مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
ونزل في قوم زعموا أن لا حج لجمال وتاجر وقالوا هؤلاء الداجّ وليسوا بالحاج ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ﴾ في أن تبتغوا في مواسم الحج ﴿فَضْلاً مّن رَّبِّكُمْ﴾ عطاء وتفضلاً وهو النفع والربح بالتجارة والكراء ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم﴾ دفعتم بكثرة من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة، وأصله أفضتم أنفسكم فترك ذكر المفعول ﴿مّنْ عرفات﴾ هي علم للموقف سمي بجمع كأذرعات. وإنما صرفت لأن التاء فيها ليست للتأنيث بل هي مع الألف قبلها علامة جمع المؤنث، وسميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم عليه السلام فلما رآها عرفها. وقيل : التقى فيها آدم وحواء فتعارفا، وفيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاصة لا تكون إلا بعده ﴿فاذكروا الله﴾ بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات أو بصلاة المغرب والعشاء ﴿عِندَ المشعر الحرام﴾ هو قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة. والمشعر المعلم لأنه معلم العبادة، ووصف بالحرام لحرمته. وقيل : المشعر الحرام مزدلفة، وسميت المزدلفة جمعاً لأن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها، أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين، أو لأن الناس يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون بالوقوف فيها ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ «ما » مصدرية أوكافة اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة، أو اذكروه كما علمكم كيف تذكرونه ولا تعدلوا عنه ﴿وَإِن كُنتُمْ مِّن قَبْلِهِ﴾ من قبل الهدى ﴿لَمِنَ الضالين﴾ الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه و«إن » مخففة من الثقيلة واللام فارقة