عن أبى صخر حميد بن زياد الخرّاط، قال: قلتُ لمحمد بن كعب القرظي: أخبِرْني عن أصحاب رسول الله ﷺ. وإنّما أريدُ الفِتَن، فقال: إنّ الله قد غفر لجميع أصحاب النبي ﷺ، وأَوْجَب لهم الجنَّةَ في كتابه؛ مُحسِنِهم، ومُسِيئِهم. قلت له: وفي أيِّ موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه؟ قال: ألا تقرأ: ﴿والسابقون الأولون﴾ الآية؟ أوجَبَ لجميع أصحاب النبيِّ ﷺ الجنةَ والرُّضوان، وشَرَط على التابعين شرطًا لم يشترطه فيهم. قلت: وما اشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يَتَّبِعوهم بإحسان. يقول: يَقْتَدُوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يَقْتَدُوا بهم في غير ذلك. قال أبو صخر: فواللهِ، لَكَأَنِّي لم أقرَأها قبلَ ذلك، وما عرَفتُ تفسيرَها حتى قرأها عليَّ محمدُ بن كعب
عن كثير بن أبي كثير المُزني -وكان خادمًا لابن عباس- قال: حدثنا ابن عباس، وهو يومئذ ضرير في بصره، وذكر عتيق بن عثمان أبا بكر، فقال: رحمه الله، قعد على منبر رسول الله ﷺ يوم سُمِّي فيه خليفة رسول الله ﷺ، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ، ثم مدَّ يديه فوضعهما على المجلس الذي كان نبي الله ﷺ يجلس عليه من منبره، ثم قال: سمعت الحبيب وهو جالس في هذا المجلس يتأول: ﴿يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾، ثم فسرها، وكان تفسيره لها أن قال: «نعم، ليس من قوم عُمل فيهم بمنكر، ويُفْسَد فيهم بقبيح، فلم يغيروه ولم ينكروه، إلا حقَّ على الله عز وجل أن يعمهم بالعقوبة جميعًا، ثم لا يستجاب لهم». ثم أدخل إصبعيه في أذنيه، فقال: إلا أكون سمعته من الحبيب فصُمَّتا
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: استخلف موسى هارونَ على بني إسرائيل، وقال: إنِّي مُتَعَجِّل إلى ربي، فاخلفني في قومي، ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه مُتَعَجِّلًا لِلُقِيِّه شوقًا إليه، وأقام هارونُ في بني إسرائيل، ومعه السامري، يسير بهم على أثر موسى لِيُلْحِقَهم به. فلمّا كلم اللهُ موسى طَمِع في رؤيته، فسأل ربَّه أن ينظر إليه، فقال الله له: إنّك ﴿لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ الآية. قال ابن إسحاق: فهذا ما وصل إلينا في كتاب الله عن خبر موسى لَمّا طلب النظر إلى ربه، وأهل الكتاب يزعمون وأهل التوراة: أن قد كان لذلك تفسيرٌ، وقِصَّةٌ، وأمور كثيرة، ومراجعة لم تَأْتِنا في كتاب الله، والله أعلم
قال يحيى بن سلّام: ﴿ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأَخَذْنا مِنهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ بتبليغ الرسالة. وبعضهم يقول: وأن يعلموا أنّ محمدًا رسول الله، وتصديق ذلك عنده في قوله: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا﴾ [الزخرف: ٤٥]، سل جبريلَ؛ فإنه هو كان يأتيهم بالرسالة: هل أرسلنا مِن رسول إلا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله؟ ، وتفسير الحسن في هذه الآية في آل عمران مثل هذه الآية: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم﴾ [آل عمران: ٨١]، قال: أخذ الله على النبيين أن يعلموا أمر محمد، ما خلا محمدًا من النبيين؛ فإنه لا نبي بعده، ولكنه قد أخذ عليه أن يُصَدِّق بالأنبياء كلهم، ففعل - ﷺ -
عن عُبيد بن عمير، عن حُذيفة أنّه سُئِل عن: ﴿حم * عسق﴾، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وعدّة مِن أصحاب رسول الله - ﷺ - - رضي الله عنهم - حضور. فقال حذيفة: العينُ: عذابُ. والسين: السّنة والمجاعة. والقاف: قوم يُقذفون في آخر الزمان. فقال له عمر؟: مِمَّن هم؟ قال: مِن ولدالعباس في مدينة يقال لها: الزوراءُ، يُقتل فيها مقتلةٌ عظيمة، وعليهم تقوم الساعة، فقال ابن عباس: ليس ذلك فينا، ولكن القاف: قذْفٌ وخسفٌ يكونُ، قال عمر لحذيفة: أمّا أنتَ فقد أصبتَ التفسير، وأصاب ابنُ عباس المعنى. فأصابت ابنُ عباس الحُمّى، حتى عادهُ عمر وعدّة من أصحاب رسول الله - ﷺ -؛ مِمّا سمع مِن حذيفة
قال مقاتل بن سليمان: فوحّد الرَّبّ نفسه، فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلهَ إلّا هُوَ عالِمُ الغَيْبِ﴾ يعني: غيب ما كان وما يكون، ﴿والشَّهادَةِ﴾ يعني: شهادته بالحقّ في كل شيء، ﴿هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ اسمان رقيقان، أحدهما أرقّ من الآخر، فلما ذكر ﴿الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ قال مشركو العرب: ما نعرف الرحمن الرحيم! إنما اسمه: الله. فأراد الله تعالى أن يُخبرهم أنّ له أسماء كثيرة، فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلهَ إلّا هُوَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ اسم الرّبّ تعالى: هو الله، وتفسير الله: اسم الربوبية القاهر لخلْقه وسائر أسمائه على فعاله، ... قوله: ﴿الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ الرحيم أرقّ من الرحمن، يعني: المترحّم، يعني: المتعطّف بالرحمة على خلْقه
ذكر المفسرون تفسيرات عدة للتهلكة. وأفاد ابنُ جرير (٣/٣٢٥) دخولَ جميع الأقوال في التهلكة، فقال: «فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، ولم يكن الله عز وجل خَصَّ منها شيئًا دون شيء؛ فالصوابُ من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- نهى عن الإلقاء بأيدينا لِما فيه هلاكُنا، والاستسلامِ للهلكة -وهي العذاب- بتَرْكِ ما لَزِمَنا من فرائضه، فغير جائزٍ لأحد مِنّا الدخولُ في شيء يكره الله مِنّا مِمّا نَسْتَوْجِبُ بدخولنا فيه عذابَه». ثم رَجَّح القولَ الذي قاله ابنُ عباس من طريق علي، مُسْتَنِدًا إلى قول ابن عباس، فقال: «غير أنّ الأمر وإن كان كذلك، فإنّ الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا -أيها المؤمنون- في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي»
اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال بعضهم: هو دلالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعة على زوجته، والعدد الذي تَبِينُ به زوجته منه. وقال آخرون: إنما أُنزِلت هذه الآية على النبي ﷺ تعريفًا من الله عبادَه سُنَّةَ طلاقهم نساءَهم، لا دلالة على العدد الذي تَبِينُ به المرأة من زوجها. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/١٢٩) القولَ الأولَ الذي قال به عروة، وقتادة، وابن زيد، والسُّدِّيُّ، وعكرمة مُسْتَنِدًا إلى القرآن، فقال: «وذلك أنّ الله -تعالى ذكره- قال في الآية التي تتلوها: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾، فعَرَّف عبادَه القَدْرَ الذي به تَحْرُمُ المرأةُ على زوجها إلا بعد زوج، ولم يُبَيِّن فيها الوقتَ الذي يجوز الطلاق فيه والوقت الذي لا يجوز ذلك فيه». وعَلَّق ابنُ عطية (١/٥٦١) بعد ذكره لكلا القولين، فقال: «والآيةُ تتضمنُ هذين المعنيين»
اختلف أهل التفسير، هل الاصطفاء هنا على العالمين كان عامًّا؟ أم على أهل زمانهم فقط؟. ووجَّه ابنُ عطية (٢/١٩٨) الآيةَ باحتمال الوجهين، فقال: ""الآلُ في اللغة: الأهلُ والقرابةُ، ويُقال للأتباع وأهل الطاعة: آلٌ، فمنه: آل فرعون، ومنه قول الشاعر -وهو أراكة الثقفي- في رثاء النبي ﷺ وهو يُعَزِّي نفسَه في أخيه عمرو:فلا تَبْكِ مَيْتًا بعد مَيْتٍ أجَنَّهُ عليٌّ وعباسٌ وآلُ أبي بكرأراد: جميع المؤمنين. و(الآل) في هذه الآية يحتمل الوجهين، فإذا قلنا: أراد بالآل: القرابة والبيتيّة؛ فالتقدير: إنّ الله اصطفى هؤلاء على عالَمِي زمانهم، أو على العالمين عامًّا بأن نُقَدِّر محمدًا عليه السلام مِن آل إبراهيم. وإن قلنا: أراد بالآل: الأتباعَ؛ فيستقيم دخولُ أمة محمدٍ في الآل؛ لأنّها على مِلّة إبراهيم""
ذكر ابنُ تيمية (٢/١١٢-١١٣) جملة من الأحاديث عن السلف والتي تفسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، ثم قال معلِّقًا عليها: «فهذه الأحاديث مسندة من طرق حسان، ومرسلة، وموقوفة؛ تدل على أن مناط الوجوب: وجود الزاد والراحلة، مع علم النبي بأن كثيرًا من الناس يقدرون على المشي». وقد ذهب ابنُ تيمية أن الاستطاعة معنيٌّ بها: الزاد والراحلة مستندًا إلى السنة، حيث ذكر بعض ما روي عن النبي ﷺ من تفسيره السبيل بأنه الزاد والراحلة، ثم علّق عليها بقوله: «فعلم بذلك أن الحج لا يوجبه إلا ملك الزاد والراحلة». وانتقد ابنُ جرير (٥/٦١٧) أسانيد الأحاديث التي رُوِيَت عن رسول الله ﷺ في ذلك بقوله: «فأما الأخبار التي رويت عن رسول الله ﷺ في ذلك بأنّه الزاد والراحلة، فإنها أخبار في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين»