تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة

عن الكتاب
سبب النزول :
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما، عن أبي ذر قال : نزلت هذه الآية : هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ. في حمزة وعبيدة وعلي بن أبي طالب، وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة، أي الفريقين اللذين قاما بالمبارزة، في بداية معركة بدرxi.
وأخرج الحاكم عن علي بن أبي طالب قال : فينا نزلت هذه الآية، وفي مبارزتنا يوم بدر.
وأخرج الحاكم من وجه آخر، عن علي قال : نزلت في الذين بارزوا يوم بدر : حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس : أنها نزلت في أهل الكتاب.
قالوا : للمؤمنين : نحن أولى بالله منكم، وأقدم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، فقال المؤمنون : نحن أحق بالله منكم، آمنا بمحمد وبنبيكم، وبما أنزل الله من كتاب.
وقد اختار ابن جرير الطبري وابن كثير : أن المراد بهذه الآية : الجدال بين المؤمنين والكافرين، وهذا الرأي يشمل الأقوال كلها، وتنتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله عز وجل، والكافرين يريدون إطفاء نور الإيمان، وخذلان الحق وظهور الباطلxii.
ولأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فحمل الآية على أنها جدال بين المؤمنين والكافرين أولى. لأنه يمكن أن يندرج فيه، النقاش بين المسلمين وأهل الكتاب، وأن تندرج تحته المبارزة بين المسلمين والكافرين يوم بدر، وكل ما يثار من جدال بين المؤمنين والكافرين إلى يوم الدين.

تمهيد :

تتحدث الآيات عن جزاء الكافرين في العذاب، وعن جزاء المؤمنين في النعيم.
٢٢ - كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ.
عذاب الحريق : عذاب الاحتراق، ويكون بالغليظ من النار.
إن العذاب في جهنم شديد أليم ؛ فتهوى بهم جهنم وترفع.
قال الحسن :
إن النار تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفاxiv.
إن العذاب له ألوان متعددة منها الحسي ومنها المعنوي، ومن هذا العذاب المعنوي شدة الغم والحزن، وكلما أراد أهل النار الخروج منها من شدة غمها ردوا إلى أماكنهم فيها ؛ ويقال لهم من خزنة جهنم : وذوقوا عذاب الحريق. أي : ذوقوا عذاب جهنم المحرق الذي كنتم به تكذبون.
هذه ألوان العذاب الحسي والمعنوي : فالثياب من نار، والحميم الذي اشتد غليانه يصب فوق رءوسهم، فيذيب أمعاءهم وجلودهم، والسياط الحديدية تقمعهم وتذلهم، والهوان والغم يحيط بهم، فإذا حاولوا الخروج من النار أعيدوا فيها، وقيل لهم توبيخا وإذلالا : ذوقوا عذاب الإحراق في جهنم، عقوبة على كفركم وعنادكم.
ومن شأن القرآن أن يقرن بين عذاب الكافرين ونعيم المؤمنين، تسرية للنفوس ومقابلة بين الأضداد، وبضدها تتميز الأشياء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى