جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
قال أبو جعفر : وإنما خص جل ذكره السمع والأبصار بأنه لو شاء أذهبها من المنافقين دون سائر أعضاء أجسامهم للذي جرى من ذكرها في الآيتين، أعني قوله : يَجْعَلُونَ أصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصّوَاعِقِ وقوله : يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصَارَهُمْ كُلّما أضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ فجرى ذكرها في الاَيتين على وجه المثل. ثم عقب جل ثناؤه ذكر ذلك بأنه لو شاء أذهبه من المنافقين عقوبة لهم على نفاقهم وكفرهم، وعيدا من الله لهم، كما توعدهم في الآية التي قبلها بقوله : وَاللّهُ مُحِيطٌ بالكافرِينَ واصفا بذلك جل ذكره نفسه أنه المقتدر عليهم وعلى جمعهم، لإحلال سخطه بهم، وإنزال نقمته عليهم، ومحذرهم بذلك سطوته، ومخوّفهم به عقوبته، ليتقوا بأسه، ويسارعوا إليه بالتوبة. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهمْ وأبْصَارِهِمْ لما تركوا من الحق بعد معرفته.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال : ثم قال يعني قال الله في أسماعهم يعني أسماع المنافقين وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس : وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصَارِهِمْ.
قال أبو جعفر : وإنما معنى قوله : لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصَارِهِمْ لأذهب سمعهم وأبصارهم، ولكن العرب إذا أدخلوا الباء في مثل ذلك قالوا : ذهبت ببصره، وإذا حذفوا الباء قالوا : أذهبت بصره، كما قال جل ثناؤه : آتنا غَدَاءَنَا ولو أدخلت الباء في الغداء لقيل : ائتنا بغدائنا.
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ فوحد، وقال : وأبْصَارِهِمْ فجمع ؟ وقد علمت أن الخبر في السمع خبر عن سمع جماعة، كما الخبر في الأبصار خبر عن أبصار جماعة ؟ قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعض نحويي الكوفي : وحد لسمع لأنه عنى به المصدر وقصد به الخرق، وجمع الأبصار لأنه عنى به الأعين. وكان بعض نحويي البصرة يزعم أن السمع وإن كان في لفظ واحد فإنه بمعنى جماعة، ويحتجّ في ذلك بقول الله : لا يَرْتَدّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ يريد لا ترتد إليهم أطرافهم، وبقوله : وَيُوَلونَ الدّبُرَ يراد به أدبارهم. وإنما جاز ذلك عندي لأن في الكلام ما يدلّ على أنه مراد به الجمع، فكان فيه دلالة على المراد منه، وأداء معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة مغنيا عن جِماعِهِ، ولو فعل بالبصر نظير الذي فعل بالسمع، أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار من الجمع والتوحيد، كان فصيحا صحيحا لما ذكرنا من العلة كما قال الشاعر :
| كُلُوا في بَعْضِ بَطْنكُمْو تَعِفّوا | فإنّ زَمانَنا زَمَنٌ خَمِيصُ |
القول في تأويل قوله تعالى : إنّ اللّهَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِير.
قال أبو جعفر : وإنما وصف الله نفسه جل ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير، ثم قال : فاتقوني أيها المنافقون واحذروا خداعي وخداع رسولي وأهل الإيمان بي لا أحل بكم نقمتي فإني على ذلك وعلى غيره من الأشياء قدير. ومعنى قدير : قادر، كما معنى عليم : عالم، على ما وصفت فيما تقدم من نظائره من زيادة معنى فعيل على فاعل في المدح والذم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "كما قام السائرون في الصيب"، وهو خطأ، صوابه من مخطوطة أخرى.
قال أبو جعفر: وإنما خَص جل ذكره السمعَ والأبصارَ - بأنه لو شاء أذهبَها من المنافقين دون سائر أعضاء أجسامهم (١) - للذي جرَى من ذكرها في الآيتين، أعني قوله:"يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق"، وقوله:"يكادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم كلما أضاء لهم مَشَوْا فيه"، فجرى ذكرها في الآيتين على وجه المثل. ثم عَقَّب جل ثناؤه ذكر ذلك، بأنه لو شاء أذْهبه من المنافقين عقوبةً لهم على نفاقهم وكفرهم، وعيدًا من الله لهم، كما توعَّدهم في الآية التي قبلها بقوله: "والله مُحيط بالكافرين"، واصفًا بذلك جل ذكره نفسَه، أنه المقتدر عليهم وعلى جمعهم، لإحلال سَخَطه بهم، وإنزال نِقْمته عليهم، ومُحذِّرَهم بذلك سَطوته، ومخوِّفَهم به عقوبته، ليتقوا بأسَه، ويُسارعوا إليه بالتوبة.
٤٧٠- كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن حبير، عن ابن عباس:"ولو شاء الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم"، لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته (٢).
٤٧١- وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: ثم قال -يعني قال الله- في أسماعهم، يعني أسماعَ المنافقين، وأبصارِهم التي عاشوا بها في الناس:"ولو شاءَ الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم" (٣).
قال أبو جعفر: وإنما معنى قوله:"لذهب بسمعهم وأبصارهم"، لأذهب سَمعَهم وأبصارَهم. ولكن العرب إذا أدخلوا الباء في مثل ذلك قالوا: ذهبتُ ببصره، وإذا حذفوا الباء قالوا: أذهبتُ بصره. كما قال جل ثناؤه: (آتِنَا غَدَاءَنَا) [سورة الكهف: ٦٢]، ولو أدخلت الباء في الغداء لقيل: ائتنا بغدَائنا (٤).
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل:" لذهب بسمعهم" فوحَّد، وقال:"وأبصارهم" فجمع؟ وقد علمتَ أن الخبر في السمع خبرٌ عن سَمْع جماعة (٥)، كما الخبر عن الأبصار خبرٌ عن أبصار جماعة؟ (٦)
قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعض نحويي الكوفة: وحَّد السمعَ لأنه عَنَى به المصدرَ وقصَد به الخَرْق، وجمع الأبصار لأنه عَنَى به الأعينَ. وكان بعض نحويي البصرة يزعم: أنّ السمع وإن كان في لفظ واحد، فإنه بمعنى جماعة (٧). ويحتج في ذلك بقول الله: (لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) [سورة إبراهيم: ٤٣]، يريد: لا ترتد إليهم أطرافهم، وبقوله: (وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) [سورة القمر: ٤٥]،
(٢) الخبر ٤٧٠- من تمام الخبر الذي ساقه في الدر المنثور ١: ٣٢ - ٣٣، وقد مضى صدره آنفًا: ٤٥١، ٤٦٧.
(٣) الأثر ٤٧١- هو من الأثر السالف رقم: ٤٦٠.
(٤) انظر معاني القرآن للفراء ١: ١٩. وانظر ما مضى ص ٣٥٧ تعليق: ٣
(٥) في المخطوطة: "أن الخبر بالسمع"، وهذه أجود، وأجودهن"الخبر عن السمع" كما سيأتي في الذي يلي.
(٦) في المطبوعة: "كما الخبر في الأبصار"، والذي في المخطوطة أجود.
(٧) في المخطوطة: "لمعنى جماعة"، وهي صواب جيد.
| كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا | فَإِنَّ زَمَانَنَا زَمَنٌ خَمِيصُ (٢) |
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قال أبو جعفر: وإنما وَصف الله نفسه جلّ ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذَّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم مُحيطٌ، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قَديرٌ. ثم قال: فاتقوني أيُّها المنافقون، واحذرُوا خِداعي وخداعَ رسولي وأهلِ الإيمان بي، لا أحِلَّ بكم نقمتي، فإني على ذلك وعلى غيره من الأشياء قدير. ومعنى"قدير" قادر، كما معنى"عليم" عالم، على ما وصفتُ فيما
(٢) البيت من أبيات سيبويه التي لا يعلم قائلها، سيبويه ١: ١٠٨، والخزانة ٣: ٣٧٩ - ٣٨١، وانظر أمالي ابن الشجري ١: ٣١١، ٢: ٣٥، ٣٨، ٣٤٣، وروايته: "في نصف بطنكم". وفي المخطوطة: "تعيشوا"، مكان"تعفوا"، وهي رواية ذكرها صاحب الخزانة. وروايتهم جميعًا "فإن زمانكم.. ".