التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على ما قبله، أى : اثتبوا عند لقاء الأعداء، وأكثروا من ذكر الله، وأطيعوا الله ورسوله في كل أقوالكم وأعمالكم، وفى سركم وجهركم، وفى كل ما تأتون وما تذرون.
وقوله ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ نهي لهم عن الاختلاف المؤدى إلى الفشل وضياع القوة بعد أمرهم بالثبات والمداومة على ذكر الله وطاعته.
وقوله ﴿تَنَازَعُواْ﴾ من النزع بمعنى الجذب وأخذ الشئ... والتنازع والمنازعة المجاذبة كأن كل واحد من المتنازعين يريد أن ينزع ما عند الآخر ويلقى به.
والمراد بالتنازع هنا : الخصام والجدال والاختلاف المفضى إلى الفشل أى : الضعف.
قال الآلوسى : وقوله :﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، قال الأخفش : الريح مستعارة للدولة. لشبهها بها في نفوذ أمرها وتمشيه، ومن كلامهم هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة وجرى أمره على ما يريد. وركدت رياحه إذا ولت عنه وأدبر أمره. قال الشاعر :
إذا هبت رياحك فاغتنمها... فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإِحسان فيها... فما تدرى السكون متى يكون
والمعنى : كونوا - أيها المؤمنون - ثابتين ومستمرين على ذكر الله وطاعته عند لقاء الأعداء، ولا تنازعوا وتختصموا وتختلفوا، فإن ذلك يؤدى بكم إلى الفشل أي الضعف، وإلى ذهاب دولتكم، وهوان كلمتكم، وظهور عدوكم عليكم.
﴿واصبروا﴾ على شدائد الحرب، وعلى مخالفة أهوائكم التي تحملكم على التنازع، ﴿إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ بتأييده ومعونته ونصره.
هذا والمتأمل في هاتين الآيتين يراهما قد رسمتا للؤمنين في كل زمان ومكان الطريق التي توصلهم إلى الفلاح إلى النصر أكثرهما ثباتا.
وتأمران بمداومة ذكر الله، لأن ذكر الله هو الصلة التي تربط الإِنسان بخالقه الذي بيده كل شئ، ومتى حسنت صلة الإِنسان بخالقه، صغرت في عينه قوة أعدائه مهما كبرت.
وتأمران بطاعة الله ورسوله، حتى يدخل المؤمنون المعركة بقلوب نقية، وبنفوس صافية.. لا مكان فيها للتنازع والاختلاف المؤدى إلى الفشل، وذهاب القوة.. ويأمران بالصبر، أي بتوطين النفس على ما يرضى الله، واحتمال المكاره والمشاق في جلد. وهذه الصفة لا بد منها لمن يريد أن يصل إلى آماله وغاياته.
ورحم الله الإِمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين الكريميتن : " هذا تعليم من الله - تعالى - لعباده - المؤمنين آداب اللفاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء ".
وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبى أوفى " أن رسول الله - ﷺ - انتظر في بعض أيامه التي لقى فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال : يأيها الناس لاتتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. ثم قام وقال : اللهم منزل الكتاب، ومجرى السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم ".
وفى الحديث الآخر المرفوع يقول الله - تعالى - " إن عبدى كل عبدى الذي يذكرنى وهو مناجز قرنه " أى : لا يشغله ذلك الحال عن ذكرى ودعائى واستعانتى.
وعن قتادة في هذه الآية : " افترض الله ذكره عند اشتغل ما يكون. الضرب بالسيوف ".
ثم قال : " وقد كان للصحابة - رضى الله عنهم - في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله، وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد من بعدهم، فإنهم ببركة الرسول - ﷺ - وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا، في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس.. قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الاسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة فرضى الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى