روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ من قريقر من باب علم أصله اقررن فحذفت الراء الأولى وألقيت فتحتها على ما قبلها وحذفت الهمزة للاستغناء عنها بتحرك القاف.
وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان وجهاً آخر قال : قاريقار إذا اجتمع ومنه القارة لاجتماعها، ألا ترى إلى قول عضل والديش : اجتمعوا فكونوا قارة فالمعنى وأجمعن أنفسكن في البيوت.
وقرأ الأكثر ﴿وَقَرْنَ﴾ بكسر القاف من وقريقر وقار إذا سكن وثبت، وأصله أو قرن ففعل به ما فعل بعدن من وعد أو من قريقر المضاعف من باب ضرب وأصله اقررن حذفت الراء الأولى وألقيت كسرتها إلى القاف وحذفت الهمزة للاستغناء عنها، وقال مكي. وأبو علي : أبدلت الراء التي هي عين الفعل ياء كراهة التضعيف ثم نقلت حركتها إلى القاف ثم حذفت لسكونها وسكون الراء بعدها وسقطت الهمزة لتحرك القاف. وهذا غاية في التمحل، وفي البحران قررت وقررت بالفتح والكسر كلاهما من القرار في المكان بمعنى الثبوت فيه وقد حكى ذلك أبو عبيدة. والزجاج. وغيرهما، وأنكر قوم منهم المازني مجيء قررت في المكان بالكسر أقر بالفتح وإنما جاء قررت عينه تقر بالكسر في الماضي والفتح في المضارع والمثبت مقدم على النافي.
وقرأ ابن أبي عبلة ﴿واقررن﴾ بألف الوصل وكسر الراء الأولى، والمراد على جميع القراءات أمرهن رضي الله تعالى عنهن بملازمة البيوت وهو أمر مطلوب من سائر النساء. أخرج الترمذي. والبزار عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال :«إن المرإة عور فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها »
وأخرج البزار عن أنس قال جئن النساء إلى رسول الله ﷺ فقلن : يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى فهل لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين في سبيل الله تعالى فقال عليه الصلاة والسلام :«من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى » وقد يحرم عليهن الخروج بل قد يكون كبيرة كخروجهن لزيارة القبور إذا عظمت مفسدته وخروجهن ولو إلى المسجد وقد استعطرن وتزين إذا تحققت الفتنة أما إذا طنت فهو حرام غير كبيرة، وما يجوز من الخروج كالخروج للحج وزيادة الوالدين وعيادة المرضى، وتعزية الأموات من الأقارب ونحو ذلك، فإنما يجوز بشروط مذكورة في محلها.
وظاهر إضافة البيوت إلى ضمير النساء المطهرات أنها كانت ملكهن وقد صرح بذلك الحافظ غلام محمد الأسلمي نور الله تعالى ضريحه في التحفة الإثني عشرية، وذكر فيها أن عليه الصلاة والسلام بنى كل حجرة لمن سكن فيها من الأزواج وكانت كل واحد منهن تتصرف بالحجرة الساكنة هي فيها تصرف المال في ملكه بحضوره ﷺ، وقد ذكر الفقهاء أن من بنى بيتاً لزوجته وأقبضه إياها كان كمن وهب زوجته بيتاً وسلمه إليها، فيكون البيت ملكاً لها ويشهد لدعوى أن الحجرة التي كانت تسكنها عائشة رضي الله تعالى عنها كانت ملكاً لها غير الإضافة في ﴿فِى بُيُوتِكُنَّ﴾ الداخل فيه حجرتها استئذان عمر رضي الله تعالى عنه لدفنه فيها منها بمحضر من الصحابة، وعدم إنكار أحد منهم حتى علي كرم الله تعالى وجهه، واستئذان الحسن رضي الله تعالى عنه منها لذلك أيضاً الثابت عند أهل السنة والشيعة، كما ذكر في الفصول المهمة في معرفة الأئمة وغيره من كتبهم فإن تلك الحجرة لو كانت لبيت المال لحديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورث » لاستأذن رضي الله تعالى عنه من الوزغ مروان فإنه إذ ذاك كان حاكم المدينة المنورة والمتصرف في بيت المال، ولو كانت للورثة بناء على زعم الشيعة من أنه ﷺ يورث كغيره لزم الاستئذان من سائر الأزواج أيضاً لتعلق حقهن فيها على زعمهم بل يلزم الاستئذان أيضاً من عصبته عليه الصلاة والسلام المستحقين لما يبقى بعد النصف والثمن إذا قلنا بتوريثهم فحيث لم يستأذن رضي الله تعالى عنه إلا منها علم أنها ملكها وحدها.
والقول بأنه علم رضا الجميع سواها رضي الله تعالى عنها فاستأذنها لذلك مما لا يقوم لهم حجة، ولهم في هذا الباب أكاذيب لا يعول عليها ولا يلتفت أريب إليها، منها أن عائشة رضي الله تعالى عنه أذنت للحسن رضي الله تعالى عنه حين استأذنها في الدفن في الحجرة المباركة، ثم ندمت بعد وفاته رضي الله تعالى عنه وركبت على بغلة لها وأتت المسجد ومنعت الدفن ورمت السهام على جنازته الشريفة الظاهرة وادعت الميراث.
وأنشأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول :
تجملت تبلغت *** وإن عشت تفيلت لك التسع من الثمن فكيف الكل ملكت
وركاكة هذ الشعر تنادي بكذب نسبته إلى ذلك الحبر رضي الله تعالى عنه، وليت شعري أي حاجة لها إلى الركوب ومسكنها كان تلك الحجرة المباركة لا فلو كانت بصدد المنع لأغلقت بابها ثم إنها رضي الله تعالى عنها كيف يظن بها ولها من العقل الحظ الأوفر بالنسبة إلى سائر أخواتها أمهات المؤمنين تدعي الميراث وهي وأبوها رضي الله تعالى عنهما رويا بمحضر الصحابة الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم «نحن معاشر الأنبياء لا نورث » هذا، ويجوز أن تكون إضافة البيوت إلى ضمير النساء المطهرات باعتبار أنهن ساكنات فيها قائمات بمصالحها قيمات عليها، واستعمال الخاصة والعامة شائع بإضافة البيوت إلى الأزواج بهذا الاعتبار.
والاستئذان يجوز أن يكون لانتقال كل بيت إلى ملك الساكنة فيه بعد وفاته ﷺ من جهة الخليفة ولي بيت المال لما رأى من المصلحة في تخصيص كل منهن بمسكنه وتركه لها على نحو الإقطاع من بيت المال، ومما يستأنس به لكون الإضافة إلى ضميرهن بهذا الاعتبار لا لكون البيوت ملكهن إضافة البيت إلى النبي ﷺ في غير ما أثر، بل سيأتي إن شاء الله تعالى إضافة البيوت إليه عليه الصلاة والسلام وذلك في قوله تعالى :﴿يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [ الأحزاب : ٣ ٥ ] الآية وهي أحق بأن تكون للملك فليراجع هذا المطلب وليتأمل ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الاولى﴾ التبرج على ما روى عن مجاهد. وقتادة. وابن أبي نجيح المشي بتبختر وتكسر وتغنج، وعن مقاتل أن تلقى المرأة خمارها على رأسها ولا تشده فيوارى قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها، وقال المبرد : أن تبدي من محاسنها ما يجب عليها ستره، قال الليث : ويقال تبرجت المرأة إذا أبدت محاسنها من وجهها وجسدها ويرى مع ذلك من عينها حسن نظرت، وقال أبو عبيدة : أن تخرج من محاسنها ما تستدعي به شهوة للرجال، وأصله على ما في «البحر » من البرج وهو سعة العين وحسنها، ويقال طعنة برجاء أي واسعة وفي أسنانه برج إذا تفرق ما بينها وقيل : هو البرج بمعنى القصر، ومعنى تبرجت المرأة ظهرت من برجها أي قصرها، وجعل الراغب إطلاق البرج على سعة العين وحسنها للتشبيه بالبرج في الأمرين، ولا يخفى أنه لو فسر التبرج هنا بالظهور من البرج تكون هذه الجملة كالتأكيد لما قبلها فالأولى أن يفسر به، وتبرج مصدر تشبيهي مثل له صوت صوت حمار أي لا تبرجن مثل تبرج الجاهلية الأولى، وقيل في الكلام إضمار مضافين أي تبرج نساء أيام الجاهلية، وإضافة نساء على معنى في والمراد بالجاهلية الأولى على ما أخرج ابن جرير. وابن أبي جاتم. والحاكم. وابن مردويه. والبيهقي في «شعب الإيمان » عن ابن عباس الجاهلية مابين نوح وإدريس عليهما السلام وكانت ألف سنة، قال : وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبال، وكان رجال الجبال صباحاً وفي النساء دمامة وكان نساء السهل ورجاله على العكس فاتخذ أهل السهل عيداً يجتمعون إليه في السنة، فتبرج النساء للرجال والرجال لهن، وأن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهن فنزلوا معهن فظهرت الفاحشة فيهن، وفي رواية أن المرأة إذ ذاك تجمع بين زوج وعشيق.
وأخرج ابن جرير عن الحكم بن عيينة قال : كان بين آدم ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء ورجالهم حسان وكانت المرأة تراود الرجل عن نفسه وهي الجاهلية الأولى..
وروى مثله عن عكرمة، وقال الكلبي : هي ما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام، وقال مقاتل : كانت زمن نمروذ وكان فيه بغايا يلبسن أرق الدروع ويمشين في الطرق، وروى عنه أيضاً أن الجاهلية الأولى زمن إبراهيم عليه السلام والثانية زمن محمد ﷺ قبل أن يبعث، وقال أبو العالية : كانت الأولى زمن داود وسليمان عليهما السلام وكان للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبين يظهر منه الأعكان والسوأتان.
وقال المبرد : كانت المرأة تجمع بين زوجها وخدنها للزوج نصفها الأسفل وللخدن نصفها الأعلى يتمتع به في التقبيل والترشف، وقيل : ما بين موسى وعيسى عليهما السلام، وقال الشعبي : ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
قال الزجاج : وهو الأشبه لأنهم هم الجاهلية المعروفة كانوا يتخذون البغايا، وإنما قيل :﴿الاولى﴾ لأنه يقال لكل متقدم ومتقدمة أول وأولى، وتأويله أنهم تقدموا على أمة محمد ﷺ. وروى عن ابن عباس ما هو نص في أن الأولى هنا مقابل الأخرى، وقال الزمخشري : يجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام فكأن المعنى ولا تحدثن بالتبرج جاهلية في الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر.
وقال ابن عطية : الذي يظهر عندي أن الجاهلية الأولى إشارة إلى الجاهلية التي تخصهن فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفر وقلة الغيرة ونحو ذلك. وفي حديث أخرجه الشيخان وأبو داود. والترمذي أنه ﷺ قال لأبي ذر وكان قد عير رجلاً أمه أعجمية فشكاه إلى رسول الله ﷺ : يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، وفسرها ابن الأثير بالحالة التي عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك والله تعالى أعلم، وتمسك الرافضة في طعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وحاشاها من كل طعن بخروجها من المدينة إلى مكة ومنها إلى البصرة وهناك وقعت وقعة الجمل بهذه الآية قالوا : إن الله تعالى أمر نساء النبي ﷺ وهي منهن بالسكون في البيوت ونهاهن عن الخروج وهي بذلك قد خالفت أمر الله تعالى ونهيه عز وجل. وأجيب بأن الأمر بالاستقرار في البيوت والنهي عن الخروج ليس مطلقاً وإلا لما أخرجهن ﷺ بعد نزول الآية للحج والعمرة ولما ذهب بهن في الغزوات ولما رخصهن لزيارة الوالدين وعيادة المرض وتعزية الأقارب وقد وقع كل ذلك كما تشهد به الأخبار، وقد صح أنهن كلهن كن يحججن بعد وفاة رسول الله ﷺ إلا سودة بنت زمعة، وفي رواية عن أحمد عن أبي هريرة إلا زينب بنت جحش وسودة ولم ينكر عليهن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم الأمير كرم الله تعالى وجهه وغيره، وقد جاء في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال لهن بعد نزول الآية :{ أَذِنَ لَكِنِ أن تخر

تفسير هذه الآية من كتب أخرى