اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمر به ؛ لأن الجهاد لا ينفع إلاَّ مع التَّمسُّك بسائر الطاعات، " ولاَ تَنَازعُوا " لا تختلفوا، فإنَّ النزاعَ يوجب أمرين.
أحدهما : الفشل، وهو الجُبن والضَّعف.
والثاني :" تَذْهبَ ريحُكُمْ ".
قال مجاهدٌ : نصرتكم(١).
وقال السُّديُّ : جراءتكم وجدكم(٢).
وقال مقاتل : حدَّتكم(٣).
وقال النضرُ بنُ شُميلٍ : قُوَّتكم(٤). وقال الأخفشُ : دولتكم. و " الرِّيح " هاهنا - كنايةٌ عن بقاء الأمر وجريانه على المرادِ ؛ تقول العربُ :" هَبَّت ريحُ فلان " إذا أقبل أمره على ما يريدُ، وهو كنايةُ عن الدَّوْلة والغلبة ؛ قال :[ الوافر ]
ورواه أبو عبيدٍ " رُكُوداً ".
وقال آخر :[ البسيط ]
وقال :[ البسيط ]
وقيل : الريح : الهيبةُ، وهو قريبٌ من الأولِ ؛ كقوله :[ البسيط ]
وقال قتادة وابن زيد :" هو ريح النصر، ولم يكن نصر قط إلاَّ بريحٍ يبعثُهَا اللَّهُ تضرب وجوه العدوّ " (٩).
ومنه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام :" نُصِرْتُ بالصَّبَا وأهْلِكَتْ عَادٌ بالدَّبُورِ " (١٠)
وقال النعمانُ بنُ مقرن :" شَهِدتُ مع رسول الله ﷺ فكان إذَا لم يُقاتِل في أول النَّهارِ، انتظر حتَّى تزولَ الشَّمسُ، وتهب الريح، وينزل النّصر " (١١)
قوله " تَفْشَلُوا " يحتملُ وجهين :
أحدهما : نصبٌ على جواب النَّهي.
والثاني : الجزم عطفاً على فعل النَّهْي قبله، وقد تقدَّم تحقيقهما في " وتَخُونُوا " قبل ذلك، ويدُلُّ على الثاني قراءة عيسى(١٢) بن عمر " ويَذْهَبْ " بياء الغيبة وحزمه، ونقل أبو البقاء قراءة الجزم ولم يُقيِّدها بياء الغيبة.
وقرأ أبُو حيوة وأبان(١٣) وعصمة " ويَذْهَبَ " بياء الغيبة ونصبه.
وقرأ الحسنُ(١٤) " فَتَفْشِلُوا " بكسر الشين، قال أبو حاتمٍ :" هذا غيرُ معروفٍ " وقال غيره : إنَّها لغةٌ ثانية.
احتجَّ نُفاة القياسِ بهذه الآية فقالوا : القياس يفضي إلى المنازعةِ، والمنازعةُ محرَّمةٌ بهذه الآية ؛ فوجب أن يكون العمل بالقياس محرماً ببيان الملازمة، فإنّا نشاهد الدُّنيا مَمْلُوءةً من الاختلافات بسبب القياس.
وأيضاً القائلون بأنَّ النَّص لا يجوز تخصيصه بالقياس تَمَسَّكُوا بهذه الآية، وقالوا : قوله تعالى :﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ صريح في وجوب طاعة الله ورسوله في كل ما نصَّا عليه، ثم أتبعه بقوله :﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ومَنْ تمسَّك بالقياس المخصص بالنَّصِّ فقد ترك طاعة اللَّهِ وطاعة رسوله، وتمسَّك بالقياس الذي يوجب التنازع والفشل، وكلُّ ذلك حرام. والجوابُ : بأنَّهُ ليس كلُّ قياس يوجب المنازعة.
قوله :" ولا تنَازَعُوا " معطوف على قوله :" فاثْبُتُوا " وهو جواب الشَّرطِ في قوله :﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ فالمحرَّم التنازع عند لقاء فئة الكُفَّارِ، فلا حجة فيها، وأيضاً : فقد ترتَّب على التنازع الفشل وذهاب الريح التي هي الدولة، وذلك لا يترتَّب على القياس.
ثم قال :﴿واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ والمقصودُ أنَّ كمال أمر الجهادِ مبنيٌّ على الصَّبْرِ فأمرهم بالصبر. كما قال في آية أخرى :﴿اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. عن سالم أبي النضر مولى عُمَر بن عُبيدِ اللَّهِ وكان كاتباً له، قال : كتب إليه عبدُ الله بن أبِي أوفَى أنَّ رسول الله ﷺ في بعض أيَّامِهِ الَّتي لقيَ فيها العَدُو، انتظر حتَّى مالتِ الشَّمْسُ، ثمَّ قام في النَّاس، فقال :" يا أيُّهَا النَّاسُ لا تَتمنوا لقاء العدُوّ، واسألوا اللَّهَ العَافيةَ فإذا لقِيتُمُوهم فاصْبِرُوا، واعلَمُوا أنَّ الجنَّة تحتَ ظلالِ السُّيُوفِ " ثم قال :" اللَّهُمَّ مُنزلَ الكتابِ، ومُجْرِي السَّحابِ، وهازِمَ الأحْزابِ، اهزمْهُمْ، وانْصُرْنا عليْهِمْ " (١٥)
أحدهما : الفشل، وهو الجُبن والضَّعف.
والثاني :" تَذْهبَ ريحُكُمْ ".
قال مجاهدٌ : نصرتكم(١).
وقال السُّديُّ : جراءتكم وجدكم(٢).
وقال مقاتل : حدَّتكم(٣).
وقال النضرُ بنُ شُميلٍ : قُوَّتكم(٤). وقال الأخفشُ : دولتكم. و " الرِّيح " هاهنا - كنايةٌ عن بقاء الأمر وجريانه على المرادِ ؛ تقول العربُ :" هَبَّت ريحُ فلان " إذا أقبل أمره على ما يريدُ، وهو كنايةُ عن الدَّوْلة والغلبة ؛ قال :[ الوافر ]
| إذَا هَبَّتْ رياحُكَ فاغْتَنِمْهَا | فإنَّ لِكُلِّ عَاصِفَةٍ سُكُونَا(٥) |
وقال آخر :[ البسيط ]
| أتَنْظُرانِ قَلِيلاً رَيْثُ غَفْلتِهِم | أو تَعْدُوانِ فإنَّ الرِّيحَ للْعَادِي(٦) |
| قَدْ عَوَّدْتُهُمْ ظبَاهُمْ أن يكُونَ لَهُمْ | ريحُ القتالِ وأسْلابُ الَّذينَ لَقُوا(٧) |
| كَمَا حَميناكَ يْوْمَ النَّعْفِ من شَطَطِ | والفَضلُ لِلْقومِ منْ ريحٍ ومِنْ عَدَدِ(٨) |
ومنه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام :" نُصِرْتُ بالصَّبَا وأهْلِكَتْ عَادٌ بالدَّبُورِ " (١٠)
وقال النعمانُ بنُ مقرن :" شَهِدتُ مع رسول الله ﷺ فكان إذَا لم يُقاتِل في أول النَّهارِ، انتظر حتَّى تزولَ الشَّمسُ، وتهب الريح، وينزل النّصر " (١١)
قوله " تَفْشَلُوا " يحتملُ وجهين :
أحدهما : نصبٌ على جواب النَّهي.
والثاني : الجزم عطفاً على فعل النَّهْي قبله، وقد تقدَّم تحقيقهما في " وتَخُونُوا " قبل ذلك، ويدُلُّ على الثاني قراءة عيسى(١٢) بن عمر " ويَذْهَبْ " بياء الغيبة وحزمه، ونقل أبو البقاء قراءة الجزم ولم يُقيِّدها بياء الغيبة.
وقرأ أبُو حيوة وأبان(١٣) وعصمة " ويَذْهَبَ " بياء الغيبة ونصبه.
وقرأ الحسنُ(١٤) " فَتَفْشِلُوا " بكسر الشين، قال أبو حاتمٍ :" هذا غيرُ معروفٍ " وقال غيره : إنَّها لغةٌ ثانية.
فصل
احتجَّ نُفاة القياسِ بهذه الآية فقالوا : القياس يفضي إلى المنازعةِ، والمنازعةُ محرَّمةٌ بهذه الآية ؛ فوجب أن يكون العمل بالقياس محرماً ببيان الملازمة، فإنّا نشاهد الدُّنيا مَمْلُوءةً من الاختلافات بسبب القياس.
وأيضاً القائلون بأنَّ النَّص لا يجوز تخصيصه بالقياس تَمَسَّكُوا بهذه الآية، وقالوا : قوله تعالى :﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ صريح في وجوب طاعة الله ورسوله في كل ما نصَّا عليه، ثم أتبعه بقوله :﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ومَنْ تمسَّك بالقياس المخصص بالنَّصِّ فقد ترك طاعة اللَّهِ وطاعة رسوله، وتمسَّك بالقياس الذي يوجب التنازع والفشل، وكلُّ ذلك حرام. والجوابُ : بأنَّهُ ليس كلُّ قياس يوجب المنازعة.
قوله :" ولا تنَازَعُوا " معطوف على قوله :" فاثْبُتُوا " وهو جواب الشَّرطِ في قوله :﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ فالمحرَّم التنازع عند لقاء فئة الكُفَّارِ، فلا حجة فيها، وأيضاً : فقد ترتَّب على التنازع الفشل وذهاب الريح التي هي الدولة، وذلك لا يترتَّب على القياس.
ثم قال :﴿واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ والمقصودُ أنَّ كمال أمر الجهادِ مبنيٌّ على الصَّبْرِ فأمرهم بالصبر. كما قال في آية أخرى :﴿اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. عن سالم أبي النضر مولى عُمَر بن عُبيدِ اللَّهِ وكان كاتباً له، قال : كتب إليه عبدُ الله بن أبِي أوفَى أنَّ رسول الله ﷺ في بعض أيَّامِهِ الَّتي لقيَ فيها العَدُو، انتظر حتَّى مالتِ الشَّمْسُ، ثمَّ قام في النَّاس، فقال :" يا أيُّهَا النَّاسُ لا تَتمنوا لقاء العدُوّ، واسألوا اللَّهَ العَافيةَ فإذا لقِيتُمُوهم فاصْبِرُوا، واعلَمُوا أنَّ الجنَّة تحتَ ظلالِ السُّيُوفِ " ثم قال :" اللَّهُمَّ مُنزلَ الكتابِ، ومُجْرِي السَّحابِ، وهازِمَ الأحْزابِ، اهزمْهُمْ، وانْصُرْنا عليْهِمْ " (١٥)
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٦١) وذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٥٣)..
٢ انظر المصادر السابقة..
٣ انظر "معالم التنزيل" للبغوي (٢/٢٥٣)..
٤ انظر المصدر السابق..
٥ البيت من شواهد البحر ٤/٤٩٩ تفسير القرطبي ٨/٢٤ روح المعاني ١٠/١٤ حاشية الشهاب ٤/٢٨٠ الدر المصون ٣/٤٢٥..
٦ البيت اختلف في نسبته فقيل لتأبط شرا، وقيل لسليك بن سلكة وقيل للأعشى ينظر: الكشاف ٢/١٧٧ اللسان ٣/١٧٦٤ البحر المحيط ٤/٤٩٩، الدر المصون ٣/٤٢٦..
٧ البيت لشاعر من شعراء الأنصار ينظر: تفسير ابن عطية (٢/٥٣٧) والبحر المحيط (٤/٤٩٩) الدر المصون ٣/٤٤٦..
٨ البيت لعبيدة بن الأبرص في ديوانه ٥٦ وفيه "من شطط" ينظر: تفسير الطبري ١٣/٥٧٥ البحر المحيط ٤/٥٠٠ الدر المصون ٣/٤٢٦..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٦١) عن ابن زيد..
