محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي اسكن ولا تخرجن منها من ( وقر يقر وقرا ) إذا سكن. أو من ( قر يقر من باب ضرب ) حذفت الأولى من راأي ( اقررن ) ونقلت كسرتها إلى القاف، فاستغنى عن همزة الوصل. ويؤيده قراءة نافع وعاصم بالفتح. من ( قررت أقر ) من باب علم. وهي لغة قليلة ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ أي تبرج النساء أيام جاهلية الكفر الأولى، إذ لا دين يمنعهم ولا أدب يزعهم. والتبرج، فسر بالتبختر والتكسر في المشي. وبإظهار الزينة، وما يستدعي به شهوة الرجل. وبلبس رقيق الثياب التي لا تواري جسدها. وبإبداء محاسن الجيد والقلائد والقرط. وكل ذلك مما يشمله النهي، لما فيه من المفسدة والتعرض لكبيرة.
فائدة – قيل ( الأولى ) بمعنى القديمة مطلقا من غير تقييد بزمن. فيستدل بذلك لمن قال : إن الأول لا يستلزم ثانيا.
قال في ( الإكليل ) : وهو الأصح عند العلماء. فلو قال : أول ولد تلدينه فأنت طالق، لم يحتج إلى أن تلد ثانيا. انتهى.
وقال الزمخشري : الأولى هي القديمة التي قال لها الجاهلية الجهلاء، من الزمن الذي ولد فيه إبراهيم، أو ما قبله، إلى زمن عيسى. والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما، ويجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخر جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام. ويعضده ما روي (١) أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر، لما عير رجلا بأمه وكانت أعجمية :( إنك امرؤ فيك جاهلية ). والمعنى نهيهن عن إحداث جاهلية في الإسلام، تشبه جاهلية الكفر قبله ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي بموافقة أمرهما ونهيهما. ثم أشار إلى أن مخالفتهما رجس لا يناسب فضل أهل البيت بقوله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ أي ما أمركن ونهاكن، ووعظكن، إلا خيفة مقارفة المآثم والحرص على التصون عنها بالتقوى. فالجملة تعليلية لأمرهن ونهيهن على سبيل الاستئناف.
قال الزمخشري : استعار للذنوب ( الرجس ) وللتقوى ( الطهر ). لأن عرض المقترف للمقبحات يتلوث بها ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس. وأما المحسنات فالعرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولي الألباب عما كرهه الله لعباده ونهاهم عنه. ويرغبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به. و ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نصب على النداء أو على المدح. والمراد بهم من حواهم بيت النبي ﷺ.
قال ابن كثير : وهذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت ها هنا، لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا. إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح. وأما قول عكرمة، إنها نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة، ومن شاء باهتله في ذلك، فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن، فصحيح. وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن، ففي هذا نظر، فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك. و ( أنه ﷺ (٢) جمع عليا وفاطمة والحسن والحسين، ثم جللهم بكساء كان عليه. ثم قال : هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس ). وقد ساق ابن كثير طرق هذا الحديث ومخرجيه. إلا أن الشيخين لم يصححاه، ولذا لم يخرجاه. وأما ما رواه مسلم (٣) عن حصين بن سبرة، عن زيد بن أرقم، قال : قال رسول الله ﷺ :( أما بعد، أيها الناس ! إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين : أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور. فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله عز وجل ورغب فيه. ثم قال : وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. قالها ثلاثا. فقال : له حصين : ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : نساؤه من أهل بيته. ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال : ومن هم ؟ قال : آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس رضي الله عنهم ) - فإنما مراد زيد، آله الذين حرموا الصدقة. أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله.
قال ابن كثير : وهذا الاحتمال أرجح، جمعا بين القرآن والأحاديث المتقدمة، إن صحت. فإن في بعض أسانيدها نظرا. انتهى.
وقال أبو السعود : وهذه كما ترى آية بينة، وحجة نيرة على كون نساء النبي ﷺ من أهل بيته، قاضية ببطلان رأي الشيعة في تخصيصهم أهلية البيت بفاطمة وعلي وابنيهما رضوان الله عليهم. وأما ما تمسكوا به من حديث الكساء وتلاوته ﷺ الآية بعده. فإنما يدل على كونهم من أهل البيت، لا على أن من عداهم ليسوا كذلك. ولو فرضت دلالته على ذلك لما اعتد بها، لكونها في مقابلة النص. انتهى.
بقي أن الشيعة، تمسكوا بالآية أيضا على عصمة علي رضي الله عنه، وإمامته دون غيره.
قال ابن المطهر الحلي منهم : وفي هذه الآية دلالة على العصمة مع التأكيد بلفظ ﴿إنما﴾ وإدخال اللام في الخبر، والاختصاص في الخطاب بقوله :﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وغيرهم ليس بمعصوم الخ. وأجاب ابن تيمية رحمه الله في ( منهاج السنة ) بقوله : ليس في هذا دلالة على عصمتهم ولا إمامتهم. وتحقيق ذلك في مقامين : أحدهما – أن قوله (٤) :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ كقوله (٥) :﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾ وكقوله (٦) :﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ وكقوله (٧) :﴿يريد اله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما﴾ فإن إرادة الله في هذه الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به، وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به. ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد، و لا أنه قضاه وقدره، ولا انه يكون لا محالة. والدليل على ذلك، أن النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية قال ( اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) فطلب من الله لهم إذهاب الرجس والتطهير. فلو كانت الآية تتضمن إخبار الله بأنه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم، لم يحتج إلى الطلب والدعاء.
وهذا على قول القدرية أظهر. فإن إرادة الله عندهم لا تتضمن وجود المراد، بل قد يريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد. فليس في كونه تعالى مريدا لذلك، ما يدل على وقوعه.
وهذا الرافضي وأمثاله قدرية، فكيف يحتجون بقوله :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ على وقوع المراد ؟ وعندهم أن الله قد أراد إيمان من على وجه الأرض. فلم يقع مراده. وأما على قول أهل الإثبات، فالتحقيق في ذلك أن الإرادة في كتاب الله نوعان : إرادة شرعية دينية تتضمن محبته ورضاه. وإرادة كونية قدرية تتضمن خلقه وتقديره. الأولى مثل هؤلاء الآيات. والثانية مثل قوله تعالى (٨) :﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره لإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾ وقول نوح (٩) :﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم﴾ وكثير من المثبتة والقدرية يجعل الإرادة نوعا واحدا، كما يجعلون الإرادة والمحبة شيئا واحدا. ثم القدرية ينفون إرادته لما بين أنه مراد في الآيات التشريع. فإنه عندهم كل ما قيل إنه مراد. فلا يلزم أن يكون كائنا، والله قد أخبر أنه يريد أن يتوب على المؤمنين وأن يطهرهم. وفيهم من تاب وفيهم من لم يتب. وفيهم من تطهر وفيهم من لم يتطهر. وإذا كانت الآية دالة على وقوع ما أراده من التطهير وإذهاب الرجس، لم يلزم بمجرد الآية ثبوت ما ادعاه. ومما يبين ذلك، أن أزواج النبي ﷺ مذكورات في الآية. والكلام في الأمر بالتطهير بإيجابه ووعد الثواب على فعله والعقاب على تركه. قال تعالى (١٠) :﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ إلى قوله (١١) :﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فالخطاب كله لأزواج النبي ﷺ ومعهن الأمر والنهي والوعد والوعيد. لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت، جاء التطهير بهذا الخطاب وغيره ليس مختصا بأزواجه. بل هو متناول لأهل البيت كلهم. وعلي وفاطمة والحسن والحسين أخص من غيرهم بذلك. ولذلك خصهم النبي ﷺ بالدعاء لهم. وهذا كما أن قوله (١٢) :﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾ نزلت بسبب ( مسجد قباء ) لكن الحكم يتناوله ويتناول ما هو أحق منه بذلك، وهو ( مسجد المدينة ) وهذا يوجه ما ثبت في ( الصحيح ) (١٣) عن النبي ﷺ :( أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال : هو مسجدي هذا ). وثبت عنه في ( الصحيح ) (١٤) :( أنه كان يأتي قباء كل سبت ماشيا وراكبا ). فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة ويأتي قباء يوم السبت، وكلاهما مؤسس على التقوى. وهكذا أزواجه. وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أخص بذلك من أزواجه. ولهذا خصهم بالدعاء. وقد تنازع الناس في آل محمد من هم ؟ فقيل : أمته. وهذا قول طائفة من أصحاب محمد ومالك وغيرهم. وقيل : المتقون من أمته. ورووا حديثا ( آل محمد كل مؤمن تقي ) رواه الخلال، تمام في ( الفوائد ) له. وقد احتج به طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم وهو حديث موضوع وبنى ذلك طائفة من الصوفية. أن آل محمد هم خواص الأولياء. كما ذكر الحكيم الترمذي. والصحيح أن آل محمد هم أهل بيته. وهذا هو المنقول عن الشافعي وأحمد. وهو اختيار الشريف أبي جعفر وغيرهم. ولكن هل أزواجه من أهل البيت ؟ على قولين هما روايتان عن أحمد. أحدهما – أنهن لسن من أهل البيت. ويروى هذا عن زيد بن أرقم. والثاني – وهو الصحيح أن أزواجه من آله. فإنه قد ثبت في ( الصحيحين ) (١٥) : عن النبي ﷺ أنه علمهم الصلاة عليه :( اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ). ولأن امرأة إبراهيم من آله وأهل بيته. وامرأة لوط من آله وأهل بيته، بدلالة القرآن. فكيف لا يكون أزواج محمد من آله وأهل بيته ؟ ولأن هذه الآية تدل على أنهن من أهل بيته، وإلا لم يكن لذكر ذلك في الكلام معنى. وأما الأتقياء من أمته فهم أولياؤه. كما ثبت في ( الصحيح ) (١٦) أنه قال :( إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما وليي الله وصالح المؤمنين ). فبين أن أولياءه صالح المؤمنين. وكذلك في حديث آخر :( إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا ). وقد قال تعالى (١٧) :﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين﴾ وفي ( الصحاح ) (١٨) عنه أنه قال :( وددت أني رأيت إخواني. قالوا : أولسنا إخوانك ؟ قال : بل أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ). وإن كان كذلك فأولياؤه المتقون، بينه وبينهم قرابة الدين والإيمان والتقوى. وهذه القرابة الدينية أ
١ أخرجه البخاري في: ٢ – كتاب الأيمان، ٢٢ – باب المعاصي من أمر الجاهلية، حديث رقم ٢٨..
٢ أخرجه الترمذي في: ٤٦ كتاب المناقب، ٦٠ – باب فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم..
٣ أخرجه في: ٤٤ – كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم ٣٦ (طبعتنا)..
٤ (٣٣ / الأحزاب / ٣٣)..
٥ (٥ / المائدة / ٦)..
٦ (٢ / البقرة / ١٨٥)..
٧ (٤ / النساء / ٢٦ و ٢٧)..
٨ (٦ / الأنعام / ١٢٥)..
٩ (١١ / هود / ٣٤)..
١٠ (٣٣ / الأحزاب / ٣٠)..
١١ (٣٣ / الأحزاب / ٣٣)..
١٢ (٩ / التوبة / ١٠٨)..
١٣ أخرجه مسلم في: ١٥ – كتاب الحج، حديث رقم ٤١٥ (طبعتنا)..
١٤ أخرجه البخاري في: ٢٠ – كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة، والمدينة، ٣ باب – من أتى مسجد قباء كل سبت، حديث ٦٤٧ عن ابن عمر. وأخرجه مسلم في: ١٥ – كتاب الحج، حديث رقم ٥١٥ (طبعتنا)..
١٥ أخرجه البخاري في: ٦٠ – كتاب الأنبياء، ١٠ – باب حدثنا موسى بن إسماعيل حديث ١٥٩٠، عن أبي حميد الساعدي.
ومسلم في: ٤ – كتاب الصلاة، حديث رقم ٦٩ (طبعتنا)..

١٦ أخرجه البخاري في: ٧٨ – كتاب الأدب، ١٤ – باب يبل الرحم ببلالها، حديث ٢٣١٥، عن عمرو بن العاص.
وأخرجه مسلم لافي (- كتاب الإيمان، حديث رقم ٣٦٦..

١٧ (٦٦ / التحريم / ٤)..
١٨ أخرجه مسلم في: ٢ – كتاب الطهارة، حديث رقم ٣٩ (طبعتنا)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى