ذكر ابنُ جرير (٢١/٤٢٨) أن لهذه القراءة وجهان في التفسير: الأول: وجاءت سكرة الله بالموت، فيكون الحق هو الله. وانتقد ابنُ عطية (٨/٤٣) هذا الوجه مستندًا للغة، فقال: «وفي إضافة السكرة إلى اسم الله تعالى بُعد، وإن كان ذلك سائغًا من حيث هي خلْق له، ولكن فصاحة القرآن ورصفه لا يأتي فيه هذا». الثاني: أن تكون السكرة هي الموت أضيفت إلى نفسها، كما قيل: ﴿إن هذا لهو حق اليقين﴾ [الواقعة:٩٥]، ويكون تأويل الكلام: وجاءت السكرة الحق بالموت
انتقد ابنُ عطية (٦/٣١١) مستندًا إلى الدلالة العقلية قولَ أبي صالح، والسدي، والكلبي، ومقاتل، ويحيى بن سلام، فقال: «وهذا ليس من نمط الآية». ثم قال أيضًا (٦/٣١١-٣١٢): «ومَن قال: إن الحق في الآية: الله تعالى؛ تشعَّبَتْ له لفظة ﴿اتَّبَعَ﴾، وصَعُبَ عليه ترتيبُ الفساد المذكور في الآية؛ لأن لفظة الاتِّباع -على كلا الوجهين- إنما هي استعارة بمعنى أن تكون أهواؤهم يصونها الحق ويقررها، فنحن نجد الله تعالى قد قدَّر كُفْرَ أمم وأهواءهم، فليس في ذلك فساد سماوات، وأما الحق نفسه الذي هو الصواب فلو كان طبْق أهوائهم لفسد كلُّ شيءٍ. فتأمَّلْه». وذكر قولًا آخر ولم ينسبه، وهو أنّ الحق هنا: الصواب والمستقيم، ورجَّحه (٦/٣١١ بتصرف) بقوله: «وهذا هو الأحرى». ثم علَّق بقوله: «على أن يكون الحقّ المذكور في قوله تعالى: ﴿بَلْ جاءَهُمْ بِالحَقِّ وأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ هو: الذي جاء به محمد رسول الله ﷺ». ثم بيَّن وجْه فساد السماوات والأرض في الآية بناءً على هذا المعنى، فقال: «ويستقيم -على هذا- فساد السماوات والأرض ومن فيهن لو كان بحكم هوى هؤلاء، وذلك أنهم جعلوا لله شركاء وأولادًا، ولو كان هذا حقًّا لم تكن لله -تبارك وتعالى- الصِّفات العَلِيَّة، ولو لم يَكُن له لم تَكُن له الصنعة ولا القدرة، وكان ذلك فساد السماوات والأرض ومن فيهن»
عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن سلمة بن يزيد الجهني، قال: قلتُ: يا رسول الله، أرأيتَ إن كان علينا أمراء مِن بعدك يأخذونا بالحقِّ الذي علينا، ويمنعونا الحقَّ الذي جعله الله لنا، نقاتلهم ونعصيهم؟ فقال النبيُّ ﷺ: «عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم»
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾، قال: هذا عبد الله بن سلام، شهد أنّ رسول الله ﷺ وكتابه حقّ، وهو في التوراة حقٌّ، فآمن واستكبرتم
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جويبر- في قوله: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، قال: المرأةُ يُطَلِّقُها زوجُها وقد فَرَض لها ولم يدخل بها، فلها نصفُ الصداق، فأمر الله أن يترك لها نصيبها، وإن شاء أن يُتِمَّ المهر كاملًا، وهو الذي ذكر الله: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر- في قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن... أو... أو... ﴾: القلادة مِن الزينة، والدملج من الزينة، والخلخال، والقرط، كل هذا زينة، فلا بأس أن تُبدِيَه عند كل ذي محرم، وأمّا التَّجَرُّد فإنّ تلك عورة فلا ينبغي أن تتجرد إلا عند زوجها
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ لا يَنظُرن إلا إلى أزواجهنّ، تقول: وعزّة ربي وجلاله وجماله، إنْ أرى في الجنة شيئًا أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلك زوجي، وجعلني زوجك
عن سُبَيعة الأَسلميّة أنها تُوفّي زوجها، فوضَعتْ بعد وفاته بخمس وعشرين ليلة، فتَهيّأت، فقال لها أبو السَّنابل بن بَعْكَك: قد أسرعتِ، اعتدّي آخر الأَجَلَيْن أربعة أشهر وعشرًا. قالتْ: فأتيتُ النبيَّ ﷺ، فأخبَرتُه، فقال: «إن وجدتِ زوجًا صالِحًا فتزوّجي»
قال مقاتل بن سليمان: قرأ النبيُّ ﷺ هاتين الآيتين في خطبة يوم الجمعة، فقال عاصم بن عدي الأنصاري للنبي ﷺ: جعلني الله فداك، لو أنّ رجلًا مِنّا وجد على بطن امرأته رجلًا، فتكلَّم جُلِد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة في المسلمين أبدًا، ويسميه المسلمون فاسقًا، فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء، إلى أن يلتمس أحدنا أربعة شهداء فقد فرغ الرجلُ من حاجته. فأنزل الله عز وجل في قوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين﴾ إلى ثلاث آيات. فابتلى الله عز وجل عاصمًا بذلك في يوم الجمعة الأخرى، فأتاه ابنُ عمِّه عُوَيْمِر الأنصاري من بني العجلان بن عمرو بن عوف، وتحته ابنة عمه أخي أبيه، فرماها بابنِ عمِّه شريك بن السحماء، والخليل والزوج والمرأة كلهم من بني عمرو بن عوف، وكلهم بنو عم عاصم، فقال: يا عاصم، لقد رأيت شَرِيكًا على بطن امرأتي. فاسترجع عاصِم، فأتى النبيَّ ﷺ، فقال: أرأيتَ سؤالي عن هذه ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾، فقد ابتُلِيت بها في أهل بيتي. فقال النبيُّ ﷺ: «وما ذاك، يا عاصم؟». فقال: أتاني ابنُ عمِّي، فأخبرني أنّه وجد ابنَ عمٍّ لنا على بطن امرأته. فأرسل النبيُّ ﷺ إلى الزوج والخليل والمرأة، فأتوه، فقال النبي ﷺ لزوجها عويمر: «ويحكَ! اتَّقِ الله عز وجل في خليلتك وابنةِ عمِّك أن تقذفها بالزنا». فقال الزوج: أقسم لك بالله عز وجل أنِّي رأيته معها على بطنها، وإنها لَحُبْلى منه، وما قربتها منذُ أربعة أشهر. فقال النبيُّ ﷺ للمرأة -خولة بنت قيس الأنصارية-: «ويحكِ! ما يقولُ زوجُكِ؟». قالت: أحلف بالله إنه لكاذب، ولكنه غار، ولقد رآني معه نُطِيل السَّمَر بالليل، والجلوس بالنهار، فما رأيت ذلك في وجهه، وما نهاني عنه قطُّ. فقال النبيُّ ﷺ للخليل: «ويحكَ! ما يقول ابنُ عمِّك؟». فحدَّثه مثلَ قولها، فقال النبيُّ ﷺ للزوج والمرأة: «قوما، فاحلفا بالله عز وجل». فقام الزوج عند المنبر دُبُرَ صلاة العصر يوم الجمعة، وهو عويمر بن أُمَيَّة، فقال: أشهد بالله أنّ فلانة زانية -يعني: امرأته خولة-، وإني لمن الصادقين. ثم قال الثانية: أشهد بالله أن فلانة زانية، ولقد رأيت شريكًا على بطنها، وإني لمن الصادقين. ثم قال الثالثة: أشهد بالله أن فلانة زانية، وإنها لَحُبلى من غيري، وإني لمن الصادقين. ثم قال في الرابعة: أشهد بالله أن فلانة زانية، وما قربتها منذ أربعة أشهر، وإني لمن الصادقين. ثم قال الخامسة: لعنة الله على عويمر، إن كان من الكاذبين عليها في قوله. ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾. ثم قامت خولة بنت قيس الأنصاري مقام زوجها، فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية، وإن زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت الثانية: أشهد بالله ما أنا بزانية، وما رأى شريكًا على بطني، وإن زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت الثالثة: أشهد بالله ما أنا بزانية، وإني لَحُبلى منه، وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت الرابعة: أشهد بالله ما أنا بزانية، وما رأى عليَّ مِن رِيبَة ولا فاحشة، وإنّ زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت الخامسة: غضِب اللهُ على خولة إن كان عويمرًا مِن الصادقين في قوله. ففرَّق النبيُّ بينهما، فذلك قوله عز وجل: ﴿ويدرؤا عنها العذاب﴾ يقول: يدفع عنها الحدَّ لشهادتها بعد ﴿أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان﴾ زوجها ﴿من الصادقين﴾ في قوله، وكان الخليلُ رجلًا أسود ابن حبشية، فقال النبي ﷺ: «إذا ولَدَتْ فلا تُرضِع ولدَها حتى تأتوني به». فأتوه بولدها، فإذا هو أشبه الناس بالخليل، فقال النبيُّ ﷺ: «لولا الأيمان لكان لي فيهما أمْر»
عن مجاهد بن جبر -من طريق عمر بن ذر- في قوله تعالى: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، قال: الحق