عن صفوان بن عَسّال: أن يهوديَّين قال أحدُهما لصاحبه: انطلق بنا إلى هذا النَّبِيِّ نسأله. فأتياه، فسألاه عن قول الله: ﴿ولقد آتينا موسى تسعَ آياتٍ بيناتٍ﴾. فقال رسول الله ﷺ: «لا تُشركُوا بالله شيئًا، ولا تَزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحقِّ، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريءٍ إلى ذي سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقْذفوا محصنة -أو قال: ولا تفروا من الزحف، شكَّ شعبةُ-، وعليكم -يا يهودُ- خاصةً أن لا تعتدُوا في السبت». فقبَّلا يديْه ورجلَيه، وقالا: نشهدُ أنك نبيٌّ. قال: «فما يمنعكما أن تُسلما؟». قالا: إنّ داود دعا الله ألّا يزال في ذريتِه نبيٌّ، وإنّا نخافُ إن أسلمْنا أن يقتُلنا اليهودُ
عن شقيق بن إبراهيم، أنّ عبد العزيز بن أبي رواد قال له: يا شقيق، ليس البيان في أكل الشجر، ولا لباس الصوف والشعر، البيان المعرفة؛ أن تعرف الله عز وجل، تعبده ولا تشرك به شيئًا، والثانية: الرضا عن الله عز وجل، والثالثة: تكون بما في يد الله أوثق منك بما في أيدي المخلوقين. قال شقيق: فقُلت له: فسِّر لي هذا حتى أتعلمه. قال: أمّا تعبد الله لا تشرك به شيئًا: يكون جميع ما تعمله لله خالصًا مِن صوم، أو صلاة، أو حج، أو غزو، أو عبادة فرض، أو غير ذلك مِن أعمال، حتى يكون لله خالصًا. ثم تلا هذه الآية: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾
عن سعيد بن جبير -من طريق سالم الأفطس- في قوله: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ [المائدة:٨٢]، قال: هم النجاشي الذي أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلًا، اختارهم مِن قومه الخيِّر مِن الخيِّر في الفقه والسنن، فلما أتوا رسول الله ﷺ، فدخلوا عليه، فقرأ عليهم: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ حتى أتى على آخرها؛ فبكوا حين سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق؛ فنزل عليهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنهُمْ قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ إلى قوله: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة:٨٢-٨٣]، ونزل فيهم أيضًا: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ إلى آخر الآيات
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا﴾، قال: نزلت في سعد بن أبي وقاص الزهري، وأُمُّه حَمْنَة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ﴿وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علمٌ فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾ يعني: سعدًا، وذلك أنه حين أسلم حلفت أمه: لا تأكل طعامًا، ولا تشرب شرابًا، ولا تدخل كِنًّا، حتى يرجع سعد عن الإسلام. فجعل سعد يَتَرَضّاها، فأبَتْ عليه، وكان بها بارًّا، فأتى سعدٌ النبيَّ ﷺ، فشكى إليه؛ فنزلت في سعد هذه الآية، فأمره النبي ﷺ أن يترضاها، ويجهد بها على أن تأكل وتشرب، فأبت حتى يئس منها، وكان أحب ولدها إليها
قال يحيى بن سلّام: رجعت القصة إلى الكلام الأول: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (٢) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾، فوصف المنافقين في هذه الآية الآخرة، فقال: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله﴾ إذا أمر بالجهاد في سبيل الله، فدخل عليه فيه أذًى، رفض ما أُمِر به، يعني: المنافق، واجترأ على عذاب الله، وأقام عن الجهاد، فتبيَّن نفاقه، أي: ﴿جعل فتنة الناس﴾ يعني: ما يدخل عليه من البَلِيَّة في القتال إذا كانت بليةً ﴿كعذاب الله﴾ في الآخرة، فترك القتال في سبيل الله، واجترأ على عذاب الله في الآخرة؛ لأنّ الله -تبارك وتعالى- قد خوَّفه عذاب الآخرة، وهو لا يُقِرُّ به
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ الآيةَ، قال: كان أزواجُه قد تَغايَرْنَ على النبي ﷺ، فهجرهن شهرًا، ثم نزل التخيير مِن الله له فيهن، فقرأ حتى بلغ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ [الأحزاب:٣٣]، فخيَّرَهُنَّ بين أن يَخْتَرْن أن يخلي سبيلهن ويسرحهن، وبين أن يُقِمْن إن أردن الله ورسوله على أنّهُنَّ أمهات المؤمنين، لا يُنكَحن أبدًا، وعلى أنّه يؤوي إليه مَن يشاء مِنهُنَّ مِمَّن وهب نفسه له حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ويرجي من يشاء حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ومن ابتغى ممن هي عنده وعزل فلا جناح عليه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ نزلت في مشركي مكة، وذلك أن الله عز وجل أنزل في الفرقان [٦٨]: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآية، فقال وحْشيّ مولى المُطْعِم بن عَدِيّ بن نوفل: إنِّي قد فعلتُ هذه الخصال، فكيف لي بالتوبة؟ فنزلت فيه: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]. فأسلم وحْشيّ، فقال مشركو مكة: قد قُبِلَ من وحْشيّ توبَتُهُ، وقد نزل فيه ولم ينزل فينا. فنزلت في مشركي مكة: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾، وذلك أنّ الله عز وجل أرى النبيَّ ﷺ في المنام وهو بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحُدَيبية أنه وأصحابه حلَقوا وقصّروا، فأخبر النبي ﷺ بذلك أصحابه، ففرحوا، واستبشروا، وحسبوا أنّهم داخلوه في عامهم ذلك، وقالوا: إنّ رؤيا النبي ﷺ حقٌّ. فردّهم الله عز وجل عن دخول المسجد الحرام إلى غنيمة خَيْبَر، فقال المنافقون -عبد الله بن أُبي، وعبد الله بن رسل، ورفاعة بن التابوه-: واللهِ، ما حلَقنا ولا قصّرنا، ولا رأينا المسجد الحرام. فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ الآية
عن محمد بن شهاب الزُّهريّ وغيره -من طريق عبد الملك ابن جُرَيْج- قال: جلس رسولُ الله ﷺ في مجلسٍ فيه عبد الله بن رَواحة، وعبد الله بن أُبَيّ بن سلول، فلمّا ذهب رسول الله ﷺ قال عبد الله بن أُبَيّ بن سلول: لقد آذانا بَوْلُ حماره، وسدّ عنا الرَّوْح. وكان بينه وبين ابن رواحة شيء، حتى خرجوا بالسلاح، فأتى رسولُ الله ﷺ، فحجز بينهم، فلذلك يقول عبد الله بن أُبَيّ: متى ما يكن مولاك خصمك جاهدًا تُظَلَّم ويصرعْك الذي تُصارعُ قال: فأُنَزَلتْ فيهم هذه الآية: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾
قال محمد بن السّائِب الكلبي: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾، بلَغَنا: أنّ رسول الله ﷺ أقبَل على حمارٍ، حتى وقف في مجلسٍ من مجالس الأنصار، فكره بعض القوم موقفه، وهو عبد الله بن أُبَي بن سَلول المنافق، فقال له: خلِّ لنا سبيلَ الريح مِن نَتن هذا الحمار، أُفٍّ. وأمسَك بأنفه، فمضى رسولُ الله، وغضب له بعض القوم، وهو عبد الله بن رَواحة، فقال: ألِرسول الله قلتَ هذا القول؟! فواللهِ، لَحِمارهُ أطيب ريحًا منك. فاستبّا، ثم اقتتلا، واقتتلت عشائرهما، فبلغ ذلك رسول الله، فأقبل يُصلح بينهما، فكأنهم كرهوا ذلك؛ فنَزَلتْ هذه الآية: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