اختُلف في قراءة قوله: ﴿آيات﴾؛ فقرأ قوم: ﴿آيات﴾ بالرفع. وقرأ غيرهم بالخفض. وذكر ابنُ جرير (٢١‏/‏٧٢-٧٣) أن القراءة الأولى جاءت رفعًا على الابتداء، وترك ردّها على قوله: ﴿لآيات للمؤمنين﴾. وأن القراءة الثانية جاءت خفضًا بتأويل النصب ردًّا على قوله: ﴿لآيات للمؤمنين﴾. وبنحوه قال ابنُ عطية (٧‏/‏٥٨٧). وزاد ابنُ عطية أن قراءة الرفع لها وجه آخر، وهو أن يكون قوله: ﴿وفي خلقكم وما يبث﴾ مستأنفًا، ويكون الكلام جملة معطوفة على جملة، ونقل أن بعض الناس قال: يجوز أن يكون جملة في موضع الحال. وعلَّق عليه بقوله: «فلا تكون غريبة على هذا». وذكر ابنُ جرير أنّ من قرأوا بالخفض اختاروه؛ لأنه في قراءة أبيّ في الآيات الثلاثة (لَآيات) باللام، فجعلوا دخول اللام في ذلك في قراءته دليلًا لهم على صحة قراءة جميعه بالخفض، وانتقده فقال: «وليس الذي اعتمدوا عليه من الحجة في ذلك بحجة؛ لأنه لا رواية بذلك عن أبي صحيحة، وأُبي لو صحّت به عنه رواية ثم لم يُعلم كيف كانت قراءته بالخفض أو بالرفع لم يكن الحكم عليه بأنه كان يقرأه خفضًا بأولى من الحكم عليه بأنه كان يقرأه رفعًا، إذ كانت العرب قد تُدخل اللام في خبر المعطوف على جملة كلام تام قد عملت في ابتدائها»إن«، مع ابتدائهم إياه». ثم رجَّح صحة كلتا القراءتين مستندًا إلى شهرتهما، وصحة معناهما، فقال: «والصواب مِن القول في ذلك إن كان الأمر على ما وصفنا أن يُقال: إنّ الخفض في هذه الأحرف والرفع قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، قد قرأ بهما علماء من القراء صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب»

اختُلف في قوله: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا﴾ على أقوال: الأول: معناه: إن استطعتم أن تَعلَموا ما في السماوات والأرض فاعلموا. الثاني: معناه: إن استطعتم أن تهرُبوا من الموت بالخروج من أقطار السموات والأرض فاهرُبوا واخرُجوا منها، لكنكم لا تقدرون. الثالث: معنى قوله: ﴿لا تنفذون﴾ لا تخرجون من سلطاني. الرابع: إن استطعتم أن تَجُوزوا أطراف السموات والأرض فتُعجِزوا ربَّكم حتى لا يقدر عليكم فجُوزوا. وإنما يقال لهم هذا يوم القيامة. وقد ذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٩٦-٩٧ بتصرف) الأقوال الثلاثة الأولى، ثم وجّهها بقوله: «وهذه الأقوال على أن يكون الخطاب لهم بهذا القول في الدنيا». ثم رجّح -مستندًا إلى النظائر، والسياق، وإلى الدلالة العقلية- القول الرابع، فقال: «وفي الآية تقرير آخر، وهو أن يكون هذا الخطاب في الآخرة إذا أحاطت الملائكة بأقطار الأرض، وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب الخلائق، فلا يجدون مهربًا ولا منفذًا، كما قال تعالى: ﴿ويا قَوْمِ إني أخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّناد يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر:٣٢-٣٣]... وهذا القول أظهر... وكأنّ ما قبل هذه الآية وما بعدها يدلّ على هذا القول، فإنّ قبلها: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ الآية، وهذا في الآخرة، وبعدها: ﴿فَإذا انشَقَّتِ السّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾، وهذا في الآخرة. وأيضًا فإنّ هذا خطاب لجميع الإنس والجنّ، فإنه أتى فيه بصيغة العموم وهى قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنسِ﴾ فلابدّ أن يشترك الكل في سماع هذا الخطاب ومضمونه، وهذا إنما يكون إذا جمعهم الله في صعيد واحد، يُسمعهم الداعي، وينفذهم البصر»

ذكر ابنُ جرير (٢٣‏/‏٢٠) النسخ في الآية، وانتقده مُرَجِّحًا عدم النسخ فيها مستندًا إلى عدم الدليل عليه، فقال: «وليس في قوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ دلالة واضحة على أنه لقوله: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران:١٠٢] ناسخ، إذ كان محتملًا قوله: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ فيما استطعتم، ولم يكن بأنه له ناسخ عن رسول الله ﷺ، فإذا كان ذلك كذلك فالواجب استعمالهما جميعًا على ما يحتملان من وجوه الصحة». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٣٢٤) القول بعدم النسخ، ووجّهه بقوله: «فهذه على هذا التأويل مُبيّنة لتلك». ثم علّق عقب ذكره القولين، فقال: «وتحتمل هذه الآية أن يكون: فاتقوا الله مدة استطاعتكم التقوى. وتكون ﴿ما﴾ ظرفًا للزمان كلّه، كأنه يقول: حياتكم وما دام العمل ممكنًا». ورجّح ابنُ تيمية (٦‏/‏٣١٩) عدم النسخ في الآية، ثم وجّه قول مَن قال من السلف بالنسخ فيها، فقال: «وقال: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وهي مُفسّرة لتلك، ومَن قال من السلف: ناسخة. فمعناه: رافعة لما يُظنّ أنّ المراد يعجز عنه، فإنّ الله لم يأمر بهذا قطّ، ومن قال: إنّ الله أمر به. فقد غلط، والنّسخ في عُرف السّلف يدخل فيه كل ما فيه نوع رفعٍ لحكم، أو ظاهر، أو ظنّ دلالة، حتى إنهم يُسمّون تخصيص العام نسخًا، ومنهم مَن يُسمّي الاستثناء نسخًا إذا تأخر نزوله، وقد قال تعالى: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان﴾ [الحج:٥٢]، فهذا رفعٌ لما ألقاه الشيطان، ولم ينزله الله، لكن غايته أن يُظنّ أنّ الله أنزله»

سورة البقرة — الآية ٢٠

عن قتادة -من طريق سعيد- ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ الآية، قال: البرقهو الإسلام، والظلمة هو البلاء والفتنة، فإذا رأى المنافق من الإسلام طُمَأْنِينَةً وعافية ورَخاء وسَلْوَةً من عيش قالوا: إنّا معكم ومنكم. وإذا رأى من الإسلام شدة وبلاء تَحَقْحَقَ عند الشدة، فلا يصبر لبلائها، ولم يحتسب أجرها، ولم يَرْجُ عاقبتها، إنما هو صاحب دنيا، لها يغضب، ولها يرضى، وهو كما نعته الله. (١/ ١٧٤

سورة البقرة — الآية ٢٦

قال يحيى بن سلّام: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا﴾ الآية، وذلك أنّ الله لما ذكر في كتابه العنكبوت والنمل والذباب قال المشركون ماذا أراد الله بذكر هذا في كتابه؟! وليس يُقِرُّون أنّ الله أنزله، ولكن يقولون للنبي ﷺ: إن كنت صادقًا فماذا أراد الله بهذا مَثَلًا. فأنزل الله: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾

سورة البقرة — الآية ٣٥

عن أبي أُمامة، أنّ أبا ذرٍّ قال: يا نبي الله، أيُّ الأنبياء كان أول؟ قال: «آدم». قال: أوَنَبِيٌّ كان آدم؟ قال: «نعم، نبيٌّ مُكلَّم، خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم قال له: يا آدم. قُبُلًا». قلت: يا رسول الله، كم وفاءُ عِدَّة الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا؛ الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر، جمًّا غفيرًا»

سورة البقرة — الآية ٤٩

عن عبد الله بن عباس -من طريق عِكْرِمَة- قال: قالت الكَهَنَة لفرعون: إنَّه يولد في هذا العام مولود يذهب بِمُلْكِك. فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرًا، وعلى كل عشر رجلًا، فقال: انظروا كلَّ امرأة حامل في المدينة، فإذا وضَعَتْ حملها، فإن كان ذكرًا فاذبحوه، وإن كانت أنثى فَخَلُّوا عنها. وذلك قوله: ﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ الآية

سورة آل عمران — الآية ١٠٦

عن أبي أمامة -من طريق أبي غالب-: أنّه رأى رؤوس الأَزارِقة منصوبة على درج مسجد دمشق، فقال: كلاب النار، شرُّ قتلى تحت أديم السماء، خيرُ قتلى مَن قتلوه. ثم قرأ: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ الآية. قلت لأبي أمامة: أنت سمعته مِن رسول الله ﷺ؟ قال: لَوْ لَمْ أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا -حتى عَدَّ سبعًا- ما حدَّثْتُكُمُوه

سورة آل عمران — الآية ١٤٤

عن كُلَيْب، قال: خطَبَنا عمرُ، فكان يقرأُ على المنبر آلَ عمران، ويقول: إنّها أُحُدِيَّةٌ. ثُمَّ قال: تفرَّقْنا عن رسول الله ﷺ يومَ أحد، فصعِدتُ الجبلَ، فسمعتُ يهوديًّا يقول: قُتِل محمد. فقلتُ: لا أسمعُ أحدًا يقول: «قُتِل محمد» إلّا ضربتُ عنقَه. فنظرتُ، فإذا رسول الله ﷺ والناسُ يتراجعون إليه؛ فنزلت هذه الآية: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾

سورة آل عمران — الآية ١٤٤

عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق مَعْمَر-: أنّ الشيطان صاح بأعلى صوته يوم أحد: إنّ محمدًا قُتِل. قال كعبُ بنُ مالك: فكنتُ أوَّلَ مَن عرف النبيَّ ﷺ؛ عرفتُ عينيه مِن تحت المِغْفَر، فناديتُ بصوتي الأعلى: هذا رسول الله. فأشار إلَيَّ: أن اسْكُتْ. فأنزل الله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أو قتل﴾ الآية