مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كم هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى : في الآية حذف والتقدير : ليس عليكم جناح في أن تبتغوا فضلا والله أعلم.
المسألة الثانية : اعلم أن الشبهة كانت حاصلة في حرمة التجارة في الحج من وجوه :
أحدها : أنه تعالى منع عن الجدال فيما قبل هذه الآية، والتجارة كثيرة الإفضاء إلى المنازعة بسبب المنازعة في قلة القيمة وكثرتها، فوجب أن تكون التجارة محرمة وقت الحج وثانيها : أن التجارة كانت محرمة وقت الحج في دين أهل الجاهلية، فظاهر ذلك شيء مستحسن لأن المشتغل بالحج مشتغل بخدمة الله تعالى، فوجب أن لا يتلطخ هذا العمل منه بالأطماع الدنيوية وثالثها : أن المسلمين لما علموا أنه صار كثير من المباحات محرمة عليهم في وقت الحج، كاللبس والطيب والاصطياد والمباشرة مع الأهل غلب على ظنهم أن الحج لما صار سببا لحرمة اللبس مع مساس الحاجة إليه فبأن يصير سببا لحرمة التجارة مع قلة الحاجة إليها كان أولى ورابعها : عند الاشتغال بالصلاة يحرم الاشتغال بسائر الطاعات فضلا عن المباحات فوجب أن يكون الأمر كذلك في الحج فهذه الوجوه تصلح أن تصير شبهة في تحريم الاشتغال بالتجارة عند الاشتغال بالحج، فلهذا السبب بين الله تعالى ههنا أن التجارة جائزة غير محرمة، فإذا عرفت هذا فنقول : المفسرون ذكروا في تفسير قوله :﴿أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ وجهين الأول : أن المراد هو التجارة، ونظيره قوله تعالى :﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ وقوله :﴿جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله﴾ ثم الذي يدل على صحة هذا التفسير وجهان الأول : ما روى عطاء عن ابن مسعود وابن الزبير أنهما قرآ :( أن تبتغوا فضلا من ربكم ) في مواسم الحج، والثاني : الروايات المذكورة في سبب النزول.
فالرواية الأولى : قال ابن عباس : كان ناس من العرب يحترزون من التجارة في أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في ترك البيع والشراء بالكلية، وكانوا يسمون التاجر في الحج : الداج ويقولون : هؤلاء الداج، وليسوا بالحاج، ومعنى الداج : المكتسب الملتقط، وهو مشتق من الدجاجة، وبالغوا في الإحتراز عن الأعمال، إلى أن امتنعوا عن إغاثة الملهوف، وإغاثة الضعيف وإطعام الجائع، فأزال الله تعالى هذا الوهم، وبين أنه لا جناح في التجارة، ثم أنه لما كان ما قبل هذه الآية في أحكام الحج، وما بعدها أيضا في الحج، وهو قوله :﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ دل ذلك على أن هذا الحكم واقع في زمان الحج، فلهذا السبب استغنى عن ذكره.
والرواية الثانية : ما روي عن ابن عمر أن رجلا قال له إنا قوم نكري وإن قوما يزعمون أنه لا حج لنا، فقال : سأل رجل رسول الله ﷺ عما سألت ولم يرد عليه حتى نزل قوله :﴿ليس عليكم جناح﴾ فدعاه وقال : أنتم حجاج وبالجملة فهذه الآية نزلت ردا على من يقول : لا حج للتجار والأجراء والجمالين.
والرواية الثالثة : أن عكاظ ومجنة وذا المجاز كانوا بتجرون في أيام الموسم فيها، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يتجرون في الحج بغير إذن، فسألوا رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية.
والرواية الرابعة : قال مجاهد : إنهم كانوا لا يتبايعون في الجاهلية بعرفة ولا منى، فنزلت هذه الآية.
إذا ثبت صحة هذا القول فنقول : أكثر الذاهبين إلى هذا القول حملوا الآية على التجارة في أيام الحج، وأما أبو مسلم فإنه حمل الآية على ما بعد الحج، قال والتقدير : فاتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ ونظيره قوله تعالى :﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾.
واعلم أن هذا القول ضعيف من وجوه أحدها : الفاء في قوله :﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ يدل على أن هذه الإفاضة حصلت بعد انتفاء الفضل، وذلك يدل على وقوع التجارة في زمان الحج وثانيها : أن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لا على موضع الشبهة ومعلوم أن محل الشبهة هو التجارة في زمن الحج، فأما بعد الفراغ من الحج فكل أحد يعلم حل التجارة.
أما ما ذكره أبو مسلم من قياس الحج على الصلاة فجوابه : أن الصلاة أعمالها متصلة فلا يصح في أثنائها التشاغل بغيرها، وأما أعمال الحج فهي متفرقة بعضها عن بعض، ففي خلالها يبقى المرء على الحكم الأول حيث لم يكن حاجا لا يقال : بل حكم الحج باق في كل تلك الأوقات، بدليل أن حرمة التطيب واللبس وأمثالهما باقية، لأنا نقول : هذا قياس في مقابلة النص فيكون ساقطا.
القول الثالث : أن المراد بقوله تعالى :﴿أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ هو أن يبتغي الإنسان حال كونه حاجا أعمالا أخرى تكون موجبة لاستحقاق فضل الله ورحمته مثل إعانة الضعيف، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وهذا القول منسوب إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهم السلام، واعترض القاضي عليه بأن هذا واجب أو مندوب، ولا يقال في مثله : لا جناح عليكم فيه، وإنما يذكر هذا اللفظ في المباحات.
والجواب : لا نسلم أن هذا اللفظ لا يذكر إلا في المباحات والدليل عليه قوله تعالى :﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ والقصر بالاتفاق من المندوبات، وأيضا فأهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن ضم سائر الطاعات إلى الحج يوقع خللا في الحج ونقصا فيه، فبين الله تعالى أن الأمر ليس كذلك بقوله :﴿لا جناح عليكم﴾.
المسألة الثالثة : اتفقوا على أن التجارة إذا أوقعت نقصانا في الطاعة لم تكن مباحة، أما إن لم توقع نقصانا البتة فيها فهي من المباحات التي الأولى تركها، لقوله تعالى :﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ والإخلاص أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة، وقال عليه السلام حكاية عن الله تعالى :« أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه » والحاصل أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص.
قوله تعالى :﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى : الإفاضة الإندفاع في السير بكثرة، ومنه يقال : أفاض البعير بحرته، إذا وقع بها فألقاها منبثة، وكذلك أفاض الأقداح في الميسر، معناه جميعها ثم ألقاها متفرقة، وإفاضة الماء من هذا لأنه إذا صب تفرق والإفاضة في الحديث إنما هي الإندفاع فيه بإكثار وتصرف في وجوهه، وعليه قوله تعالى :﴿إذ تفيضون فيه﴾ ومنه يقال للناس : فوض، وأيضا جمعهم فوضى ويقال : أفاضت العين دمعها فأصل هذه الكلمة الدفع للشيء حتى يتفرق. فقوله تعالى :﴿أفضتم﴾ أي دفعتم بكثرة، وأصله أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول، كما ترك في قولهم : دفعوا من موضع كذا وصبوا، وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه : ونزل في وادي قيروان وهو يخدش بعيره بمحجنه.
المسألة الثانية : ﴿عرفات﴾ جمع عرفة، سميت بها بقعة واحدة، كقولهم : ثوب أخلاق، وبرمة أعشار، وأرض سباسب، والتقدير : كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمى مجموع تلك القطع بعرفات، فإن قيل : هلا منعت من الصرف وفيها السببان : التعريف والتأنيث قلنا : هذه اللفظة في الأصل اسم لقطع كثيرة من الأرض كل واحدة منها مسماة بعرفة، وعلى هذا التقدير لم يكن علما ثم جعلت علما لمجموع تلك القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في عدم الصرف.
المسألة الثالثة : اعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة، وذلك الموضع المخصوص سمي بعرفات، وذكروا في تعليل هذه الأسماء وجوها أما يوم التروية ففيه قولان أحدهما : من روى يروى تروية، إذا تفكر وأعمل فكره ورويته والثاني : من رواه من الماء يرويه إذا سقاه من عطش أما الأول : ففيه ثلاثة أقوال أحدها : أن آدم عليه السلام أمر ببناء البيت، فلما بناه تفكر فقال : رب إن لكل عامل أجرا فما أجري على هذا العمل ؟ قال : إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك، قال : يا رب زدني قال : أغفر لأولادك إذا طافوا به، قال : زدني قال : أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك، قال : حسبي يا رب حسبي وثانيها : أن إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح مفكرا هل هذا من الله تعالى أو من الشيطان ؟ فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال : عرفت يا رب أنه من عندك وثالثها : أن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروون في الأدعية التي يريدون أن يذكروها في غدهم بعرفات.
أما القول الثاني : وهو اشتقاقه من تروية الماء، ففيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن أهل مكة كانوا يخفون الماء للحجيج الذين يقصدونهم من الآفاق، وكان الحاج يستريحون في هذا اليوم من مشاق السفر، ويتسعون في الماء، ويروون بهائمهم بعد مقاساتهم قلة الماء في طريقهم والثاني : أنهم يتزودون الماء إلى عرفة والثالث : أن المذنبين كالعطاش الذي وردوا بحار رحمة الله فشربوا منها حتى رووا، وأما فضل هذا اليوم فدل عليه قوله تعالى :﴿والشفع والوتر﴾ عن ابن عباس بأن الشفع التروية وعرفة، والوتر يوم النحر، وعن عبادة أنه عليه الصلاة والسلام قال :« صيام عشر الأضحى كل يوم منها كالشهر، ولمن يصوم يوم التروية سنة، ولمن يصوم يوم عرفة سنتان » وروى أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال :« من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله تعالى مثل ثواب عيسى بن مريم عليه السلام ».
وأما يوم عرفة فله عشرة أسماء، خمسة منها مختصة به، وخمسة مشتركة بينه وبين غيره، أما الخمسة الأولى فأحدها : عرفة، وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه مشتق من المعرفة، وفيه ثمانية أقوال الأول : قول ابن عباس : إن آدم وحواء التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه فسمي اليوم عرفة، والموضع عرفات، وذلك أنهما لما أهبطا من الجنة وقع آدم بسرنديب، وحواء بجدة، وإبليس بنيسان، والحية بأصفهان، فلما أمر الله تعالى آدم بالحج لقي حواء بعرفات فتعارفا وثانيها : أن آدم علمه جبريل مناسك الحج، فلما وقف بعرفات قال له : أعرفت ؟ قال نعم، فسمي عرفات وثالثها : قول علي وابن عباس وعطاء والسدي : سمي الموضع عرفات لأن إبراهيم عليه السلام عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة ورابعها : أن جبريل كان علم إبراهيم عليه السلام المناسك، وأوصله إلى عرفات، وقال له : أعرفت كيف تطوف وفي أي موضع تقف ؟ قال نعم وخامسها : أن إبراهيم عليه السلام وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يلتقيا سنين، ثم التقيا يوم عرفة بعرفات وسادسها : ما ذكرناه من أمر منام إبراهيم عليه السلام وسابعها : أن الحاج يتعارفون فيه بعرفات إذا وقفوا وثامنها : أنه تعالى يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة.
القول الثاني : في اشتقاق عرفة أنه من الإعتراف لأن الحجاج إذا وقفوا في عرفة اعترفوا للحق بالربوبية والجلال والصمدية والإستغناء ولأنفسهم بالفقر والذلة والمسكنة والحاجة ويقال : إن آدم وحواء عليهما السلام لما وقفا بعرفات قالا : ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله سبحانه وتعا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى