اختُلِف في المعنيِّ بالظاهر من الإثم والباطن منه في هذا الموضع على ثلاثة أقوال: الأول: الظاهر منه: ما حرم -جل ثناؤه- بقوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ [النساء:٢٢]، قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ الآية [النساء:٢٣]، والباطن منه: الزِّنا. والثاني: الظاهر: أولات الرايات من الزواني، والباطن: ذوات الأخدان. والثالث: الظاهر: التعري والتجرد من الثياب وما يستر العورة في الطواف، والباطن: الزنا. ورجّح ابنُ جرير (٩‏/‏٥١٩) الجمع بين هذه الأقوال مستندًا لدلالة العموم، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- تقدَّم إلى خلقه بترك ظاهر الإثم وباطنه، وذلك سِرُّه وعلانيته، والإثم: كل ما عُصِيَ الله به من محارمه، وقد يدخل في ذلك سر الزنا وعلانيته، ومعاهرة أهل الرايات وأولات الأخدان منهن، ونكاح حلائل الآباء والأمهات والبنات، والطواف بالبيت عريانًا، وكل معصية لله ظهرت أو بطنت. وإذ كان ذلك كذلك، وكان جميع ذلك إثمًا، وكان الله عمَّ بقوله: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ جميع ما ظهر من الإثم وجميع ما بطن؛ لم يكن لأحد أن يخُصَّ من ذلك شيئًا دون شيء إلا بحجة للعذر قاطعة». وبنحوه قال ابنُ عطية (٣‏/‏٤٥٠). وبنحوه قال ابنُ كثير (٦‏/‏١٤٦) مستندًا إلى النظائر، فقال: «والصَّحيح أنّ الآية عامَّةٌ في ذلك كله، وهي كقوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾ [الأعراف:٣٣]، ولهذا قال تعالى: ﴿إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون﴾، أي: سواء كان ظاهرًا أو خفِيًّا؛ فإنّ الله سيجزيهم عليه». وبيّن ابنُ جرير (٩‏/‏٥١٩) جواز أن يكون ظاهرُ الإثم وباطنُه: ما حرَّم الله من المطاعم والمآكل من الميتة والدم -لولا دلالة العموم-، مستندًا إلى السياق، فقال: «غير أنّه لو جاز أن يوجه ذلك إلى الخصوص بغير برهان كان توجيهه إلى أنه عني بظاهر الإثم وباطنه في هذا الموضع: ما حرَّم الله من المطاعم والمآكل من الميتة والدم، وما بيَّن الله تحريمه في قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ إلى آخر الآية [المائدة:٣]؛ أوْلى، إذ كان ابتداء الآيات قبلها بذكر تحريم ذلك جرى وهذه في سياقها، ولكنه غير مستنكر أن يكون عنى بها ذلك، وأدخل فيها الأمر باجتناب كل ما جانسه من معاصي الله، فخرج الأمر عامًّا بالنهي عن كل ما ظهر أو بطن من الإثم». وعلَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٤٥٠) على القول الأخير الذي قاله ابن زيد بقوله: «يريد: التعري التي كانت تفعله العرب في طوافها». ثم ذكر قولًا مفاده أنّ الظاهر: الأعمال، والباطن: المعتقد. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا حسنٌ؛ لأنّه عامٌّ»

أورد ابنُ القيم (٢‏/‏٢٦٧-٢٦٨) هذا الحديث من رواية الإمام مسلم، وفيها: أنّ هذا الرجل هو آخر رجل يخرج من النار، تحت القول بأنّ الله يبدل سيئاتهم التي عملوها إلى حسنات يوم القيامة، ثم ذكر في الاستدلال به على هذا القول وجهين، انتقد أحدهما، وصوّب الآخر، فأمّا الوجه الذي انتقده فهو أن يكون الحديث ساقه السلف مساق التفسير للآية، وأن يكون المراد به: أنّ التبديل حاصل بعد دخول النار، فقال: «فهذا حديث صحيح، لكن في الاستدلال به على صِحَّة هذا القول نظر؛ فإنّ هذا قد عُذِّب بسيئاته ودخل بها النار، ثم بعد ذلك أُخرِج منها، وأُعطِي مكان كل سيئة حسنة صدقة تصدق الله بها عليه ابتداءً بعدد ذنوبه، وليس في هذا تبديل تلك الذنوب بحسنات؛ إذ لو كان كذلك لَما عُوقِب عليها كما لم يُعاقَب التائب. والكلام إنّما هو في تائب أُثْبِت له مكان كل سيئة حسنة، فزادت حسناته، فأين في هذا الحديث ما يدل على ذلك؟». وأما الوجه الذي صوّبه فهو أن يكون مقصودُ السلف مِن إيراد الحديث تحت هذا القول: الاستدلال به على أنّ التبديل حاصِلٌ بالتوبة بطريق الأَوْلى؛ فإنّ الحديث أفاد أنّ هذا الرجل بعد دخوله النار وتطهره بها أعطي مكان كل سيئة حسنة، فالتبديل بالتوبة يكون أولى؛ إذ هي أقوى أسباب محو آثار الذنوب. ومَن ساق الحديث من السلف قصد الاستدلال بها على هذا النحو، ولم يَسُقْه مساقَ التفسير للآية، فإنّ الآية في التائب، يقول ابنُ القيم: «والناس استقبلوا هذا الحديث مُسْتَدِلِّين به في تفسير هذه الآية على هذا القول، وقد علمتَ ما فيه، لكن للسلف غَوْرٌ ودِقَّة فهم لا يُدركها كثيرٌ مِن المتأخرين. فالاستدلال به صحيح بعد تمهيد قاعدةٍ إذا عُرِفَت عُرِف لطفُ الاستدلال به ودِقَّتُه، وهي أنّ الذنب لا بُدَّ له مِن أثر، وأثره يرتفع بالتوبة تارة، وبالحسنات الماحية تارة، وبالمصائب المُكَفِّرة تارة، وبدخول النار ليتخلص مِن أثره تارة، وكذلك إذا اشتد أثره، ولم تقو تلك الأمور على محوه؛ فلا بد إذن مِن دخول النار؛ لأنّ الجنة لا يكون فيها ذَرَّةٌ مِن الخبيث، ولا يدخلها إلا مَن طاب مِن كل وجه، فإذا بقي عليه شيء مِن خُبْث الذنوب أدخل كِير الامتحان، ليخلص ذهب إيمانه من خبثه، فيصلح حينئذ لدار الملك. إذا علم هذا فزوال مُوجب الذنب وأثره تارة يكون بالتوبة النصوح، وهي أقوى الأسباب، وتارة يكون باستيفاء الحق منه وتطهيره في النار، فإذا تَطَهَّر بالنار، وزال أثر الوسخ والخبث عنه، أعطي مكان كل سيئة حسنة، فإذا تطَهَّر بالتوبة النصوح، وزال عنها بها أثر وسخ الذنوب وخبثها، كان أولى بأن يعطى مكان كل سيئة حسنة، لأن إزالة التوبة لهذا الوسخ والخبث أعظم من إزالة النار، وأحب إلى الله، وإزالة النار بدل منها، وهي الأصل، فهي أوْلى بالتبديل مما بعد الدخول»

اختُلف في معنى: ﴿فَهَدى﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والبهائم للمراتع. الثاني: جعل لكلّ دابة ما يُصلِحها وهداها إليه. الثالث: قدَّر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج. الرابع: هدى الذَّكَر لإتيان الأنثى. وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٥٩٠) القول الأول، والرابع، وزاد عليهما قولين آخرين: أحدهما: عن الفراء أنّ المعنى: «هدى وأضلَّ، واكتفى بالواحدة لدلالتها على الأخرى». والآخر: «هدى المولود عند وضْعه إلى مصِّ الثدي». ثم علَّق على هذه الأقوال بقوله: «وهذه الأقوال مثالات». ووافقه ابنُ تيمية (٦‏/‏٥٣٩). ووجَّه ابنُ القيم (٣‏/‏٢٩٢) القول الأول -وهو قول مجاهد-، والقول الرابع بقوله: «وما ذَكر مجاهد فهو تمثيل منه، لا تفسير مطابق للآية، فإنّ الآية شاملة لهداية الحيوان كلّه؛ ناطقه وبهيمه، طيره ودوابّه، فصيحه وأعجمه. وكذلك قول مَن قال: إنه هداية الذَّكَر لإتيان الأنثى. تمثيل أيضًا، وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا الله، وكذلك قول مَن قال: هداه للمرعى. فإنّ ذلك من الهداية؛ فإنّ الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه والهداية إلى معرفته أُمّه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبتْ، والهداية إلى قصْد ما ينفعه من المرعى دون ما يضرّه منه، وهداية الطير والوحش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان، كهداية النّحل إلى سلوك السبل التي فيها مراعيها على تباينها ثم عوْدها إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يغرس بنو آدم». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٣١٢) العموم، وذلك: «أنّ الله عمَّ بقوله: ﴿فَهَدى﴾ الخبر عن هدايته خَلْقَه، ولم يَخْصُصْ من ذلك معنًى دون معنًى، وقد هداهم لسبيل الخير والشر، وهدى الذكور لِمَأْتى الإناث، فالخبر على عمومه، حتى يأتي خبرٌ تقوم به الحجة دالٌّ على خصوصه». وكذا رجحه ابنُ عطية قائلًا: «والعموم في الآية أصوب في كلّ تقدير وفي كلّ هداية». ونحوه قال ابنُ القيم (٣‏/‏٢٩٢). وأشار ابنُ تيمية (٦‏/‏٥٣٩) إلى ضعف قول الفرّاء. وانتقده ابنُ القيم أيضًا -مستندًا إلى النظائر، ودلالة العقل- قائلًا: «وأضعف الأقوال فيها قول الفراء: إذ المراد هاهنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه، ليس المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته، وهو نظير قوله: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه:٥٠]، فإعطاء الخَلْق إيجاده في الخارج والهداية التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه»

سورة التوبة — الآية ١٠٢

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ يعني: غَزاةً قبل غَزاةِ تبوك مع النبي ﷺ، ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ تخلُّفهم عن غَزاة تبوك. نزلت في أبي لُبابة -اسمه: مروان بن عبد المنذر-، وأوس بن حزام، ووديعة بن ثعلبة، كلهم من الأنصار، وذلك حين بَلَغَهم أنّ النبيَّ ﷺ قد أقبل راجِعًا من غزاة تبوك، وبلغهم ما أنزل الله عز وجل في المُتَخَلِّفين، أوْثَقوا أنفسهم هؤلاء الثلاثة إلى سواري المسجد، وكان النبيُّ ﷺ إذا قدِم مِن غزاة صلّى في المسجد ركعتين قبل أن يدخل إلى أهله، وإذا خرج إلى غزاة صلّى ركعتين، فلمّا رآهم موثقين سأل عنهم، قيل: هذا أبو لبابة وأصحابه ندِموا على التخلُّف، وأقسموا ألا يحلوا أنفسهم حتى يحلهم النبي ﷺ. فقال النبيُّ ﷺ: «وأنا أحلف لا أُطْلِق عنهم حتى أُومَر، ولا أعْذُرهم حتى يُعْذِرهم الله عز وجل». فأنزل الله في أبي لبابة وأصحابه: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ الآية... ، فلما نزلت هذه الآية حلَّهم النبيُّ عليه السلام، فرجعوا إلى منازلهم، ثم جاءوا بأموالهم إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: هذه أموالُنا التي تَخَلَّفنا مِن أجلها عنك، فتَصَدَّق بها. فكره النبيُّ ﷺ أن يأخذها

سورة المائدة — الآية ٣٤

عن الوليد بن مسلم، قال: قال الليث: وكذلك ثني موسى بن إسحاق المدني -وهو الآمر عندنا- أنّ عليًّا الأسدي حارب، وأخاف السبيل، وأصاب الدم والمال، فطلبته الأئمة والعامة، فامتنع ولم يُقدَر عليه، حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلًا يقرأ هذه الآية: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر:٥٣] الآية، فوقف عليه، فقال: يا عبد الله، أعِد قراءتها، فأعادها عليه. فغمد سيفه، ثم جاء تائبًا، حتى قدم المدينة من السَّحَر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله ﷺ، فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه، فلما أسفر عرفه الناس، وقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عَلَيَّ، جئتُ تائبًا من قبل أن تقدروا علي. فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بن الحكم في إمرته على المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا عليٌّ جاء تائبًا، ولا سبيل لكم عليه، ولا قتل. قال: فترك من ذلك كله. قال: وخرج عليٌّ تائبًا مجاهدًا في سبيل الله في البحر، فلقوا الروم، فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم، فاقتحم على الروم في سفينتهم، فهزموا منه إلى سفينتهم الأخرى، فمالت بهم وبه، فغرقوا جميعًا

سورة المائدة — الآية ٥٥

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: أتى عبد الله بن سلام ورهطٌ معه من أهل الكتاب نبي الله ﷺ عند الظهر، فقالوا: يا رسول الله، إنّ بيوتَنا قاصيةٌ، لا نجدُ أحدًا يُجالِسُنا ويُخالِطُنا دونَ هذا المسجد، وإنّ قومنا لما رَأَوْنا قد صَدَّقْنا اللهَ ورسوله وتركْنا دينَهم أظهَروا العداوةَ، وأقسموا ألّا يُخالِطونا، ولا يؤاكلونا، فشقَّ ذلك علينا. فبينا هم يشكُون ذلك إلى رسول الله ﷺ إذ نزَلت هذه الآية على رسول الله ﷺ: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾. ونوديَ بالصلاة؛ صلاة الظهر، وخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، والناس يصلُّون بين راكع وساجد وقائم وقاعد، فإذا مسكينٌ يسأل، فدخل رسول الله ﷺ، فقال: «أعطاكَ أحدٌ شيئًا؟». قال: نعم. قال: «مَن؟». قال: ذاك الرجلُ القائم. قال: «على أيِّ حالٍ أعطاكَهُ؟». قال: وهو راكع. قال: وذلك عليُّ بن أبي طالب. فكبَّر رسول الله ﷺ عند ذلك وهو يقول: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾

سورة المائدة — الآية ٥٥

قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورسولهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ راكِعُونَ﴾، وذلك أنّ عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبي ﷺ عند صلاة الأولى: إنّ اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل الإسلام، ولا يكلموننا، ولا يخالطوننا في شيء، ومنازلنا فيهم، ولا نجد مُتَحَدّثًا دون هذا المسجد. فنزلت هذه الآية، فقرأها النبي ﷺ، فقالوا: قد رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء. وجعل الناس يصلون تطوُّعًا بعد المكتوبة، وذلك في صلاة الأولى، وخرج النبي ﷺ إلى باب المسجد، فإذا هو بمسكين قد خرج من المسجد وهو يحمد الله عز وجل، فدعاه النبي ﷺ، فقال: «هل أعطاك أحد شيئًا؟». قال: نعم، يا نبي الله. قال: «مَن أعطاك؟». قال: الرجل القائم أعطاني خاتمه. يعني: علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه-. فقال النبي ﷺ: «على أيِّ حال أعطاكه؟». قال: أعطاني وهو راكع. فكبَّر النبي ﷺ، وقال: «الحمد لله الذي خصَّ عليًّا بهذه الكرامة». فأنزل الله عز وجل: ﴿والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾

سورة النساء — الآية ١٠٥

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في الآية، قال: كان رجل سرق درعًا من حديد في زمان النبي ﷺ، طرحه على يهودي، فقال اليهودي: واللهِ، ما سرقتُها، يا أبا القاسم، ولكن طُرِحَتْ عَلَيَّ. وكان الرجل الذي سَرَق له جيران يُبَرِّئونه، ويطرحونه على اليهودي، ويقولون: يا رسول الله، إنّ هذا اليهوديَّ خبيث، يكفر بالله وبما جئت به. حتى مال عليه النبي ﷺ ببعض القول؛ فعاتبه الله في ذلك، فقال: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله﴾ بما قلت لهذا اليهودي، ﴿إن الله كان غفورا رحيما﴾. ثم أقبل على جيرانه، فقال: ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم﴾ إلى قوله: ﴿وكيلا﴾. ثم عرض التوبة، فقال: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه﴾ فما أدخلكم أنتم أيها الناس على خطيئة هذا تكلمون دونه، ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا﴾ وإن كان مشركًا ﴿فقد احتمل بهتانا﴾ إلى قوله: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾. قال: أبى أن يقبل التوبة التي عرض الله له، وخرج إلى المشركين بمكة، فنقب بيتًا يسرقه، فهدمه الله عليه، فقتله

سورة سبأ — الآية ٥٢

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، قال: هؤلاء قتلى أهل بدر مَن قُتل منهم. وقرأ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ * وقالُوا آمَنّا بِهِ﴾ الآية، قال: التناوش: التناول، وأنى لهم تناوُل التوبة من مكان بعيد، وقد تركوها في الدنيا. قال: وهذا بعد الموت في الآخرة. وقال في قوله: ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ﴾ بعد القتل ﴿وأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾. وقرأ: ﴿ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهُمْ كُفّارٌ﴾ [النساء:١٨] قال: ليس لهم توبة. وقال: عرض الله عليهم أن يتوبوا مرة واحدة، فيقبلها الله منهم، فأبوا، أو يعرضون التوبة بعد الموت. قال: فهم يعرضونها في الآخرة خمس عرضات، فيأبى الله أن يقبلها منهم. قال: والتائب عند الموت ليست له توبة، ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذَّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ [الأنعام:٢٧] الآية. وقرأ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]

سورة الحديد — الآية ١٣

عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جمع الله الأوّلين والآخرين دعا اليهودَ، فقيل لهم: مَن كنتم تعبدون؟ فيقولون: كُنّا نعبد الله. فيُقال لهم: كنتم تعبدون معه غيره؟ فيقولون: نعم. فيُقال لهم: مَن كنتم تعبدون معه؟ فيقولون: عُزَيْرًا. فيُوجَّهون وجهًا، ثم يدعون النصارى، فيُقال لهم: مَن كنتم تعبدون؟ فيقولون: كُنّا نعبد الله. فيقول لهم: هل كنتم تعبدون معه غيره؟ فيقولون: نعم. فيُقال لهم: مَن كنتم تعبدون معه؟ فيقولون: المسيح. فيُوجَّهون وجهًا، ثم يُدعى المسلمون، وهم على رابيةٍ مِن الأرض، فيُقال لهم: مَن كنتم تعبدون؟ فيقولون: كُنّا نعبد الله وحده. فيقال لهم: هل كنتم تعبدون معه غيره؟ فيغضبون، فيقولون: ما عبدنا غيره. فيُعطى كلّ إنسان منهم نورًا، ثم يُوجَّهون إلى الصراط، فما كان مِن منافق طُفِئ نوره قبل أن يأتي الصراط». ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ الآية، وقرأ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأَيْمانِهِمْ﴾ إلى آخر الآية [التحريم:٨]