١٠ أخرجه البخاري (٢/٥٢٠) كتاب الاستسقاء: باب قول النبي ﷺ نصرت بالصبا حديث (١٠٣٥) ومسلم (٢/٦١٧) كتاب الاستسقاء: باب في ريح الصبا وأحمد (١/٢٢٣، ٢٢٨) من حديث ابن عباس..
١١ أخرجه أبو داود (٢٦٥٥) والترمذي (٤/١٦٠) رقم (١٦١٣) وأحمد (٥/٤٤٤-٤٤٥) والحاكم (٢/١١٦) من حديث النعمان بن مقرن.
وقال الترميذي: هذا الحديث حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي..
١٢ ينظر" الكشاف ٢/٢٢٦، المحرر الوجيز ٢/٥٣٦، البحر المحيط ٤/٤٩٩، الدر المصون ٣/٤٢٥..
١٣ المصادر السابقة..
١٤ قاله أبو حاتم عن إبراهيم.
ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٣٦، البحر المحيط ٤/٤٩٩، إتحاف ٢/٨١..
١٥ أخرجه البخاري (٦/١٢٠) كتاب الجهاد: باب كان النبي ﷺ إذا لم يقاتل حديث (٢٩٦٦) ومسلم (٣/١٣٦٢-١٣٦٣) كتاب الجهاد والسير: باب كراهة تمني لقاء العدو (٢٠/١٧٤٢) من حديث سالم أبي النضر..
٢ انظر المصادر السابقة..
٣ انظر "معالم التنزيل" للبغوي (٢/٢٥٣)..
٤ انظر المصدر السابق..
٥ البيت من شواهد البحر ٤/٤٩٩ تفسير القرطبي ٨/٢٤ روح المعاني ١٠/١٤ حاشية الشهاب ٤/٢٨٠ الدر المصون ٣/٤٢٥..
٦ البيت اختلف في نسبته فقيل لتأبط شرا، وقيل لسليك بن سلكة وقيل للأعشى ينظر: الكشاف ٢/١٧٧ اللسان ٣/١٧٦٤ البحر المحيط ٤/٤٩٩، الدر المصون ٣/٤٢٦..
٧ البيت لشاعر من شعراء الأنصار ينظر: تفسير ابن عطية (٢/٥٣٧) والبحر المحيط (٤/٤٩٩) الدر المصون ٣/٤٤٦..
٨ البيت لعبيدة بن الأبرص في ديوانه ٥٦ وفيه "من شطط" ينظر: تفسير الطبري ١٣/٥٧٥ البحر المحيط ٤/٥٠٠ الدر المصون ٣/٤٢٦..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٦١) عن ابن زيد..
١٠ أخرجه البخاري (٢/٥٢٠) كتاب الاستسقاء: باب قول النبي ﷺ نصرت بالصبا حديث (١٠٣٥) ومسلم (٢/٦١٧) كتاب الاستسقاء: باب في ريح الصبا وأحمد (١/٢٢٣، ٢٢٨) من حديث ابن عباس..
١١ أخرجه أبو داود (٢٦٥٥) والترمذي (٤/١٦٠) رقم (١٦١٣) وأحمد (٥/٤٤٤-٤٤٥) والحاكم (٢/١١٦) من حديث النعمان بن مقرن.
وقال الترميذي: هذا الحديث حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي..
١٢ ينظر" الكشاف ٢/٢٢٦، المحرر الوجيز ٢/٥٣٦، البحر المحيط ٤/٤٩٩، الدر المصون ٣/٤٢٥..
١٣ المصادر السابقة..
١٤ قاله أبو حاتم عن إبراهيم.
ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٣٦، البحر المحيط ٤/٤٩٩، إتحاف ٢/٨١..
١٥ أخرجه البخاري (٦/١٢٠) كتاب الجهاد: باب كان النبي ﷺ إذا لم يقاتل حديث (٢٩٦٦) ومسلم (٣/١٣٦٢-١٣٦٣) كتاب الجهاد والسير: باب كراهة تمني لقاء العدو (٢٠/١٧٤٢) من حديث سالم أبي النضر..