نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
ولما تقدم إليهن في القول وقدمه لعمومه(١)، أتبعه الفعل فقال :﴿وقرن﴾ أي اسكنّ وامكثن دائماَ ﴿في بيوتكن﴾ فمن كسر القاف وهم غير(٢) المدنيين(٣) وعاصم(٤) جعل الماضي قرر(٥) بفتح العين، ومن فتحه فهو عنده قرر بكسرها، وهما لغتان.
ولما أمرهن بالقرار، نهاهن عن ضده مبشعاً له، فقال :﴿ولا تبرجن﴾ أي تظاهرن من البيوت بغير حاجة محوجة، فهو(٦) من وادي أمر النبي ﷺ لهن بعد حجة الوداع بلزوم ظهور الحصر ﴿تبرج الجاهلية الأولى﴾ أي المتقدمة على الإسلام وعلى ما قبل الأمر بالحجاب، بالخروج(٧) من بيت والدخول في آخر، والأولى لا تقتضي أخرى كما ذكره البغوي(٨)، وعن ابن عباس(٩) رضي الله عنهما أنها ما بين نوح وإدريس عليهما السلام، تبرج فيها(١٠) نساء السهول - وكن صباحاً وفي(١١) رجالهن دمامة - لرجال الجبال وكانوا صباحاً وفي نسائهن دمامة، فكثر الفساد، وعلى هذا فلها ثانية.
ولما أمرهن بلزوم البيوت للتخلية عن(١٢) الشوائب، أرشدهن إلى التحلية بالرغائب، فقال :﴿وأقمن الصلاة﴾ أي فرضاً ونفلاً، صلة لما بينكن وبين الخالق لأن(١٣) الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴿وآتين الزكاة﴾ إحساناً إلى الخلائق، وفي هذا بشارة بالفتوح وتوسيع الدنيا عليهن، فإن العيش وقت نزولها كان ضيقاً عن القوت فضلاً عن الزكاة.
ولما أمرهن بخصوص ما تقدم لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية، ومن اعتنى بهما حق الاعتناء جرتاه إلى ما وراءهما، عم وجمع في قوله :﴿وأطعن الله﴾ أي ذاكرات ما له(١٤) من صفات الكمال ﴿ورسوله﴾ في جميع ما يأمران به ؛فإنه لم يرسل إلا للأمر والنهي تخليصاً للخلائق من أسر الهوى.
ولما كانت هذه الآيات قد نهت عن الرذائل، فكانت عنها أشرف الفضائل، قال مبيناً أن ذلك إنما هو لتشريف أهل النبي ﷺ لتزيد الرغبة في ذلك مؤكداً دفعاً لوهم من يتوهم أن ذلك لهوان، أو غير ذلك من نقصان وحرمان :﴿إنما يريد الله﴾ أي وهو ذو الجلال والجمال بما أمركم به ونهاكم عنه من الإعراض عن الزينة وما تبعها، والإقبال عليه، عزوفكم عن الدنيا وكل ما تكون سبباً له ﴿ليذهب﴾ أي(١٥) لأجل أن يذهب ﴿عنكم الرجس﴾ أي الأمر الذي يلزمه دائماً الاستقذار والاضطراب من مذام الأخلاق كلها ﴿أهل﴾ يا أهل ﴿البيت﴾ أي من كل من تكون من إلزام النبي ﷺ من الرجال والنساء من الأزواج والإماء والأقارب، وكلما كان الإنسان منهم أقرب وبالنبي صلى الله عليه وسلم(١٦) أخص وألزم، كان بالإرادة(١٧) أحق وأجدر.
ولما استعار للمعصية الرجس، استعار للطاعة الطهر، ترغيباً لأصحاب الطباع السليمة والعقول المستقيمة، في الطاعة، وتنفيراً لهم عن المعصية فقال(١٨) :﴿ويطهركم﴾ أي يفعل في طهركم بالصيانة(١٩) عن جميع القاذورات الحسية والمعنوية فعل المبالغ فيه، وزاد ذلك عظماً بالمصدر فقال :﴿تطهيراً﴾.
١ من ظ وم ومد، وفي الأصل: بعمومه..
٢ سقط من ظ وم ومد..
٣ من ظ ومد، وفي الأصل: المدنيون، وفي م: المدنيان..
٤ راجع نثر المرجان ٥/٤٠٦..
٥ من م ومد، وفي الأصل وظ: قرن..
٦ زيد من ظ وم ومد..
٧ في ظ: من الخروج..
٨ راجع معالم التنزيل بهامش اللباب ٥/٢١٣..
٩ راجع معالم التنزيل بهامش اللباب ٥/٢١٣..
١٠ زيد من ظ ومد..
١١ زيد من م ومد..
١٢ من ظ وم ومد، وفي الأصل: من..
١٣ في ظ وم ومد: أن..
١٤ ومن هنا تنقطع نسخة م إلى ما سننبه عليه..
١٥ زيد من ظ ومد..
١٦ زيدت الواو في الأصل، ولم تكن في ظ ومد فحذفناها..
١٧ من مد، وفي الأصل وظ: بالإراة..
١٨ من مد، وفي الأصل وظ: قال..
١٩ من ظ ومد، وفي الأصل: الصيانة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى