معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج

عن الكتاب
وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)
وَكُنَ أَرَدْن شَيئاً من أَمْرِ الدُّنْيَا، فأمر اللَّه رسوله - ﷺ - أَنْ يَخيّرَ نساءَهُ بين الإقامة مَعَة على طلب ما عند اللَّه، أو التسْريح إنْ أَرَدْنَ
الحياةَ الدنيَا وزينتها، فاخترن الآخرة على الدنيا والجنَّة على الزينة.
* * *
وقوله: (وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)
أي من آثر منكن الآخرة فَأجْره أَجر عَظِيمٌ.
* * *
وقوله: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)
ولم يقل كواحدة من النساء، لأن أَحَداً نفي عام للمذكر والمؤنث
والواحِدِ والجماعة.
وقوله: (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ).
أي لا تَقلْن قولاً يجد به مُنَافِقٌ سَبيلاً إلى أن يطمع في مًوَافقتكنَّ
له.
(وَقُلْنَ قَولاً مَعْرُوفاً).
أي قُلْنَ ما يوجبه الدِّين والإسلام بغير خضوعٍ فيه، بل بتصريح
وبَيَانٍ.
(فَيطْمعَ) بالنصب وهي القِراءَة، وَجَوَابُ (فلا تَخْضَ) (فَيطْمعَ)
ويقرأ (فَيطْمِعْ) الذي في قلبه مرض، بتسكين العَيْن، نسق على
فلا تَخْضَعْنَ فيطمعْ.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)
ويقرأ " وقِرْنَ " - بكسر القاف - فمن قرأ بالفتح فهو من قَرِرْتُ
بِالمكَانِ أقَرُّ. فالمعْنَى، واقرَرْن فإذا خُفِفَتْ صارت وَقَرْنَ حذفت الألف
لثقل - التضعيف في الراء، وألقيت حركتها على القاف.
والأجْوَدُ وَقِرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ - بكسر القاف - وهو من الوَقَارِ، تقول: وَقَرَ يَقِرُ في المكان.
ويصلح أن يكون من قَرَرْتُ في المكانِ أَقِره فيحذف على أنه
من " واقْرِرْنَ " بكسر الراءِ الأولى، والكسر من جهتين، من أنه من
الوقار، ومن أنه من القرار جميعاً.
* * *
وقوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى).
التبرُّجُ إظْهَارَ الزِينَةِ، وما تُسْتَدْعَى به شهوةُ الرجُلِ.
وقيل إنهُن كن يتكسَّرْن في مِشْيَتِهِنَّ، وَيَتَبختَرنَ، وقيل إن الجاهلية الأولى
من كان من لدن آدم إلى زمن نوح، وقيل من زمن نوح إلى زمن إدريس.
وقيل منذ زمن عيسى إلى زمن النبي - ﷺ -.
والأشبه أن تكون منذ زمن عيسى إلى زمن النبي - ﷺ - لأنهم هم الجاهليةُ المعروفُونَ لأنه روى أنهم كانوا يتخذون البغَايَا - وهن الفواجر يُغْلِلْنَ لَهُمْ.
فإن قيل: لم قيل الأولى؟
قيل يقال لكل متقدِّم ومتقدِّمَةٍ أولى
وأول، فتأويله أنهم تقدَّمُوا أمَّةَ محمد - ﷺ -.
فهم أولى وهم أول من أمة محمد - ﷺ -.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (مَنْ يَأْتِ مِنْكنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ).
وتقرأ (مُبَيَّنَةٍ).
(يُضَاعَفْ لَهَا العذابُ ضِعْفَين).
القراءة يُضَاعَفْ بألِفٍ، وقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ يُضَعِّفْ، وكلاهما
جَيِّدٌ.
وقال أَبُو عُبَيْدَة: يعذب ثلاثة أَعْذِبَةٍ، قال: كان عليها أن يعَذَب
مَرةً وَاحدَةً، فإذا ضُوعِفَتْ المرة ضِعْفَينِ، صار العذاب ثلاثة أَعْذِبَةٍ.
وهذا القول ليس بشيء لأنَّ معنى يضاعف لها العذاب ضعفين يجعل
عذاب جرمها - كعذابَيْ جُرْمَيْنِ.
والدليل عليه (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) فلا يكون أن تعطى على الطاعة أَجْرَين وعلى المَعْصِيَةِ ثلاثة أَعْذِبَةٍ
ومعنى ضعف الشيء مِثلُه، لأن ضِعف الشيء الذي يُضْعِفُه بمنزلة مثقال
الشيء.
ومعنى (يَقْنُتْ) يقيم على الطاعة.
(وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) جاء في التفسير أَنَهُ الجنَّةُ.
* * *
وقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ).
(أَهْلَ الْبَيْتِ) منصوب على المدح، ولو قرئت أهلِ البيتِ
- بالخفض - أو قرئت. أهلُ البيت بالرفع لجاز ذلك ولكنَّ القراءَةَ
النصبُ.
وهو على وجْهَيْنِ:
على مَعْنَى أعني أهلَ البَيْتِ.
وعلى النداء، على معنى يا أهل البَيْتِ.
والرجْسُ في اللغةِ كل مستنكر مسْتَقْذرٍ من مأكول أو عمَلٍ أَوْ فَاحِشَةٍ.
وقيل إن أهل البيت ههنا يعنى به نساء النبي - ﷺ -
وقيل نساء النبي - ﷺ - والرجال الذين هم آله.
واللغة تدل على أنه للنساء والرجال

تفسير هذه الآية من كتب أخرى