اختُلِف في معنى المحو والإثبات المذكور في الآية على أقوال: الأول: أنّه عامٌّ في كُلِّ ما أراد الله محوه أو إثباته مِن رزق وأجلٍ وسعادة وشقاوة وغير ذلك. وهذا قول عمر، وابن مسعود، وابن عباس من طريق العوفي، وقول كعب الأحبار، وأبي وائل، والضحاك. الثاني: يمحو الله ما يشاء مِن أمور عباده فيغيره، إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يغيران. وهو قول ابن عباس من طريق سعيد بن جبير، ومجاهد من طريق منصور. الثالث: يمحو الله ما يشاء ويثبت ما يشاء في كتاب سوى أُم الكتاب، وهما كتابان أحدهما: أم الكتاب لا يغيره ولا يمحو منه شيئًا كما أراد. وهذا قول ابن عباس من طريق عكرمة، وقول عكرمة. الرابع: أنّه الناسخ والمنسوخ، فيمحو المنسوخ، ويثبت الناسخ. وهو قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وقتادة، وزيد بن أسلم، وابن جريج، ومقاتل بن سليمان، وعبد الرحمن بن زيد. الخامس: يمحو مَن جاء أجلُه ويُثبِتُ مَن لم يجئْ أجلُه. وهو قول الحسن، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح. السادس: يغفر ما يشاء مِن ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفره. وهو قول سعيد بن جبير. السابع: يمحو مِن ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويُثبِتُ ما فيه ثواب وعقاب. وهو قول الضحاك، والكلبي. الثامن: يمحو ما يشاء بالتوبة، ويثبت مكانها حسنات. وهو قول عكرمة. التاسع: يمحو القمرَ، ويثبت الشمس مكانه. وهو قول السدي. ورجّح ابنُ جرير (٥٦٩-٥٧١) مستندًا إلى السياق، والسنة القول الخامس، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- تَوَعَّد المشركين الذين سألوا رسول الله ﷺ الآيات بالعقوبة، وتهددهم بها، وقال لهم: ﴿وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب﴾، يُعلمُهم بذلك أنّ لقضائه فيهم أجلًا مُثبتًا في كتاب، هم مُؤَخَّرون إلى وقت مجيء ذلك الأجل. ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل محى اللهُ ما شاء مِمَّن قد دنا أجله وانقطع رزقه، أو حان هلاكه، أو اتضاعه من رفعة، أو هلاك مال، فيقضي ذلك في خلقه، فذلك مَحْوُه، ويثبت ما شاء مِمَّن بقي أجله ورزقه وأكله، فيتركه على ما هو عليه، فلا يمحوه. وبهذا المعنى جاء الأثر عن رسول الله ﷺ». ثم ساق حديث أبي الدرداء، وأدخل تحته أثر ابن عباس من رواية عطاء، وأثر قيس بن عُــبَــاد. ورجّح ابنُ عطية (٥/٢١٢) القول الثاني مستندًا إلى العموم، فقال: «وتَخَبَّط الناسُ في معنى هذه الألفاظ، والذي يَتَلَخَّص مِن مسلكها أن نعتقد أنّ الأشياء التي قدَّرها الله تعالى في الأزل وعلِمَها بحالٍ ما لا يَصِحُّ فيها مَحْوٌ ولا تبديل، وهي التي كُتِبَت في أم الكتاب، وسبق بها القضاءُ، وهذا مرويٌّ عن ابن عباس وغيرِه مِن أهل العلم، وأمّا الأشياء التي قد أخبر الله تعالى أنّه يبدل فيها وينقل كغفر الذنوب بعد تقريرها، وكنسخ آية بعد تلاوتها واستقرار حكمها، ففيها يقع المحو والتثبيت فيما يقيده الحفظة ونحو ذلك، وأما إذا رد الأمر للقضاء والقدر فقد محا الله ما محا، وثبت ما ثبت». واستدرك على القول الخامس بأنّ ذلك في الآجال، وعلى قول قيس بن عباد بأنّ المحو والإثبات في العاشر من محرم بقوله: «وهذا التخصيص في الآجال أو غيرها لا معنى له، وإنما يحسن من الأقوال هنا ما كان عامًّا في جميع الأشياء». واستدرك (٥/٢١٣) على القول الأول والثالث بأنّها سهلة المعارضة. وعلَّق ابنُ كثير (٨/١٦٥) على القول الأول بقوله: «ومعنى هذه الأقوال: أنّ الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد: حدثنا وكِيع، حدثنا سفيان وهو الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجَعْد، عن ثَوْبان، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الرجل لَيُحْرَم الرزق بالذنب يُصِيبه، ولا يَرُدُّ القَدَر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البِرّ»». ثم ساق أحاديث وآثارًا في نفس المعنى
عن شَهْر بن حَوْشَب -من طريق ليث- قال: إذا كان يوم القيامة مُدّت الأرض مَدّ الأديم العكاظيّ، ثم يَحشر الله فيها الخلائق مِن الجنّ والإنس، ثم أخذوا مصافّهم مِن الأرض، ثم ينزل أهل السماء الدنيا بمثل مَن في الأرض، وبمثلهم معهم مِن الجن والإنس، حتى إذا كانوا على رؤوس الخلائق أضاءت الأرضُ لوجوههم، وخرّ أهل الأرض ساجدين، وقالوا: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: ليس فينا، وهو آتٍ. ثم أخذوا مصافّهم مِن الأرض، ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثل مَن في الأرض من الجن والإنس والملائكة الذين نزلوا قبلهم ومثلهم معهم، حتى إذا كانوا مكان أصحابهم أضاءت الأرض لوجوههم، وخرّ أهل الأرض ساجدين، وقالوا: أفيكم ربّنا؟ قالوا: ليس فينا، وهو آتٍ. ثم أخذوا مصافّهم من الأرض، ثم ينزل أهل السماء الثالثة بمثل مَن في الأرض من الجن والإنس والملائكة الذين نزلوا قبلهم ومثلهم معهم، حتى إذا كانوا مكان أصحابهم أضاءت الأرضُ لِوجوههم، وخرّ أهل الأرض ساجدين، وقالوا: أفيكم ربّنا؟ قالوا: ليس فينا، وهو آتٍ. وينزل أهل السماء الرابعة على قدْرهم من التضعيف، ثم ينزل أهل السماء الخامسة على قدْر ذلك مِن التضعيف، ثم ينزل أهل السماء السادسة على قدْر ذلك مِن التضعيف، ثم ينزل أهل السماء السابعة على قدْر ذلك مِن التضعيف، حتى ينزل الجبّار -تبارك وتعالى- قال: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]. تحمله الملائكة على كواهلها بأيدٍ وقوة وحُسنٍ وجمال، حتى إذا جلس على كرسيّه ونادى بصوته: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾؟ فلا يجيبه أحد، فيردُّ على نفسه: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر:١٦-١٧]
أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في الحدِّ الذي به يصدق على الحانث معنى قوله تعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾. وقد أدخل ابنُ جرير (٨/٦٥٠-٦٥١) الآثار الواردة عن سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن في إيجاب الطعام على مَن كان عنده درهمان أو ثلاثة، تحت القول بأنه إذا لم يكن للحانث في وقت تكفيره عن يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته، فإن له أن يكفِّر بالصيام. وذكَر قولين آخرين لم ينسبهما لأحد بعينه، أحدهما: جائزٌ لمن لم يكن عنده مئتا درهم أن يصوم، وهو مِمَّن لا يجد. والآخر: جائزٌ لمن لم يكن عنده فضلٌ عن رأس ماله يتصرف به لمعاشه ما يُكَفِّر به بالإطعام أن يصوم. ثم رجَّح مستندًا إلى دلالة العقل القولَ الأول، فقال: «والصوابُ من القول في ذلك عندنا: أنّ مَن لم يكن عنده في حال حِنثِه في يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته، لا فضل له عن ذلك، يصوم ثلاثة أيام، وهو ممن دخل في جملة من لا يجد ما يُطْعِم أو يَكْسو أو يُعْتِق. وإن كان عنده في ذلك الوقت من الفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يُطْعِم أو يَكْسو عشرة مساكين أو يُعْتِق رقبة فلا يُجْزِئه حينئذٍ الصوم؛ لأن إحدى الحالات الثلاث حينئذٍ -من إطعام، أو كسوة، أو عتق- حقٌّ قد أوجبه الله تعالى في مالِه وجوب الدَّيْن، وقد قامت الحُجَّة بأن المُفْلِس إذا فرَّق ماله بَيْن غرمائه أنه لا يَتْرُك ذلك اليوم إلا ما لا بدَّ له من قُوته وقوت عياله يومه وليلته، فكذلك حكم المُعْدَم بالدَّين الذي أوجبه الله تعالى في ماله بسبب الكفارة التي لزمت ماله». وزاد ابنُ عطية (٣/٢٤٥) عن قتادة قوله: «إذا لم يكن له إلا قَدْر ما يُكَفِّر به صام»
عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه، قال: قال أبي الحسينُ بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم: واللهِ، ما قالت القدرية بقول الله، ولا بقول الملائكة، ولا بقول النبيين، ولا بقول أهل الجنة، ولا بقول أهل النار، ولا بقول صاحبهم إبليس. فقالوا له: تُفَسِّره لنا، يا ابن رسول الله. فقال: قال الله عز وجل: ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء﴾ [يونس:٢٥]. وقالت الملائكة: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ [البقرة: ٣٢]. وقال نوح عليه السلام: ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم﴾ [هود:٣٤]. فأما موسى عليه السلام فقال: ﴿إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء﴾ [الأعراف:١٥٥]. وأما أهل الجنة فإنهم قالوا: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ [الأعراف:٤٣]. وأمّا أهل النار فإنهم قالوا: ﴿لو هدانا الله لهديناكم﴾ [إبراهيم:٢١]. وأما أخوهم إبليس فقال: ﴿فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ [الأعراف:١٦]. فزعمت القدريَّةُ أنّ الله لا يُغْوِي
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله عز وجل: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ إلى قوله: ﴿إن الله كان عفوا غفورا﴾، قال: فإن أعْياك الماءُ، فلا يُعْيِيَنَّك الصعيدُ أن تضع فيه كفيه، ثم تنفضهما، فتمسح بهما وجهَك وكفَّيْك، لا تعد ذلك بغسل الجنابة، ولا بوضوء صلاة. فمَن تَيَمَّم الصعيدَ، فصلّى، ثم قدر على الماء بعد ذلك؛ فعليه الغسل، وحسبه صلاته التي كان صلى. ومَن كان معه ماءًا يسيرًا، فخشي الظمأ؛ فليتيمم بالصعيد، وليتَبَلَّغ بمائه الذي معه، وكان أهل العلم يأمرون بذلك
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق- قال: بعثه الله، فقال: ﴿كم لبثت قال لبثتُ يومًا أو بعض يوم﴾ إلى قوله: ﴿ثم نكسوها لحمًا﴾. قال: فنظر إلى حماره يَتَّصِل بعضٌ إلى بعض -وقد كان مات معه- بالعُروق والعَصَب، ثم كيف كَسى ذلك منه اللحمُ حتى استوى، ثُمَّ جرى فيه الروحُ، فقام ينهق، ونظر إلى عصيره وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير، فلمّا عايَنَ مِن قدرة الله ما عاين قال: ﴿أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾
عن عطاء [بن أبى رباح] -من طريق ابن جُرَيْج- في الآية، قال: إن أصاب إنسانٌ مُحرِمٌ نعامةً فإنّ له -إن كان ذا يسارٍ- أن يُهدِيَ ما شاء؛ جَزُورًا، أو عَدلَها طعامًا، أو عَدْلَها صيامًا، أيَّتَهُن شاء؛ مِن أجلِ قوله عز وجل: ﴿فجزاؤه﴾ كذا. قال: فكلُّ شيءٍ في القرآن: ﴿أو﴾ فليَختَر منه صاحبُه ما شاء. قلتُ له: أرأيتَ إذا قدَر على الطعامِ ألا يقدِرُ على عَدلِ الصيد الذي أصاب؟ قال: ترخيصُ الله، عسى أن يكون عندَه طعامٌ وليس عندَه ثمنُ الجزور، وهي الرُّخْصَة
عن منصورٍ، قال: سألتُ مجاهدًا، فقلتُ: أرأيتَ دعاءَ أحدِنا يقولُ: اللهمَّ، إن كان اسمي في السعداء فأَثْبِتْه فيهم، وإن كان في الأشقياء فامْحُهُ منهم، واجعله في السعداءِ؟ فقال: حسنٌ. ثم لقيته بعدَ ذلك بحَوْلٍ أو أكثر مِن ذلك، فسألتُه عن ذلك، فقال: ﴿إنا أنزلنهُ في ليلةٍ مباركةٍ إنّا كنا منذرينَ* فيها يُفرقُ كل أمرٍ حكيمٍ﴾ [الدخان:٣-٤]. قال: يعني: في ليلةِ القدر، ما يكونُ في السنة من رزقٍ أو مصيبةٍ، ثم يُقَدِّم ما يشاءُ، ويُؤَخِّرُ ما يشاءُ، فأمّا كتابُ الشقاء والسعادة فهو ثابِتٌ لا يُغيَّرُ
عن حذيفة، قال: سألتُ رسول الله ﷺ، فقلتُ: يا رسول الله، ما آيةُ طلوع الشمس من مغربها؟ فقال: «تطولُ تلك الليلة حتى تكون قدْرَ ليلتين، فينتَبِهُ الذين كانوا يصلُّون فيها، فيعملون كما كانوا، والنجوم لا تُرى قد قامت مكانها، ثم يرقُدُون، ثم يقومون فيعمَلون، ثم يرقُدُون، ثم يقومون، فتَكِلُّ عليهم جُنوبُهم حتى يتطاول عليهم الليل، فيَفزَعُ الناس ولا يُصبِحون، فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذا هي طلعتْ من مغربها، فإذا رآها الناس آمَنوا ولا ينفعُهم إيمانُهم»
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق أبي معشر المدني- قال: جاء ناسٌ من يهودَ إلى النبي ﷺ وهو مُحْتَبٍ، فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتِينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحًا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء﴾ الآية [النساء:١٥٣]. فجثا رجل من اليهود، فقال: ما أنزل الله عليك، ولا على موسى، ولا على عيسى، ولا على أحد شيئًا. فأنزل الله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الآية