الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال :﴿وقرن في بيوتكن﴾ أي : اثبتن في بيوتكن.
هذا على مذهب من قرأ بكسر القاف (١)، يكون عند الفراء وأبي عبيد من الوقار (٢)، يقال وقر يقر وقورا إذا ثبت في منزله.
وقيل : هو من قر في المكان إذا ثبت أيضا فيكون الأصل : واقررن فحذفت الراء الثانية استثقالا للتضعيف، وألقيت حركة الأولى الباقية على القاف فاستغني عن ألف الوصل، فصار وقرن كما تقول ظلت أفعل بكسر الظاء (٣).
فأما قراءة من فتح القاف، وهي قراءة نافع (٤) وعاصم (٥) (٦) فهي لغة لأهل الحجاز يقولون : قررت بالمكان أقر، بمنزلة قررت به عينا أقر، حكاه أبو عبيد في " المصنف " (٧) عن الكسائي (٨). فيكون التقدير : واقررن [ في بيوتكن ] (٩)، ثم أعل الاولى فيصير : وقرن (١٠).
ويجوز أن يكون من قرة العين هذا على الحذف، والاعتلال أيضا، وشاهده قوله :﴿ذلك أدنى أن تقر أعينهم﴾ (١١) فيكون التقدير : واقررن عينا في بيوتكن.
وروى أن عمارا (١٢) قال لعائشة رضي الله عنها : إن الله قد أمرك أن تقري في منزلك، فقالت : يا أبا اليقظان، ما زلت قوالا بالحق، فقال : الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك.
ثم قال تعالى :﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ أي : إذا خرجتن من بيوتكن.
قال قتادة : التبرج في هذا الموضع التبختر والتكسر، وكانت للجاهلية الأولى مشية (١٣) فيها تكسير وتغنج (١٤) فنهاهن الله عن ذلك (١٥). وقيل التبرج إظهار الزينة للرجال (١٦). وحقيقتها إظهار ما ستر الله وهو مأخوذ من السعة (١٧). يقال في أسنانه برج إذا كانت متفرقة.
والجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام (١٨).
وروي أن هذه الفاحشة كانت ظاهرة في هذا الوقت، وكانت ثم بغايا (١٩) يقصدن للفاحشة (٢٠).
وقيل : ما بين نوح وآدم عليهما السلامكان بينهما ثمان مائة سنة، وكان نساؤهم أقبح ما يكون، ورجالهم أحسن ما يكون، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسه (٢١).
وقال ابن عباس هو ما بين إدريس ونوح عليهما السلام، وكان ذلك ألف سنة، وأن بطنين من ولد آدم أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبال صباحا (٢٢) والنساء قباحا، وكان نساء السهل صباحا والرجال قباحا، وأن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام فأجر نفسه منه فكان يخدمه، واتخذ إبليس شيئا من الذي يزمر فيه الرعاء (٢٣) فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يستمعون إليه، واتخذوا عيدا يجتمعون له في السنة، فتبرج الرجال حسنا، وتبرج النساء للرجال وإن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم، وهم في عيدهم فرأ النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهن، فنزلوا معهن، فظهرت الفاحشة فيهم فهو قوله جل ذكره :﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ (٢٤).
وقوله :﴿الجاهلية الأولى﴾ يدل على أن ثم جاهلية أخرى في الإسلام، دل على ذلك/ قول النبي ﷺ (٢٥) " ثلاث من عمل أهل الجاهلية لا يدعهن الناس : الطعن بالأنساب، والاستمطار بالكواكب والنياحة " (٢٦).
وقال ابن عباس لعمر لما سأله عن الآية، فقال له : وهل كانت الجاهلية إلا واحدة ؟ (٢٧) فقال ابن عباس (٢٨) : وهل كانت أولى إلا ولها آخرة ؟ فقال له عمر : لله درك يا ابن عباس/ كيف قلت ؟ فأعاد ابن عباس الجواب (٢٩). وقال النبي ﷺ (٣٠) لأبي الدرداء وقد عير رجلا فوعاه يا ابن فلانة فقال له : " يا أبا الدرداء إن فيك جاهلية، فقال أجاهلية كفر أو إسلام ؟ قال : بل جاهلية كفر " قال أبو الدرداء : " فتمنيت لو كنت ابتدأت إسلامي يومئذ " (٣١).
ثم قال [ تعالى ] (٣٢) :﴿وأقمن الصلاة﴾ أي : المفروضة.
﴿وآتين الزكاة﴾ يعني الواجبة في الأموال.
﴿وأطعن الله ورسوله﴾ أي : فيما أمركن به ونهاكن عنه.
ثم قال ( تعالى ) (٣٣) :﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ أي : الشر والفحشاء يا أهل بيت محمد.
﴿ويطهركم﴾ أي من الدنس والمعاصي تطهيرا.
قال ابن زيد : الرجس هنا الشيطان (٣٤).
وقيل : عني بأهل البيت هنا النبي ﷺ (٣٥) وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، رواه الخدري (٣٦). عن النبي ﷺ (٣٧) أنه قال " نزلت الآية في خمس : في وفي علي وحسن وحسين وفاطمة " (٣٨). وهو قول جماعة من الصحابة.
وقال عكرمة : عني بذلك أزواج النبي ﷺ (٣٩) (٤٠).
ويلزم عكرمة أن يقرأ عنكن.
وقيل عني بذلك : نساؤه وأهله.
١ هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر: السبعة لابن مجاهد ٥٢٢. أما مكي في الكشف ٢/٣٤٨، فقد اكتفى بالإشارة إلى أن القراءة بكسر القاف هي قراءة الجماعة ٢/٣٤٨.
٢ انظر: معاني الفراء ٢/٣٤٢، واللسان مادة "قرر" ٥/٨٥.
٣ انظر: مشكل الإعراب لمكي ٢/٥٧٧.
٤ هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي المدني، أحد القراء السبعة، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة توفي سنة ١٦٩ هـ انظر: الحجة لأبي زرعة ٥١، وغاية النهاية ٢/٣٣٠، ٣٧١٨، وتقريب التهذيب ٢/٢٩٥، ٢١.
٥ هو عاصم بن بهدلة بن أبي النجود شيخ القراء بالكوفة، وأحد القراء السبعة أخذ القراءات عن السلمي والشيباني وغيرهما، وممن روى عنه حفص بن سليمان والأعمش توفي سنة ١٢٧ هـ انظر: الحجة لأبي زرعة ٥٧، وغاية النهاية ١/٣٤٦، ١٤٩٥، وتقريب التهذيب ١/٣٨٢، ٢.
٦ انظر: الكشف لمكي ٢/١٩٧، والحجة لأبي زرعة ٥٧٧..
٧ هذا الكتاب اسمه "الغريب المصنف" وبهذا الاسم ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه ١٢/٤٠٣ والقرطبي في الجامع ١٤/١٧٨، وحاجي خليفة في كشف الظنون ٣/١٢٠٩، وإسماعيل البغدادي في هدية العارفين ٥/٥٢٥، ورضا كحالة في معجم المؤلفين ٨/١٠٢ والزركلي في الأعلام ٥/١٧٦، وعن موضوع الكتاب يقول الخطيب البغدادي: "وقد سيق إلي جميع مصنفاته، فمن ذلك: "الغريب المصنف" وهو من أجل كتبه في اللغة فإنه احتذى فيه كتاب النضر بن شميل..
٨ انظر: الكشف ٢/١٩٨، ومشكل الإعراب ٢/٥٧٧، والحجة لأبي زرعة ٥٧٧، والبحر المحيط ٧/٢٣٠، والجامع للقرطبي ١٤/١٧٨.
٩ مثبت في طرة أ.
١٠ انظر: مشكل الإعراب لمكي ٢/٥٧٧.
١١ الأحزاب: آية ٥١.
١٢ هو عمار بن ياسر وقد تقدمت ترجمته: ص ٥٥٩٧.
١٣ هكذا في الأصل ولعل الصواب: (وكانت النساء في الجاهلية الأولى مشية).
١٤ التغنج هو التدلل: جاء في اللسان مادة "غنج" ٢/٣٣٧، "الغنج في الجارية تكسر وتدلل".
١٥ انظر: جامع البيان ٢٢/٤، وتفسير ابن كثير ٣/٤٨٣ والدر المنثور ٦/٦٠٢.
١٦ انظر: جامع البيان ٢٢/٤ واللسان مادة "برج" ٢/٢١٢.
١٧ انظر: اللسان مادة "برج" ٢/٢١٢.
١٨ انظر: جامع البيان ٢٢/٤ والجامع للقرطبي ١٤/١٨٠، والبحر المحيط ٧/٢٣١.
١٩ البغايا جمع بغي، يقال بغت الأمة تبغي بغيا، وباغت مباغاة وبغاء بالكسر والمد، وهي بغو وبغي: عهرت وزنت، انظر: اللسان مادة "بغا" ١٤/٧٧.
٢٠ انظر: معاني الزجاج ٤/٢٢٤، والبحر المحيط ٧/٢٣١.
٢١ انظر: جامع البيان ٢٢/٤، وفيه نسبة هذا القول إلى ابن عيينة عن أبيه، وانظر: أيضا الجامع للقرطبي ١٤/١٨٠، وتقييد أبي العباس البسيلي عن ابن عرفة ٤١٠.
٢٢ جاء في اللسان مادة "صبح" ٢/٥٠٧، "رجل صبيح بالضم: جميل والجمع صباح"..
٢٣ جاء في اللسان مادة "زمر" ٤/ ٢٣٧، "زمر يزمر زمرا وزميرا وزمرانا: غنى في القصب... ويقال للقصبة التي يزمر بها زمارة" والرعاء جمع الراعي وهو الذي يرعى الماشية أي يحوطها ويحفظها. انظر: مادة "رعى" ١٤/ ٣٢٥ـ ٣٢٦..
٢٤ انظر: جامع البيان ٢٢/٦٤، وقصص الأنبياء للثعلبي ٥٤، وتفسير البغوي ٥/٢٥٨، وتفسير الخازن ٥/٢٥٨، وتفسير ابن كثير ٣/٤٨٤، والدر المنثور ٦/٦٠١.
٢٥ ج عليه السلام.
٢٦ أخرجه البخاري ـ بمعناه ـ عن ابن عباس باب أيام الجاهلية ٤/٢٣٨، والطبراني في المعجم الكبير (٢١٧٨) وأورده الطبري في جامع البيان ٢٢/٤..
٢٧ (وقال ابن عباس... إلا واحدة) تكررت مرتين في ج.
٢٨ ساقط من ج.
٢٩ انظر: أحكام ابن العربي ٣/١٥٣٧، والبحر المحيط ٧/٢٣١، والدر المنثور ٦/٦٠١ والتفسير المأثور عن عمر بن الخطاب ٦٠٩.
٣٠ ج عليه السلام.
٣١ لم أقف عليه بهذا اللفظ إلا في جامع البيان ٢٢/٥ وكذلك الكشاف للزمخشري ٣/٥٣٧ والبحر المحيط ٧/٢٣١.
٣٢ ساقط من ج.
٣٣ انظر: المصدر السابق.
٣٤ انظر: جامع البيان ٢٢/٦ والبحر المحيط ٧/٢٣١.
٣٥ ساقط من ج.
٣٦ هو أبو سعيد الخدري، وقد تقدمت ترجمته.
٣٧ ج عليه السلام.
٣٨ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب المناقب باب فضل أهل البيت رضي الله عنهم ٩/١٧٠. والطبري في جامع البيان ٢٢/٦ والواحدي في أسباب النزول ٢٣٩، وقد ضعف الهيثمي هذا الحديث من حيث سنده لأن فيه بكير بن يحيى بن زبان وهو ضعيف..
٣٩ ساقط من ج.
٤٠ انظر: جامع البيان ٢٢/٨، والمحرر الوجيز ١٣/٧٢.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى