم، فأمهلهم، حتى إذا دخل الشهر الحرام خرجوا أعمارًا، فرفع يديه إلى الله عز وجل في أدبارهم، وقال: لاهم زِلْهُمْ عن بني مؤمّل وارمِ على أقفائهم بمنكل بصخرة أو عرض جيش جَحْفل إلا رباحًا إنه لم يفعل فبينما هم نزولٌ إلى جبل في بعض طريقهم أرسل الله صخرةً مِن الجبل تجُرّ ما مرّت به من حجرٍ أو صخر، حتى دكّتهم دكّة واحدة، إلا رباحًا وأهل جنابه إنه لم يفعل، فقال عمر: سبحان الله، إنّ هذا للعجب! لم يَرَوْن أن هذا كان يكون؟ قالوا: أنت -يا أمير المؤمنين- أعلم. قال: أما إني قد علمتُ لِمَ كان ذلك، كان الناس أهل جاهلية، لا يَرجُون جنةً ولا يخافون نارًا، ولا يعرفون بعثًا ولا قيامة، فكان الله تعالى يستجيب للمظلوم منهم على الظالم ليدفع بذلك بعضهم عن بعض، فلمّا أعلم الله تعالى العباد معادهم، وعرفوا الجنة والنار والبعث والقيامة، قال: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ والسّاعَةُ أدْهى وأَمَرُّ﴾، فكانت النظرة والمدّة والتأخير إلى ذلك اليوم

سورة آل عمران — الآية ١٥٢

عن عبد الله بن مسعود -من طريق الشعبي- قال: إنّ النساء كُنَّ يوم أحد خَلْفَ المسلمين، يُجْهِزْنَ على جرحى المشركين، فلو حلفتُ يومئذٍ رجوتُ أن أبَرَّ: إنّه ليس أحدٌ مِنّا يُرِيد الدنيا، حتى أنزل الله: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾. فلَمّا خالف أصحابُ النبي ﷺ، وعَصَوْا ما أُمِرُوا به؛ أُفْرِدَ رسولُ الله ﷺ في تسعةٍ؛ سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشر، فلمّا رَهَقُوهُ قال: «رحم اللهُ رجلًا ردَّهم عنّا». فقام رجلٌ مِن الأنصار فقاتل ساعةً حتى قُتِل، فلمّا رَهَقُوهُ أيضًا قال: «رحم الله رجلًا ردَّهم عنّا». فلم يَزَلْ يقول ذا حتى قُتِل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: «ما أنصَفْنا أصحابَنا». فجاء أبو سفيان، فقال: اعلُ، هُبَل. فقال رسول الله ﷺ: «قولوا: اللهُ أعلى وأجلُّ» فقالوا: الله أعلى وأجلُّ. فقال أبو سفيان: لنا العُزّى، ولا عُزّى لكم. فقال رسول الله ﷺ: «قولوا: اللهُ مولانا، والكافرون لا مولى لهم». ثُمَّ قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، يومٌ لنا ويومٌ علينا، ويومٌ نُساءُ ويومٌ نُسَرُّ، حنظلة بحنظلة، وفلان بفلان. فقال رسول الله ﷺ: «لا سواء؛ أمّا قتلانا فأحياءٌ يُرْزَقُون، وقتلاكم في النار يُعَذَّبون». قال أبو سفيان: قد كان في القوم مُثْلَةٌ، وإن كانت لَعَنْ غيرِ مَلَأٍ مِنّا؛ ما أمرتُ ولا نَهَيْتُ، ولا أحببتُ ولا كرِهْتُ، ولا ساءني ولا سرَّني. قال: فنظروا، فإذا حمزةُ قد بُقِرَ بطنُه، وأَخَذَتْ هندُ كَبِدَه فلاكَتْها، فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله ﷺ: «أكَلَتْ شيئًا؟». قالوا: لا. قال: «ما كان اللهُ لِيُدْخِلَ شيئًا مِن حمزةَ النارَ». فوضع رسول الله ﷺ حمزةَ، فصلّى عليه، وجيء برجل من الأنصار، فوُضِع إلى جنبه، فصلّى عليه، فرُفع الأنصاري وتُرك حمزة، ثُمَّ جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة، فصلى عليه، ثم رُفع وتُرك حمزة، حتى صلّى عليه يومئذ سبعين صلاةً

سورة الأنبياء — الآية ٨٥

عن مجاهد بن جبر -من طريق داود- قال: لَمّا كبر اليسع قال: لو أنِّي استخلفت رجلًا على الناس يعمل عليهم في حياتي، حتى أنظر كيف يعمل. فجمع الناس، فقال: مَن يَتَقَبَّل لي بثلاث أستخلفه؟ يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب. قال: فقام رجلٌ تَزْدَرِيه العينُ، فقال: أنا. فقال: أنت تصوم النهار، وتقوم الليل، ولا تغضب؟! قال: نعم. قال: فردَّهم في ذلك اليوم. وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس، وقام ذلك الرجل، فقال: أنا. فاستَخْلَفَه. قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان. فأعْياهم ذلك، فقال: دعوني وإيّاه. فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة -وكان لا ينام مِن الليل والنهار إلا تلك النومة- فدقَّ الباب، فقال: مَن هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم. قال: فقام، ففتح الباب، فجعل يقص عليه. فقال: إنّ بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا بي وفعلوا... وجعل يُطَوِّل عليه، حتى حضر وقت الرواح، وذهبت القائلة، وقال: إذا رحت فائتني آخذ لك بحقك. فانطلق وراح، وكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ، فلم يره، فقام يبغيه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس فينتظره فلا يراه، فلمّا رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدقَّ الباب، فقال: مَن هذا؟ قال: الشيخ الكبير المظلوم. ففتح له، فقال: ألم أقل لك: إذا قعدت فائتني؟ قال: إنهم أخبثُ قوم؛ إذا عرفوا أنّك قاعد قالوا: نعطيك حقَّك. وإذا قمت جحدوني. قال: فانطلِق، فإذا رحت فائتني. ففاتته القائلة، فراح، فجعل ينظر ولا يراه، وشقَّ عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تَدَعنَّ أحدًا يقرب هذا الباب حتى أنام؛ فإني قد شقَّ عَلَيَّ النعاس، فلمّا كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل: ما وراءك. قال: إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري. فقال: لا، واللهِ، لقد أمرنا أن لا [ندع] أحدًا يقربه. فلمّا أعياه نظر، فرأى كوة في البيت، فتسوَّر منها، فإذا هو في البيت، فإذا هو يدق الباب مِن داخل، فاستيقظ الرجل، فقال: يا فلان، ألم آمرك؟ قال: مِن قِبَلِي –واللهِ- فلم تُؤتَ، فانظر مِن أين أُتيتَ. فقام إلى الباب، فإذا هو مُغْلَق كما أغلقه، وإذا برجل معه في البيت، فعرفه، فقال له: أعدوَّ الله؟! قال: نعم، أعْيَيْتَني في كل شيء، ففعلتُ ما ترى لأغضبك. فسماه الله: ذا الكفل؛ لأنه تكفل بأمرٍ فوَفّى به

سورة الأنبياء — الآية ٩٦

عن النواس بن سمعان، قال: ذَكَرَ رسولُ الله صلى عليه وسلم الدَّجّال ذات غداة، فخفض فيه ورَفع، حتى ظننّاه في ناحية النخل، فقال: «غير الدجال أخوَفُنِي عليكم، فإن خرج وأنا فيكم فأنا حجيجُه دونكم، وإن يخرج ولستُ فيكم فامرؤٌ حجيجُ نفسه، واللهُ خليفتي على كل مسلم، إنّه شابٌّ، قَطِطٌ، عينُه طافئة، وإنه يخرج خَلَّةً بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وشمالًا، يا عباد الله، اثبتوا». قلنا: يا رسول الله، ما لُبْثُه في الأرض؟ قال: «أربعون يومًا؛ يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر الأيام كأيامكم». قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي هو كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: «لا، اقدُروا له قدرَه». قلنا: يا رسول الله، ما أسرعه في الأرض؟ قال: «كالغيث اسْتَدْبَرَتْه الريحُ، فيَمُرُّ بالحيِّ، فيدعوهم، فيستجيبون له، فيأمر السماءَ فتُمْطِر، والأرضَ فتُنبِت، وتروح عليهم سارِحتُهم وهي أطول ما كان ذُرًا، وأمدُّه خَواصِر، وأسبغه ضروعًا، ويمر بالحيِّ فيدعوهم، فيَرُدُّون عليه قولَه، فتتبعه أموالُهم، فيُصْبِحون مُمْحِلِين، ليس لهم مِن أموالهم شيء، ويَمُرُّ بالخَرِبة، فيقول لها: أخرجي كنوزَكِ. فتتبعه كنوزُها كيعاسيب النَّحل، ويأمر برجل فيُقْتَل، فيضربه ضربةً بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيُقْبِل إليه. فبينما هم على ذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مَهْرودَتين، واضعًا يده على أجنحة ملَكين، فيتبعه، فيُدْرِكه، فيقتله عند باب لُدٍّ الشَّرْقي، فبينما هم كذلك أوحى الله إلى عيسى ابن مريم: إنِّي قد أخرجت عبادًا مِن عبادي لا يُدانُ لك بقتالهم، فحَرِّز عبادي إلى الطور. فيبعث الله يأجوج ومأجوج، كما قال الله: ﴿وهم من حدب ينسلون﴾، فيرغب عيسى وأصحابُه إلى الله، فيرسل عليهم نَغَفًا في رقابهم، فيُصْبِحون موتى كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابُه إلى الأرض، فيجدون نتن ريحهم، فيرغب عيسى وأصحابُه إلى الله، فيرسل الله عليهم طيرًا كأعناق البُخْتِ، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ويُرسِل الله مطرًا لا يكُنُّ منه بيتُ مَدَرٍ ولا وبَرٍ أربعين يومًا، فيغسل الأرضَ حتى يتركها زلقة، ويقال للأرض: أنبِتي ثمرتك. فيومئذ يأكل النَّفَرُ مِن الرُّمّانة، ويستظلون بقِحْفِها، ويبارك في الرِّسل، حتى إنّ اللقحة مِن الإبل لَتكفي الفِئام من الناس، واللقحة مِن البقر تكفي الفخذ، والشاة مِن الغنم تكفي البيت، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله ريحًا طيِّبة تحت آباطهم، فتقبض روحَ كلِّ مسلم، ويبقى شرارُ الناس يَتَهارَجُون تَهارُج الحُمُر، وعليهم تقوم الساعة»

اختلف المفسرون في هذين الأجلين على خمسة أقوال: الأول: ﴿أجَلًا﴾ الدنيا، ﴿أجَلٌ مُسَمًّى﴾ الآخرة. الثاني: عكس هذا القول. الثالث: ﴿أجَلًا﴾ أجل الإنسان من لدن ولادته إلى موته، والأجل المسمى عنده من وقت موته إلى حشره. الرابع: ﴿أجَلًا﴾ وفاة الإنسان بالنوم، و﴿أجَلٌ مُسَمًّى﴾ وفاته بالموت. الخامس: الأجل الأول هو في وقت أخذ الميثاق على بني آدم حين استخرجهم من ظهر آدم، وبقي أجل واحد مسمًى في هذه الحياة الدنيا. وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣١٢) أنّ المهدوي حكى عن فرقتين قولين آخرين: الأول: أنّ ﴿أجلا﴾ ما عرف الناس من آجال الأهِلَّة والسنين والكوائن، و﴿أجل مسمى﴾ قيام الساعة. الثاني: أنّ ﴿أجلا﴾ ما عرفناه من أنّه لا نبي بعد محمد ﷺ، و﴿أجل مسمى﴾ الآخرة. ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏١٥٤) القول الأول الذي قاله ابن عباس، وقتادة، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، مستندًا إلى ظاهر الآية، والنظائر، فقال: «لأنّه تعالى نبَّه خلقه على موضع حجته عليهم من أنفسهم، فقال لهم: أيها الناس، إنّ الذي يعدل به كفاركم الآلهة والأنداد هو الذي خلقكم فابتدأكم وأنشأكم من طين، فجعلكم صورًا أجسامًا أحياء بعد إذ كنتم طينًا جمادًا، ثم قضى آجال حياتكم لفنائكم ومماتكم، ليعيدكم ترابًا وطينًا كالذي كنتم قبل أن ينشئكم ويخلقكم. ﴿وأجل مسمى عنده﴾ لإعادتكم أحياءً وأجسامًا كالذي كنتم قبل مماتكم. وذلك نظير قوله: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون﴾ [البقرة:٢٨]». ووجَّهه ابنُ كثير (٦‏/‏٩) بقوله: «وكأنّه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم﴾ [الأنعام:٦٠]». وعلَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٣١٢) بعد ذكره لهذه الأقوال بقوله: «وينبغي أن تُتَأمَّل لفظة ﴿قَضى﴾ في هذه الآية؛ فإنها تحتمل معنيين، فإن جُعلت بمعنى: قدَّر وكتب ورجعت إلى سابق علمه وقدره، فيقول: إن ذلك ولا بد قبل خلقه آدم من طين، وتخرج ﴿ثم﴾ من معهودها في ترتيب زمني وقوع القصتين، ويبقى لها ترتيب زمني الإخبار عنه، كأنه قال: أخبركم أنه خلقكم من طين، ثم أخبركم أنه قضى أجلًا. وإن جعلت ﴿قَضى﴾ بمعنى: أوجد وأظهر، ويرجع ذلك إلى صفة فعل، فيصح أن يكون خلق آدم من طين قبل إظهار هذا الأجل وإبدائه، وتكون ﴿ثم﴾ على بابها في ترتيب زَمَنَي وقوع القضيتين»

سورة الليل — الآية ١

عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- أنّ رجلًا كانت له نخلة، فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، فكان الرجل إذا جاء فدخل الدار فصعد إلى النخلة ليأخذ منها الثمرة، فربما تقع ثمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل مِن نخلته، فيأخذ الثمرة من أيديهم، وإن وجدها في فم أحدهم أدخل أصبعه حتى يُخرج الثمرة مِن فيه، فشكا ذلك الرجلُ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: «اذهب». ولقي النبيّ ﷺ صاحب النخلة، فقال له: «أعطِني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنة». فقال له الرجل: لقد أعطيت، وإنّ لي لَنخلًا كثيرًا، وما فيه نخل أعجب إليّ ثمرةً منها. ثم ذهب الرجل، ولقي رجلًا كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ لصاحب النخلة، فأتى رسول الله، فقال: أتُعطِني ما أعطيتَ الرجل إنْ أنا أخذتُها؟ قال: «نعم». فذهب الرجل، فلقي صاحب النخلة، ولكليهما نخل، فقال له صاحب النخلة: أشعرتَ أنّ محمدًا أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلتُ له: لقد أعطيتَ، ولكن يعجبني ثمرها، ولي نخل كثير ما فيه نخلة أعجب إليّ ثمرة منها. فقال له الآخر: أتريد بيعها؟ فقال: لا، إلا أنْ أُعطى بها ما أريد، ولا أظنّ أُعطى. قال: فكم مُناك فيها؟ قال: أربعين نخلة. فقال له الرجل: لقد جئتَ بأمر عظيم، تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة! ثم سكت عنه، فقال: أنا أُعطيك أربعين نخلة. فقال له: أشْهِد إن كنتَ صادقًا. فأَشهَد له بأربعين نخلة بنخلته المائلة، فمكث عنه ساعة، ثم قال: ليس بيني وبينك بيعٌ، لم نفترق. فقال له الرجل: ولستُ بأحمق حين أعطيتُك أربعين نخلة بنخلتك المائلة! فقال له: أُعطيك على أن تُعطيني كما أريد؛ تُعطينها على ساق. فسكت عنه، ثم قال: هي لك على ساق. قال: إن كنتَ صادقًا فأشْهِد لي. فدعا قومه، فأشْهَد له، فعَدّ له أربعين نخلة على ساق، ثم ذهب إلى النبيِّ ﷺ، فقال له: يا رسول الله، إنّ النخلة قد صارت لي، فهي لك. فذهب رسول الله ﷺ إلى صاحب الدار، فقال: «النخلة لك ولعيالك». فأنزل الله: ﴿والليل إذا يغشى﴾ إلى آخر السورة

سورة الأنعام — الآية ١٥٨

عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «خلقَ الله عند المشرق حجابًا من الظُّلمة على البحر السابع على مِقْدار ليالي الدُّنيا كلِّها، فإذا كان غروب الشمس أقبَل ملَكٌ من الملائكة قد وُكِّلَ بالليل، فيقبِضُ قبضةً من ظُلمة ذلك الحجاب، ثم يستقبِلُ المغرب، فلا يزالُ يُرْسِلُ تلك الظُّلمة من خلال أصابعه قليلًا قليلًا، وهو يُراعي الشَّفَق، فإذا غاب الشَّفَقُ أرسَل الظُّلمة كلَّها، ثم ينشُرُ جناحيه، فيبلغان أقطار الأرض وأكناف السماء، فيُجاوِزان ما شاء الله أن يُجاوِزا في الهواء، فيشُقُّ ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيح والتقديس لله، حتى يبلُغَ المغرب على قدْرِ ساعات الليل، فإذا بلَغَ المغرب انفجَرَ الصُّبحُ من المشرق، ضمَّ جناحَه، وضمَّ الظُّلمة بعضَها إلى بعض بكفَّيه، حتى يقبِضَ عليها بكفٍّ واحدة مثل قبضتِه حين تناوَلَها من الحجاب بالمشرق، ثم يضعُها عند المغرب على البحر السابع، فمِن هناك تكون ظلمة الليل، فإذا حوَّلَ ذلك الحجاب من المشرق إلى المغرب نَفَخَ في الصُّور، فضوء النهار من قِبَلِ الشمس، وظُلمة الليل من قِبَلِ ذلك الحجاب، فلا تزال الشمس تجري من مَطْلِعِها إلى مَغْرِبِها حتى يأتي الوقت الذي جعلَ الله لتوبة عباده، فتستأذن الشمس من أين تطلُعُ، ويَستأذِنُ القمر من أين يطلُعُ، فلا يؤذَنُ لهما، فيُحبسان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر، فلا يَعْرِفُ مقدار حبسِهما إلا قليلٌ من الناس، وهم بقيةُ أهل الأرض، وحمَلةُ القرآن، يقرأُ كلُّ رجلٍ منهم وِرْدَهُ في تلك الليلة، حتى إذا فرَغَ منه نظَرَ فإذا ليلتُه على حالِها، فيعودُ، فيقرأُ وِرْدَه، فإذا فرَغَ منه نظَرَ فإذا الليلة على حالها، فيعودُ، فيقرأُ وِرْدَه، فإذا فرغَ منه نظر فإذا الليلة على حالها، فلا يعرِف طول تلك الليلة إلا حملة القرآن، فينادي بعضُهم بعضًا، فيجتمِعون في مساجدهم بالتضرُّع والبكاء والصُّراخ بقية تلك الليلة، ومقدار تلك الليلة مقدار ثلاث ليال، ثم يرسِلُ الله جبريل عليه السلام إلى الشمس والقمر، فيقول: إنّ الرب عز وجل أمَرَكما أن ترجعا إلى مغارِبِكما فتطلُعا منها، فإنّه لا ضوء لكما عندنا ولا نور. فتبكي الشمس والقمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت، فيرجِعُ الشمس والقمر فيطلُعان مِن مغارِبهما، فبينا الناس كذلك يبكون ويتضرعون إلى الله عز وجل، والغافلون في غَفَلاتِهم، إذْ نادى منادٍ: ألا إنّ باب التوبة قد أُغلِقَ، والشمس والقمر قد طلَعا من مغارِبِهما. فينظر الناس فإذا هما أسودان كالعِكْمين، لا ضوء لهما ولا نور، فذلك قوله: ﴿وجمع الشمس والقمر﴾ [القيامة:٩]. فيرتفعان مثل البعيرين المقرونين المعقورَين، يُنازِعُ كلُّ واحدٍ منهما صاحبه استباقًا، ويتصايحُ أهل الدنيا، وتذهَلُ الأُمهات، وتضعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملَها، فأمّا الصالحون والأبرار فإنه ينفَعُهم بكاؤُهم يومئذ، ويُكتَبُ لهم عبادة، وأمّا الفاسقون والفجّار فلا ينفعُهم بكاؤُهم يومئذ، ويُكتبُ عليهم حسرة، فإذا بلغتِ الشمس والقمر سُرَّةَ السماء -وهو مَنصِفُها- جاءَهما جبريل عليه السلام، فأخَذَ بقرونهما، فردَّهما إلى المغرب، فلا يُغرِبُهما في مغارِبِهما، ولكن يُغرِبُهما مغارِبِها التي في باب التوبة». فقال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ: وما بابُ التوبة؟ فقال: «يا عمر، خلَقَ الله بابًا للتوبة خلفَ المغرب، وهو من أبواب الجنة، له مِصْراعان من ذهب، مُكَلَّلان بالدُّرِّ والجوهر، ما بين المصراعِ إلى المصراعِ مسيرة أربعين عامًا للراكب المُسْرِع، فذلك الباب المفتوح منذ خلقَ الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طُلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يَتُبْ عبدٌ من عباد الله توبةً نصوحًا من لدُنْ آدم إلى ذلك اليوم إلا ولَجَتْ تلك التوبة في ذلك الباب، ثم تُرفعُ إلى الله». فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله، وما التَّوبة النَّصُوح؟ قال: «أن يندمَ العبدُ على الذنب الذي أصاب، فيهرُبَ إلى الله منه، ثم لا يعود إليه حتى يعود اللبن في الضَّرْع». قال: «فيُغرِبُهما جبريل في ذلك الباب، ثم يَرُدُّ المصراعين، فيلتئمُ ما بينهما، ويصيران كأنّهما لم يكن فيهما صَدْعٌ قطُّ ولا خَلَلٌ، فإذا أُغلِقَ باب التوبة لم تُقبَلْ لعبدٍ بعد ذلك توبة، ولم تنفعْهُ حسنةٌ يعمَلُها بعد ذلك إلا ما كان قبلَ ذلك، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري لهم قبل ذلك، فذلك قوله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾». فقال أُبَيُّ بن كعب: يا رسول الله، فِداكَ أبي وأمي، فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك؟ وكيف بالناس والدنيا؟ قال: «يا أُبَيُّ، إنّ الشمس والقمر يُكسَيانِ بعدَ ذلك ضوء النُّور، ثم يطلُعان على الناس ويَغرُبان كما كانا قبل ذلك، وأمّا الناس فإنهم حين رأَوْا ما رأَوْا من تلك الآية وعِظَمْها يُلِحُّونَ على الدنيا فيعمُرُونها، ويُجرُون فيها الأنهار، ويغرِسُون فيها الأشجار، ويبنُون فيها البنيان، فأمّا الدنيا فإنه لو نُتِجَ رجلٌ مُهرًا لم يُركَبْ حتى تقوم الساعة من لدُن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم يُنْفَخُ في الصُّور»

عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعن عبد الله بن أبي بكر، وعن محمد بن يحيى بن حبّان، قال: كلٌّ قد حدَّثني بعض حديث بني المُصْطَلِق، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أنّ بني المُصْطَلِق يَجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضِرار أبو جُوَيْرِيَة بنت الحارث زوج النبي ﷺ؛ فلمّا سمع بهم رسول الله ﷺ، خرج إليهم حتى لَقِيَهم على ماء مِن مياههم يُقال له: المُرَيْسِيع، من ناحية قُدَيْد إلى الساحل، فتزاحف الناس، فاقتتلوا، فهَزم الله بني المُصْطَلِق، وقتل مَن قتل منهم، ونفَّل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاءَهم الله عليه، وقد أُصِيب رجل من بني كلب بن عَوْف بن عامر بن ليث بن بكر، يقال له: هشام بن صُبابة، أصابه رجل من الأنصار من رَهْط عُبادة بن الصّامت، وهو يرى أنه من العدوّ، فقتله خطأً، فبَينا الناس على ذلك الماء ورَدتْ واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ له من بني غِفار يُقال له: جَهْجاه بن سعيد، يقود له فرسه، فازدَحم جَهْجاه وسِنان الجُهَنيّ حليف بني عَوْف بن الخَزْرَج على الماء، فاقتتلا، فصَرخ الجُهَنيّ: يا معشر الأنصار. وصرخ جَهْجاه: يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أُبيّ بن سَلول، وعنده رَهْطٌ من قومه فيهم زيد بن أرْقَم، غلام حديث السِّن، فقال: قد فعلوها؟! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، واللهِ، ما أعدُّنا وجَلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سَمِّن كلبك يَأكلْك، أما -واللهِ- لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. ثم أقبل على مَن حضر مِن قومه، فقال: هذا ما فعَلتُم بأنفسكم؛ أحللتُموهم بلادكم، وقاسمتُموهم أموالكم، أما -واللهِ- لو أمسكتُم عنهم ما بأيديكم لتَحوّلوا إلى غير بلادكم. فسمع ذلك زيد بن أرْقَم، فمشى به إلى رسول الله ﷺ، وذلك عند فراغ رسول الله ﷺ مِن غَزوه، فأَخبَره الخبر وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، مُر به عبّاد بن بِشر بن وقْش، فَليَقتُله. فقال رسول الله ﷺ: «فكيف -يا عمر- إذا تحدّث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه، لا، ولكن أذِّن بالرحيل». وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يَرتَحل فيها، فارتَحل الناس، وقد مشى عبد الله بن أُبيّ إلى رسول الله ﷺ حين بَلغه أنّ زيد بن أرْقَم قد بَلغه ما سمع منه، فحَلف بالله: ما قلتُ ما قال، ولا تَكلّمتُ به. وكان عبد الله بن أُبيّ في قومه شريفًا عظيمًا، فقال مَن حضر رسول الله ﷺ مِن أصحابه مِن الأنصار: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام أوْهَم في حديثه، ولم يَحفظ ما قال الرجل. حَدَبًا على عبد الله بن أُبيّ، ودَفعًا عنه، فلما استقلّ رسول الله ﷺ وسار، لَقِيه أُسيْد بن حُضَيْر، فحَيّاه بتحيّة النّبوة وسَلّم عليه، ثم قال: يا رسول الله، لقد رُحتَ في ساعة مُنكَرة ما كنتَ تَروح فيها. فقال له رسول الله ﷺ: «أوَما بلَغك ما قال صاحبكم؟». قال: فأيُّ صاحب، يا رسول الله؟ قال: «عبد الله بن أُبيّ». قال: وما قال؟ قال: «زعم أنه إن رَجع إلى المدينة أخرَج الأَعزُّ منها الأَذلَّ». قال أُسيْد: فأنت -واللهِ- يا رسول الله تُخرجه إن شئتَ، هو -واللهِ- الذليلُ وأنتَ العزيز. ثم قال: يا رسول الله، ارْفُق به، فواللهِ، لقد جاء اللهُ بك، وإنّ قومه ليَنظِمون له الخَرَز ليُتَوّجوه، فإنه ليَرى أنّك قد استَلبتَه مُلكًا. ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدْر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يكن إلا أن وجدوا مسّ الأرض وقعوا نِيامًا، وإنما فعل ذلك ليَشغَل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس مِن حديث عبد الله بن أُبيّ، ثم راح بالناس وسَلك الحِجاز حتى نزل على ماء بالحِجاز فُوَيْق النَّقيع، يقال له: نقعاء، فلما راح رسول الله ﷺ هبّتْ على الناس ريح شديدة آذتهم، وتَخوَّفوها، فقال رسول الله ﷺ: «لا تخافوا، فإنما هبّتْ لموت عظيم من عظماء الكفار». فلمّا قدِموا المدينةَ وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قَيْنُقاع -وكان من عظماء يهود، وكهفًا للمنافقين- قد مات ذلك اليوم، فنَزَلَت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أُبيّ بن سَلول، ومَن كان معه على مثل أمْره، فقال: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ فلما نَزَلَتْ هذه السورة أخذ رسول الله ﷺ بأُذُن زيد، فقال: هذا الذي أوفى الله بأُذُنه. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ الذي كان من أبيه

سورة البقرة — الآية ٢٤٧

عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في الآية، قال: كانت بنو إسرائيل يُقاتِلون العَمالِقَة، وكان ملِكُ العَمالِقَةِ جالوتَ، وإنّهم ظَهَرُوا على بني إسرائيل، فضربوا عليهم الجِزْيَة، وأخذوا تَوْراتَهُم، وكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نَبِيًّا يُقاتِلون معه، وكان سِبْطُ النبوة قد هلكوا، فلم يبق منهم إلا امرأةٌ حُبْلى، فأخذوها، فحبسوها في بيت؛ رَهْبةَ أن تَلِدَ جاريةً فتُبْدِلَها بغلام، لِما تَرى من رَغْبَةِ بني إسرائيل في ولدها، فجعلت تدعو الله أن يرزقها غلامًا، فولدت غلامًا، فسَمَّتْهُ: شَمعونَ، فكبِر الغلام، فأَسْلَمَتْهُ يتعلم التوراة في بيت المقدس، وكفله شيخٌ من علمائهم وتبنّاه، فلمّا بلغ الغلامُ أن يبعثه الله نبيًّا أتاه جبريلُ والغلامُ نائمٌ إلى جنب الشيخ، وكان لا يَتَّمِنُ عليه أحدًا غيرَه، فدعاه بلَحْنِ الشيخ: يا شماؤلُ. فقام الغلام فَزِعًا إلى الشيخ، فقال: يا أبتاه، دعوتني؟ فكَرِه الشيخ أن يقول: لا. فيَفْزَعَ الغلامُ، فقال: يا بني، ارجع فنم. فرجع فنام، ثم دعاه الثانية، فأتاه الغلام أيضًا، فقال: دعوتني؟ فقال: ارجع فنم؛ فإن دعوتَك الثالثةَ فلا تُجِبْني. فلما كانت الثالثةُ ظهر له جبريل، فقال: اذهب إلى قومك، فَبَلِّغْهم رسالةَ ربِّك، فإنّ الله قد بعثك فيهم نبيًّا. فلما أتاهم كذَّبوه، وقالوا: اسْتَعْجَلْتَ بالنبوة، ولم يَأْنِ لك. وقالوا: إن كنتَ صادقًا فابعث لنا ملِكًا نقاتل في سبيل الله آيةً من نبوتك. فقال لهم شَمْعونُ: عسى إن كُتِب عليكم القتال أن لا تقاتلوا. قالوا: ﴿وما لنا لا نقاتل في سبيل الله﴾ الآية. فدعا الله، فأُتِي بعصا تكون على مقدار طول الرجل الذي يُبْعَثُ فيهم ملِكًا، فقال: إنّ صاحبكم يكون طولُه طولَ هذه العصا. فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا مثلَها، وكان طالوتُ رجلا سَقّاءً يسقي على حمار له، فضلَّ حمارُه، فانطلق يطلبه في الطريق، فلَمّا رَأَوْهُ دَعَوْهُ، فقاسوه بها، فكان مثلَها، فقال له نبيُّهم: إنّ الله قد بعث لكم طالوت ملِكًا. قال القوم: ما كنتَ قطُّ أكذبَ منك الساعةَ، ونحن من سِبْطِ المملكة، وليس هو من سِبْطِ المملكة، ولم يُؤْتَ سَعَةً من المال فنتبعه لذلك. فقال النبي: إنّ الله اصطفاه عليكم، وزاده بسطة في العلم والجسم