التفسير المظهري — المظهري

عن الكتاب
﴿وقرن في بيوتكن﴾ قرأ نافع وعاصم بفتح القاف من قريقر بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، أصله أقررن حذفت الراء الأولى ونقلت حركتها إلى القاف واستغنى عن همزة الوصل. والباقون بكسر القاف من قريقر قرارا بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر وهما لغتان فيه ومعناهما واحد وكذا تعليلهما واحدة أمر بالقرار في البيوت وعدم الخروج بقصد المعصية كما يدل عليه قوله تعالى :﴿ولا تبرجن﴾ فإنه عطف تفسيري وتأكيد معنى، وليس في الآية نهي عن الخروج من البيت مطلقا، وإن كان للصلاة، أو الحج، أو لحاجة الإنسان كما زعمه الذين في قلوبهم مرض من الروافض، حتى طعنوا في الصديقة الكبرى بنت الصديق الأكبر حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنها خرجت من بيتها إلى مكة وذهبت منها إلى البصرة في وقعة الجمل، وكان خروجها إلى مكة للحج، وبعد خروجها استشهد عثمان رضي الله عنه، وأظهر أهل المصر فتنة في المدينة، حتى هرب منها طلحة والزبير رضي الله عنهما، ولحقا بعائشة، وأشارا بالخروج لإصلاح ذات البين، ولما أبت احتجا بقوله تعالى :﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ (١) فخرجت إلى البصرة ووقع الصلح بين من كان معها ومن كان مع علي رضي الله عنهما، ثم أثار نار الفتنة عبد الله بن سبأ اليهودي المنافق الذي تزي بزي شيعة علي رضي الله عنه حتى وقع القتال بين المسلمين في وقعة الجمل. وقد ذكرنا القصة في كتابنا السيف المسلول. والتبرج من البروج بمعنى الظهور والمراد بها إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال. وقال ابن نجيح التبرج التبختر. قال البيضاوي في تفسيره لا تبخترن في مشيتكن ﴿تبرج الجاهلية الأولى﴾ منصوب على المصدرية أي تبرجا مثل تبرج الجاهلية الأولى والمراد بالجاهلية الأولى جاهلية قبل الإسلام. والجاهلية الأخرى جاهلية الفسق بعد الإسلام. قال الشعبي هي ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. وقال أبو العالية هي زمن داود وسليمان عليهما السلام كانت المرأة تلبس قميصا من الدر غير مخيط للجانبين فيرى خلقها فيه. وقال الكلبي كان ذلك في زمن نمروذ الجبار، كانت المرأة تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه وتمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره وتعرض نفسها على الرجال. وروى عكرمة عن ابن عباس الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس وكان ألف سنة وكان سبطين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحا وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلا من أهل السهل وأجر نفسه منه فكان يخدمه واتخذ شيئا مثل الذي يدموا الرعاء فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدا يجتمعون إليه، فتبرج النساء للرجال، وتزين الرجال لهن، وإن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك فرأى الرجال والنساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهم فنزلوا معهم فظهرت الفاحشة فيهن، فذلك قوله تعالى :﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ وقد تذكر الأولى وإن لم يكن لها أخرى كقوله تعالى :﴿أهلك عادا الأولى﴾(٢) ولم يكن لها أخرى، أو المعنى الجاهلية التي كانت قبل زمانكم ﴿وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله﴾ في كل ما أمرتن به ونهيتن عنه ؛فإن ذلك هو التقوى الذي هو شرط أفضليتكن على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من أولاده صلى الله عليه وسلم، ولقصد التعميم أورد ضمير المذكر، وقد أورد الله سبحانه هذا الكلام في مقام التعليل لما سبق، يعني إنما يريد الله سبحانه فيما أمركن به ونهاكن عنه لإذهاب الرجس، يعني عمل الشيطان من الإثم والقبائح الشرعية والطبيعة الذي ليس فيه مرضاة الله تعالى عنكن وعن غيركن من أهل البيت ﴿أهل البيت﴾ بيت النبي صلى الله عليه وسلم منصوب على النداء أو المدح. قال عكرمة ومقاتل أراد بأهل البيت نساء النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن ؛ لأنهن في بيته، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس وتلا قوله تعالى :﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ رواه ابن أبي حاتم، وروى ابن جرير عن عكرمة نحوه وهم استدلوا بسياق الآية وسباقها لكن القول بتخصيص الحكم بهن يأباه ضمير المذكرين. وذهب أبو سعيد الخدري وجماعة من التابعين منهم مجاهد وقتادة وغيرهما إلى أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم لحديث عائشة قالت :" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأد خله، ثم جاء الحسين بن علي فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأد خله، ثم قال :( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (٣) رواه مسلم. وحديث سعد بن أبي وقاص قال لما نزلت هذه الآية ﴿ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال :" اللهم هؤلاء أهل بيتي " رواه مسلم وحديث واثلة بن الأسقع أنه صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس﴾ الآية وقال لعلي وفاطمة وابنيهما " اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " وأخرج الترمذي، وغيره، عن عمر بن أبي سلمة، وابن جرير وغيره، عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا لما نزلت هذه الآية :﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس﴾ فجللهم بكساء فقال :" اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " (٤) وهذه الأحاديث ونحوها لا تدل على تخصيص الحكم بهؤلاء الأربعة رضي الله عنهم، ويأباه ما قبل الآية وما بعدها، ويأباه العرف واللغة ؛لان الأصل في استعمال أهل البيت لغة النساء، وأما الأولاد وغيرهم فإنما يطلق عليهم تبعا ؛لان لهم بيوتا متغايرة غالبا، وقد قال الله تعالى حكاية عن قول الملائكة لسارة امرأة إبراهيم عليه السلام ﴿أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ (٥) والحق ما ذكرنا أن الآية تعم جميع أهل البيت، وإن كان سوق الكلام للنساء. عن أم سلمة رضي الله عنها قالت :" في بيتي أنزلت ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ قالت فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين فقال :" هؤلاء أهل بيتي " فقلت : يا رسول الله أما أنا من أهل البيت ؟قال :" بلى إن شاء الله " رواه البغوي وغيره. هذا الحديث يدل على أن أهل البيت يعم كلهم، وكلمة إن شاء الله للتبرك. وقال زيد بن أرقم أهل بيته من حرم عليه الصدقة آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس وآل الحارث بن عبد المطلب. ﴿ويطهركم تطهيرا﴾ من نجاسة الآثام بالحفظ في الدنيا والمغفرة في الآخرة.
بين الله سبحانه أنه إنما نهاهن وأمرهن ووعظهن لئلا يقارف أهل بيت رسوله المأثم وليتصفوا بالتقوى. استعار للذنوب الرجس وللتقوى الطهارة لان عرض المقترف بالمعاصي ملوث كما يتلوث بدنه بالنجاسة، والمتقي نقي كالثوب الطاهر النقي ؛ولكمال المناسبة بين الآثام والأرجاس قال أبو حنيفة يتنجس الماء المستعمل للقربة أو لرفع الحدث ولما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال :" من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره " (٦) متفق عليه من حديث عثمان، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء " الحديث رواه مسلم. احتجت الروافض بهذه الآية على أن عليا وفاطمة والحسن والحسين معصومون، وهم الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيرهم، وعلى أن إجماعهم ومن دونهم من الأئمة حجة ؛قالوا إذا أراد الله تطهيرهم فهم معصومون ؛لأن مراد الله تعالى لا ينفك عن الإرادة والأثيم غير طاهر والعصمة شرط للإمامة وأبو بكر وعمر وعثمان غير معصومين بالإجماع فهم الأئمة لا غيرهم. وهذا الاستدلال باطل بوجوه : الأول أن الآية غير مختص حكمها بعلي وفاطمة وابنيهما كما ذكرت، بل هي نازلة في أمهات المؤمنين، لكن هؤلاء الكرام داخلون في حكمهن. والثاني أن الآية لا تدل على العصمة وقد ورد مثل ذلك في آية الوضوء لجميع الأمة حيث قال :﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ (٧) لا يقال مقتضى آية الوضوء إن الله يريد أن يطهر أبدانكم من الأنجاس والأحداث إن توضأتم، ومقتضى هذه الآية يريد الله أن يطهركم من الآثام فأين هذا من ذلك، لأنا نقول إنها من واد واحد، فإن الله كما يريد أن يطهر أبدان المؤمنين إذا توضؤا واستعملوا الماء في مواضعه، كذلك يريد أن يطهر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من الآثام إن اتقوا ؛ ولذلك بين لهم طريقة استعمال الماء لطهارة الظاهر وبين لهم التقوى بقوله فلا تخضعن لطهارة الباطن، فكما أن طهارة ظاهر البدن يتوقف على اختيار العبد في استعمال الماء، كذلك الطهارة من الآثام يتوقف على اختياره التقوى والله أعلم. والثالث أن العصمة ليست بشرط الإمامة بل يجوز أن يكون الإمام غير معصوم مع وجود المعصوم فيهم، ألم تر أن الله تعالى جعل الملك والإمامة لطالوت مع وجود النبي المعصوم فيهم، وهو اشموئيل وداود عليهما السلام ﴿وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾ (٨) إلى قوله تعالى :﴿وقتل داود جالوت﴾ (٩) والله أعلم.
١ سورة النساء الآية: ١١٤.
٢ سورة النجم الآية: ٥٠..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة باب: فضائل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم (٢٤٢٤)..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب باب: في مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم (٣٧٩٦)..
٥ سورة هود الآية: ٧٣..
٦ أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء (٢٤٥)..
٧ سورة المائدة الآية: ٦..
٨ سورة البقرة الآية: ٢٤٧..
٩ سورة البقرة الآية: ٢٥١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى