فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ قرأ الجمهور ﴿وقرن﴾ بكسر القاف من وقر يقر وقاراً، أي سكن، والأمر منه قر بكسر القاف، وللنساء قرن مثل عدن وزنّ. وقال المبرد : هو من القرار، لا من الوقار، تقول : قررت بالمكان بفتح الراء، والأصل : اقررن بكسر الراء فحذفت الراء الأولى تخفيفاً كما قالوا في ظللت : ظلت، ونقلوا حركتها إلى القاف، واستغنى عن ألف الوصل بتحريك القاف. وقال أبو علي الفارسي : أبدلت الراء الأولى ياء كراهة التضعيف كما أبدلت في قيراط ودينار، وصار للياء حركة الحرف الذي أبدلت منه، والتقدير : اقيرن، ثم تلقى حركة الياء على القاف كراهة تحريك الياء بالكسر فتسقط الياء لاجتماع الساكنين، وتسقط همزة الوصل لتحريك ما بعدها فيصير قرن. وقرأ نافع وعاصم بفتح القاف. وأصله قررت بالمكان : إذا أقمت فيه بكسر الراء، أقرّ بفتح القاف كحمد يحمد، وهي لغة أهل الحجاز، ذكر ذلك أبو عبيد عن الكسائي، وذكرها الزجاج وغيره. قال الفراء : هو كما تقول هل حست صاحبك، أي هل أحسسته ؟ قال أبو عبيد : كان أشياخنا من أهل العربية ينكرون القراءة بالفتح للقاف، وذلك لأن قررت بالمكان أقرّ لا يجوّزه كثير من أهل العربية.
والصحيح قررت أقرّ بالكسر، ومعناه : الأمر لهنّ بالتوقر والسكون في بيوتهنّ، وأن لا يخرجن، وهذا يخالف ما ذكرناه هنا عنه عن الكسائي وهو من أجلّ مشايخه. وقد وافقه على الإنكار لهذه القراءة أبو حاتم فقال : إن ﴿قرن﴾ بفتح القاف لا مذهب له في كلام العرب. قال النحاس : قد خولف أبو حاتم في قوله إنه لا مذهب له في كلام العرب، بل فيه مذهبان : أحدهما : حكاه الكسائي، والآخر : عن عليّ بن سليمان. فأما المذهب الذي حكاه الكسائي فهو ما قدّمناه من رواية أبي عبيد عنه، وأما المذهب الذي حكاه عليّ بن سليمان، فقال : إنه من قررت به عيناً أقرّ. والمعنى : واقررن به عيناً في بيوتكنّ. قال النحاس : وهو وجه حسن.
وأقول : ليس بحسن ولا هو معنى الآية، فإن المراد بها أمرهنّ بالسكون والاستقرار في بيوتهنّ، وليس من قرّة العين. وقرأ ابن أبي عبلة :" واقررن " بألف وصل وراءين، الأولى مكسورة على الأصل.
﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَّ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى﴾ التبرّج : أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره مما يستدعي به شهوة الرجل. وقد تقدّم معنى التبرّج في سورة النور. قال المبرد : هو مأخوذ من السعة، يقال : في أسنانه برج : إذا كانت متفرّقة. وقيل : التبرّج هو : التبختر في المشي، وهذا ضعيف جدّاً.
وقد اختلف في المراد بالجاهلية الأولى، فقيل : ما بين آدم ونوح. وقيل : ما بين نوح وإدريس. وقيل : ما بين نوح وإبراهيم. وقيل : ما بين موسى وعيسى، وقيل : ما بين عيسى ومحمد. وقال المبرد : الجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء. قال : وكان نساء الجاهلية تظهر ما يقبح إظهاره، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخليلها، فينفرد خليلها بما فوق الإزار إلى أعلى، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى أسفل، وربما سأل أحدهما صاحبه البدل. قال ابن عطية : والذي يظهر لي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها فأمرن بالنقلة عن سيرتهنّ فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة، لأنهم كانوا لا غيرة عندهم، وليس المعنى أنّ ثم جاهلية أخرى كذا قال، وهو قول حسن. ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإسلام من التشبه بأهل الجاهلية بقول أو فعل، فيكون المعنى : ولا تبرّجن أيها المسلمات بعد إسلامكنّ تبرّجاً مثل تبرّج أهل الجاهلية التي كنتنّ عليها، وكان عليها من قبلكن : ّ أي لا تحدثن بأفعالكنّ وأقوالكنّ جاهلية تشابه الجاهلية التي كانت من قبل. ﴿وَأَقِمْنَ الصلاة وَآتِينَ الزكاة وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَه﴾ خصّ الصلاة والزكاة لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية.
ثم عمم فأمرهنّ بالطاعة لله ولرسوله في كل ما هو شرع ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت﴾ أي إنما أوصاكنّ الله بما أوصاكنّ من التقوى، وأن لا تخضعن بالقول، ومن قول المعروف، والسكون في البيوت وعدم التبرّج، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والطاعة ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، والمراد بالرجس : الإثم والذنب المدنسان للأعراض الحاصلان بسبب ترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه، فيدخل تحت ذلك كل ما ليس فيه لله رضا، وانتصاب ﴿أهل البيت﴾ على المدح كما قال الزجاج، قال : وإن شئت على البدل. قال : ويجوز الرفع والخفض. قال النحاس : إن خفض فعلى أنه بدل من الكاف والميم، واعترضه المبرد بأنه لا يجوز البدل من المخاطب، ويجوز أن يكون نصبه على النداء ﴿وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ أي يطهركم من الأرجاس والأدران تطهيراً كاملاً. وفي استعارة الرجس للمعصية والترشيح لها بالتطهير تنفير عنها بليغ، وزجر لفاعلها شديد.
وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت المذكورين في الآية، فقال ابن عباس وعكرمة وعطاء والكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير : إن أهل البيت المذكورين في الآية هنّ زوجات النبيّ ﷺ خاصة.
قالوا : والمراد بالبيت بيت النبي ﷺ ومساكن زوجاته لقوله :﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. وأيضاً السياق في الزوجات من قوله :﴿يا أيها النبي قُل لأزواجك﴾ إلى قوله :﴿واذكرن مَا يتلى في بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله والحكمة إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾. وقال أبو سعيد الخدري ومجاهد وقتادة، وروي عن الكلبي : أن أهل البيت المذكورين في الآية هم : عليّ وفاطمة والحسن والحسين خاصة، ومن حججهم الخطاب في الآية بما يصلح للذكور لا للإناث، وهو قوله :﴿عنكم﴾ و ﴿ليطهركم﴾ ولو كان للنساء خاصة لقال عنكنّ ويطهركنّ. وأجاب الأولون عن هذا أن التذكير باعتبار لفظ الأهل كما قال سبحانه :﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت﴾ [هود: ٧٣] وكما يقول الرجل لصاحبه : كيف أهلك ؟ يريد زوجته أو زوجاته، فيقول : هم بخير.
ولنذكر هاهنا ما تمسك به كلّ فريق. أما الأوّلون، فتمسكوا بالسياق، فإنه في الزوجات كما ذكرنا، وبما أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت﴾ قال : نزلت في نساء النبيّ ﷺ خاصة. وقال عكرمة : من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبيّ ﷺ. وأخرج نحوه ابن مردويه من طريق سعيد ابن جبير عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن سعد عن عروة نحوه.
وأما ما تمسك به الآخرون، فأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أمّ سلمة قالت : في بيتي نزلت ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت﴾ وفي البيت فاطمة وعليّ والحسن والحسين، فجللهم رسول الله ﷺ بكساء كان عليه، ثم قال :«هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ». وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أمّ سلمة أيضاً ؛ أن النبيّ ﷺ كان في بيتها على منامة له عليه كساء خيبريّ، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول الله ﷺ :«ادعي زوجك وابنيك حسناً وحسيناً »، فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على النبي ﷺ :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾، فأخذ النبيّ ﷺ بفضلة كسائه فغشاهم إياها، ثم أخرج يده من الكساء وألوى بها إلى السماء، ثم قال :«اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً »، قالها ثلاث مرّات. قالت أمّ سلمة : فأدخلت رأسي في الستر، فقلت : يا رسول الله، وأنا معكم ؟ فقال :«إنك إلى خير » مرّتين. وأخرجه أيضاً أحمد من حديثها قال : حدّثنا عبد الله بن نمير حدّثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رياح، حدّثني من سمع أمّ سلمة تذكر أن النبيّ ﷺ، فذكره. وفي إسناده مجهول وهو شيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات. وقد أخرجه الطبراني عنها من طريقين بنحوه. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره لحديث أمّ سلمة طرقاً كثيرة في مسند أحمد وغيره. وأخرج ابن مردويه والخطيب من حديث أبي سعيد الخدري نحوه. وأخرج الترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبيّ ﷺ قال : لما نزلت هذه الآية على النبيّ ﷺ :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت﴾ وذكر نحو حديث أمّ سلمة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة قالت :«خرج النبيّ ﷺ غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين فأدخلهما معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء عليّ فأدخله معه، ثم قال :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ». وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن واثلة بن الأسقع قال : جاء رسول الله ﷺ إلى فاطمة ومعه عليّ وحسن وحسين حتى دخل، فأدنى علياً وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً وحسيناً كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه، وأنا مستدبرهم، ثم تلا هذه الآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت﴾ وقال :«اللهمّ هؤلاء أهل بيتي، اللهمّ أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً »، قلت : يا رسول الله، وأنا من أهلك ؟ قال :«وأنت من أهلي » قال واثلة : إنه لأرجا ما أرجوه. وله طرق في مسند أحمد.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن المنذر والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس : أن رسول الله ﷺ كان يمرّ بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول :«الصلاة يا أهل البيت الصلاة، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ». وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم : أن رسول الله ﷺ قال :«أذكركم الله في أهل بيتي » فقيل لزيد : ومن أهل بيته ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده : آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر، وآل العباس. وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :«إن الله قسم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسماً، فذلك قوله :﴿وأصحاب اليمين﴾ ﴿وأصحاب الشمال﴾ [الواقعة: ٢٧ - ٤١] فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين. ثم جعل القسمين أثلاثاً، فجعلني في خيرها ثلاثاً، فذلك قوله :﴿فأصحاب الميمنة﴾ ﴿وأصحاب المشئمة﴾ ﴿والسابقون السابقون﴾ [الواقعة: ٨ - ١٠] فأنا من السابقين، وأنا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى