تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه بل يستعينوا(١) به ويتكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك. فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضا فيختلفوا فيكون سببا لتخاذلهم وفشلهم.
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي : قوتكم وحدتكم وما كنتم فيه من الإقبال، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
وقد كان للصحابة - رضي الله عنهم - في باب الشجاعة والائتمار بأمر(٢) الله، وامتثال ما أرشدهم إليه - ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم ؛ فإنهم ببركة الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب(٣) والأقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة، مع قلة عَدَدهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم، من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبُوش وأصناف السودان والقبْط، وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى عَلَتْ كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت(٤) الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم، إنه كريم وهاب.
١ في د: "يستغيثوا"..
٢ في د، ك، م: "بأوامر"..
٣ في م: "الثغور"..
٤ في د: "واشتهرت"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى